أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كامي بزيع - جدي














المزيد.....

جدي


كامي بزيع

الحوار المتمدن-العدد: 3623 - 2012 / 1 / 30 - 18:52
المحور: سيرة ذاتية
    


بنبرة من نوع خاص كان يتحدث جدي، بصوت آمر مفعم بالكبرياء، كأنه يلقي موعظة، كان لديه زعامة فطرية، تجعل ممن يحيطون به يهابون التحدث اليه، ويحسبون الف حساب قبل التفوه في حضرته.
كثيرا ما حدثني عن تاريخ العائلة، فخورا بها، وكثيرا ما اخبرني عن بطولاته ومآثره وهو الذي صرع النمر، حيث ادخل ذراعه في فمه، جعل اثرا بارزا في عينه يرافقه على امتداد سنوات عمره التي تجاوزت المئة.
لم يكن جدي عجوزا، مضجرا او بائسا، بل على العكس تماما كانت امارات العنفوان تنضح من احاديثه وتصرفاته وافكاره بشباب دائم، وهو الذي لم يعرف المرض يوما، لانه طالما اعتبر نفسه اكبر من المرض الى ان هزمه الموت.
جدي لم يكن ليقتنع يوما بان الموت يمكن ان يطاله، بل كان يعيش جبروتا دفعه منذ وفاة جدتي الى العزلة مكتفيا بعالمه الخاص، المشيد بالشهامة والبطولة والمجد. ولما طلبت اليه ذات مرة ان يحكي لي حكاية، حدثني عن "الاميرة وحبة الفول" وقتها كنت في العاشرة من عمري تقريبا، وسألني مغزى الحكاية، التي لم افهم منها ضرورة وضع الفرشات السبع فوق بعضها، احتد غضبا: الاميرة تضايقت من حبة الفول لانها كانت اميرة، غير معتادة على التقشف والقساوة، كانت تنعم بالرخاء والرفاهية لدرجة ان حبة فول موضوعة تحت سبع فرشات قد ازعجتها. جدي الذي يعرف جيدا كيف يلقن العبر والدروس، افهمني انني يجب ان اكون انثى ناعمة، عذبة، وقد كان يعاملني على هذا الاساس بعكس اخوتي الذي زرع بهم معاني الرجولة والنخوة والقوة.
لكن ولع جدي الكبير كان للعلم، لان العلم برأيه وحده يستطيع تحرير الانسان، ولا شك ان ذلك ناتج عن المعاناة الكبيرة التي عاشها مع ابناء جيله من تعسف السيطرة العثمانية. كان يقدس التعليم والعلم وشعاره: "تعلم العلم يافتى وكن اميرا.... ولا تكن راعيا ترعى الحميرا" يرفعه ناموسا في كل المناسبات، فالعلم عنده هو المنقذ الوحيد من العدو الطاغي الذي هو الجهل.
لقد وضع العلم في مرتبة قدسية، جعلته ينفق ثروته في تعليم ابناءه، في وقت كانت تعز فيه لقمة العيش والقرش، لكن بالنسبة له، كان مدعاة فخر واعتزاز ان يرى في ابناءه اوائل المتعلمين في منطقته.
سنوات غير قليلة مضت على رحيل جدي، لكن كلماته مازالت تنبض في اعماق نفوسنا، في الامكنة والاراضي التي ملآها بكده وجهده وتعبه وعرقه، وهو الذي كان عصاميا، يداه لا تتعبان، ورجلاه ايضا تصول في البراري، تزرع بكل خطوة حبة من التشبث والعنفوان وحقولا من العزة والكبرياء.
هو لا يزال يجول في كبريائي وفي العنفوان الذي زرعه بي، ففي مدرسته تعلمت العظمة والمجد.
اصيلا كان جدي وشجاعا الى اقصى درجات الشجاعة، لا يكفي مقالا واحدا للحديث عنه، بل يحتاج الى موسوعة بحالها لانصافه واحقاقه ووضعه بمصاف الكبار، المكان الذي يليق به.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة والليل
- ايها الكتاب
- لماذا تسمى المراكب ؟
- واكثر
- زمن المرأة قادم
- التحرش الجنسي
- الرجولة والانوثة
- لماذا تعود الى احلامي
- مساحة الانسان
- على المائدة
- حصان طروادة
- برامج الواقع والثورة العربية
- بك اولد من جديد
- المرأة ابتكرت التكنولوجيا والزراعة والفخار
- ايفا فورست
- مفهوم اللا-مكان
- الشرف والرجولة
- مارتين هيدغر: بناء، سكن، فكر
- هل من تحوّل؟
- ليلة رأس السنة


المزيد.....




- أوكرانيا تطرد دبلوماسيًا روسيًا في خطوة انتقامية ردًا على طر ...
- -جهزتوا الشنط؟-.. الخطوط السعودية تسأل وتعليقات حول عودة الس ...
- مفاوضات فيينا بشأن الاتفاق النووي الإيراني تشهد -تقدماً- رغم ...
- مشاهد من تشييع الأمير فيليب زوج الملكة إليزابيث الثانية إلى ...
- بالصور: جنازة الأمير فيليب زوج الملكة إليزابيث
- مفاوضات فيينا بشأن الاتفاق النووي الإيراني تشهد -تقدماً- رغم ...
- بعد تنازله عن الدفاع والخارجية لبينت..هل ينجح نتنياهو في تشك ...
- عرقلة انتخابات فلسطين أم تغطية لأزمة حكومة نتنياهو.. لماذا ت ...
- بدء تطبيق قرار يفرح مئات آلاف السعوديين يوم غد
- من هم الأشخاص المهددين بارتفاع ضغط الدم؟...الصحة المصرية تجي ...


المزيد.....

- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني
- ادمان السياسة - سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية / جورج كتن
- بصراحة.. لا غير.. / وديع العبيدي
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كامي بزيع - جدي