أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مجدى عبد الهادى - الإيديولوجية العُكاشية















المزيد.....

الإيديولوجية العُكاشية


مجدى عبد الهادى
باحث اقتصادي

(Magdy Abdel-hadi)


الحوار المتمدن-العدد: 3593 - 2011 / 12 / 31 - 23:43
المحور: كتابات ساخرة
    


في القرن التاسع عشر كتب ماركس "الإيديولوجية الألمانية"، بينما سأحاول أنا اليوم شرح الخطوط العامة والعريضة للإيديولوجية الأكثر شيوعاً في مصر، وهى الإيديولوجية "العُكاشية"، فرغم مرور ما يجاوز قرناً ونصف، فإن مصر القرن الحادي والعشرين ليست ألمانيا القرن التاسع عشر !! كما أن العبد لله – بالطبع - ليس كارل ماركس !!
وإذا كان ماركس قد أُضطر لتناول موضوعاته العويصة في كتاب ضخم، تعرض فيه للفسفة الألمانية في أحدث تجلياتها الثورية، في صورها المثالية المُلتحفة بالمادية الإنسانية لدى فيورباخ، أو بالتأملية لدى بوير وشتيرنر، مُنتقلاً بعدها لنقد الإشتراكية غير التاريخية، التي أسماها أصحابها بـ"الحقيقية" !! مُستنداً في هذا كله لفلسفة قائمة على التمييز ما بين المنظورين المادي والمثالي في النظر للواقع والتاريخ؛ مُنتجاً في النهاية لمأثرته العلمية العُظمى، مُمثلةً في مبادئ المنهج الذي إستكمله فيما عُرف بعدها بـ "المادية التاريخية"، نقول إذا كان ماركس قد أُضطر لمناقشة هذا كله، فإننا - لحسن الحظ - لن نحتاج لكل هذا العناء، لنقد الإيديولوجية المصرية المُعاصرة أو الإيديولوجية العُكاشية !!
ورغم أن الإيديولوجية البرجوازية المًعاصرة، عفواً العُكاشية، لا تستحق العناء؛ بحيث لا يمكن مناقشتها فيما يزيد عن مقالة صغيرة، فإننا سننتاولها بمنهجية قدر الإمكان، مبتدئين بفلسفتها العامة، ثم منهجيتها، والظروف التاريخية العامة لظهورها، ودرجاتها، وحاملها الطبقي التاريخي، إنتهاءاً بمقومات "المناضل" العُكاشي !!

1. الفلسفة العامة للعُكاشية :
لا تنطلق العًكاشية من أي خلفيات فلسفية مُسبقة، إذ أن طرح الأسئلة الوجودية وغير الوجودية هو أمر غير مُفيد بتاتاً في نظر العُكاشي الأصيل، بل هو أمر تافه، مُثير للقلق والمشاكل معاً، فوق كونه لا يخدم أغراضه وقضيته الأساسية في الحياة، بل يضرها في الحقيقة، وعادة ما يعتبره عرضاً مرضياً يستدعى الذهاب للطبيب، فهو قد يثير لديه مفاهيماً (أثيرية) يكرهها رغم أنه لا يفهمها، وربما يكرهها لهذا السبب بالتحديد، يأتي على رأس تلك المفاهيم، مفاهيم كالضمير والشرف والأمانة والصدق .....إلخ، فالعُكاشي إنسان عملي ومباشر، يرى الدنيا من منظور واضح وبسيط جداً، يرفض الأثيرية والتعقيد، وليس لرفض التعقيد لدى العُكاشي، أي قاعدة من المبدأ القائم على رغبة دفينة في فهم العالم أو إستيعابه ضمن صيغ بسيطة، بل إن للقضية أبعاداً أخرى، إذ أن مجمل إهتمام العُكاشي هو فهم علاقات القوى، ومعرفة المركب السائرة؛ ليلتحق بها.

2. المنهجية العُكاشية العامة :
تقوم المنهجية العُكاشية على تقسيم العالم إلى مُعسكرين، المُعسكر الأبيض، الخير، وهو المُعسكر الذي يُمارس العُكاشية لحسابه، والمُعسكر الآخر، الأسود، الشرير، الذي يُمارس عُكاشيته عليه وضده، وهو أي مُعسكر يحدده المُعسكر الأول كعدو، أو يُحدد نفسه بنفسه كعدو للمعُسكر راعي العُكاشي !!
وكما أن المعكوش عليه متغير، فإن المعكوش لأجله متغير أيضاً، وإن كانت سرعة تغير الأول أكبر كثيراًَ من سرعة تغير الثاني، فبخلاف أن المعكوش عليهم كثيرون، ويمثلون محطات يدور عليها العُكاشي ممارساً عُكاشيته، من باب التغيير ودفعاً للملل، ووفق توجيهات المعكوش لأجله؛ فإن تغيرات المعكوش لأجله بطيئة وقليلة، إذ تحكمها تغيرات سياسية وإجتماعية وإقتصادية، وحتى تاريخية، بطيئة نسبياً.
ويبقى العُكاشي ثابتاً على مبدأه، مًخلصاً لُعكاشيته، مُعاكشاً للأبد، أياً كان المُعكوش لأجله، أو المعكوش عليه، وحتى أياً كان موضوع المُعاكشة !!

3. الظروف التاريخية العامة لظهور العُكاشية :
لا تظهر العُكاشية في مجتمعات متوازنة القوى، بل إن ظهورها مرتبط دائماً بمجتمعات مُختلة الموازين، تسيطر فيها أطراف بعينها دون منطق واضح، وبشكل يستفز قوى أخرى لمنازعتها تلك السيطرة؛ بحيث يصبح عندها العُكاشي ضرورياً.
وكما يقضي علم المنطق، لا يوجد المطلوب دون طالب، وكما تعلمنا في علم الإقتصاد، لا تكون السلعة إقتصادية، إلا إذا كانت نادرة بالنسبة للطلب عليها، وهو الطلب الذي لا يتوفر إلا بوجود فئة تحتاج للمُعاكشة، ومن يمارسها.
ورغم أن العُكاشية مهنة سهلة نسبياً، ولا تحتاج لمواهب خاصة؛ إلا أن هذا لا يمنع ندرتها النسبية، فالعُكاشية ليست مهنة بسيطة، بحيث يمارسها كل من هب ودب، ممن لا مهنة له، بل إن لها فنوناً وأسراراً، لا يملكها إلا ذوو العزم من العكاكشة، فلا غرابة أن تكون مهنة مُربحة.
والعُكاشية مهنة قديمة تاريخياً، ويمكن بصفة عامة أن ننسب وجودها لوجود السلطة، أي سلطة، سواءاً كانت المال أو الدولة أو المؤسسة الدينية ....إلخ، ويمكننا القول بأنها المهنة الثانية تاريخياً، بعد الدعارة، وقبل الصيد والزراعة، وإن كانت قد نشأت في حدود ضيقة، توسعت فيما بعد مع تطور المجتمعات وتوسع السلطات، بحيث أصبحت العُكاشية أكثر إحترافية ومنهجية.
وهى مهنة طفيلية بقدر ضرورتها، فالمُعاكش لا يوجد دون معكوش لأجله، وبالطبع دون معكوش عليه.

4. درجات العُكاشية :
لا يتنساوى العكاكشة، بل تختلف العُكاشية في الدرجات، ليس فقط بحجم المعكوش لأجله، ولا المعكوش عليه، ولا حتى موضوع المُعاكشة، بل بالأساس بحسب طبيعة علاقة العُكاشي بهم جميعاً :
‌أ- فقد يكون العُكاشي أعلى درجة من المعكوش لأجله، وهذا يحدث عندما تكون مهمة العُكاشي هى تسويق السلعة وتأمين تبادلها، حيث لا يأمن المعكوش لأجله على حقوقه دون العُكاشي، إذ لا يمكن له أن يفتح ساقيه مُطمئنا على حقوقه، قبل أن يتسلمها عنه العُكاشي، كما أن التسويق وجلب الزبائن مهمة ضرورية لرواجه، وهي مهمة يتكفل بها العُكاشي عن طيب خاطر وبأريحية محمودة !!
‌ب- الحالة الثانية الغالبة، هى أن يكون العُكاشي أقل مرتبة من المعكوش لأجله، وهى حالة تشهد تنوعات عديدة، ونراها يومياً على شاشات التلفزة وفي بيانات الصحف...إلخ
‌ج- الحالة الثالثة، وهى التي يكون فيها نوعاً من التكافئ ما بين الطرفين، وهى التي يمارس فيها العُكاشي عكاشيته لـ "الله"، فهو ينتمى لمدرسة "العُكاشية للعكاشية"، وهى مدرسة مشهورة في أوساط البرجوازية الصغيرة، التي أنتجت مدارس مشابهة في حقول إنسانية أخرى، كمدارس "الفن للفن"، و"العلم للعلم"، والعُكاشية في هذه الحالة تمثل حالة صوفية يفنى فيها العُكاشي في عُكاشيته، مُندمجاُ بالمُعكوش لأجله والمُعكوش عليه، في وحدة منسجمة، تخلق له حالة من الخروج على الواقع التصارعي الأليم !!

5. الحامل الطبقي للعُكاشية :
في الحقيقة ليست العُكاشية حكراً تاريخياً على طبقة بعينها، ما دامت هى ذاتها مهنة غير تاريخية، وإن كانت في الغالب مهنة قطاعات بعينها من إحدى الطبقات الخادمة أو التابعة في المنظومة الإجتماعية، تلك الطبقات التي تدعي الحيادية والتوسط والإعتدال !! وقد كانت في العصور الوسطى بالأساس مهنة كثير من مبدعي تلك الطبقات، الذين كانوا يمارسونها في بلاطات الملوك والأمراء.
أما في العصر الحديث، فقد توسعت المهنة كثيراً، كما تشعبت فروعاً وتخصصات، فنحن في عصر التخصص، فهناك عُكاشيين علميين، يحملون الدكتوراه ليدرسوا العُكاشية جامعياً، وعُكاشيين ملتحين يتعاكشون على المنابر، وعُكاشيين كتبة يتبرزون في الصُحف، وعُكاشيين عوالم ينهقون في التلفاز !!

6. مُقومات المُناضل العُكاشي :
للمُناضل العُكاشي مقومات ومواصفات، ليست بالسهلة ولا باليسيرة، رغم كونها لا تمثل مواهباً أو قدراتاً خاصة، ولسنا بحاجة هنا لسرد تلك المقومات، فيكفي لمشاهد عادي مراقبة قنواتنا التليفزيونية وصحفنا القومية، ليتعرف عن قرب على مواهب العكاكشة الكبار، أما العكاكشة الصغار، فمواهبهم مطروحة مجاناً في شارع الهرم وضواحي العجوزة وجامعة الدول العربية !!

7. أعمال فكرية وأدبية وفنية تناولت العُكاشية :
الحقيقة أن الأعمال التي تناولت العُكاشية نظرياً ليست باليسيرة ولا بالمنتشرة قدر إنتشار الأعمال المُستبطنة للعكاشية نفسها، ولكننا سنساعد القارئ المهتم بسرد بعض ما نعرف من تلك الأعمال :
‌أ- أعمال فكرية وعلمية، تراثية ومُعاصرة : القول المُفيد في طبائع العُكاشي العتيد، السيف البتار في حقيقة العُكاشي المُختار، مبادئ العًُكاشية، العُكاشية ما بين النظرية والتطبيق، العُكاشية قديماً وحديثاً، العُكاشيون القدماء، شهداء العكاكشة، مذاهب العًُكاشية، العُكاشية في عالم بلا هوية، العُكاشية من البنيوية إلى التفكيك، عُكاشية ما بعد الحداثة
‌ب- أعمال أدبية وفنية : واعكاشاه، عُكاشي رغم المحن، عُكاشيون إلى الأبد، العُكاشيون الخمسة، في بيتنا عُكاشي، العُكاشي الأخير، عُكاشي لكل العصور، جعلوني عُكاشياً، عُكاشي بلا جواد
‌ج- سير ذاتية : كنت عُكاشياً، عُكاشي والزمن ماشي
‌د- صفحات فيس بوك : عُكاشي وأفتخر، باحبك يا عُكاشة
*****
وفي النهاية، فإنه على قول العكاكشة الكبار : فإن العُكاشي الحق، هو الذي ينصب نفسه ليرفع المعكوش لأجله، ثم يرفعها لينصب المعكوش عليه !!



#مجدى_عبد_الهادى (هاشتاغ)       Magdy_Abdel-hadi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دعوى التطهير الشامل كمدخل لإستكمال الثورة
- الرجل العظيم هو دور تاريخي
- السقوط الأمريكي القادم
- الأسس السوسيوإقتصادية للهوية
- عن كتاب 25 يناير : التاريخ..الثورة..التأويل - حوار مع ممدوح ...
- مقتطفات من كتاب 25 يناير : التاريخ - الثورة - التأويل
- الأبعاد الوطنية والقومية والأممية للثورة المصرية - ورقة عمل
- عن الأمن والشرطة والصراع الطبقى
- الجمهورية المصرية الثانية..ماهيتها وكيف نريدها
- الأهداف الأولية للثورة المصرية


المزيد.....




- مصر.. الفنانة هند عاكف تبكي على الهواء وتكشف تفاصيل جديدة حو ...
- مهرجان القدس للفنون الشعبية.. عروض فنية ترسّخ الارتباط بالتر ...
- قائد الثورة الإسلامية: التعبئة هي ثقافة وفکر
- نصائح هامة لزيادة التمثيل الغذائي وحرق الدهون
- سامية هينّي: -في مشروع استعماري لا مكان للتبادل أو التشارك- ...
- مسرحية مصيدة الفئران للكاتبة أغاثا كريستي تعرض على مسرح برود ...
- بصورة من فيلم لمحمد سعد.. سفارتا بريطانيا وأمريكا تعلقان على ...
- على مرأى من الجميع.. مجموعة أثرية قيمة مخبأة في قاعة بمقر بن ...
- خبير أمني يعلق على قضية الفنانة المصرية منة شلبي
- السجن 13 عاما لنجم البوب الصيني-الكندي كريس وو لإدانته بجرائ ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مجدى عبد الهادى - الإيديولوجية العُكاشية