أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي المصري - «العدوان الثلاثي» الجديد على مصر















المزيد.....


«العدوان الثلاثي» الجديد على مصر


سامي المصري

الحوار المتمدن-العدد: 3589 - 2011 / 12 / 27 - 09:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


23 ديسمبر هو يوم عيد النصر الذي نتناساه، والعيد القومي لبور سعيد، ذكرى انسحاب قوات العدو بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.... يعتبر ذلك اليوم تاريخا فارقا في السياسة الدولية حين بدأت مرحلة جديدة ذات ملامح مغايرة لما سبقتها، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت قوى الصهيونية الرجعية تسيطر بشكل كامل على حكومات الدول الأوربية، فحدث انفراج دولي . نتيجة للعدوان الثلاثي سقط الكثير من الحكومات خاصة بالدول العظمى لتظهر شخصيات ذات طابع متحرر على الساحة الدولية مثل شارل ديجول ونيكيتا خروشوف وجون كنيدي. كان ذلك التغير الدولي هو النتيجة الاستراتيجية المباشرة للفشل العسكري والسياسي للعدوان الثلاثي على مصر الذي كان يهدف إلى عودة إحكام سيطرته على قناة السويس بعد جلاء القوات البريطانية عن مصر، ففقد الاستعمار أخطر موقع استراتيجي على الأرض. لكن فشل العدوان كان ضربة موجهة أولا إلى وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس، صاحب نظرية الفراغ في الشرق الأوسط وهو المهندس الذي دبر العدوان مع جي موليه الفرنسي وإيدن البريطاني لملء الفراغ بآخر محاولة فاشلة لعودة قوات الاحتلال البريطاني لقناة السويس. فشل المؤامرة اضطر دالاس لإصدار قرارا بانسحاب قوات الغزو عن مصر لإخفاء ماء الوجه، وليغطي الفشل بشكل البطولة المُزيَّف، التي رددها الإعلام العالمي، وحتى اليوم ينقلها الإعلام المصري الخيبيان. الموقف الروسي لم يكن مختلفا، فصدر الإنذار الروسي للقوات المهاجمة لمصر كعمل سياسي مكشوف لإخفاء التواطؤ الروسي الإسرائيلي، لكنه لم يمنع من سقوط حكومة بولجانين كنتيجة مباشرة لفشل العدوان الثلاثي على مصر. القوات البريطانية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على قوات هتلر هاجمت بورسعيد بالبحرية والطيران وقوات الكوماندوز فهدمت كل مبنى في بورسعيد مع كل المرافق (رأيت كل ذلك بعينيَّ) ولم تستطع أن تتقدم ولا خطوة خارج مدينة بورسعيد لأنها لم تستطع أن تهدم أو تهزم الإنسان المصري الجبار.

كان العدوان الثلاثي على مصر حدثا في ملحمة سلسلة المؤامرات المستمرة التي يشنها الاستعمار الغربي للسيطرة على مصر والتي لم تتوقف ليوم واحد خلال أكثر من قرنين من الزمان لمن يتابع التاريخ. وكلما تخطى شعب مصر عقبة دبر له الاستعمار عقبات أكبر وأكثر خطورة. إنها ليست مجرد مؤامرة، لكنها خطة استعمارية شاملة مستمرة بعيدة المدى، تتحرك بكل صبر وإصرار على كل الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وتستخدم كل شيء حتى الدين. وفي كل يوم تُضاعِف من جهودها الإجرامية ومؤامراتها الدموية ضد الشعب المصري، حتى بلغت اليوم إلى حرب مُروِّعة سافرة غير مسبوقة، على جميع الجبهات تستهدف تحطيم الإنسان المصري العظيم، صخرة الحضارة المنيعة...

ما يحدث في مصر اليوم لم تشهده الساحة السياسية من قبل. قوى الاستعمار تتحرك في عدوان ثلاثي جديد؛ أمريكي، صهيوني، وهابي... ولأول مرة يتحالف الاستعمار مع قوى داخلية تخون مصر، لشن هجوما داخليا بربريا وحشيا بالقوات المسلحة المصرية ضد الشعب المصري. قوى الغزو استقطبت قوى مصر لتستخدمها ضد شعب مصر، متمثلة في ثلاثة عناصر خطرة، هم رئاسة القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي (الداخلية والشرطة) المسئولة عن سلامة الشارع المصري والعنصر الثالث هو القوى الدينية الإسلامية المتحالفة مع فلول النظام. فهنالك اليوم عدوان ثلاثي جديد داخلي مدعوم بالقوى الخارجية ضد الشعب المصري، لكنه أكثر شراسة من كل ما سبقه من تدابير الشر، بقدر سيطرته على القوات المسلحة المصرية لتتحول إلى عدو رهيب يعمل ضد الشعب. فبدلا من أن تقوم القوات المسلحة بواجبها الوطني المدافع عن مصر، تعمل إلى جانب العدو، مستخدمة كل أسلحتها الخطرة حتى الممنوعة دوليا لمحاربة شعب مصر الأعزل، وبأقصى ضراوة وبكل الإصرار. المستعمر الذي نفذ صبره قرر أن يُخضِع شعب مصر بالإرهاب والقوة، مع شراكة الاستعمار الوهابي والصهيوني، لسلب ثروات مصر وإفقار شعبها، لتحقيق السيطرة على أخطر موقع استراتيجي على الأرض. من يقول أن المؤامرة نظرية فعليه أن يُفسِّر لنا الجرائم الكبرى التي تُرتكب ضد الشعب المصري اليوم، مع الرضاء الدولي الكامل عن ذلك.

تعالوا لنستعرض التاريخ ونُفَكِر معا أولا على المستوى الاستراتيجي الجيوبوليتيكي. أخطر ثلاثة مواقع إستراتيجية على الأرض هي مصر، وتركيا، وإيران، وهي ما أسميه، بالثلاثة أهرامات الإستراتيجية، وأخطرها جميعا مصر. تشرف تلك الدعامات الثلاث على أخطر خط استراتيجي على الأرض، يمتد على شكل هلال يبدأ من مضيقي البسفور والدردنيل إلى البحر الأبيض المتوسط ثم يمر بقناة السويس إلى البحر الأحمر، ثم إلى مضيق جزر تيران الذي تحكمه الصومال، حتى المحيط الهندي حيث يتشعب الخط الاستراتيجي فيتجه إلى الشرق نحو الهند أو الخليج الفارسي أو يتجه نحو رأس الرجاء الصالح ليلتف حول أفريقيا ويتجه نحو أمريكا. قناة السويس هي مركز ذلك الخط فهي الموقع المُتحكم في العالم كله على المستوى العسكري والسياسي. وذلك أيضا يوضح أهمية الصومال وأسباب المحنة التي تمر به اليوم ويفسر ما فعلته مادلين أولبريت ببطرس غالي عندما حاول حسم مشكلة الصومال. كانت إنجلترا تسيطر على الأهرامات الثلاث مع الهلال الاستراتيجي أثناء الحرب العالمية الثانية فكسبت الحرب بالرغم من أنها لم تكن تملك الجيش الذي يمكنه الصمود أمام قوات هتلر القادرة على غزو العالم مرات.

تركيا تم إخضاعها تماما لقوى الاستعمار الغربي من بعد الحرب العالمية الأولي حين تُرِكت في حالة من الخراب والفوضى أشبه بحالة الصومال لمدة طويلة، ثم تقدم المنقذ العميل مصطفي كمال أتاتورك، بعد ثمانية سنوات من الخراب الكامل، وأقام حكومة عميلة تتحسس خطاها خلف النفوذ الاستعماري البريطاني. ورفع شعار العلمانية بعد أن كان حزبه يُمثِّل التطرف الإسلامي الفاضح في أبشع صوره الدموية. ورغم كل التاريخ الأحمر المخضَّب بالدم لرجال حزبه الإسلامي، وما ارتكبوه من مذابح ضد الشعب، خاصة ضد المسيحيين في تركيا ومذابح الأرمن والسريان، لكن الإعلام العالمي تجاهل وتناسى تماما كل تلك الجرائم البشِعة، فمّجَّد المجرم، ورسم له صورة البطل المتحضر العصري المُنقذ لتركيا، على المسرح الدولي السياسي والإعلامي الملوث بالصهيونية. عودة تركيا اليوم للتردي تحت الإخوان المسلمين ليس غريبا فالحكومات التركية منذ أن تسلط عليها كمال أتاتورك حتى اليوم كانت مُخضَعة تماما للاستعمار الغربي الصهيوني الذي يملك أن يُلوِّنها باللون الذي يريده وفي الوقت الذي يريده لخدمة مصالحه. وفي هذه الأيام مصالحه تتطلب أن يلونها باللون الإسلامي الفاقع ففعل.

في مصر وإيران بقدر ما كان الاستعمار البريطاني يسيطر عليهما أثناء الحرب العالمية الثانية، بقدر ما صار الوجود البريطاني مُهدَداً بعد الحرب، بالثورات الوطنية. فأشعل المستعمر نيران غضبه ضد الشعب، سواء في إيران أو في مصر، بالمؤامرات والإرهاب والخونة المدعومين بالإسلام السياسي.

في إيران استطاع الاستعمار أن يُدمِّر الوطنية الإيرانية بالتعاون مع الشاه الخائن الذي فرض عميلا أمريكيا، وهو لواء بالجيش الإيراني اسمه فضلله زاهدي احتل مقاعد السلطة بالقوة العسكرية في عام 1953، وعزل رئيس الوزراء الوطني المحبوب الدكتور مصدق، وحكم عليه بالإعدام وبذلك دُمِّرت القوى الوطنية في إيران تماما بكل وحشية. وتوالت الأحداث تحت سيطرة المخابرات الأمريكية التي تسلمت من بريطانيا العمل الاستعماري في ذلك الوقت. أترك الحديث لكتاب نشرته جريدة النيويورك تايمز " Secrets Of History – The C.I.A. In Iran" لكاتبه "Donald N. Wilber " وهو على الموقع التالي:
http://www.nytimes.com/library/world/mideast/041600iran-cia-spy.html
الكتاب تم نشره بعد الاعتذار الذي قدمته مادلين أولبريت للشعب الإيراني على ما فعلته بهم المخابرات المركزية الأمريكية. لم تكن السيدة أولبرايت الصهيونية تقدم الاعتذار لأصحابه لكنها كانت تقدمه للخونة المتأسلمين، بعد أن فرضتهم المخابرات الأمريكية على السياسة الإيرانية وذلك لتُثبِّت وجودهم أكثر للتسلط على إيران. في الكتاب محاولة لإبعاد التهمة عن ترومان الذي هو أحد الأقطاب الذي فرض الوجود الصهيوني على العالم، لتضع التهمة على أيزنهاور. الكتاب كتبه قائد العملية الإرهابية ضد إيران وبه صورة له وهو متخفيا بالزي الإيراني الإسلامي والذقن الإسلامية. تلك العملية التي أطاحت بالقومية الإيرانية حين أعدم الرجل الوطني العظيم مصدق. واستمرت العملية المخابراتية بحسب الكتاب، من عام 1953 حتى عام 1979، حتى سلموا إيران للإرهابيين الإسلاميين الخومينيين، فأطاحوا بالشاة العميل الأمريكي بعد 26 عاما من الخيانة بعد أن استنزف أغراضه وحقق الهدف من وجوده ولم يعد له لزوم. وضاعت إيران تحت الحكم الإسلامي بيد المخابرات الأمريكية. إنه نفس ما حدث في العراق وهو نفس ما يحدث اليوم في مصر. حسين طنطاوي وسامي عنان يقومان بنفس دور الجنرال زاهدي عميل المخابرات المركزية الخائن الذي ذبح الوطنية الإيرانية في عام 1953.

ولنعود من المستوى الاستراتيجي إلى المستوى المحلي لنرى الصراع المستعر مع المستعمر، والتآمر المستمر ضد الشعب المصري الذي لم ينقطع للحظة. بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1946 بالتحديد، تعرَّضت مصر لأهوال الاستعمار البريطاني المباشر، خلال ست سنوات إلى أن قامت الثورة في عام 1952. مرت ست سنوات رهيبة دبرت فيها جميع صور المؤامرات ضد الشعب المصري بهدف ابتلاعه. انتشر مرض الكوليرا في مصر خلال صيف 1947 الذي بدأ من معسكرات التل الكبير للجيش البريطاني، حيث تبين تلوث بئر المياه بالميكروب، ومع ذك لم يصب بريطاني واحد. كان ذلك ردا على مطالبة المصريين بالجلاء، حصد بضع مئات ألوف من أروح المصريين، وذلك غير الرعب والفزع حيث شلت مصر تماما وتوقف السفر بين المحافظات، وضربت الحواجز في كل مكان لمنع التنقل لإمكان حصر المرض اللعين الذي لم يتوقف إلا بمقدم الشتاء. ولم يفيق الشعب من الكارثة حتى داهمت مصر الحرب مع إسرائيل عام 1948، حين رأينا مأتما بكل شارع في القاهرة لضحايا الحرب.

بدأ الإخوان المسلمون نشاطهم الإرهابي المكثف في عام 1946 ليبتلع الاستعمار البريطاني بهم مصر، فتفشى التعصب الديني لأول مرة في الجامعات والمدارس، ثم تسلل إلى كل مناحي الحياة المصرية. قامت الجماعة بالاغتيالات السياسية ونشر الإرهاب والرعب لتعد نفسها للاستيلاء على السلطة في مصر، مدعومة بالاستعمار البريطاني. قتلوا الوزير الوفدي أمين عثمان، واغتالوا رئيس الوزراء أحمد ماهر. ثم محمود فهمي النقراشي باشا. قاموا باغتيال رئيس المحكمة المستشار الخازندار باشا حيث كان هو القاضي الذي أحيلت له قضية الإرهاب الإخواني، محاولات متعددة لقتل النحاس والوزراء الوفديين. لما اكتشف الملك المؤامرة لقلب نظام حكمه قام باغتيال حسن البنا، ورد الإخوان باغتيال حكمدار القاهرة سليم زكي بقنبلة في كلية الطب. تفجير قنبلة سينما مترو في الحفلة الصباحية التي قتل فيها العشرات وجرح المئات مع تدمير السينما، ثم قاموا بترويع الشعب بنشر القنابل في الأماكن العامة حتى في المدارس (وجدت قنبلة في مدرستي). مذبحة طلبة الجامعة فوق كوبري عباس الشهيرة، التي لا تقل هولا عن مذبحة ماسبيرو، التي قام بها إبراهيم عبد الهادي ردا على اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا. في البداية كان الملك الخائن (مثل شاه إيران) يعمل مع الإخوان المسلمين ضد الشعب الذي كان يكرهه ويخشاه، فربى ذقنه ونسبه علماء الأزهر للنبي محمد إلى أن تكشفت خطة الإخوان المسلمين في الاستيلاء على الحكم فحلق ذقنه وحل الجماعة وقتل حسن البنا. ولم تكن لعبة العبث الطائفي ببعيدة عن فكر الاستعمار، فقام الإرهاب بحرق كنيسة الزقازيق ثم حرق كنيسة السويس حيث قام الإخوان المسلمون بالإمساك ببعض المسيحيين في الشارع وأشعلوا فيهم النيران وهم أحياء وطافوا بهم شوارع المدينة، ثم أخذوهم للكنيسة وأشعلوا بها النيران حتى تهاوى المبنى وخرب تماما...

لم يكن الإخوان هم اللاعب السياسي الأوحد لحساب الإنجليز بل تعددت القوى التي كانت تعبث بمصر في خدمة المستعمر المجرم سواء من الأحزاب أو من التنظيمات السرية. ففي نفس الوقت كثفت الأحزاب الشيوعية نشاطها السياسي، وكانت تتبع للحزب الشيوعي البريطاني. كان الهدف من تزايد النشاط الشيوعي في مصر هو حصار القوى الوطنية بين قوتين متصارعتين بضراوة، لاستقطابها وإنهاكها وإضعاف المطالب الوطنية بين قوتين متعاديتين كلاهما يرفض الفكر الوطني أحدهما ديني إسلامي والآخر ملحد. كان ذلك لخلق أسباب للصراع وتحقيق الانقسام بين قوى الشعب. فقامت عدة أحزاب شيوعية مصرية، في البداية قادها يهود مصريون، من أمثال هنري كوريال وأخوه بوصيري كوريال صاحبا بنك بوصيري، الذي كان يغدق الأموال لنشر الشيوعية. كما اشتهرت أسماء أخرى من قادة الأحزاب الشيوعية أمثال مارسيل اسرائيل، هليل شوارتز، يوسف درويش، ريمون دويك، أوديت حزان وزوجها سيدني سلامون. تكونت الطليعة الشعبية للتحرر عام 1946 وظهرت الخلايا الشيوعية بتنظيماتها. وانقسمت الشيوعية فيما بينها لأحزاب متعادية مما أضعفها بينما كانت تحقق أهداف المستعمر عن غير قصد أو قصد بخلق أكبر قدر من الانقسام والتمزق وذلك لسحق الوطنية المصرية بينهم وبين الإخوان المسلمين، كما كان ذلك يُعِد لقيام دولة إسرائيل وحرب عام 1948. ونجحت الشيوعية في استقطاب شخصيات وطنية محترمة بسبب الرعب من الإخوان المسلمين. كل ذلك أدى إلى مهزلة سياسية كبرى ومحنة عاشتها مصر.

إن ذلك هو عصر الملك فاروق الذي حاول مبارك وإعلامه تلميعه بتاريخ مُزيَّف لخدمة التوريث. لم أنسى البوليس السياسي وهو يقتحم البيوت في منتصف الليل ويقلب ويمزق كل شيء حتى المراتب.مهازل الانتخابات وما كان يحدث بها من بلطجة وضرب وانفلات وإطلاق الأعيرة النارية للإرهاب.. لم أنسى المظاهرات التي استمرت بلا انقطاع في المدارس والجامعات وكانت تتزايد كل يوم حتى بلغت ذروتها خلال عامي 1951 و1952 وانتهت بحريق القاهرة المروِّع... لم أنسى تساقط الوزارات المتتالي والانهيار الاقتصادي وخزينة الدولة المفلسة التي تهدد الموظفين بعدم تسلم مرتباتهم الصغيرة.. كل تلك الأحداث بدأت بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد منذ عام 1946 وحتى 1952 أي في ست سنوات فقط كان كل ذلك الرعب مع انهيار الدولة. ومع قصر تلك المدة فالأحداث الجسام كانت توحي بكارثة مقبلة.

كانت تلك الأحداث تتوازى مع مطالبة الشعب بجلاء القوات البريطانية عن مصر مما أبدأ المفاوضات الصعبة بين الحكومتين المصرية والبريطانية في عام 1946 باتفاقية صدقي- بيفن التي رفضها الشعب. كانت الاتفاقية عبارة عن مؤامرة بين عميل بريطانيا هو إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء الذي أراد أن يخدع الشعب الواعي بتمرير اتفاقية تحقق استمرار بقاء القوات البريطانية في مصر، مما أشعل المظاهرات التي لم تتوقف إلا بسقوط الحكومة. وتابعت الحكومات اللاحقة المفاوضات الصعبة المراوغة حيث طلب الإنجليز عقد معاهدة بموجبها تستمر القوات البريطانية في احتلال مصر لمدة مائة عام أخرى بحجة حماية قناة السويس. لا شك أن تلك المفاوضات كانت من دواعي اغتيال اثنين من رؤساء الوزارة، هم احمد ماهر باشا ثم محمود فهمي النقراشي باشا لخدمة الاستعمار. بمقدم الوزارة الوفدية تفاءل الشعب خيرا وبدأت المفاوضات البريطانية عنيفة مع وزير الخارجية الوطني محمد صلاح الدين. وكان للدور الأمريكي في المفاوضات أثرا غاية في الخطورة، وتقرر الاحتكام لهيئة الأمم، المنظمة الدولية الجديدة. ووقفت دول العلم في مجلس الأمن ضد مصر بضغط أمريكي لتؤيد استمرار الاستعمار البريطاني، بدعوى أن الجيش المصري غير قادر على الدفاع عن مصر مما يُحتِّم ضرورة استمرار الحماية البريطانية للشواطئ المصرية. وبذلك فشلت جميع وسائل التفاوض لجلاء القوات البريطانية عن مصر تماما. وتصعدت جدا الأعمال الفدائية ضد القوات البريطانية الرابضة في مدن القنال. وردا على ذلك قامت قوات الاحتلال بمذبحة ضباط الشرطة البواسل يوم 25 يناير 1952 أعقبها حريق القاهرة يوم 26 يناير. كانت الشرطة والجيش مع الشعب ضد الاستعمار بينما كانت يد الإرهاب الإخواني تؤازر الاستعمار وتدعمه.

وقامت الثورة في عام 1952 لتغير كل شيء في مصر. مما لا شك فيه أن حركة الضباط الأحرار التي كان يغلب عليها طابع الإخوان المسلمين الخونة، كانت تدعمها أمريكا. قامت الثورة في مصر بالتوازي مع التدخل الأمريكي في إيران الذي قضى على الوطنية الإيرانية بإعدام الدكتور مصدق. كانت العلاقة بين الضباط الأحرار وأمريكا واضحة جدا في قيام السفير الأمريكي بنفسه بتوديع الملك فاروق عند مغادرة البلاد. ورغم ذلك فقد اتخذت الثورة منحىً وطنيا رائعا بقيادة جمال عبد الناصر الذي لم يعطي الفرصة للإخوان المسلمين للعبث بمقدرات مصر. اتخذ عبد الناصر مسارا وطنيا فريدا كان مؤثرا باتخاذ القرارات الحاسمة السريعة والضربات القوية المتلاحقة ضد فلول الاستعمار وأعوانه. حقق عبد الناصر معجزة أمن وهدوء وعودة سيادة القانون للشارع المصري بمنتهى السرعة مما أعطى للشعب الثقة في الثورة فتبناها واعتبرها ثورة الشعب التي حققها له جيش مصر الوطني. وبتلك الحركة السريعة حقق نجاحا ساحقا مع توالي الضربات القوية معتمدا على ثقة الشعب فأمكنه من تحقيق المعجزة الكبرى وحلم كل مصري بجلاء قوات الاحتلال البريطاني عن مصر، خلال سنتين فقط من قيام الثورة. فتبدل الفشل واليأس الكاملين خصوصا بعد قرار مجلس الأمن المحبط، بأمل مُباغِت لم يكن يتوقعه احد. وكان ذلك ضربة قوية لعملاء الاستعمار الذين فقدوا مصدر تمويلهم فلم يخفوا حزنهم ولم يترددوا في التصريح بمعاداتهم لإنجاز عبد الناصر الضخم، بل حاولوا قتل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية بعد توقيع اتفاقية الجلاء بأيام قليلة لعلهم يُفشلون تحقيق الجلاء، كما قضوا على مباحثات الجلاء مع النقراشي باشا بقتله.

وتحقق جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر بمعجزة فريدة. لم يقنع عبد الناصر بتحقيق ذلك الحلم، لكنه كان يعتبر ذلك بداية العمل لتحرير مصر، فتحرك بسرعة بعد أيام قليلة من جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر، وبضربة خاطفة أعلن تأميم قناة السويس، ويعتبر ذلك أخطر حدث إستراتيجي أثر على كل العالم في النصف الثاني من القرن العشرين. كان ذلك هو الدافع للعدوان الثلاثي على مصر. وكان ذلك العدوان الفاشل حدثا في ملحمة سلسلة المؤامرات التي يشنها الاستعمار على مصر والمستمرة حتى اليوم، حيث شكل الإخوان المسلمون عنصرا رئيسيا للخيانة في كل العصور.

فهل نسلمهم اليوم حكم مصر بعد عدوان ثلاثي جديد؟!!!!

عدوان ثلاثي أمريكي صهيوني وهابي، تستخدم لذلك العدوان قوى داخلية ثلاثية تخون مصر، هم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقوات الأمن المفروض أنها المسئولة عن سلامة الشارع المصري، العنصر الثالث هم القوى الدينية الإسلامية العميلة المتحالفة مع فلول النظام.

هل تلك القوى أرهقت الشعب المصري للدرجة التي ستخضعه أخيرا للعبودية ؟!!! للضياع؟!!! لفقد الكرامة والنخوة والهوية؟!!! للتخلف والتراجع الحضاري والجاهلية؟!!!

إن ثقتي بالشعب المصري العظيم بلا حدود ... صراعنا طويل جدا... ولكن سينتصر الخير وسيغلب الشعب ولا يمكن لتخلف أن يسود شعب بهذه السمات.



#سامي_المصري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرف مصر المُهدَر بين عسكريين أشرار وتجار دين فجار
- «الانتخابات» مهزلة
- ارحل ... لقد انتهى وقتك... رصيدك نفذ
- للشعب القبطي البطل أهدي كتابي في يوم احتفاله التاريخي
- «مصر دي بلدنا» ولن نفرط فيها يا خونة
- «السفاح» ومصر التي لم نعرفها أبدا
- بين الأنبا شنودة وعمرو بن العاص و«موقعة الكلب»
- حكومة أخرى في مصر برئاسة شرف
- وللحريةِ الحمراءِ بابٌ بكل يدٍ مضرَّجَةٍ يُدقُّ
- ماذا يحدث في مصر من بعد الثورة
- من يحرق مصر؛ شعبها وثورتها «يا سيادة المشير»
- ديمقراطية الإرهاب والفوضى تضرب مصر
- كان عرسا تحول لمأتم قتلت فيه الديمقراطية مع آمال مصر
- تاريخ «الدستور المصري» وصراع حول الديمقراطية
- «الدستور» هدف الثورة الأخيرالذي لم يتحقق بعد
- تحية لثائرات مصر ... في يوم المرأة العالمي
- مبروك .. مبروك .. جدعان يا ولاد .. شباب التحرير العظيم .. رب ...
- «المادة الثانية من الدستور» .... هل هي تشريع أم إرهاب وترويع ...
- التعديل الوزاري الجديد لحكومة شفيق هل يحقق أهداف ثورة مصر... ...
- قامت الثورة المصرية لكي تستمر وتتخطى الحواجز 3


المزيد.....




- بالفيديو.. -حارس الأسرار-.. اكتشاف أثري جديد في مصر
- في ذكرى المحرقة.. رئيس إسرائيل يدعو الاتحاد الأوروبي إلى تعز ...
- ما تحديات وفرص تحول راديو بي بي سي إلى المنصات الرقمية؟
- كشف أسلحة وذخيرة أوكرانية بجمهورية لوغانسك مخصصة لتنفيذ أعما ...
- هل تفجر عملية الجيش الإسرائيلي بجنين انتفاضة فلسطينية جديدة؟ ...
- نيسان تكشف عن GT-R الجديدة كليا لمحبي القوة والسرعة
- السوداني يعلن توقيع اتفاقية للشراكة الاستراتيجية مع فرنسا
- تشير للأستاذ المتحرش والمسيء للدين.. تذكير بلائحة الوظائف ال ...
- الرئيس الكرواتي: تزويد أوكرانيا بالدبابات لن يغير شيئا وستحت ...
- الإمارات تدين اقتحام القوات الإسرائيلية مخيم جنين


المزيد.....

- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي
- الدَّوْلَة كَحِزْب سِيَّاسِي سِرِّي / عبد الرحمان النوضة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي المصري - «العدوان الثلاثي» الجديد على مصر