أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جهاد علاونه - روحي















المزيد.....

روحي


جهاد علاونه

الحوار المتمدن-العدد: 3334 - 2011 / 4 / 12 - 13:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


على كفي اليمين مشيت في يوم شديد الحر وفي يومٍ آخر شديد البرد وأنا أحمل روحي مرة على كفي اليمين ومرة على كفي اليسار ولم أكن في يومٍ من الأيام أأبهُ بأحد ولم أحسب في يوم من الأيام حساب أحد , ودائما ما أدفع الثمن مهما كان نوعه ولا أأبه لا بالذهب ولا بالدم, فكم دفعت الثمن من دمي..وكم دفعت الثمن من قلبي..وكم دفعت الثمن من حبات عيوني..وكم دفعتُ الثمن من زيت شبابي, وحتى لا ينطفئ المصباح الذي أشاهد بواسطته الطريق كنت أشعله بدمي مرة وبدموعي مراتٍ ومراتٍ ومراتْ وذلك حين كان ينفذ الزيت العادي منه, وكم قطعت الطريق وحدي دون أن يكون لي مؤنسٌ أو صديق أتكئ عليه أو امرأة أنام على صدرها أو في حضنها حين أشعر بالخوف وعدم الأمان , وكنتُ في أحلك الساعات ظلمة وفي أشد الساعات بردا أحمل روحي بين يدي الاثنتين, ولم أكن في يوم من الأيام أكترث بالكوارث الأمنية أو البيئية أو السياسية, كنت في أغلب الأحيان أحمل روحي واضعها بين يدي أي سفاح على الطريق أصادفه وكنت أقول له أقتلها واقتلني واخنقها واخنقني واسلخها عن جلدي واسلخ جلدي عنها وافصلني عن جسدي وروحي وكنتُ حين أشاهده يتردد في قتلي أو في سلخ جسدي عن روحي أو ذبحي كنت أقترب منه وآخذ السكين لأريه شجاعتي وقدرتي على تحمل الألم حين كنت أقص أمامه من روحي شريطا أو قطعة صغيرة لمن يريدها وكنت أقول للقاتل: أنظر كيف فتحتُ إلى قلبي طريقا جديدة بالسكين ,أقتلني وأرني أمام عيوني الأحمر القاني واستعمر روحي ولا تتردد روحي عنيفة وروحي قديرة ..لقد كنت أتحدى السكاكين ولقد كنت أتلقى الزمن كجندي يتلقى الرصاص وصدره عاري ومكشوف للبندقية , وكنت أقاتل في أحلامي وفي أيام وأوقات الصحو الأحداث والأزمات كأنني قبطان سفينة في وسط المحيط يقاتل الريح والأمواج الهائجة والحيتان المفترسة لوحده بقارب شراعيٍِ مثل بطل رواية(الشيخ والبحر)..لم أكن في يوم من الأيام محني الظهر أمام الريح كنتُ أقف وأقول لها بكل تحدي هُبي يا ريح لأريك ثباتي , لم أعش مهزوما أو جبانا كنتُ دائما في المقدمة أقف أولا قبل كل المقاتلين حين كان يتراجع الفرسان إلى الصف الأخير وكنت شجاعا يدخل كل المعارك ويخسرها جميعا ويخسر معها زهرة شبابه ولكنني كنت أكتسب دائما روحي المتألقة التي ترفض الخروج من جسدي , أما اليوم ..فإن العاصفة الشديدة تهبُ على روحي من كل الاتجاهات وروحي تتزعزع وبأنني استسلمتُ أنا وقاربي وسفينتي وشراعي المصنوع من القش ..وروحي تتقلب وتتكسر أمامي وها أنا ذا أستمع لروحي لصوتها المعذب والمجروح وهي تتكسر مثل صوت زجاج نافذة بيتي الشرقية ..روحي يا ناس تتكسر..روحي يا ناس تتمزق وكأنها قطعة قماش صينية..روحي أين روحي التي لم تكن تتكسر أو تتمزق؟.

ما زلتُ أذكر ذلك اليوم الذي تحت نافذتي وضعت فيه روحي..وتحت وسادتي وضعتُ فيه روحي وتحت أشعة الشمس الحارقة وضعتُ روحي وفي مهب الريح وضعتُ روحي وفي كل مكان مُعرض للإنفجار وضعتُ روحي وكسرتها من أجل أن تعيش الأرواح الأخرى..كانت روحي تتعس من أجل أن يسعد غيرها وكانت ترقص من الألم من أجل أن يرقص غيرها من الفرح , كانت روحي طويلة..وكانت روحي تعيسُ كثيرا وكانت روحي تقاوم كثيرا ..وتحت عثرات الزمان وأخطائه تركتُ روحي جاثية على ركبتيها وكانت تصرخ وتتألم وكانت تحاول النهوض من كبوتها كنت أراقبها, كنت أشاهدها, لا أنكر ذلك بأنني كنت أنا من يعذبها , روحي التي عاصرت السلاطين وعاصرت الملوك وهدمت آلاف الحواجز والأسوار اليوم يئست من كل شيء, اليوم خرجت من سباتها العميق وراحت لتغط في موت سحيق, روحي التي وضعتها يوما على كفي وطرتُ فيها بالهواء الطلق..روحي التي في يوم من الأيام وضعتها تحت قصف الرعود وتحت قصف الأوغاد..روحي التي سجنتها في زنزانة انفرادية..روحي التي دائما ما أضعها على كفي ..اليوم فقط هربت مني ولا تريد أن تعيش في جسدي ولا في جسد أحد غيري.. أنا اليوم أقول بصوتٍ خافت وبكل برودة أعصاب: روحي التي دائما ما يتملكها الإنتصار اليوم ضعفت جدا واليوم أحسستُ بقواي وهي تنهار وروحي أحسستها وهي تخرج من رقبتي وكأنها تخرج من رحم ضيق أو كأنها تخرج من عُنق الزجاجة..روحي التي عاشت في الواقع اليوم تهربُ من واقعها لتعيش في الأوهام, وبعد أن قلت كل شيء بكل برودة أعصاب عدت أنتفض بصوت عالي ومرتفع وأنا اصرخ لأسمع العالم والناس ضجيجي ونواحي وثغائي وأنا أقول :..روحي..أين روحي التي كانت تنتفض مثل عصفور بلله القطر في ساعات الندى..روحي التي دهستها الأيام ومرمرتها السنين أين هي اليوم مني؟ ..بل أين هربت؟ إن كانت قد خرجت مني غصباً فها أنا أدعوها للبقاء وأدعوها للعودة من جديد , تعالي يا روحي للمقاومة من جديد..تعالي يا روجي لتعذبيني من جديد..تعالي يا روحي لتسكتيني من جديد ..تعالي يا روحي الحزينة..تعالي يا أيتها المطاردة ويا أيتها الشريدة.

إن روحي التي كانت تسكنني بكل إصرار كنتُ أشعر في وقتها بأن أرواح الناس تسكن في مناخيرهم, روحي التي كانت تسكن قلبي وقلمي ودفتري وأوراقي وكتبي كنت في وقتها أشعر بأن أرواح الناس تسكن في أحذيتهم وفي أجهزتهم التناسلية, أما أنا ففعلا كنت أشعر بروحي بأنها كانت تسكن أفضل مكان في رأسي وفي أوسع حجرة من حجرات قلبي الأربعة..روحي التي كانت معي قبل قليل الآن أشعر فيها وهي تتململ من جسدي..روحي التي كانت تعيش معي الآن أشعر بها وهي تنوي الرحيل الأبدي..روحي التي لم أشعر يوما أنها تفارقني أو أن يخطر ببالها يوما أن تفارقني الآن أشعر بها وهي تحاول أن تفارقني وها أنا أنظر أليها من بعيد وألمح صوت خطواتها وهي تخلع معطفي الجلدي لتهرب بكل صمت وبكل هدوء بعد أن كانت ترفض أن تتقمص أجساد أو جسدا غير جسدي ..إن روحي التي كانت ترفض الحضور في جسدٍ غير جسدي الآن تختار جسدا غيري والآن تختار عيونا غير عيوني لتحل بهن ..أنا ألمح طيفها هنالك خلف تلك الشجيرات الصغيرة وهي تشرب زجاجة خمر ..هي هنالك ألمحها وأشاهدها وهي تحاول أن تخرج مني بالمعروف كما دخلت جسدي بالمعروف..اليوم فقط ولأول مرة أشعر بأنها لا تريديني وبأنني كنت ثقيل الدم عليها..اليوم فقط تأكدت بأنني لم أكن معها من الفلاسفة الكلبيين أو الرواقيين أو السفسطائيين أو المشائين, اليوم تأكدتُ بأنني لم أكن معها لطيفا وبأنني لم أكن معها أنيقا في اختيار كلماتي وأشعاري..روحي اليوم تصادق أعدائي وتتفق معهم على سلخ الجسد..روحي يا ناس..روحي يا ناس..روحي يا ناس أنقذوني منها لقد أيقنت أنها كانت في الساعات الأخيرة لا تريد مني شيئا..كانت في الساعات الأخيرة تريد أن تقتلني ليلا وفي السر وتحت أجنحة الظلام وفي غرفة مغلقة..روحي أنقذوني منها إنها تريد خنقي وتريد قتلي وتريد عصياني..آه منك يا روحي الحزينة..وآهٍ منك يا روحي الكئيبة..أين أنا منك اليوم..بل أين سهر الليالي وأين وعودك التي قطعتيها عليّ..روحي ليست طاهرة..روحي التي كانت طاهرة بالأمس ..أليوم أصبحت في عداد المفقودين..روحي اليوم تاهت مني في زحمة الأرواح النجسة..روحي الطاهرة اتحدت بشتى أنواع النجاسات وانحدرت إلى أخس نوع وأنجس نوعٍ وأنذل نوع..روحي التي خبأتها يوم تحت وسادتي اليوم أشعر بها وهي تريد الهرب مني..إنها تهربُ مني..إنها تبتعدُ عني..إنها تغادرني مثل سيارة مسرعة أو مثل طائرة نفاثة...روحي لم تعد تأبه بوجودي معها..روحي لم تعد تهتم بوجودي معها..روحي هربت روحي سكنت روحي التي لم تكن في يوم من الأيام لا برية ولا برمائية اليوم تعيش في أوسخ بقعة على وجه الأرض ,إنها تنوي السكوت اليوم تسمت لوحدها عن الكلام..روحي يا ناس التي لم تستطع الطائرات ولا المدافع ولا الدبابات أن تسكتها عن الكلام اليوم سكتت لوحدها وانخر ست لوحدها واشعر بها أنها أصبحت مثل حجرٍ متحجر في حلقي..ولساني أصبح عظمة بالية وقديمة متكلسة..روحي انتهت..ولساني أصبح قطعة أثرية..وقلبي هرب معها ولم يعد له رغبة لا في الحب ولا في العشق..روحي تخجل اليوم من خلع خجلها أمامي ووجلها بعد أن كانت تخلع أمامي سحنتها الشرقية ووجهها الأسمر..روحي التي كانت متوهجة في جسدي مثل شعلة أولمبية والتي كانت تتقدُ في جسدي كمثلُ نار مجوسية اليوم أشعر بها وقد انطفأت تلك الشعلة وتلك النار..فيا نار هبي على روحي ’,أشعليها من جديد ويا أيتها النار المقدسة الآن عودي لأعبدك كما عبدك المجوس ..يا نار لا تكوني بردا وسلاما على أعدائي..يا نار أشعليني من جديد ليفرح بي كل أحبابي..يا نار اشتعلي في قميصي الصيفي وفي بنطلوني الكستنائي ..روحي التي كانت تلعب معي الآن أشعر بها وهي تلعب بي وكأنني كرة قدم برازيلية أو كرة سلة أمريكية أو كرة تنس صغيرة الكل يضربني والكل يدوس على قلبي..روحي التي انطفأت لم يعد لها رغبة بالاشتعال, وأشعر بأن روحي تقول لجسدي أو جسدي يقول لروحي : روحي وانت طالق.










إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,247,670,885
- من سيطمع بالبنت الأردنية؟
- السوالف عن الناس الطفرانه
- هرمنا
- عسكر وحراميه
- اتجاهات
- من يوميات مثقف أردني4
- ماذا أعبد؟
- البنت مش عيب
- كلمة إلى ابنتي وفاء البتول
- وأخيرا جاءت وفاء سلطان
- الأوراق المتسخة
- أنا مجرد رقم
- أعداء الأردن
- ممن يتعلم الأطفال الكذب!
- المرأة تستعمل لسانها للحوار والرجل يستعمل يده للحوار
- الريموت كنترول
- مظاهرة تأييد في لواء الطيبه
- تأويل النص
- أمة عرصه ورب غفور
- كيف ينام الرؤساء والملوك العرب!


المزيد.....




- البابا فرنسيس يوضح انطباعه عن السيستاني.. ويكشف عن الدولة ال ...
- رأي.. بشار جرار يكتب عن -حصاد- الزيارة البابوية إلى العراق: ...
- مسلمات الإيغور يتظاهرن أمام القنصلية الصينية في تركيا
- مسلمات الإيغور يتظاهرن أمام القنصلية الصينية في تركيا
- أول تعليق من الرئيس الأميركي جو بايدن على زيارة البابا إلى ا ...
- متظاهرو الديوانية يحذرون الحكومة من تسويف مطالبهم ويلوحون با ...
- غادة عادل تتحدث لأول مرة بعد إصابتها بفيروس -كورونا- وتكشف ح ...
- تركيا تتهم اليونان بإرسال سفن حربية قرب سواحلها
- سلاح روسي يغرق غواصة أمريكية في خليج البنغال خلال مناورة عسك ...
- قائد الجيش اللبناني يحذر من خطورة الوضع العام وإمكانية انفجا ...


المزيد.....

- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جهاد علاونه - روحي