أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - غازي الصوراني - دلالات وانعكاسات الانتفاضة التونسية على الواقع العربي















المزيد.....



دلالات وانعكاسات الانتفاضة التونسية على الواقع العربي


غازي الصوراني
مفكر وباحث فلسطيني


الحوار المتمدن-العدد: 3264 - 2011 / 2 / 1 - 12:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ورقة بعنوان : دلالات وانعكاسات الانتفاضة التونسية على الواقع العربي
( مقدمة إلى ندوة الجبهة الشعبية في قطاع غزة – قاعة الهلال الأحمر – 27/1/2011 )
 
تتزامن ندوتنا السياسية التضامنية مع انتفاضة الجماهير الشعبية في تونس الشقيقة ، ومع تباشير الانتفاضات الشعبية في عددٍ من البلدان العربية ، مع الذكرى الثالثة لرحيل القائد الثوري العربي جورج حبش ، الذي عاش ومات مناضلاً من أجل فلسطين والثورة العربية ، انطلاقاً من مواقفه المبدئية ورؤيته التي تقوم على أن التناقض مع العدو الامبريالي الصهيوني ، هو تناقض أساسي ورئيسي تناحري، أما بالنسبة للتناقض مع الأنظمة العربية الرجعية والتابعة ومع ركائزها الطبقية ، البيروقراطية والرأسمالية الكومبرادورية والطفيلية بكل أشكالها ، فهو تناقض رئيسي سياسي ، وهذا ما عبرت عنه الجبهة الشعبية في وثائقها التي أكدت على أن هذا الموقف ، لا يعني أبداً "أن تقوم الثورة الفلسطينية بمهمة التغيير في البلدان العربية وإسقاط الأنظمة ، بل يعني ، التحالف مع حركة الجماهير العربية وقواها التقدمية ، في إطار الترابط بين النضال الوطني الفلسطيني والنضال القومي العربي".
واليوم ونحن نعيش لحظات مع الفرح والأمل والترقب في رحاب انتفاضة الفقراء في تونس الشقيقة ، التي كسرت كل الحواجز والحدود بين أقطار العرب (كما هو الحال في تونس وغداً في مصر واليمن والجزائر وغيرهم على الجدول) ، وحققت حلم الراحل جورج حبش الذي مات دونه ، وأوصلت رسالتها التحذيرية إلى كل الحكام العرب وركائزهم الطبقية ، بمثل ما أوصلت رسالتها الثانية، إلى جماهير الفقراء العرب من العمال والفلاحين وكل الكادحين بالتفاؤل والأمل الحقيقي ، باقتراب لحظة الانعتاق والتحرر والديمقراطية وإنهاء كل مظاهر الاستغلال والقهر الوطني والطبقي .
إن الآمال العظيمة التي بدأت تتفتح اليوم في مشرقنا العربي ، تستدعي سرعة التفاعل والتواصل معها من قبل كافة القوى الديمقراطية ، واليسارية ، من خلال معايشتها الفعلية لجماهير الفقراء والكادحين في بلدانها ، الذين يعيشون اليوم في مرحلة وصلت فيها التراكمات الداخلية لممارسات الاستبداد والقمع والإفقار إلى حد القطع ، الذي تجسده الانتفاضات الشعبية عبر شعاراتها التوحيدية ، التي تتلخص في إسقاط وإزاحة أنظمة الظلم والاستبداد والفساد بكل رموزها، معلنة بدء مرحلة جديدة في حياة شعوب هذه الأمة ومستقبلها ، عنوانها ومحركها إرادة الجماهير الشعبية وتحديها الشجاع ليس للطبقة الحاكمة وأجهزتها القمعية فحسب بل أيضاً لكل مظاهر الإحباط والقلق واليأس التي خيمت في أرجاء وطننا العربي الكبير الذي تتجذر اليوم في كل أقطاره، شجرة الآمال الكبرى، التي تغذت على نضالات وتضحيات جماهير الفقراء والكادحين العرب، الذين عاشوا طوال العقود الماضية تراكمات الأزمات العميقة بكل مظاهرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي شكلت السمة والعنوان الأبرز للأنظمة العربية ، وجاءت انتفاضة الفقراء والمحرومين في تونس لتكون مرآة لكل المحرومين في بلدان الوطن العربي، حيث تتشابه الأوضاع: حكومات فاسدة بسلطة مطلقة وثراء فاحش وشعوب مقهورة جائعة وكرامات مهدورة.
الرسالة التي بعثت بها انتفاضة الجماهير في تونس عبرت الحدود “وأفهمت كل ديكتاتور عربي أن شعبه قادر على إزاحته وإسقاط نظام حكمه الطبقي الفاسد المستبد بلا رجعة، وأنه لا يبخل بدماء أبنائه لنيل حقوقه”. خاصة وأن الوصفة السحرية للغضب الشعبي من استبداد سياسي ونهب ثروات وفساد مالي وإداري وتغييب القانون، موجودة في كل بلدان العرب التي أصبح رموز الفساد فيها خارج نطاق المحاسبة وخارج دائرة سلطان القانون بل أصبحوا هم من يشرعون القوانين.
وفي هذا السياق ، لا بد من الإشارة، إلى إن نقل أحداث الانتفاضة الشعبية في تونس، ونقل الارهاصات الأولى للانتفاضة الشعبية في مصر، عبر شاشات الفضائيات  ومواقع الانترنت، يؤكد، مرة أخرى، على الدور التاريخي الذي تلعبه ثورة الاتصالات والمعلومات ، التي قامت بدور المعارضة الالكترونية البديلة ، ودورها –البديل للقوى اليسار المفكك – في تحفيز وبلورة ذهنية التمرد على رموز الفساد والاستبداد ، ومن أجل الديمقراطية السياسية والاجتماعية وكسر كل أشكال التبعية للتحالف الامبريالي الصهيوني من اجل استنهاض شعوب هذه الأمة . فقد ولى، إلى غير رجعة، زمن التعتيم الإعلامي وحجب الحقائق وتشويهها.
اننا ندرك أن مظاهر هذه الازمة قد تزايدت حدتها وتراكماتها طوال العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين وحتى بداية هذه اللحظة من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين عبر العديد من المؤشرات :
- الأولى : استفحال هيمنة التحالف الامبريالي الصهيوني– اقتصاديا وسياسيا وعسكريا – على بلدان الوطن العربي وثروات شعوبه .
- الثانية : التعقد الشديد – وأحيانا طمس – صور الصراع الاجتماعي لتعبر عن نفسها في صورة مشوهة لصراعات دينية أو طائفية أو نزاعات اقليمية شوفينية ، إلى جانب التفكك والتجزئة التي بدأت تنخر في بعض أقطاره.
- الثالثة : تفاقم مظاهر التبعية والتخلف والفقر والبطالة وخضوع مجمل النظام العربي لشروط التحالف الامبريالي الامريكي الصهيوني المعولم .
ونتيجة لهذه العوامل ، فقد بات الوطن العربي في مجموعه ، يعاني من أزمة مجتمعية عميقة باتت تطرح ،على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، تحديات ثقيلة تواجه ، كل من يقلقه حاضر الأمة العربية ومستقبلها المنظور عموماً ، وقواها اليسارية القومية الديمقراطية على وجه الخصوص .
 
أولا : مظاهر الأزمة على الصعيد السياسي :
وتتجلى في تغير المفاهيم والمبادئ والأهداف، بما يتوافق مع الهيمنة الأمريكية وأحاديتها، حيث انتقل النظام العربي بمجمله من أرضية التحرر الوطني والاجتماعي كعنوان رئيسي سابق، الى أرضية التبعية والانفتاح والقمع والافقار والارتهان السياسي .
المسألة الثانية ، يمكن إيضاحها عبر تطبيقات شروط العولمة على بلداننا العربية ، بكل صورها السياسية و المجتمعية و الاقتصادية ، التي لم تواجه أية عقبات أو صعوبات تعترض طريقها بحكم طبيعة ومكونات البنية الطبقية والسياسية الحاكمة في هذه البلدان التي تتباين أشكال أنظمتها السياسية و دولها بين الدولة القبيلة أو المشيخة، إلى الدولة –العائلة، إلى نظام الدولة البيروقراطي، الفردي، أو الأوتوقراطي، الأبوي بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي السائد فيه، إلا أن مظاهر التفرد والاستبداد والفساد والفقر والفوضى وعدم الاستقرار تكاد تكون قاسماً مشتركاً من حيث الجوهر، مع اختلاف درجاتها وأشكالها ونسبيتها في هذه الدولة أو تلك.
 ففي مثل هذا المناخ ، تنمو التراكمات الكمية الداخلية التي تصل –بالمعنى الماركسي- عند لحظة معينة إلى حدها أو سقفها النهائي ، الذي يعني القطيعة أو الانفصام بين هذه الدول وشعوبها، انعكاساً طبيعياً لكل مظاهر التبعية والتخلف والافقار والبطالة والجهل،  لتتجسد هذه القطيعة عبر تباشير الانتفاضات الشعبية التي انطلقت في أكثر من بلد عربي .
هذا هو جوهر الإشكالية أو الأزمة السياسية في النظام العربي الراهن، ببعديهما التحرري على الصعيد الوطني والقومي، والديمقراطي الاجتماعي الاقتصادي المطلبي على الصعيد الداخلي، اللذان لا يمكن تحققهما بدون توفر النظام السياسي الديمقراطي المعبر عن ارادات وتطلعات ومصالح الجماهير الشعبية ويقوم على خدمتها .
ثانياً : المظهر الاقتصادي للأزمة :
ويتجلى في فشل السياسات الليبرالية الاقتصادية التي صاغها الصندوق والبنك الدوليين في ثمانينيات القرن الماضي، بسبب أن هذه البرامج أو التوجهات الليبرالية الجديدة ، طمست أو غيبت بشكل مرسوم ومتعمد، كل مصطلحات "التنمية" و"التحرر الاقتصادي" و"التقدم الاجتماعي" و"العدالة الاجتماعية" لحساب التحالف البيروقراطي الكومبرادوري الذي شرَّع كل انواع الاستغلال واحتكار الثروات، وشرَّع كل مظاهر الفساد الذي أصبح سلوكا عاما يمكن مشاهدته في كافة مؤسسات الأنظمة العربية ، فقد انتقل الاقتصاد العربي في ظل الانفتاح وما يسمى بـ الليبرالية الجديدة ،  من آليات تخطيط إلى آليات فوضى السوق المعولمة والاقتصاد الحر الذي أدى إلى النمو السرطاني لأكثر من (800) ألف وكيل تجاري يجسدون طبقة الكومبرادور التي ترتبط مصالحها بصورة مباشرة بالمصالح الامبريالية في السوق العالمي على حساب التطور السياسي والاقتصادي لبلدانها .
وفي هذا الجانب فإن الرأسماليين العرب الطفيليين والكومبرادور حرصوا دائماً على تكريس التبعية والخضوع للاجنبي الامبريالي ، وهدفهم الوحيد هو الربح وتراكم الثروات لمزيد من الترف والفساد.
إن مظاهر التراجع أو الانهيار التي أصابت المكونات السياسية الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا العربية لم يكن ممكناً لها أن تنتشر بهذه الصورة بدون تعمق المصالح الطبقية الأنانية للشرائح الاجتماعية البيروقراطية والكومبرادور التي كرست مظاهر التخلف عموماً والتبعية خصوصاً في هذه البلدان بما يضمن تلك المصالح ، فالعجز في الميزان التجاري ، وتراجع الإنتاج هو أحد تعبيرات التخلف في تطوير الصناعة التحويلية، وتزايد مظاهر وأدوات التبعية التجارية ، وكذلك الأمر بالنسبة للعجز في ميزان المدفوعات ، والديون والمساعدات المالية وتحكم الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الوطني، كمظهر أساسي من تجليات التبعية المالية رغم الارتفاع الكمي في الناتج المحلي الإجمالي لبلدان الوطن العربي الذي وصل عام 2009 إلى 1700 مليار دولار. والجدير بالذكر أن ثلثي هذا الناتج تستحوذ عليه البلدان العربية النفطية ، فيما حوالي 70% من سكان البلدان العربية غير النفطية يعيشون على ثلث هذا الناتج .
صحيح أننا نعيش أزمة اقتصادية في الوطن العربي، لكن الأزمة الاقتصادية – كما يقول المفكر العربي الشهيد مهدي عامل – غير كافية لتوليد أزمة سياسية تنتقل فيها المبادرة داخل الصراع الاجتماعي العام من الطبقة المسيطرة إلى الطبقات صاحبة المصلحة في البديل الديمقراطي، فما دامت " الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة هي الممارسة المسيطرة، فإن هذه الطبقة ليست في أزمة سياسية بالرغم من أزمتها الاقتصادية والأيديولوجية، ولكي تكون الطبقة المسيطرة في أزمة سياسية فعلية ، فلا بد أن تكون السيطرة في الحقل السياسي للصراع الطبقي، إي للممارسة السياسية الديمقراطية للطبقة النقيض، فالأزمة التي تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية في وضعها الراهن ليست فقط أزمة قيادتها الطبقية البرجوازية التابعة، بل هي أزمة البديل الديمقراطي لهذه القيادة .
ثالثاً : الأزمة الاجتماعية :
تتجلى هذه الازمة في أن البلدان العربية عموماً لا تعيش زمناً حداثياً أو حضارياً، ولا تنتسب له جوهرياً، وذلك بسبب احتجاز تطورها وفساد الطغم الحاكمة فيها، وفقدانها، بحكم تبعيتها البنيوية، للبوصلة من جهة، وللأدوات الحداثية، الحضارية والمعرفية الداخلية التي يمكن أن تحدد طبيعة التطور المجتمعي العربي ومساره وعلاقته الجدلية بالحداثة و الحضارة العالمية أو الإنسانية .
 ونتيجة لهذه الازمة ، تفاقمت كافة تراكمات وعوامل الأزمة بسبب الانتشار غير المسبوق لمظاهر الهيمنة الواسعة للشرائح والفئات الرأسمالية العليا، بكل أشكالها التقليدية والحديثة، التجارية والصناعية والزراعية، والكومبرادورية والبيروقراطية الطفيلية، التي باتت تستحوذ على النظام السياسي، وتحول دون أي تحول ديمقراطي حقيقي في مساره، عبر اندماجها الذيلي التابع للنظام الرأسمالي المعولم الجديد من جهة، وتكريسها لمظاهر التبعية والتخلف والاستبداد الأبوي على الصعيد المجتمعي بأشكاله المتنوعة من جهة أخرى .
أما على الصعيد الداخلي الاجتماعي، فإن الفجوات بين الشرائح الطبقية الكومبرادورية ، والبيروقراطية والرأسمالية الطفيلية بكل انواعها ، وبين الشرائح المحرومة من فقراء العمال والفلاحين وصغار الموظفين تزداد اتساعا وعمقا، وفي ظل هذه البنية الطبقية الهرمية التي تتولى فيها تلك الشرائح الطبقية " العليا " التي لا يتجاوز تعدادها نصف بالمئة أو أقل من السكان ، احتكار السلطة وموارد البلاد وثرواتها ، في مقابل الجماهير الشعبية الفقيرة من العمال والفلاحين والحرفيين، حيث تعاني الشعوب العربية حالة من القهر ، ويمارس عليها وضدها مختلف أنواع الاستغلال والهيمنة والإذلال اليومي عبر ضغوط تراكمية لم يكن ممكناً استمرار الصمت عليها، بل مقاومتها ورفضها وتلك هي رسالة الانتفاضة الشعبية التي جاءت انعكاساً مادياً ونفسياً لبشاعة تلك الضغوطات وعمق الأزمات التي عاشتها الجماهير العربية الفقيرة ، ودفعت بكتل واسعة نسبياً منها لأن تعبِّر عن رفضها وانتفاضتها ، إذ أن قسوة ظروفها المعيشية جعلها تُسقِط عن كاهلها كل الخوف الذي انزرع فيها، من الأنظمة، وأجهزتها القمعية.
فإذا كان تدني الأجور يشعر الفرد بالاضطهاد الطبقي، فإن حياة البطالة والفقر المدقع ، والعجز عن تأمين لقمة العيش أو العلاج للأطفال، علاوة على استمرار المعاناة والاضطهاد ، يدفع صوب الانفجار والانتفاضة، معلناً رفضه لكل أشكال الاضطهاد والاستغلال والظلم الطبقي منطلقاً بشوق كبير إلى نظام تتحقق فيه إلغاء الفوارق بين الدخل والثروة وتوفير العمل الذي يكفل تغطية الاعباء العائلية بحرية وكرامة ، بمثل ما تتحقق فيه الحرية والديمقراطية والمساواة.
لكن جماهير الفقراء ، لن يستطيعوا عبر انتفاضاتهم وتضحياتهم الغالية، وعفويتهم الثورية، أن يحققوا تلك الأهداف، وهنا تتبدى المهمات الثورية للقوى الديمقراطية واليسارية لكي تلتحم بالجماهير ، وتعبّر عن مصالحها و مطامحها ، رغم ادراكنا بأن هذه الانتفاضات قد تجاوزت –في بداياتها- كافة القوى والأحزاب السياسية في بلادها، ما يعني أن على هذه الاحزاب عموماً ، واليسارية الديمقراطية خصوصاً ، أن تتفاعل وتنخرط فورياً مع هذه اللحظة الثورية وأن تلتقطها وتصعد بها ، من أجل أن تستطيع مَدّ الانتفاضة الجماهيرية بالأسس التي تضمن انتصارها، انطلاقاً من إدراكها بان الانتفاضات الشعبية العفوية ، لا أفق لها،  إذ أنها لن تتجاوز حالة التعبير عن الرفض الغاضب للجماهير  ومعاناتها بصورة قد تفرض عليها القبول ببعض الاجراءات الشكلية من النظام أو من ما تبقى من رموزه ومؤسساته ، وبالتالي فإن ضمان التقدم ونجاح الانتفاضة الشعبية في تحقيق شعاراتها ومطالبها وإزالة كل اشكال الاضطهاد والقهر الجماهيري مرهون بقيام الاحزاب اليسارية والديمقراطية بدورها ، خاصة التزام هذه الأحزاب بالديمقراطية كهدف ومنهج في هذه المرحلة بالذات، لان هذه الاحزاب، وحدها القادرة على تحقيق أهداف الانتفاضة والثورة الوطنية الديمقراطية وإعادة بناء النظام الديمقراطي من جديد ، لكن ذلك يتطلب من احزاب اليسار افقاً ثورياً ، قادراً على صياغة البرنامج الديمقراطي البديل ، وأول أولوياته تكمن في الأهداف التحررية والديمقراطية، الوطنية والقومية ، عبر مواصلة النضال ضد التحالف الامبريالي الصهيوني ، وازالة أنظمة التبعية والتخلف والفساد والاستبداد.
وفي هذا السياق نشير إلى بعض الاستخلاصات والعبر التي يمكن التقاطها من انتفاضة الجماهير الشعبية في تونس –كما تحدث عنها سامي حسن[1]-، وأولها أن التمرد على الأوضاع والقضايا الاجتماعية سرعان ما تتعمق ليصبح تمرداً سياسياً ، مما يؤكد على أهمية البعد الاجتماعي والصراع الطبقي من أجل التغيير المنشود ، أما الاستخلاص الثاني ، فهو يتجلى بوضوح ساطع على أن قبضة الأجهزة القمعية في السلطة أو الأنظمة لن تفلح أبداً في قمع الجماهير الثائرة ، وهي لن تفلح أيضاً في حماية الحكام المستبدين .
أما الاستخلاص الثالث ، فيقوم على أن الاعتماد على القوى الامبريالية في دعم أنظمة الظلم والاستبداد والفساد هو نوع من الوهم في لحظة الانفجار الشعبي .
لقد كانت تونس حتى صباح يوم 14 يناير 2011 تعتبر من وجهة نظر الرأسماليين والإمبريالية واحة للاستثمار خاصة في قطاع السياحة والخدمات. وطالما تغنى النظام والإمبرياليون بأنها تحقق أفضل النتائج ومعدلات نمو عالية نسبيا، مما كان يمكن النظام من ايجاد الحجج والذرائع  لتبرير كل ما يقوم به من قمع واضطهاد ومحسوبيات وفساد وافقار وتطبيع مع العدو ، لكننا نأمل أن تصبح كل هذه المظاهر جزءاً من الماضي .
إن الانهيار السريع لوضع العمال والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية، التي باتت عاجزة عن العيش نتيجة الارتفاع الهائل في الاسعار دون ارتفاع مقابل للأجور، وتلاشي فرص العمل خاصة للشباب المتخرجين من الجامعات ،  وبالتالي اتساع البطالة، في الوقت الذي باتت فيه الطبقة المسيطرة من الثراء ما يجعلها تعيش في أشد أشكال الرفاه –كما يقول سلامة كيلة-. فقد نهبت المجتمع، من خلال مشروعها الخاص، فهي تسيطر على القطاعات الأساسية في الاقتصاد، وتلعب دور السمسار للطغم المالية الإمبريالية.
لهذا كان الوضع يندفع نحو زيادة الاحتقان كلما زاد الفقر وتراجعت فرص العمل واهدرت كرامة الانسان، وانسدّ كل أفق لتحصيل القوت اليومي لقطاع واسع من الطبقات الشعبية، الأمر الذي كان يدفع نحو الانفجار.
لكن هذا الحراك يجب أن يكون مقدمة لحراك أشمل، عبر دور القوى اليسارية في توضيح الأفكار المركزية التوحيدية للعمال والفلاحين الفقراء وكل الكادحين، ومن ثم تحديد الأهداف والشعارات حول الهدف الرئيسي وهو الاستيلاء على السلطة ، إذ أن كل  مشكلات الطبقات الشعبية لن تُحَل في ظل استمرار أي رمز من رموز النظام، وهي لن تُحَل إلا عبر نظام ديمقراطي بديل، يُعيد صياغة النظام السياسي الاجتماعي الاقتصادي بكل مؤسساته ، بما يضمن التعبير عن مصالح الطبقات الشعبية، وهنا  لابد من ان تتحمل القوى الماركسية، مسئولياتها الثورية بإعطاء الصراع الطبقي بعده وأهدافه السياسية الكبرى المباشرة، فالصراع لن يكون صراعاً طبقياً حقيقياً، إذا لم يتضح الهدف السياسي للقضايا المطلبية والحياتية للجماهير الفقيرة، وهذا يعني بوضوح أن يصبح شعار التغيير الجذري للنظام الفاسد هو هدفاً مركزياً توحيدياً في لحظة الانتفاضة الشعبية في هذا البلد العربي أو ذاك .
وفي هذا السياق، فإننا لسنا مع التسرع في  الحكم بان المشهد الذي جرى في تونس سيتكرر بنفس الشكل في  بقية الدول العربية، رغم وجود سمات مشتركة بين نظام زين العابدين وبقية الأنظمة العربية، في كونها تنتمي إلى ما نطلق عليه أنظمة الاستبداد والتبعية والاستغلال والفساد ،أفقرت الجماهير وقمعت الاحزاب اليسارية والقوى الوطنية والديمقراطية .  لكن الهبة الثورية في تونس أضاءت شعله من الدفء والأمل في مجابهة صقيع الاستسلام واليأس الذي انتشر في صفوف الشعوب العربية عموماً ، وجماهير الفقراء والكادحين خصوصاً خلال الثلاثة عقود الأخيرة .
إذا كانت الرسائل التي تبعثها أحداث العنف الطائفي والتجزئة والانقسام الداخلي كما في العراق ولبنان وفلسطين والسودان واليمن ومصر، هي من النوع الذي يدعونا للتشاؤم من الواقع العربي ، فإن الرسائل التي بعثت بها انتفاضة الجماهير الشعبية الفقيرة في تونس قد وصلت، وأهمها: إن الحديث عن سلبية الجماهير العربية ومواتها، فيه كثير من المبالغة، فالموضوعية تقتضي الحديث عن أزمة فصائل وأحزاب اليسار العربي وتراجع تأثيرها في اوساط الجماهير التي قامت بانتفاضتها ، بدوافع وأسباب اختلطت فيها العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، مما يستوجب استعادة الثقة بهذه الجماهير والاندماج في اوساطها وتنظيمها وتأطيرها في الأحزاب والنقابات والنوادي والجمعيات الأهلية ، بما يمكنها من الارتقاء بنضالها عبر النشاط المنظم ، بعد أن أكدت مجدداً على أن العدوان الامبريالي والصهيوني ، وكذلك القمع الداخلي ، لن يستطيع لجم حركة الشعوب وانتفاضتها ضد كل أشكال القهر والظلم .
وفي هذا الجانب ، لابد من الاشارة إلى أن القضايا المطلبية والأوضاع الاقتصادية عموماً، ما زالت تتصدر سلم الأولويات لدى الشرائح الاجتماعية المقهورة التي يمكن أن تتحمل القهر السياسي من العدو الخارجي في لحظات الهزيمة أو الانقسام ، لكنها تنتفض غضباً في لحظة الجوع والحرمان ، إذ يغيب العقل حين يغيب الدقيق ، وعند ذلك لن تستطيع أنظمة التبعية والاستبداد والفساد أن تقف في وجه الانتفاضة أو لجمها ، بل ستتراجع وتهرب ، كما هرب "بن علي" فهذه الأنظمة تفقد كل هيبتها وقوتها أمام هبة الجماهير وانتفاضتها التي سرعان ما تندمج وتتداخل في شعاراتها القضايا الوطنية ضد العدو الإمبريالي الصهيوني ، جنباً إلى جنب مع القضايا المطلبية الرافضة للفقر والبطالة والاستغلال وتراكم الثروات في أيدي الشرائح الطبقية الحاكمة في السلطة وحلفاءها ، بحيث يصبح شعار الانتفاضة المطالبة باسقاط النظام كله وتجاوزه ، وعدم الاكتفاء باسقاط هذا الرئيس او الحاكم أو ذاك ، وهنا بالضبط تتبدى مسئولية القوى اليسارية في التقاط هذه اللحظة وقيادة الانتفاضة .
 
لذلك كله ، فإن المهمة اليوم ملقاة على عاتق قوى اليسار الديمقراطي الجذري التي عليها أن تعي دورها اليوم في تسييس جماهير الفقراء ومركزة مطالبها وتنظيمها والإلتحام بها، إذ أن الفرز الطبقي اليوم يحدث على الأرض وعلى أرضية الشعارات والمطالب التحررية والديمقراطية المطلبية التي ترفعها الجماهير، والتي بينت بالملموس أنها دفعت وتدفع حياتها ثمنا لها.
إن على قوى اليسار أن تعي ذلك وأن تسارع إلى الخروج من أزماتها ونهج بعضها الاصلاحي واليميني، فالإنتفاضة الشعبية أشّرت إلى ضرورة استعادة المواقف والممارسات الثورية ضد التحالف الامبريالي الصهيوني وعملاءه في بلادنا ، كما أكدت على ضرورة إزاحة القوى البرجوازية واليمينية والإصلاحية بكل تلاوينها، فالصراع اليوم ولأن كان غير ظاهر بما فيه الكفاية إلا أنه يُظهر أن الكتلة الشعبية الأوسع  من الجماهير العربية هي كتلة معادية لأنظمة التحالف البيروقراطي الكومبرادوري ولكل سياساتها ، لكنها حينما تقوم بانتفاضتها ضد هذه الانظمة ، فإن على القوى اليسارية المبادرة الفورية إلى الالتحاق بها وتنظيم صفوفها وقيادتها لئلأ يقطف الانتهازيون من أزلام النظام ومؤسساته ثمار الانتفاضة وتجييرها لانتاج نظام جديد شكلاً (ديمقراطي ليبرالي) ، لا يختلف في جوهره عن النظام المخلوع عبر قيادة الجيش من حيث تبعيته وخضوعه ، باعتبار أن الجيش مازال محدداً رئيسياً في رسم وتوجيه السياسات والأحداث في معظم البلدان العربية (إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين)، والتأثير عبر دوره وما يملك من امكانيات في غياب أو ضعف ورخاوة أو تفكك الأحزاب والقوى اليسارية والديمقراطية ، ومن ثم اعادة انتاج كل اساليب القمع والاستبداد والفساد والافقار من جديد ، وهذا ما لا يقبله عقل أو منطق .
بالتالي لا تتعلق المسألة بتغيير في شكل السلطة لكي تكون "ديمقراطية"، ولا في مشاركة المعارضة في حكومة لا دور لها سوى تنفيذ ما تقرره تلك المافيات التي تمسك بقوة في الأجهزة الأمنية والبوليس، بل تتعلق المسألة –كما يقول سلامة كيلة- بتغيير الطبقة الرأسمالية من أجل تغيير كلية التكوين الاقتصادي الذي يقوم على الطابع الريعي المافياوي والذي يهمش القوى المنتجة، ويجعل البلد مشاعاً للطغم الإمبريالية، لمصلحة حكومة تمثل الطبقات الشعبية، حكومة تتمثل فيها النقابات العمالية والمهنية والأحزاب الممثلة لهذه الطبقات حصراً.
ولن يفيد أي تغيير في شكل السلطة مهما كانت "سعة" الديمقراطية التي تُعطى ما دامت الطبقة ذاتها هي التي تمسك بمفاصل الدولة. فالمشكلة هي في سلطة هذه الطبقة بالذات، وليس في شكل السلطة الدكتاتوري فقط. ليست المسألة هي مسألة الحرية فقط، ولا الديمقراطية فحسب، إنها مسألة الخيار الطبقي بالأساس، قبل هذا وذاك.
لهذا على القوى الماركسية العربية أن تعي هذا الدرس، وأن تتداعى على الفور لكي تناقش الأفكار الكفيلة بالتمهيد الجدي لوحدتها على المستوى القومي العربي ، كخطوة ضرورية على طريق تنظيم وتأطير أوسع شرائح العمال والفلاحين الفقراء. لكن هذه الخطوة مرهونة بالدرجة الأولى بتفعيل فصائل وأحزاب اليسار في بلدانها أولاًَ ، بما يمكنها من الخروج من أزماتها الفكرية والسياسية والتنظيمية ، واثبات وجودها وفعاليتها في أوساط جماهيرها في كل قطر عربي ، تمهيداً للخطوة العملية صوب وحدة القوى اليسارية العربية ،  وفتح الأبواب مشرعة أمام استنهاض المشروع الوحدوي التقدمي العربي وبناء أسس المجتمع الاشتراكي الموحد.


[1] سامي حسن – الرسائل السبع لسيدي بوزيد – 15/1/2011 – موقع الافق الاشتراكي .



#غازي_الصوراني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأوضاع الصحية في الضفة والقطاع
- الاوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع
- غازي الصوراني في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: القضايا ...
- دلالات التجربة الثقافية والتنظيمية في حياة أبو علي مصطفى
- المرأة الفلسطينية ودورها في المسار الوطني والديمقراطي
- كيف تقدم الجبهة الشعبية غسان كنفاني ؟
- الانتماء القومي وإشكالية الهوية [1]
- ماذا بعد وصول حل الدولتين إلى أفق مسدود ..؟
- هل انتهت الفلسفة
- كتاب - التحولات الاجتماعية والطبقية في الضفة الغربية وقطاع غ ...
- كتاب- التحولات الاجتماعية والطبقية في الضفة وغزة-
- وعد بلفور ومسار الصراع العربي الصهيوني
- الحصار والانقسام وآثارهما الاقتصادية والاجتماعية على قطاع غز ...
- الفلسفة وتطورها التاريخي
- حول مفهوم الأخلاق والحزب الثوري
- معظم النظام العربي يلعب دور أساسي في استمرار تقدم المشروع ال ...
- ما الماركسية ؟ الصوراني يدعو كوادر الجبهة للتمسك بالماركسية ...
- حول تطور م.ت.ف من عام 1968 – 1974*
- تطور الرأسمالية منذ القرن الثامن عشر إلى بداية القرن الحادي ...
- ورقة حول : أنفاق رفح وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسي ...


المزيد.....




- مركز -غاماليا- بدأ بتطوير لقاحات mRNA
- اكتشاف مدينة قديمة شرق الصين فيها مجار مائية
- هل ينهي اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان التصعي ...
- الكوليرا تودي بحياة 7 على الأقل في هايتي
- مقتل جندي سوري في هجمات -جبهة النصرة- بمنطقة خفض التصعيد
- سلاح البحرية الأمريكي يحصل على سفينة قتالية جديدة
- الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باستهداف مواقع للجيش في تعز وص ...
- الجيش الأوكراني يحدد المدن التي يسعى لاستعادتها.. ما هي؟
- في خطوة لافتة.. وزير بريطاني يعتذر للاتحاد الأوروبي ولأيرلند ...
- موقع بوكينغ يتراجع عن تصنيف المستوطنات الإسرائيلية مناطق محت ...


المزيد.....

- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - غازي الصوراني - دلالات وانعكاسات الانتفاضة التونسية على الواقع العربي