أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ماءالعينين سيدي بويه - نحو اعادة توحيد الوعي الاسلامي: قراءة في أعمال محمد اركون















المزيد.....

نحو اعادة توحيد الوعي الاسلامي: قراءة في أعمال محمد اركون


ماءالعينين سيدي بويه

الحوار المتمدن-العدد: 3257 - 2011 / 1 / 25 - 08:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


دراسة الوعي الاسلامي
I ـ 1 ـ الوعي الاسلامي والتراث الحي


يؤكد أركون منذ البداية أن تحليله للتراث الحي يبقي سيكولوجيا أكثر منه تاريخيا أو سوسيولوجيا، في محاولة من أجل الكشف عن مضامين وأساليب اشتغال الوعي الفردي والجماعي في المجتمعات الاسلامية المعاصرة. بمعني هل الوعي الاسلامي الحالي استمرار للوعي الكلاسيكي أم هو وعي القطيعة والطفرة.
لدينا الغزالي الذي يمثل استمرارية الوعي الكلاسيكي، ثم ابن رشد الذي يمثل القطيعة معه. فبالنسبة للغزالي الوعي الخاطئ هو ذلك الذي ينكر الأخبار بمعانيها الخمسة: الوجود الذاتي (الحقيقي)، والحسي (كالبصر)، والخيالي (الافتراضي)، والعقلي (روحا وحقيقة)، والشبهي (المجازي) وهو كفر محض وزندقة خالصة.
لقد استخدم الغزالي لغة جد صارمة في كتابه المعروف: فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة ، لكي يحدد الموقع الفقهي ـ الديني لكل الفئات الاسلامية التي انحرفت في نقطة أو عدة نقاط من اعتقادات المسلمين الأرثوذوكسيين (أهل السنة والجماعة)، راح الغزالي يشرح ويوضح شروط سلامة وصحة كل معرفة بشرية. نلاحظ أن الوعي الذي اراد الغزالي تأسيسه يبقي منغمسا في المناخ النفسي المعقد المندرج ضمن المصطلحات التالية:
روح ـ قلب ـ نفس ـ عقل.
أما ابن رشد فيحدد الفلسفة كعلم استدلالي وليست مجرد تصورات ذات مناهج ونتائج قلقة، ثم ثانيا علي أنها عملية تعتمد علي التطبيق الصحيح للمبادئ الأساسية للمحاكمة القياسية. ثم يقابلها بالشرع ليستنتج ولو بالتأويل أن الحكمة والشريعة علي اتفاق ومقررا أن العقل قادر علي انتاج الحقيقة، وأن لهذا العقل تاريخا. إذن فالوعي الذي يدعو اليه ابن رشد وعي قد افتتح للفكر الاسلامي ساحة الحداثة العقلية التي ستشق طريقها في الغرب مفرقة ما بين التعالي والمحسوسية.
في الوقت الذي سيتركز وعي الغزالي كاستمرارية للوعي الدوغمائي الذي تعود مواقفه الي العصور الوسطي، سيتنكر جل رواد الفكر الاسلامي لابن رشد أي للوعي الفلسفي العقلي. لذلك فان أركون يري أنه ما من ميزة تذكر يتمسك بها الفكر الاسلامي إزاء انكاره للمعرفة العلمية، هذه الأخيرة التي فرضت نفسها بمناهجها ومفاهيمها ونتائجها. فمن أبرز سماتها سرعة تغيير المبادئ والمنطلقات ونسبية الحقائق أي القدرة علي اخراج الوعي من الحالة التأويلية (الفرد قادر علي تجديد المعني القانوني الصحيح لكلام الله)، الي الدائرة التأويلية حيث تهدف الروح الموضوعية في هذه المرحلة الي تكوين معرفة مطابقة للواقع ولكنها ترتد حتما في الوقت ذاته الي ذاتيتها من أجل تقطيع الواقع ورؤيته حسب الشروط المتغيرة للتحسس والتعرف والتبصر. وتلك هي القفزة التي نحتاج اليها لكي نحقق الانتقال من الدوغما الي النقد.

ـ 2 ـ نحو اعادة توحيد الوعي الاسلامي

إن الوعي الاسلامي كان قد أسس من قبل القرآن الذي ادخل الحالة التأويلية الي اللغة العربية، وذلك بواسطة مجموعة من الممارسات السيمائية الخاصة: الشعائر والأخلاق والمؤسسات وأنماط الانتاج والتبادل، ثم انضافت الي القرآن (الوحي) نصوص اخري ذات انتشار واتساع متفاوت وجمعت في مجموعات نصية أو مؤلفات صحيحة وموثوقة منها صحيح البخاري ومسلم والكليني وابن بابويه، الخ ... .
هنا نستنتج أن القرآن واحد للجميع ويقف فوق الجميع، بينما يبقي الحديث مختلفا. اننا نتحدث عن حديث سني (البخاري ومسلم...)، ونتحدث عن حديث شيعي (الكليني، ابن بابويه ...)، كما نتحدث عن حديث اباضي (ابن الحبيب ...). وقد ترسخت مجموعات الحديث الآنفة أثناء تشكل المذاهب وزمن أجل دعمها وتقويتها وخلع المشروعية عليها. وهذه العملية هي التي يدعوها محمد أركون بتشكل الأرثوذكسيات في الاسلام، السنية والشيعية والخارجية.
إن كل مذهب من هذه الأرثوذكسيات الاسلامات الصحيحة (كل من وجهة نظره بالطبع) يستمر حتي هذه اللحظة في تكرار ثراته التأويلي الخاص ويستمر في التشبت بنفس المواقع اللاهوتية القروسطية. عن هذه الحالة يقدم اركون مثالا تطبيقيا عن التحليل التفكيكي، التركيبي لأعرق المجادلات والمناقشات الكبري التي قسمت الوعي الاسلامي ومزقته منذ عام 632م. إنها مجادلة سنية، شيعية حصلت بين السيد حسن يوسف المكي عن الجانب الشيعي أصدر عام 1963 كتابا بعنوان: عقيدة الشيعة في الامام الصادق وسائر الأئمة . وبين الشيخ ابو زهرة عن الجانب السني أصدر كتابي الاسلام الصادق (طبعة بدون تاريخ) وكتاب أصول الفقه الجعفري أصدر عام 1955.
يحاول كلا الشيخين خلال مجادلتهما، أن يرسخ صلاحيات ويقينيات مذهبه مقابل دحض يقينيات الآخر والحط من شأنها، وفي الوقت ذاته لا ينسي كل منهما أن يلح علي فكرة أن توحيد الوعي الاسلامي لا يمكن أن تتحقق الا بالتحول الكامل للشيعة الي مذهب السنة أو العكس.
إن هذه المجادلة تشكل نقطة انطلاق الأولي لعودة طويلة الي الوراء عبر الزمن والقرون حتي نصل الي سنة 632م، تاريخ موت النبي (صلي الله عليه وسلم)، لذلك فإن أركون يكتفي في محاولته لاعادة التوحيد بين هذين الوعيين بتحقيق ما يلي: 1 ـ تحديد الوضع المشترك لكلا الطرفين.
2 ـ موضعة أماكن الاحتجاج والخلاف من وجهة نظر مواقع طوبولوجية المعني. أما بخصوص الهدف الأول فان التضاد السني، الشيعي كما يتجلي لدي كلا المؤلفين يتيح لنا تحديد السمات المشتركة للحالة التأويلية في الاسلام (القرآن والمجموعات النصية الموثوقة ...)، إذ أن أي شخص ينتسب الي هذه الشهادة الايمانية التي يفرض بها الاسلام نفسه كدين ويتمايز عن الأديان الأخري أو يتضاد معها فانه يلتزم بالضرورة بتحقيق المهمتين التاليتين:
1 ـ تلقي كلام الله وتعاليم رسوله بكليتها وحذافيرها.
2 ـ الفهم المطابق لكل عنصر من عناصر الرسالة المتعالية او الالهية.
أما بالنسبة للهدف الثاني، فينبغي علينا فقط أن نأخذ بعين الاعتبار التعديلات والتصحيحات الحاصلة عن طريق طوبولوجيا المعني وذلك عندما ننتقل من مرحلة العصور الوسطي الي مرحلة العصور الحديثة. لأن المؤمنين داخل كل معتقد اعتقدوا أنهم يستطيعون التوصل الي استكشاف وامتلاك موقع المعني أو طوبولوجيا المعني الموجودة في الوحي.
هذا ما تعبر عنه الحالة السنية والشيعية عندما يتحاجون بسيوف الأدلة القاطعة، فانهم يرتبطون دائما بموقع محدد من تشكيلة المعني هذه التي أوصلها الله للبشر. وكذلك الحال فيما يخص أهل الكتاب المنخرطين في الحالة التأويلية، إذ نلاحظ أن طوبولوجيا المعني هي عبارة عن اسقاط مواقع الفكر التأويلي او التفسيري (التي اعتقد بقدرته علي استخراجها من النص المقدس وبوجوب هذا الاستخراج) علي الواقع.
في ختام هذه الدراسة يستنتج اركون أن السيد العاملي والشيخ ابو زهرة ، يقعان علي مسافة متساوية في البعد من مواقع المعني الكائنة بين مواقع انتاج المعني الكائنة بين مواقع انتاج المعني المفتوحة علي جميع الاحتمالات، القرآن مثلا، وبين الأنماط الخاصة المحددة من الدلالات التي اعتقد الفكر الاسلامي الكلاسيكي بجميع مذاهبه انه قادر علي تثبيتها فيها. وإذن هما يستمران في تأبيد خطاب يلبي حاجيات وآمال المؤمنين الذين بقوا علي هامش الوعي النقدي، إنهما يمثلان الوعي الخاطئ أي ذلك الوعي الذي لا يقوم أبدا بأية عودة نقدية علي ذاته.

II ـ الاسلام المعاصر أمام تراثه
II ـ 1 ـ الاسلام والتراث

كانت المناقشة الخاصة بالتراث (يعني به أركون السنة) قد افتتحت علي نطاق واسع منذ ظهور القرآن. ونلاحظ ان كل الرسالة القرآنية تقدم نفسها وتمارس دورها علي هيئة حداثة تقلب كل شيء بالقياس الي العقائد والعادات والتقاليد. في حين رمي التراث السابق علي الاسلام كليا في دائرة الجهل والفوضي والظلم والضلال والوثنية والقمع والتعسف، اما التراث بالمعني الكبير والمثالي للكلمة فهو تراث الهي لا يمكن للبشر أن يغيروا فيه شيئا.
يتساءل أركون هل ينبغي عندئد والحال كذلك مقاربة مفهوم التراث أو دراسته استنادا علي مفهوم الاسلام بالمعني المتعالي؟ ام ينبغي علينا اعادة تحديد الاسلام بصفته عملية اجتماعية وتاريخية من جملة عمليات وسيرورات أخري؟
إن المقاربة الأولي تعتبر مقاربة مثالية تتوافق مع الخطاب الاسلامي الراهن الخاص بالحركات المدعوة اسلامية، ذات الخطاب الاصلاحي السلفي.
يري هؤلاء أن الاسلام متضمن كليا في القرآن بالهيئة التي وضحه عليها الحديث النبوي وفسره أهل الاسلام الصحيح . أما المقاربة أو المسار الثاني فيعمل علي ترك مفهومي الاسلام والتراث مفتوحين أي غير محددين بشكل نهائي ومغلق. لأنهما خاضعان للتغيير المستمر الذي يفرضه التاريخ، وعندئذ نستطيع أن ندمج في التحليل كما في الممارسة العلمية المحسوسة أو الدنيا هو الروحي للاسلام الذي يقوم بتغذية شعور الأمة بهويتها ويحرك آمال المؤمنين ويخلع غاية أخروية ووجودية علي التصرفات التاريخية لهم في الوقت الذي يرفض فيه أن يأخذ بعين الاعتبار تاريخية كل هذه المعطيات. إن مثل هذا العمل يعتبر جديدا كليا في الفكر الاسلامي.
ولكن كيف ذلك؟ يحدد أركون وحدة الاسلام التي يصبو اليها المؤمنون بشكل مثالي والتي حصلت تدريجيا في التاريخ علي أساس المراجع الاجبارية الأربعة التالية: 1 ـ النص القرآني (المصحف)، 2 ـ مجموعات نصوص الحديث والتشريع العديدة والمختلفة، 3 ـ الفرائض القانونية الخمس والشعائر اللازمة لتأديتها، 4 ـ الدينامو الروحي المشترك لدي كل المؤمنين والذي يشكل خاصية مميزة للتراث، يقوم بتركيز النظر علي المفردات التالية سنة، خبر، اثر سماع، رواية، حديث. هذه المفردات التي كان لها معني شائع ضمن الاستخدام اللغوي العربي السابق علي الاسلام. ولكن تمت بلورتها واعادة صياغتها من جديد داخل منظور القرآن، وتجربة المدينة الكبري، لكي تدل علي تراث ديني وثقافي طور التشكل والانبثاق معا.
هذا الجانب الرسمي في تشكيل التراث الاسلامي أساسي جدا لكي نفهم ثلاث نتائج كان الفكر الاسلامي قد تحمل مسؤوليتها بشكل متفاوت وهي أولا تشظي التراث أو انقسامه الي خطين: الخط السني والخط الشيعي، وثانيا استبعاد كل التراثاث المحلية المعتبرة غير اسلامية وذلك من قبل علم الفقه، ثم ثالثا ضعف لاهوتية التراث وانقطاعيتها ولا استمراريتها.
فبخصوص النتيجة الأولي ينبغي أن نسجل وجود فرق حاسم بين الممارسة السنية والممارسة الشيعية لانتاج التراث أو تشكل السنة. فلقد ساهمت القرارات التي اتخذها الخلفاء الحاكمون في تنمية التراث المدعو بالسني سواء كان الأمر يخص تشكيل المصحف ايام عثمان أم تشكيل الذاكرة الجماعية ومرجعياتها الدينية والقانونية التأريخية أي كتابة التاريخ وتسجيله.
أما الشيعة فقد حصروا في خانة المعارضة وتعرضوا غالبا للاضطهاد، باستثناء فترة حكم علي القصيرة (36 ـ 41 هـ/ 656 ـ 661م) وقد أتيحت لهم الفترة الكافية لكي يؤسسوا رؤيا تراجيدية للتاريخ هذه الرؤية هي دينية ودنيوية بشكل لا ينفصم.

II ـ 2 ـ التراث الاسلامي الكلي

تتطلب منا دعوة محمد أركون الي السنة (التراث) الاسلامية الشاملة، الذي يضم الجميع ويفتح صدره للجميع دون استثناء قبل كل شيء الخروج من العقلية المذهبية، أو مما يدعوه بالتراث المبتور الذي يتقوقع فيه صاحب كل مذهب داخل مذهبه، وكل واحد يرفض الآخر. فلا يعود بامكاننا الخروج من هذا النفق المعتم إلا عن طريق فتح كل الأضابير الخلافية القديمة وكل المواقع اللاهوتية الراسخة من جديد، ينبغي فتحها، تهويتها، وضعها علي محك النقد التاريخي والابستمولوجي الحديث. يقترح أركون من اجل تأويل التراث تأويلا ايجابيا مقاربتين نقديتين تساعدان علي تأمل التراث والتفكير فيه، أي أن نعمل علي خرق وانتهاك المحرمات والممنوعات السائدة أمس واليوم.

أ ـ المقاربة السيميائية أو الدلالية اللغوية
أصبح من المؤكد اليوم أن التحليل السيميائي يجبر الدارس علي ممارسة تمرين من التقشف والنقاء العقلي والفكري، لكي نتعلم كيف نقيم مسافة منهجية تجاه النصوص، خاصة النصوص التي تمثل نقطة انطلاق التراث. فمصادر التراث الاسلامي مثلا تبدو بمثابة المواد الثقافية المحددة تماما والمنغلقة أبدا، بينما تعتــبر الأمة والاسناد هما الشاهدين علي حقيقة الوحي الكبري التي تستند دائما علي نقاط الارتكاز التالية:
الله ـ محمد الصحابة التابعون رؤساء المدارس الجامعون الأمناء (الخط السني) محمد الأئمة الجامعون مراجع التقليد أو الأستاذية العقائدية (الخط الشيعي) إن علم السيمياء أو الدلالات يطمح الي الاستعادة النقدية التي تتخذ مسافة بينها وبين المواد المقروءة الأولية ثم كل المواد الثانية أو الثانوية التي أنتجها التراث في آن معا. فكيف تقوم العلامات المستخدمة في النصوص بالدلالة وتوليد المعني؟ ما هي الاليات الألسنية أو اللغوية المستخدمة من اجل انتاج هذا المعني المحدد وليس أي معني آخر غيره؟ لمن ينبثق هذا المعني وضمن أية شروط؟
وهذا يعني أن تأسيس البحث علي قاعدة المعطيات السيميائية الدلالية وأسئلتها، سوف يمكننا من التوصل الي وعي إسلامي حديث، ومن ثم نشكل صورة أخري عن التراث الديني للإسلام، صورة تتجاوز كل الصور الموروثة لأنها واعية بذاتها ومضاءة تاريخيا. لأنه يكفي أن نلقي نظرة علي الخطابات السنية والشيعية والاباضية الشائعة حاليا لكي نتأكد من أنها محكومة بنفس المنظومة الفكرية او نظام الابستمية ـ كما يقول ميشيل فوكو ـ التي سادت الفضاء العقلي القروسطي.

ب ـ المقاربة التاريخية والسوسيولوجية
تسعي المقاربة التاريخية والسوسيولوجية الي تجاوز الأطر الاجتماعية والثقافية الخاصة بالمعرفة خلال القرنين الأول والثاني للهجرة عند المسلمين (أي تجاوز المنظومة الفكرية السائدة حينها)، فهم كانوا يهمتون بالأحداث الزمنية المتسلسلة وبالسيرة الذاتية وبالحكايات المناسبة من أجل البرهنة علي صحة المادة المنقولة أو المروية وموثوقيتها. كما تروم ايضا هذه المقاربة تبيان كيف أن بعد الغريب الساحر والمدهش (في القرآن) أو البعد الأسطوري والرمزي والمجازي، كان يتغلب آنذاك علي المقولات العقلانية والمنهجيات المنطقية في تشكيل المخيال الاجتماعي وطريقة وظائفيته وممارسته لعلمه.
من أجل ذلك ينبغي أن تستعاد دراسة كل التاريخ الثقافي للمجال العربي والاسلامي ضمن المنظور المزدوج للتنافس بين العاملين، الشفهي والكتابي والأسطوري والعقلاني، الغريب الساحر والمحسوس الواقعي، المقدس والدنيوي الأرضي. في هذا السياق يضرب أركون مثالا للدراسة يتمثل في اعادة بلورة مفهوم مجتمع الكتاب، هذا المفهوم الذي يتيح لنا التأكيد علي بعدين للتراث كانت المقاربة الثيولوجية الدوغمائية قد قللت من أهميتها وهما تاريخية كل العمليات الثقافية والممارسات العلمية التي يندمج الكتاب المقدس بواسطتها داخل الجسد الاجتماعي ويمارس دوره فيه، ثم سوسيولوجيا التلقي والاستقبال أي الكيفية التي تتلقي بها الفئات الاجتــماعية أو الاثنــية ـ الاجتماعية المختلفة التراث.
تكشف لنا الدراسة للمجتمعات الاسلامية ـ العربية عن لعبة ثلاث قوي متنافسة حول قراءة التراث تتمثل في كل من التراث بالمعني العام والعتيق أو المهجور، والتراث الكتابي المقدس نمودج التراث الاسلامي، ثم الحداثة التي تميل الي احداث القطيعة مع القوتين السابقتين. هنا تبرز وظيفة علم التاريخ والأنثروبولوجية والسوسيولوجية في تعرية الحقائق المقنعة والمحجوبة من قبل تلك القوة المتلاعبة بالمخيال الديني، وكيف يتلاعبون بالتراث ويحركون الناس من أجل غايات سياسية.
وأخيرا يري أركون أن الفكر الديني هو الآن بحاجة الي باحثين مستقلين بعد أن كان طيلة قرون عديدة إما حكرا علي سدنته وخدامه المتحمسين (رجال الدين) وأما دريئة للمجادلين الذين يستهدفون غايات أخري. هؤلاء الباحثون هم المفكرون المسلمون المعاصرون، الذين عليهم أن يفعلوا كما فعل المفكرون المسيحيون الأوروبيون، إن عليهم أن يفكروا بالمجاز ويتدربوا علي علم الألسنيات الحديثة وكيفية تفسير النصوص القـــديمـة واستخلاص أكبـر ما يمكن استخلاصه منه. إن محـــمد أركون يدعو الي التالي هو أن تطبيق الدراســة النقدية علي الفكر الاسلامي سوف يؤدي شيئا فـــشيئا الي اعــادة النظر بالمسألة الدينية كلها.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزمن العربي الموحش.. لحظة الكتابة؟؟؟
- في الحب والسياسة؟؟
- عبد الرحمان منيف في صحراء الجزيرة العربية
- لا أعرف الشخصَ الغريبَ
- أحداث مخيم العيون،أفاضت كأس علاقات المغرب مع جاريه.. الجزائر ...
- السياسة الواقعية في نهاية التاريخ


المزيد.....




- بابا الفاتيكان: لا تعيدوا اللاجئين إلى ليبيا.. إلى معسكرات ا ...
- بابا الفاتيكان: لا تعيدوا اللاجئين إلى ليبيا.. إلى معسكرات ا ...
- جبهة العمل الاسلامي تستنکر الاعتداءات الاسرائيلية ضد الشعب ا ...
- سبوتنيك: حركة طالبان لن تشارك في مؤتمر طهران
- وصفه بالخطأ الكبير.. المرشد الأعلى الإيراني يدعو دولا عربية ...
- محور يدعو للوحدة الإسلامية مقابل محور يدعو للفتنة والتطبيع! ...
- معتقلون مصريون يناشدون شيخ الأزهر الإفراج عنهم
- -هل يصبح أخا لبناتي؟-.. دار الإفتاء المصرية ترد على سؤال حول ...
- قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي يستقبل الضيو ...
- آية الله خامنئي: إذا اتحد المسلمون فإن ذلك سيؤدي إلى تعزيز ق ...


المزيد.....

- كتاب ( تطبيق الشريعة السنّية لأكابر المجرمين في عصر السلطان ... / أحمد صبحى منصور
- التنمية وواقعها الاممي / ياسر جاسم قاسم
- الحتمية التنويرية مدخل التزامن الحضاري / ياسر جاسم قاسم
- حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي / غازي الصوراني
- الأمويون والعلمانية / يوسف حاجي
- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ماءالعينين سيدي بويه - نحو اعادة توحيد الوعي الاسلامي: قراءة في أعمال محمد اركون