أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهيل أحمد بهجت - الإنسان و المسؤولية الكاملة















المزيد.....

الإنسان و المسؤولية الكاملة


سهيل أحمد بهجت
باحث مختص بتاريخ الأديان و خصوصا المسيحية الأولى و الإسلام إلى جانب اختصاصات أخر

(Sohel Bahjat)


الحوار المتمدن-العدد: 3195 - 2010 / 11 / 24 - 08:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



إن ما يسميه أو يظنه المسيري "نزعا لقداسة المادة" و بالتالي نزع القداسة عن الإنسان، ليس أمرا تقرره المعاجم و تقرره رغباتنا نحن، إذ نجد أن كثيرا من الشعوب كانت تؤمن بالدين و تطبيقه "حرفيا" في كافة مجالات الحياة، لكن العلاقة تنتفق و تنفصل بين المادة و الله حينما يبدأ الإنسان في النظر الواقعي الحقيقي إلى الأمور، فالفرنسيون حينما نظروا إلى واقعهم المؤلم و الطبقية الرهيبة و الظلم و الحيف الذي كان يحيط بهم، طرحوا على أنفسهم أسئلة مثل: هل الواقع المؤلم الذي نعيشه هو بسبب إرادة إلهية؟ أم أنه نتاج للبشر و حكامهم و كهنتهم الذين يستغلون الدين لغايات دنيوية؟ هل الأمراض و التشوهات الخلقية و النقص الذي يعتري وجود الإنسان نتاج إلهي أم إنساني؟ و إذا كان أصحاب اللاهوت أنفسهم ينكرون أن الله يصنع الشّر و القبيح و الظلم؟ فلماذا الإصرار على نسبة كل هذه القباحات و المساويء و الجرائم إلى الله؟ أليس الأولى تحميل الإنسان المسئولية الكاملة؟ و ما الفارق بين نزوع الإنسان نحو التوسع الإمبريالي حسب المسيري و نزوع آخر نحو الإمبريالية تحت شعار "الجهاد المقدس" و "الدعوة" و "إخراج الناس من عبادة الأصنام" إلى عبادة معاوية بن أبي سفيان أو هــارون الرشيد أو محمد الفاتح ـ فاتح القسطنطيية ـ الذي قتل 19 أخا له من أجل السلطنة؟
نحن لا ننكر أن الحضارة الغربية كانت قد عاشت في طور من أطوارها فترة من الغرور و رغبة جامحة في التوسع، لكن هل حكومات عالمنا الإسلامي في الماضي و الحاضر كانوا أفضل من حكام و أنظمة الغرب؟ لقد قطع الغرب أشواطا من من التطور و الرقي الحضاري و تقييم الإنسان من حيث الواقع، بينما المسيري يصر و يلح على أن ننظر إلى الإنسان من خلال الخيالات و الكلمات و النظريات الجميلة، دون أن يأتينا بأي نموذج واقعي ملموس، فالشرق يحترم الإنسان على المستوى "النظري" البحت و لكنه على أرض الواقع يحطمه عبر التجريد و شمولية الفكرة إذ لا بأس بتحطيم الأفراد و التضحية بهم في سبيل الفكرة "الإنسان" و لكن لا قيمة للفكرة إذا لم يكن لها أي انعكاس على أرض الواقع.
إن نزع القداسة عن المادة في الغرب لم يكن ليعني بالضرورة إن الدين انفصل عن واقع الإنسان، بقدر ما أدى إلى أن يصبح الإنسان هو مركز الوجود و تجسيد الله على الأرض، فالله لا يمكن له و هو ذلك الجمال المطلق اللا محدود أن يقوم بأفعال المادة الناقصة مباشرة، إلا كونه أوجد المادة و لكن لا يمكن حتى للذات الإلهية أن تجعل المادة مثالية مطلقة لأن المطلق و الجمال الكامل لله وحده، أما المادة فلها ارتباطها العضوي المباشر بالإنسان و لا بد للإنسان من أن يستفيد من هذه المادة و لكن لا بد له أن يكون حذرا في تعامله مع المادة لأنه يبقى كائنا محدود الإدراك، و إن كان إدراكه و وعيه في اتساع بفعل التطور التكنولوجي و المعرفي بفعل الأجهزة و المستحدثات التي مكنته من رؤية أصغر الأشياء إلى أضخم و أبعد الكواكب، و كما قلنا، فإن نزع القداسة عن المادة لم يكن وليد الحضارة الغربية بقدر ما كان منهجا قرآنيا، كالآيات: { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} الأعراف ـ 54 {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} إبراهيم ـ 33 {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الحج ـ 65 و غيرها كثير، تشير إلى أن الإنسان هو مركز الوجود و أن من حقه أن يستفيد من هذا التسخير ـ و هو نوع من الاستعباد ـ إلى أبعد الحدود.
يقول المسيري:
"و قد عبّر رورتي عن المعنى نفسه بطريقة فلسفية أعمق، حين وصف التحديث (في العالم الغربي) بأنه مشروع نزع الإلوهية (أو القداسة) عن العالم (Dedivinization) و هو يعني أن يتقبل الإنسان زمنية كل شيء و أن لا يؤله الإنسان شيئا، و لا حتى ذاته، و ألا يجد في الكون أي شيء مقدس أو رباني أو حتى نصف رباني، و من ثم، لا توجد مقدسات أو محرمات من أي نوع فلا حاجة إلى تجاوز المعطى المادي (الزماني المكاني)، فالإنسان يوجد في عالمه المادي لا يتجاوزه، فالعالم مكتف بذاته، و هو مستقر كل القوانين التي يحتاج إلى معرفتها، ثمّ يبين لنا رورتي النتائج المنطقية لهذا الموقف بقوله: ((إن الحضارة العلمانية الحديثة لن تكتفي باستبعاد فكرة القداسة أو بإعادة تفسيرها بشكل جذري، و إنما ستهاجم الذات الإنسانية نفسها كمصدر الحقيقة))، فهي ستهاجم فكرة ((تكريس الذات للحق (الحقيقة))) أو ((تحقيق الحاجات العميقة للذات))، كما ستبين أن المصدر المعنى ليس كلاّ متجاوزا و إنما هو الإنسان، و الإنسان كائن حادث زمني متناه، أي أنه ليس مصدرا جيدا للحقيقة." العلمانية تحت الجهر ـ ص 85 ـ 86
إن محاولات المسيري نزع حب السؤال عن الإنسان هو أشبه بمحاولة خلق إنسان مطلق كامل، بمعنى أنه مستحيل، فسواء اقتنع الإنسان بالدين أو المادية أو أنكر الإله أو أقر به، فإنه ينتهي إلى أن يطرح الأسئلة و يسعى بإلحاح لأن يحصل على إجابة، و إذا كان المسيري وجد عند رورتي فلسفة تنتهي إلى العدمية، فإن رورتي لا يُقدم لنا نموذجا يجوز لنا تعميمه، و لو لم يكن للواقع أكثر من انعكاس لما وجدنا النّاس ذوي ميول و معتقدات و أديان متعددة، لذلك نجد أن مفهاهيم الدين "الخلق"، "الروح"، "الثواب و العقاب"، "حياة الآخر" و غيرها من المفاهيم، ليست واضحة المعالم و هي تختلف، و ستبقى كذلك، من دين إلى آخر، بل و حتى داخل الدين الواحد، و هذا التعدد الذي يبلغ حدّ التناقض هو الذي أدى بالإنسان الحديث إلى أن يصل إلى نوع من اللا أدرية الحيادية Agnostic، و إذا كنا أدركنا الفارق بين الرغبة و الواقع كإدراك فإن المسيري يتجاهل هذه النقطة، و كما أشرنا سابقا فإن طرح الأسئلة إلى ما لا نهاية أمر ممكن كنوع من الشغب الفلسفي الذي لا يكون له هدف إلا الدوران في دائرة مفرغة، و من هنا فلا مرجعية نهائية لأي فلسفية لأن العلم نفسه "حتى و هو في أعلى درجات اليقين" يبقى أساسه الراسخ مبنيا على الشك اللا نهائي، و هذا ما يجعل الإنسان مختلفا عن أمة النمل و النحل التي تمتلك نظاما غريزيا ثابتا، غير أن نظام الإنسان متغير على الدوام.



#سهيل_أحمد_بهجت (هاشتاغ)       Sohel_Bahjat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في النمطيّة الدّينيّة و القوميّة
- المالكي و ... قائمة المنتحرين!!
- الإنسان ذلك الكائن الخلاق!!
- نقاش.. في ماهيّة النمطية !!
- لماذا يكرهون المالكي.. و النجاشي؟
- الهولوكوست الخامنئي..
- قراءة جديدة في الدين و العقلانية (2)
- قراءة جديدة للدين و العقلانية
- ما لم يكتشفه كولومبوس في أمريكا
- العلمانية و القوالب الفكرية
- المتديّنون يبنون العلمانية
- العلم من وجهة نظر جمالية
- في ثنائية الروح و الجسد
- شاكر النابلسي.. معروض للبيع
- الإنسان... المستحيل الوجود
- 9.4 .. يوم سقوط مقتدى البعث
- النظام العلماني و الدّين العقلاني
- علاوي و الطائرة الأمريكية
- المرحوم عبد الوهاب المسيري و عمى الألوان
- محاولات في تعريف العلمانية


المزيد.....




- قائد فيلق القدس العميد قاآني: إنّ ما شهده العراق اليوم جسّد ...
- -الجمهورية الإسلامية اليابانية-.. زلة لسان لترامب تشعل الجدل ...
- مستشار ومساعد قائد الثورة الإسلامية محمد مخبر: الترتيبات و ...
- جلال زاده: الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأصدقاؤها يعملون ع ...
- الدحيح.. حضور الإسلام في أمريكا أقدم وأعمق مما نظن
- شهيدان في قصف مركبة في محيط مبنى الجامعة الإسلامية غرب مدينة ...
- -يا رب ابنِ لنا دارا في الجنة-.. دعاء طفلة من الخليل هدم الا ...
- مستشار قائد الثورة الإسلامية علي أكبر ولايتي: الاعتراف اللفظ ...
- زلة لسان جديدة لترامب: -جمهورية اليابان الإسلامية- أطلقت 111 ...
- اليهودية دين العبرانيين وملة موسى عليه السلام


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهيل أحمد بهجت - الإنسان و المسؤولية الكاملة