أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود يوسف بكير - وفاة أعظم مفكر عربي معاصر د.محمد أركون















المزيد.....

وفاة أعظم مفكر عربي معاصر د.محمد أركون


محمود يوسف بكير

الحوار المتمدن-العدد: 3134 - 2010 / 9 / 24 - 23:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في يوم 14 سبتمبر عام 2010 توفى في باريس العلامة والمفكر العظيم د.محمد أركون الذي أفنى سنوات عمره الثانية والثمانين في بناء مشروعه الفكري الجسور والذي ركز فيه بالأساس على قضيتين محوريتين :
أولاً : إعادة تقديم التراث الإسلامي للغرب بشكل يتسم بالعقلانية والموضوعية ويتلافى الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها الإستشراق الغربي التقليدي وباختصار فإن أركون كان في غاية الإبداع والذكاء في تبنيه لأحدث منهجيات العلوم الإنسانية في الغرب في قراءة التراث الإسلامي قراءة حداثية موضوعية وحيادية استخدمت مقاربات غاية في العمق تعتمد على المنهجيات التاريخية والإنثروبولوجية ( التحقيب الزمني والإبستمولوجي ) والتطبيقات السوسيولوجية والألسنية .
وقد أثبت من خلال قراءته الحداثية الشاملة أن التراث والمجتمعات الإسلامية غير مدروسة علمياٌ حتى الآن على عكس التراث الغربي الذي درس وانتقد بشكل علمي شامل ولذلك نهضت أوربا على قواعد راسخة بعد تخلصها من قيود الفكر الديني الأسطوري المتخلف بعد نقده وهدمه وهو ما لم تستطع المجتمعات الإسلامية فعله حتى الآن .
لقد نجحت أوربا بالفعل إبان عصر النهضة في التخلص من هيمنة الكنيسة على كل مناحي الفكر والحياة وحلت العقلية العلمية التجريبية محل العقلية الدينية الدوغماتية وحلت القوانين الوضعية الطبيعية محل القوانين الأسطورية والميتافيزيقية وحدث نوع من الاهتمام بالإنسان وليس بالإله فقط .
وقد أثبت أركون أن المستشرقين الغربيين لم يحاولوا بشكل حثيث وجاد تحليل وفهم التراث والمجتمعات الإسلامية وأسباب كبوتها الحالية فيما عدا بعض المحاولات الخجولة هنا وهناك مثل كتاب برنارد لويس what went wrong (ما الخطأ الذي حدث ) وقد علقت عليه في مقال سابق .
ومرة أخرى فإن أركون حاول بجدية حث الغرب على مساعدة المسلمين بشكل منهجي من خلال تشخيص مشكلتهم التاريخية مع الحداثة كبداية لاندماجهم وإسهامهم بشكل فاعل من جديد في الحضارة العالمية ومن ثم حل مشكلة الصراع الحضاري الخطير والمتنامي بين الإسلام والغرب .
لقد حاول أركون بهمة عالية تذكير الغرب بأنه عندما كانت أوروبا تغط في ظلام عميق في العصور الوسطى ما بين القرون السابع والثاني عشر الميلادي تقريباَ كان العالم الإسلامي في غاية التقدم والتألق وعندما بدأت أوربا في النهوض الحقيقي في القرن الثالث عشر استفادت كثيراَ من العالم الإسلامي ومن أمثلة هذا أن عقلانية أبن رشد كانت الملهم الأول لرواد الحداثة العقلية في أوربا وعن طريقه عرفت أوربا أرسطو المعلم الأول للعقلانية .

إن قضية أركون المحورية في هذه الجزئية كانت لماذا استمر الإسلام في الصعود والنهوض طيلة القرون الستة الأولى من تاريخه ثم بدأ في التراجع منذ القرن الثاني عشر الميلادي وهو تاريخ موت ابن رشد وانحصار الاتجاه العقلاني وانتصار التيار الصوفي الغيبي للغزالي صاحب أكبر ضلع في مثلث هدم العقلانية والتفكير العلمي ومحاربة المنطق والترويج للإسلام التواكلي ،أما صاحبي الضلعين الآخرين فكانا الأشعري وابن تيمية .

ثانياَ : أما الهدف الثاني الذي سعى إليه أركون طوال حياته فكان محاولة تحديث الفكر الإسلامي ومحاولة الإسهام في إصلاح الوضع المتردي للإسلام المعاصر على أمل بعث وإحياء الدور الإسلامي من جديد في الحضارة الإنسانية.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف وضع أركون برنامج عمل تفصيلي كانت أهم محاوره ما يلي:

العقلانية

خاصة عقلنة النص ،أي قراءة النص الديني وتفسيره بطريقة عقلانية وكان يدعو دائماَ إلى التحلي بالشجاعة وعدم تقبل أفكار ومعتقدات الماضي دون مناقشة وتساؤل حقيقي .
ومن أقواله أن العقل الإسلامي ليس عقلاَ أزلياَ وإنما هو عقل تاريخي يتغير ويتطور مع الزمن وهو بهذا ينقد الطريقة التي يعمل بها العقل الديني الذي يخلط دائماَ بين التاريخي والأسطوري .

العلمانية

حيث يرى أركون أنها شرط لابد منه لتحديث المجتمعات الإسلامية وأنها المعيار الحقيقي للحكم على مدى حداثة أي مجتمع .
وهو يقول في هذا إن العلمنة ما هي إلا مجابهة السلطات الدينية التي تخنق حرية التفكير في الإنسان وانه على المسلمين أن يفصلوا بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية على غرار ما حصل في أوربا ، وأنه ينبغي تحقيق الاستقلالية للسلطة الدينية عن كل السلطات الأخرى حماية للدين نفسه ضد احتكار السلطة السياسية له كما هو حاصل الآن في كل المجتمعات الإسلامية حيث تكتسب كل الأنظمة السياسية القمعية والاستبدادية مشروعيتها من السيادة الدينية التي أصبحت جزءا من النظام السياسي . وهكذا يمكن أن يسهم مفهوم العلمانية في خلاص المجتمعات الإسلامية من الاستبداد والفساد السياسي الذي يكبل حركتها وتقدمها .

حقوق الإنسان

يرى أركون أنه بالرغم من تحدث القرآن والتراث الإسلامي عن حقوق الإنسان إلا أن حال المجتمعات الإسلامية المعاصرة يشهد أوضاعاَ مأساوية لهذه الحقوق من جانب الحكومات ومن جانب الحركات الأصولية المنتشرة والمتنامية في كل المجمعات الإسلامية ( ومن عندي أضيف أن أخر صيحة في هذا هو ميلاد منظمة الشباب الإسلامي في الصومال وهي حركة متطرفة بشكل مخيف حتى إن أعضائها كانوا يقتلون كل يضبط وهو يشاهد مباريات كأس العالم الأخيرة على التلفاز بدعوى أن هذا مسلك يدينه الإسلام !! )
وبالإضافة إلى هذا أصبح حكم الردة سلاحاَ فتاك ضد كل من يعبر عن مجرد رأيه في أي مسألة تقبل الجدل في الإسلام .
وخلاصة هذه القضية أن أركون يرى أن المسلمين لن يكون بمقدورهم الاندماج مع العالم ودخول الحداثة دون احترام حقوق الإنسان وحرية الاعتقاد داخل المجتمعات الإسلامية ،وكل من يتتبع كتابات أركون الأخيرة يلاحظ اهتمامه البالغ بمسألة حقوق الإنسان والتي كان يطلق عليها تعبير ( الأنسنة ) "Humanism” .

الديمقراطية

يقول أركون في كتابه " الفكر الأصولي واستحالة التأصيل " أنه لا يمكن ضمان الحقوق الأساسية للإنسان إلا من خلال النظام الديمقراطي وسيادة القانون في المجتمع وهو يرى أن الشعوب الإسلامية محاصرة من ناحية بنظم سياسية رسمية استبدادية
لا يمكن أن تسمح بسيادة الديمقراطية لأن هذا يعني ببساطة زوال هذه الأنظمة ،وهي محاصرة من ناحية أخرى من جانب التيارات الدينية المتطرفة التي تقول أن الديمقراطية ليست من الإسلام وهي تيارات تؤمن بأنها تمتلك الحقيقة كلها وأنها مخولة من الرب بفرض هذه الحقيقة على المجتمع بالقوة ومن ثم فإنها معادية للديمقراطية على طول الخط وتقول إن ديمقراطيتنا تسمى بالشورى وهم لا يرون الفارق البين بين كلا المفهومين ،فالشورى تكون محصورة عادة في نخبة معينة يختارها الحاكم بنفسه سواء بشكل مباشر وغير مباشر والأهم من هذا أن نصيحة أهل الشورى غير ملزمة بأي حال للحاكم ،وإذا ما قبل الحاكم بها فإن هذا القبول يكون فضلاَ ومكرمة منه ، فليس لحكم الشورى أي إلزام قانوني، أما الديمقراطية فهي تشمل كل أفراد المجتمع دون تمييز وما تقره الأغلبية من خلال ممثليها في البرلمان يكون ملزماَ للحاكم وله قوة القانون .

والخلاصة أن أركون يرى أنه لا يمكن أن يكون المجتمع حديثاَ دون أن يكون ديمقراطياَ.
إن مشروع أركون الرئيس ظل دائماَ دراسة الظاهرة الدينية باعتبارها ظاهرة تاريخية يمكن من خلال تفكيكها وتحليلها تشخيص وعلاج ظاهرة تردي الأحوال الإسلامية وتوقفها عن الإسهام الحضاري.
وقد هوجم في كل من الشرق والغرب دون رحمة، هوجم في الشرق من قبل حراس السياج الفولاذي المفروض على التراث الإسلامي الذين جعلوا الإسلام رهينة لهم
فهاجموه بضراوة واتهموه بالكفر والإلحاد وأنه عميل غربي يسعى لتفكيك الموروث الديني الإسلامي بغرض القضاء عليه !!
أما في الغرب،فقد اتهم بأن فكره غير موضوعي ومتأثر بالإطار المعرفي الإسلامي الموروث وشكك الكثير من المستشرقين في نوايا مشروعه وأهدافه.

ولكنني أؤكد أن التاريخ والدراسات العميقة لأعمال أركون سوف تنصف هذا الرجل وتثبت أنه سعى بإخلاص وهمة عالية لتجنيب العالم الصدام الحاصل الآن بين الإسلام والغرب .

رحم الله المفكر والمؤرخ محمد أركون أعظم من قرأ واستوعب التاريخ الإسلامي وتنبأ بالمستقبل. إنني أدعو كل القراء الكرام إلى قراءة واحداَ من أهم كتبه وهو " قضايا نقد العقل الديني ـ كيف نفهم الإسلام اليوم " والذي كتبه في عام 1998 وقام بترجمته الأستاذ هاشم صالح صاحب الفضل الكبير في تقديم أركون إلى العالم العربي ،سوف يدهش كل من يقرأ هذا الكتاب من قدرة أركون الفائقة على التنبؤ بالمستقبل فقد تنبأ بشكل دقيق بمظاهر العنف الديني التي يعاني منها العالم اليوم ومن كل الآثار الضارة للعولمة ولعلي أعرض أهم ملامح هذا الكتاب قريباَ.
إن أعمال هذا الرجل العظيم تحتاج إلى دراسات أكاديمية عميقة لأنها تصلح أن تكون الأساس الذي يقام عليه المشروع النهضوي الإسلامي .

رحم الله المفكر العظيم الذي أنار جوانب كثيرة شديدة الظلمة في تراثنا الإسلامي لم يجرؤ أحد من قبل على الاقتراب منها.

وداعاَ أيها الأستاذ العظيم


محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي مصري






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة الحمار ( الجزء الثاني )
- عن الكرة و السياسة والفساد في مصر
- الشعوب العربية ومعضلة رجال الدين
- البرادعي والسفيرة الأمريكية
- الاقتصاد والعولمة
- البقاء للأقذر
- ذكريات حب الطفولة
- البرادعي و الإخوان المسلمون
- خناقة على من يركب الحمار
- هل يمكن أن يأتي الإصلاح في مصر من الداخل؟
- نصيحة مخلصة إلى الإخوان المسلمين
- مقدمة في الغدر والتملق عند العرب
- حقيقة دور المضاربين وأزمة النظام الرأسمالي
- الإسلام ما بين التقدم والتخلف


المزيد.....




- خالدة جرار.. أسيرة فلسطينية تخوض الانتخابات من سجن إسرائيلي ...
- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يؤكد إصابة الشيخ القرضاوي بك ...
- إصابة الشيخ يوسف القرضاوي بفيروس كورونا
- إصابة الشيخ يوسف القرضاوي بفيروس كورونا وإعلان تفاصيل وضع حا ...
- إصابة يوسف القرضاوي بفيروس كورونا.. وصفحته على تويتر تؤكد: ب ...
- ريبورتاج 4/4: مفكر إسلامي يتخلى عن الدعوة ويتفرغ للتدريس بسب ...
- تقرير: الصندوق القومي اليهودي وشركات وهمية أذرع للاحتلال للس ...
- إصابة يوسف القرضاوي بفيروس كورونا والكشف عن وضعه الصحي
- إصابة يوسف القرضاوي بفيروس كورونا والكشف عن وضعه الصحي
- توجبهات قائد الثورة الاسلامية الى قوات الجيش الايراني


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود يوسف بكير - وفاة أعظم مفكر عربي معاصر د.محمد أركون