أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عزمي - المجنون الصامت عن الكلام














المزيد.....

المجنون الصامت عن الكلام


كريم عزمي

الحوار المتمدن-العدد: 2908 - 2010 / 2 / 5 - 14:06
المحور: الادب والفن
    


أغلق الكتاب الذي بيدي .. لم تنجح محاولاتي في متابعة القراءة به .. أشعر بدوار .. ربما لأنني لم أتناول الفطور بعد .. أحاول التماسك حتى الوصول للبيت .. أسند رأسي على النافذة التي بجواري .. مقاعد تلك العربة قصيرة و ضيقة و غير مريحة .. لم تتحرك العربة بعد في انتظار إكتمال مقاعدها بالركاب .. نسيت أن اليوم عطلة رسمية .. فخرجت للعمل مبكراً و ها أنا عائد للبيت مرة أخرى .

أشغل نفسي بمراقبة الأخرين السائرين في الشارع في هذا الجو البارد .. تأتي من بعيد بخطوات سريعة تلتفت حولها يميناً و شمالاً ترتسم على وجهها إبتسامة غير موجه لأحد .. مشيتها ووجهها أقرب للرجال منها للنساء .. سرعتها في المشي لا تتناسب مطلقاً مع سنها الذي رسم خطوطه العريضة على وجهها المجعد .. تتحدث مع شخص أعتقد أنه التابع و بقفزات سريعة تدخل العربة .. رثة الثياب .. أتمنى ألا تجلس بجواري .. يبدو أنها سمعت أمنيتي فحققتها لي بشكل معاكس .. ألقت بنفسها على المقعد المجاور لي .. و أخذت تحدق بي .. لم أنظر إليها .. ربما أرادت أن تخرج لي لسانها عقاباً لي على أمنيتي السخيفة .

كانت دائمة الحركة .. غير مستقرة في جلستها .. يبدو أنها تحاول لفت إنتباهي .. أتجاهلها .. تفقد الأمل في ذلك .. فبدأت تلتفت حولها للفت انتباه الأخرين .

- أين السائق ؟ لقد أكتملت العربة .

هكذا صاح أحد الركاب .. تكرر العجوز تلك الجملة مرة أخري بصوتها الحاد المزعج .. يدخل السائق العربة على وجهه علامات الغضب .. يخرج من فمه أصوات غير مفهومة أعاق خروجها ذلك الطعام الذي يلوكه بين فكيه و الذي أزاده بما بقى في يده من طعام .. تنشب مشادة كلامية بين السائق و تابعه الذي قطع عليه لحظات استمتاعه بتناول الفطور .. تقف العجوز ملوحه بيديها لهم معربه عن استيائها من هذا الشجار و لكن أدائها كان مسرحي ساخر مثير للضحك .. لم يعبأ بها لا السائق و لا تابعه و لم يتدخل غيرها من الركاب .. تميل نحوي طالبه منى التدخل حيث أنهم سيخجلون مني .. أبتسم تعليقاً على كلامها دون النظر إليها حيث لم أكن قادراُ على الكلام .

يرتفع صوت محرك العربة معلناً نهاية الشجار و بداية الرحلة .. و بداية إرسال برنامج من الحياة الذي ستقدمه السيدة العجوز من المقعد المجاور لي .. يبدو أن رغبتها في الكلام كانت جامحة حيث أنطلقت تحكي قصة حياتها و مغامرتها الغير مترابطة و التي كانت تستقي بدايتها من أشياء حولها قد تذكرها بحكاية أو موقف حدث لها في الماضي .

لم أكن أنصت لها بوعي كامل و أعتقد أنها أيضا لم تكن تتحدث لي وحدي .. صوتها - على الرغم من ارتفاعه - لم يصل لي بشكل قوي .. يبدو أن ارسالها كان مشوش .. لم أعرف من أين بدأت الحكاية و لكنها بدأت و لم تتوقف .

أول ما لفت انتباهي في كلامها هي حكايتها مع أرغفة العيش التي سرقتها و تلك السنوات الثلاث التي سُجنتها .. يبدو أن الباعث على هذه الذكري ذلك الفرن الذي مرت العربة من أمامه و طابور البشر الطويل أمام الفرن .. تنتقل لحكاية أختها و ابنها الذي جُرح في أذنه و رفض أختها بالسماح لها بحمل إبنها و الشجار الدائم بين اختها مع زوجها .. لا أعرف الباعث خلف تلك الحكاية .. ثم تحكي عن مطاردة كانت هي بطلتها و تسلقها لأسوار و قفزها من فوق أسطح .

أتسائل هل يدرك الانسان عندما يصاب بالجنون أنه مجنون ؟ ماذا يكون رد فعله عندما يدرك ذلك ؟ أعتقد أن عدم إدراكه رحمه له .. أتذكر الكاتبة الرائعة " فرجينيا وولف " و قصة انتحارها عندما شعرت أنها مقبلة على مرحلة الجنون فأنهت حياتها في النهر المجاور لبيتها الريفي بعد أن ملأت جيوب معطفها بالحجارة .. فعلت ذلك حتى لا تفسد حياة زوجها الذي أحبته و الذي ساندها كثيراً طول مشوار حياتهم .

أعود مرة أخري للعجوز .. أجدها تحكي عن مسحها سلالم أحد البيوت مقابل عشرة جنيهات .

ما هي الاسباب التي تدفع بالانسان للجنون ؟ هل الخوف ؟ هل الحزن ؟ هل الوحدة ؟ اعتقد ان كل هذه الاسباب قد تؤدي إلي الاكتئاب و الاكتئاب قد يؤدي إلي الجنون .. كل هذه الأشياء متوفرة لدي الآن و أشعر بها .. هل ممكن أن أصاب بالجنون ؟ ربما .. هل سأكون ثرثاراً مثل تلك العجوز ؟ أعتقد لا .. فأنا أقرب للصمت كثيراً .. المجنون الصامت عن الكلام .. أعتقد أن هذا أفضل كثيراً من الثرثرة .

تنخذني العجوز بذراعي .. ألتفت إليها .. تشير بذراعها نحو بعض الجنود الواقفين أمام أحدي المصالح الحكومية لحراستها .. تصيح بفرحة غامرة ها هي الحكومة تنظر لنا .. تنهض سريعاً من مكانها تستوقف السائق كي تنزل هنا .. تصيح بأنها ستخبر الحكومة بأنها فقيرة ليس لديها طعام .. تكمل بأنها واثقة بأن الحكومة سوف تطعمها .. بقفزات سريعة نزلت من العربة .. أنظر حولي أجد كل العيون تنظر لها .. لا أحد يبتسم و لا أحد حزين .. كل الوجوه خالية من كل التعبيرات .

أسند رأسي مرة ثانية على النافذة .. أفكر فيّ و في المجنون الصامت عن الكلام .

http://kareemazmy.blogspot.com/2010/01/blog-post_28.html



#كريم_عزمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العنكبوت .. قصة قصيرة
- العجوز .. قصة قصيرة
- كتاب لن يعود .. كريم عزمي
- إقتراح لحل مشكلة المدارس و الإنفلونزا
- حتى يدوم الحب
- كش ملك
- أنا و لعبة الحياة
- الخروج عن النص
- القضاء على الشعب المصري
- لن يعود .. قصة قصيرة
- هاكاتاه .. قصيدة
- قُبلة .. قصة قصيرة
- تمنيت أن أعيش في الهواء
- أدم و الشجرة المُحرمة
- ليلتها الأخيرة .. قصة قصيرة
- دِول العالم النائم
- تاريخ حركة الدفاع عن حقوق المثليين
- إخناتون و سمات الرجولة
- حبك داخلي أبداً لن يموت
- اللقاء الثاني .. قصة قصيرة


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عزمي - المجنون الصامت عن الكلام