سامح سعيد عبود
الحوار المتمدن-العدد: 2732 - 2009 / 8 / 8 - 09:02
المحور:
الطب , والعلوم
البحث العلمى لم يصبح عملا فرديا بوسائل بسيطة ،بل عملا جماعيا بوسائل مكلفة للغاية لا تقدر علي تمويلها إلا المؤسسات الرأسمالية أو الدولة ،والتى ترفع العلماء والباحثين وخصوصا الإعلاميين منهم لمستوى معيشة مرتفع لا يشعرهم بمدى عبوديتهم لها أو تجعلهم راضين بها بل وراغبين فيها بعد أن أعدتهم على شاكلتها ومثالها ،ولذلك فأن الكثيرين منهم حفاظا على مصالحهم الشخصية وتلبية لطموحاتهم الذاتية يلبون رغبة سادتهم البورجوازيين فى إشاعة الجهل والخرافة من خلال نفوذهم الأدبى البالغ ،أو حتى بسبب عقليتهم التى تفصل بين علمهم المتخصص ونظرتهم الشاملة للعالم من حولهم ، فقد قرأت فى أحد الجرائد القومية اليومية فى حديث لأستاذ جيولوجيا فى جامعة عبد العزيز آل سعود إنكاره صحة قوانين حفظ وبقاء المادة رغم الصحة المؤكدة لهذه القوانين الذى لابد وأنه تعلمها منذ أن كان طالبا بالمرحلة الثانوية ،ثم إنكاره صحة نظرية النشوء والارتقاء للكائنات الحية والتى لا يصح وصفها بكونها مجرد نظرية حيث أصبحت فى خطوطها العريضة من حقائق العلم المؤكدة بصرف النظر عن تفصيلاتها المعرضة للتعديل والتطوير،وعندما يقرر عدم صحتها أحد أساتذة الجيولوجيا الجامعيين دون أى دليل علمى ينقض أساسها الغير مقدس بأى حال .وهو متأكد من خلال تخصصه بمدى ما وصلت إليه تلك النظرية من مكانة مركزية فى تاريخ العلم الحديث وبمدى صحتها بشكل حاسم فى خطوطها العريضة .لابد وأن نتساءل حول سر مثل هذا الحديث .هل لأن النظرية ممنوع تدريسها بكافة مدارس ومعاهد وجامعات المملكة العربية السعودية ؟فإذا كان هذا هو حال علماءنا فى مراكز البحث العلمى فكيف برجل الشارع العادى؟ .فقد أصبحت صورة العالم المتفانى فى سبيل اكتشاف الحقيقة المجردة والمنزه عن الأغراض الذاتية نجدها بصعوبة الآن ،وخصوصا فى الجزء المتخلف من العالم حيث الديكتاتورية والإرهاب والتعصب والجهل وسيادة المنهج الخرافى حتى فى عقر دار العلم والعلماء ،وتلوث مراكز البحث والتعليم بالأغراض الذاتية لمن يمولوها ومن ثم البعد عن المنهجية العلمية فى البحث فى كثير من فروع العلم وفى العالم كله من خلال احتكار البورجوازية المأزومة لكافة وسائل الإعلام والثقافة والنشر والتوزيع والبحث العلمى ،ودفعها الأمور على هذا النحو حفاظا على مصالحها ،فقد تحول العلم لسلعة من سلع السوق يخضع لما تخضع له السلع من بيع وشراء ،وتحدد قيمته حسب قوانين العرض والطلب.
الثقوب السوداء هى نجوم تقلصت إلى حد كبير ،وأصبحت مرتفعة الحرارة لدرجات هائلة و ذات كثافة عالية جدا ومن ثم مجال جاذبية غاية فى الشدة ،وأذكر أن أول مرة سمعت فيها عن هذه الثقوب كان من خلال المجلة الأسبوعية التى كانت المسرح الأول لظهور مصطفى محمود وقد أوحى إلى التحقيق أن هذه الثقوب هى ثقوب حقيقية فى حدود ما بيننا وبين عوالم أخرى .وهو الأمر الذى يخالف حقيقتها فلا هى ثقوب و لا توجد أى حدود بالكون المرصود لنا حتى الآن مما يؤكد وحدته ،وأن هذه الثقوب يمتلئ بها الكون بكل مجراته..وأعتقد أن الخطورة الحقيقية هى تلقف كتاب الصحف والكتب الشعبية،بعض استنتاجات العلماء المشوهة ،أو بعض أقوالهم المبتورة والمجزئة ،أو تعبيراتهم الاصطلاحية التى لا يفهمها سواهم واستخدام كل هذا لتقديم صورة خيالية مثيرة للعالم تجد شرعيتها فى كونها تتحدث باسم العلم كى يرتفع التوزيع كلما كانت هذه الاستنتاجات أكثر غرابة ،والأقوال أكثر إثارة والتعبيرات أكثر غموضا وغرابة ،وبالتالى تساعد على انتشار الأوهام بأساليبها المثيرة المغلفة بالرطانة العلمية. رغم نجاح الإنسان فعليا فى هذا عام 1970 على يد جيمسى وانبيل - أحد علماء جامعه نيويورك .. وذلك ليبرروا أن هناك معجزة ما وراء تكونها مادمنا عرفنا مكوناتها ، وبصرف النظر عن نجاح العلماء فى ذلك من عدمه ، فأن هؤلاء يقعون فى خطأ قاتل هو أنهم يريدون اختصار ملايين السنين ، وتوافر شروط معينة ، تكونت فيها الخلية الحية بمكوناتها المعروفة ، فى أن يصنعوا ما صنعته الطبيعة بمجرد الربط الميكانيكى بين المكونات المعروفة فى حين أن معرفتنا العلمية لم تصل حتى الآن إلى الكثير من أسرار ترابط هذه المكونات لتكون الخلية الحية.
والآن ما رأيك فيما قرأت على التو ؟عليك الانتظار قبل أن تبدى رأيا محددا حتى تقرأ هذه الفقرة الطويلة والمقتبسة من مقال للدكتور زكى نجيب محمود بعنوان أزمة العقل فى حياتنا "فلننظر إلى أوساط الناس من حولنا فماذا نرى ؟نراهم على عداوة حادة مع العقل ،وبالتالى فهم على عداوة لكل ما يترتب على العقل من علوم ،ومن منهجية نظر ،ودقة التخطيط والتدبير ،فإذا انطلقت الصواريخ تغزو الفضاء ،يرود أصحابها أرض القمر ،تمنوا من أعماق نفوسهم أن تجىء الأنباء بفشل التجربة ،وإذا سمعوا عن قلوب وغير قلوب تؤخذ من آدمى لتزرع فى آدمى آخر ،أحزنهم أن يتحقق النجاح ،وأفرحهم أن تخفق المحاولة ،وهاك المثالين من خبرتى الخاصة لم أقرأ عنها فى صحيفة أو كتاب ،بل شهدتها بعينى وسمعتها بأذنى ،أقيمت ندوة ثقافية كنت أحد أعضاءها ،وكان من المساهمين فيها كذلك عميد لأحد كليات العلوم عندئذ ،وكان السؤال المطروح هو ماذا نرى فى هذه الوثبة الجريئة التى هى صعود الإنسان للقمر ،فكان مما قاله عميد كلية العلوم بإحدى الجامعات العربية ،أنه سيعوز بالله من هذا الشطط الذى قد يؤدى بالكون إلى الدمار ثم تساءل قائلا ! أليس يجوز أن يهبط هذا الصاروخ على سطح القمر بدفعة قوية فإذا القمر ينحرف عن مداره فتكون الطامة على البشر !؟أما المثل الثانى فهو أنه سئل قطب من أقطاب الطب فى الأمة العربية!ما رأيك فيما سمعناه عن زرع قلوب فى أبدان غير أبدانها ؟فاستعاذ بالله هو الآخر من شر ما يسمع مؤكدا أنها محاولات مجنونة لن تؤدى إلى شىء ،وربما كان هذان العالمان لا يعتقدان فى صدق ما قالاه ،وإنما قصدا به إلى إرضاء السامعين فتكون الطامة أكبر لأن الدليل عندئذ ينهض ليؤيد ما بزعمه ،وهو أن مثل هذا القول هو ما يرضى الناس ثم نكون فسرنا بالنفاق نزاهة العلم والعلماء.
أولئك هم علماءنا فما بالك بأبناء السبيل ؟إلا أن مضجع العلم الجاد خشن تحت جلودنا ،ولذلك كان شرطا عليك إذا كتبت للصحف والمجلات أو أذعت فى الناس حديثا أن تكسو الحقائق العلمية التى تنوى عرضها على الناس بحشايا من ريش النعام ،لئلا تتأذى أبدانهم اللينة ،فعليك أن توهم الناس بأنك لم تقصد إلى العلم الكريه الجاف ،وإنما قصدت إلى تسليتهم فى أوقات فراغهم ،وإذا لم تفعل ذلك فلا سبيل أمامك إلى صحافة أو إذاعة.
الرأى السائد فينا هو أن العلم يعوق مجرى الحياة ،فليست وسيلتك للنجاح فى أى ميدان تشاء :-ميدان العمل أو ميدان السياسة أو غيرها من هى أن تدقق وتدقق وإلا لما بلغت من الطريق أدناه ..إن الساعات التى يصرفها الدارس العلمى فى مشكلة واحدة من مشكلاته "النظرية"كفيلة أن يقفز بها "العمليون"إلى الذرى مالا وجاها وقوة.أليس لكل شىء معيار يقاس به ؟والمعيار السائد بيننا هو كم يعود هذا العمل على صاحبه من نفوذ وسلطان وثراء ؟ولما كان الأغلب ألا يعود العلم على أصحابه من هذه الأشياء بمحصول وفير كان لهؤلاء المنزلة الثانية فى مجتمعنا وذلك فى أحسن الفروض."31.
إلا أن الأستاذ الجليل رائد الوضعية المنطقية فى منطقتنا العربية،لم يوضح السياسات الإعلامية والثقافية والتعليمية التى أدت لكل هذه الظواهر ،ولا النظام الاقتصادى الاجتماعى ،الذى أفرز هؤلاء البشر المعادين للعقل ،والذين يتعاملون مع العلم على هذا النحو الانتهازى الصرف فى حدود منفعتهم الخاصة ،فما يفهم من حديث زكى نجيب محمود أن البشر قد طبعوا على كره العلم والعقل ،وهذا ربما يكون صحيحا فى لحظات تاريخية معينة،لكنها ليست سمة للبشر ،وإلا ما كانوا استطاعوا أن يصلوا لما وصلوا إليه من تقدم.فضلا عن تغاضيه عن حقيقة الأبعاد الطبقية المؤكدة لهذه السياسات الدعائية والتعليمية الموجهة ،والتى يعبر عنها هربرت شيلد ب"أن تضليل عقول البشر هو على حد قول باولو فرير"أداة للقهر"إنه يمثل إحدى الأدوات التى تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة"32.
إن كل ما سبق ذكره من مظاهر التضليل باسم العلم ،والخلط بين العلم الحقيقى الذى هو فهم الواقع من خلال تغييره سواء على مستوى المنهج أو الحقائق،وبين الخرافة التى هى فهم زائف ومشوه للواقع من خلال تأمله سواء على مستوى المنهج والأفكار الوهمية ،لا يقتصر على العلوم الطبيعية فحسب ،بل يمتد ليشمل العلوم الاجتماعية والإنسانية أيضا،إلا أن العلوم الطبيعية لا تعرف الانحياز الطبقى فى حقائقها وقوانينها ومعظم نظرياتها ،وأن كانت تعرفه فى السياسات التى توجه تطبيقاتها التكنولوجية. فى حين أن العلوم الاجتماعية تعرف الانحياز الطبقى .فإذا كانت لا توجد كيمياء بورجوازية وكيمياء عمالية ،إلا أنه يوجد اقتصاد سياسى بورجوازى واقتصاد سياسى عمالى .يدرس الأول عمليات الإنتاج المادى والتداول والتبادل من منظور مصالح البورجوازية ،ويدرس الآخر نفس العمليات من منظور مختلف يعبر عن مصلحة الطبقة العاملة ،وهو ما يؤدى إلى تناقض استنتاجاتهم النظرية ،وتحليلاتهم المختلفة.
ويلاحظ مثلا أن تفسيرات النظريات المختلفة فى علم الاجتماع لسلوكيات البشر تتفاوت فيما بينها ،فتدعى مدرسة ما أن سلوك الإنسان نتاج بيئته فقط ،وأخرى ترجع هذا السلوكيات للوراثة فحسب ،أما التفسير المبتذل للماركسية فيرجعها للعوامل الاقتصادية والانتماء الطبقى ،فالماركسية مثلا نظرية علمية صحيحة فى إطار تحليلها للمجتمع ككل ،والعلاقات بين طبقاته المختلفة فى علاقاتها المختلفة ،وفى تطور هذا المجتمع وحركته ،إلا أن تعميم نتائجها على سلوكيات الأفراد يبتذلها للغاية،فالإنسان بلا شك تؤثر فيه العوامل الاقتصادية المحيطة به كما يؤثر عليه انتماؤه الطبقى بلا شك ،إلا أن سلوك الإنسان ليس نتاج لهذه العوامل فحسب وإن كانت هى الحاسمة فى الغالب الأعم ،بل أن سلوك الإنسان هو انعكاس لمحصلة هائلة من العوامل ،تتشابك وتتفاعل بشكل معقد لتنتج لنا شخصية هذا الإنسان أو ذاك ،منها العوامل البيئية والثقافية ،وطريقة التعلم والتربية ،والعوامل الوراثية ،والتركيب الهرمونى ،ونوعية الغذاء والمناخ ،وفضلا عن كل هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالفرد والتى تجعله يسلك سلوكا معينا فى لحظة معينة بشكل يصعب التنبؤ به بشكل قطعى.
31-د.زكى نجيب محمود -أزمة العقل فى حياتنا -مجلة العربى الكويتية العدد173.
32-هربرت شيلد-المتلاعبون بالعقول ـ ترجمة عبد السلام رضوان-سلسة عالم المعرفة ـ العدد106ـ أكتوبر1986 -الكويت-ص6.
#سامح_سعيد_عبود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟