أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - باب التدشين














المزيد.....

باب التدشين


سعيدي المولودي

الحوار المتمدن-العدد: 2279 - 2008 / 5 / 12 - 04:17
المحور: الادب والفن
    


"باب التدشين"

زعموا أنه لما خلق الله الأشياء والكون، والأوان والهوان، قال للتدشين: كن، فكان. وصارت منذ ذلك الوقت سيرة تدشين المشاريع وما يجري مجراها، صار كل شيء يمشي بإرادة التدشين، وعم ذلك كل ما في الأرض وما في السماء وما بينهما، وما في الصدور وما في القبور، لأن إرادة الله شاءت تسمية الأشياء بأسمائها فوضعت زينة التدشين، وكان رمز الميلاد في كل الأرجاء.

وكان قوم قد أفرطوا في التدشين فصار عندهم الديدن، والوسيلة والغاية، والجسر والنهر، والمهر والفرس، والمعزة والغراب، والظاهر والباطن، وبالغوا في احتكار مراسمه والتشديد على معالمه حتى أضحى جزءا من طقوسهم، لا تكاد عادة من عاداتهم تخلو من آثارها... وقال الفقهاء في شأنه إنه موصول إليه بالشرع والسنة، وقال الآخرون إنما هو موصول إليه بالعقل، وإن الملة سارت على غير هديه، وليس يلزم ما قيل من أنه لم يقم في عهد الأمراء الصادقين، والسلف الأول الضارب يديه في مدارك الشرع ومسالكه... وقال البعض الآخر إنه يجسد الإرادة الإلهية، فلا خير في شيء لم يذكر اسم الله عليه، والتدشين يفسح المجال لذلك، فليس في ذلك من حرج من أن يكون واجبا، وأن أي شيء لم يدشن يحرم على المرء استعماله لما خلق له، لما في ذلك من جرم عظيم، يعكس التحدي الصارخ للقوة الإلهية، وهو ما يحل دم كل من استعمل الأشياء قبل أن يقطع عليها شريط التدشين، وتسمى بأسمائها. وقال البعض إنما حكمه حكم المرتد..

وكان في بلاد المغرب أن برعت الحكومات في طرائق التدشين، ومع ارتكاس السنين والأعوام ، جندت في ما جندت وزراء ،رجالا ونساء وأشباه الرجال والنساء، كان شغلهم الشاغل التدشين في التدشين، حتى ولم تكن هناك ضرورات تحمل عليه، لأنه كان أداة فعالة لذر الرماد في عيون الملأ الهائم، الشاهد، الغائب.. ولما كانت الحكومات في هذه البلاد تعرف الصغيرة والكبيرة، ولو في أفاصي أي صقع منسي في آخر البلاد، كانت أقوى لتصل يدها بالتدشين كل الأنحاء، وتضع رموزه في كل مكان، ويرافق ذلك عادة أن تتجند الأقوام ، النساء والأطفال والشيوخ والعجزة وقدماء الحواريين والأنصار وذيول العامة والخاصة، والجالسون بلا شغل في كل الأمصار والمداشر، والمدن الصغيرة منها والكبيرة، ويحضر الطبالون والغياطون، والشيخات البارزة، يهتفون وينفخون أهازيج الفتح المبين، و ينشرونها على الطرقات، وتهدر بالمناسبة دماء الأكل والشراب على الأرصفة والممرات، ويستوي الليل بالنهار، وتقام ولائم خرافية تتدفق منها كل ألوان وأصناف الطعوم.. وكان المدشنون يركبون في آلاف الناس المرغمين على التظاهر بالطاعة والرضا الساحق، والفرحة القاتلة، خيلا منهم، أو هم راجلون يمشون على الأرض هولا، كأنما السماء لا تظلهم.. تضج الساعات وتعتمر الساحات وتمتليء الحناجر المسخرة لسواحلها، وتلون الأشجار والطيور وتلبس كل الأشياء زينتها التي ليست لها، كأن الطيب يخرج من الأنفاس والأنفاق والمزابل والمقابر، والأنقاض الممنوع فيها البول... ولهم في ذلك أسرار وشؤون بما زين لهم الشيطان، وأساطير في مدى اتصال الأجسام السماوية بحقيقة الكون والمشاريع الجوفاء في هذه الحياة الدنيا..

وكانوا من شدة غلوهم يدشنون المطر والزرع والحصاد والسحاب والأنخاب، والمراقص، والمقاصف والمراحيض والريح والزبد والملح، والسكر ، وكل ساكن أو متحرك ومتصل أو منفصل، وكل ما يخطر، وما لا يخطر على بال... ووضعوا لذلك طقوسا غريبة، قد تستمر الليالي والسنين، ولم يكونوا يتناكرون أن يقولوا: دشنا الماء والهواء... وكانت عاداتهم الصغيرة في ذلك أن يتسلحوا بالمقص ويبنون حاجزا موهوما من خيط أو من قماش أو كتان يتهيب الوزير منهم أو شبهه، ويتقدم نحوه، فيتكلم بأنواع من الكلام لا تكاد تسمع، قيقطع الحبل، وقد يبتر مرتين إذا كان ثمة أكثر من وزير واحد أو شبهه، ويكون التدشين في مثل هذه الصورة مزدوجا، ويقف السدنة على الجنبات يهللون للتو وتتعالى التصفيقات وتجري الأصوات والهتافات مجراها المرسوم..

وعلة ذلك كما ذهب حكماؤهم أن الأشياء في خواء هذا الكون إما أن تكون لها البداية أو النهاية، وإما أن لا تكون لها البداية أو النهاية، ولما وجب لها في الحقيقة والواقع البداية والنهاية، وانتقض وهم المتوهم أن الأشياء بلا نهاية ولا ابتداء لها، وأن لا بد لها من محدث، فلابد لها بالضرورة من التدشين... وأقاموا في ذلك آراء شتى جعلت الأصل في التدشين لما عجزت أن تهتدي إلى حل جامع مانع.. ورسموا لذلك فوائد، تتعلق إحداها بالصورة، فالتدشين عندهم تتولى أجهزتهم المتطورة تصويره وينشر في صحفهم وأخبارهم، وطالما يعيدون ذلك بمناسبة وغير مناسبة، وهو لذلك لازم لضرورات الحواس، إذ أنه يصرفها عن السوء، ويفتح أمامها طاقات لا تحصى من فنون وأعاجيب الخداع المقصود، وتتعلق الأخرى حسب زعمهم بالعقل لأن التدشين علته الأولى العقل،ومن نتائج ذلك أن عقل الحكومة أعقل العقول، ولا عقل يجاريها أو يضاهيها، أما الثالثة فهي روحية، لأن التدشين يرمز لروح حدوث الأشياء... وفوائد أخرى ذكروا فيها ضروبا من المنافع، فحق أن يكون التدشين عندهم الأصل لكل حي أو ميت،ويكون الشرط الأول والأخير للوجود.

1991.



#سعيدي_المولودي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا تأسيس نقابة بالتعليم العالي
- بصدد الجدل الدائر حول الإطار النقابي للتعليم العالي: -إصابة ...
- في أن تحويل إطار نقابة التعليم العالي إلى -جمعية- أمر مقصود ...
- في حضرة الإمام مولانا الغلاء
- في الحاجة إلى تأسيس نقابة للأساتذة الباحثين بالتعليم العالي
- رسالة مفتوحة إلى الوزير الأول
- ما تحت جلباب الإصلاح الجامعي ( 1 )-المراقبة- و-المعاقبة-المس ...


المزيد.....




- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...
- فضل شاكر يعلق على قرار إخلاء سبيله: كتبت لي سطور جديدة في ال ...
- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي
- مهرجان -اقرأ - استرخ- للكتاب في روسيا يسجّل أرقاما قياسية تا ...
- بعد تغيير اسمه ثلاث مرات.. الانتهاء من تصوير مسلسل -العاصي- ...
- اربيل تستذكر الفنان قرني جميل في معرض تشكيلي بمشاركة 25 فنان ...
- صدر حديثا ؛ صندوق جدتي السري. إشراف سهيل عيساوي.


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - باب التدشين