أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بروحو - اللحن الأخير














المزيد.....

اللحن الأخير


محمد بروحو

الحوار المتمدن-العدد: 2162 - 2008 / 1 / 16 - 11:14
المحور: الادب والفن
    


استيقضت على شروق يوم خريفي ، مددت يدي لأفتح نافذة غرفتي المحاذية لمخدعي ، أبى الباب أن يفتح. الجو بارد في الخارج ، قطرات من الندى الليلي تبلل الشبابيك الحديدية، فتزيدها برودة.
شغلت المذياع لأطلع على الأخبار الصباحية . كلمات تتدفق متزاحمة بين شفتي يكسرها صوت المذياع.. يمتد اللسان يسبكها لتخرج سليمة.
في ركن من غرفتي كانت هناك زهرة بنفسج ، هيأتها في أصيص لتحيا ، لكنها ذبلت بعدما حجبت عنها بناية فرعونية ضوء الصباح وهوائه . عصفورة سقطت داخل غرفته. خذلت حينما بحثت عن شربة ماء حاولت الإنفلات خارجا لم تستطع. ترتطم بحائط الغرفة مرات حين كررت، فماتت في غربة.
بغرفته في الجانب الآخر من البيت داخل فضائها الموحش كان يجلس وبين يديه قيثارة . يصنع لحنا. يعزف الحانا لكبار الملحنين " بيهوفن " موزار"
تداعب أنامله أوتارها كما يداعب الحنين دواخله والنوم جفونه . يذكر حينما كان يعزف لها موسيقى " فلامينكو" تملأ خواء الغرفة. تحت ضوئها الناعس يحتل مكانا، يرتب أنغامه على نوتة يثبتها في ورقة. تتأوه القيثارة نغما كما تتأوه انفاسه حسرات على فراقها . فيصعد العزف فضاء الغرفة ، يلامس أشياءها معلقة على الجدران . مبعثرة فوق سجاد يبسط بشكل فوضوي. لمسات أنامله لأوتار القيثارة ، نظراته صوب النوتة، دندنة لمعزوفة حزينة . لحن يحكي من خلاله قصة حياة وموت. كانت النغمات في وحشة الغرفة ، تنساب سجية تلامس سمعي فيهتل لها دمعي وفيا . فأحس بعذابه، بوفائه. تبكي غمامة الخريف لبكائه كلمات أنينها نغمات تتشظى على عتبة الموت.
يذكر حينما كانت تغازله بنظراتها، بضحكاتها، بلمساتها. يجمع خيوط سراب فينسج صورة الحياة. يحبك قصة عشق للحبيب . نثرتها الأيام برتابتها . لم يعد له من وفاء غدا هذا اللحن ، منهمك في خلقه، شاحب الوجه ، سقيم الجسم . ضاعت نبرات صوته تجمدت أجزاء جسده ، لاتتحرك الآ عيناه وأنامله، هو لايريد الآ ذلك.
يشخص ببصره الى ورقة النوتة ، ويداعب بأنامله أوتار القيثارة ، يعزف هذا اللحن ودموعه تنهمر على خديه. احساسه هو الذي يعزف وقلبه هو الذي يحكي ، تتكلم جوارحه عبر لحنه الأخير هذا.
توسط خشبة المسرح ، كل الأضواء مسلطة عليه ، عمد أن يجلس وظهره للجمهور ، يريد اخفاء حزنه ، انه الآن يحكي قصة فراق حزينة بأنغام معزوفة لحن أخير.
الصمت يطبق على القاعة .. كل أضوائها منطفئة الا أضواء الخشبة. تتردد عبر فضائها من قيثارته جمل موسيقية . أكمل العزف . أضيئت القاعة ، حينما استدار لم يكن هناك أحد يستمع اليه ، كانت القاعة فارغة الا من طيف أسود كان يحتل مقعدا في الصفوف الأخيرة.
في ذاك المساء ، قصدته زائرا. غرفته تجاور غرفتي . وجدت بابها نصف مغلق.. طرقته بلطف لكني لم أتلق جوابا . دلهت الغرفة بتردد . كان يرقد فوق السرير والقيثارة على يمينه والنوتة فوق صدره والعصفورة ميتة تحت فراشه.. ناديته لم يستجب لي ، اقتربت منه .. حركته جثة . سويت القيثارة وعزفت اللحن.
حينما تركت الغرفة وجدت جمهرة من الناس محلقين باصرين نحوي، في عيونهم دموع و في نظراتهم حسرات وعلى شفاههم بسمات حزينة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جبير والخرفان
- نباش منتصف الليل
- متاهات في الزمن الضائع
- فضول / قصة قصيرة
- حضور بلا دعوة / قصة قصيرة
- الرجل الذي تعرى
- عروس البحر / قصة قصيرة


المزيد.....




- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...
- الراب يربح الرهان.. -آيس جيرجيرت- النجم الأكثر شعبية في روسي ...
- تساؤلات حول شرعية التمثيل... الناخبون أقلية في كانتون بازل- ...
- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...
- رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان ...
- -باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
- من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا ...
- مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بروحو - اللحن الأخير