أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زهير كاظم عبود - المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيليين















المزيد.....



المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيليين


زهير كاظم عبود

الحوار المتمدن-العدد: 2121 - 2007 / 12 / 6 - 10:46
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


مقدمة

المشكلة لاتكمن في كيفية معرفة الحق والحقوق ، فلهذه المسألة عدة طرق وأساليب للمعرفة والأقتناع ، المشكلة تكمن في إنكار الإنسان للحق ، والتنكر للحقيقة بالرغم من وضوحها وسهولة اكتشافها ، وفي هذا الزمن المرير ينبري من يصر على إنكار الحق والحقيقة ويساهم في تغطيتها وتبرير الجرائم المرتكبة بحقها وفق تبريرات واهية ، ولعل محاولات أنكار أو تخفيف مالحق الفيلية من جرائم وظلم من هذه الوسائل التي يعتمدها فاقدي المروءة ومنكري الحقائق .
فأذا كانت وظيفة القوانين في المجتمع حماية الحريات والحقوق ، فأنها تساهم أيضاً في أستقرار الحياة الأجتماعية ، ولايمكن ان تكون القوانين مصدراً من مصادر القلق والأسلحة التي تستغلها السلطات في ترويع المواطن ، وإشهارها بوجهه وجعل حياته قلقة ومستقبله غامض وأيامه ممتلئة بالهواجس ً ، في أجراءات غير عادلة وتطبيقات متطرفة وظالمة ، بالإضافة إلى تعديها على مبدأ المساواة والحقوق والواجبات والحريات التي تعرضت لها الدساتير العراقية ، ضمن أبواب الحقوق المدنية والسياسية .

ولطالما واجه الكرد الفيلية مايقلل من تضحياتهم أو يغمز في انتسابهم وارتباطهم التاريخي وفي تراثهم القومي وحقيقتهم ، ولطالما تم التقليل من مآساتهم ومحاولة تبرير الأفعال الجرمية المرتكبة بحقهم بقصد تضييع صوتهم وإلغاء خصوصيتهم ، وتلك المحاولات البائسة بهدف المساهمة في طمس معالم حقوقهم وشراكتهم في الحياة العراقية ، والتقليل من دورهم المهم في الحياة السياسية والأجتماعية ، كما تمارس تلك الجهات أساليب أخرى من خلال خلق مزاعم وأدعاءات زائفة تطعن في عراقيتهم وعلاقتهم بالتراب العراقي ، وتصويرها على انها حقيقة قائمة ، القصد منها وبالنتيجة إحداث شرخ عميق في صميم المكونات الأنسانية في العراق ، من خلال تحجيمهم وعزلهم عن أبناء جلدتهم لكونهم أكراد ، او محاولة إلصاقهم ضمن الأحزاب الدينية لكونهم من أتباع المذهب الجعفري ، أو إحتسابهم على حركة سياسية معينة ، لكونهم شكلوا على الدوام عنصراً مهماً من عناصر معارضة السلطات الدكتاتورية في العراق ، ولم يهادنوا ولم يستكنوا ، وثبتوا على جهادهم طيلة السنوات الحالكة التي مرت على العراق .
والحقيقة التي لايمكن لأحد ان ينكرها أن عطاؤهم كان لكل الحركة الوطنية دون تحديد ، ولكل العراق دون أن يقفوا مع قومية محددة فقط .
ما تعرض له الكرد الفيلية يجعلنا ندرك أن السلطات التي مرت في تأريخ العراق الحديث تعكزت على قوانين ونصوص لم يتم استعمالها وتطبيقها على غيرهم ، فهذه النصوص كان يراد لها أن تكون السيف الحاد الذي يمكن ان يذبحهم أو على الأقل يفتت تواجدهم وجمعهم في أي زمان تريده وتختار توقيته، تلك السلطات التي تعاقبت على حكم العراق عقاباً لهم على مواقفهم الوطنية المشرفة، وإضعافاً للموقف الوطني الشعبي العراقي .
ومن بين أهم الحقائق التي تتجسد عملياً في العراق وجود عدة قوميات متآخية ومتعايشة ومنسجمة ، ولكل قومية منها حقوق وواجبات ، ولايمكن بأي حال من الأحوال أن نقر أونقبل و نسلم بسيطرة قومية على أخرى ، فلكل قومية كرامتها ، ولكل قومية خصوصيتها ، والمنطق يقضي ان كل قومية منها لها تأريخهاوحقوقها ، وأن للقومية الأخرى مثل تلك الحقوق ، وتداول العرب والمسلمين مقولة أن تحب لأخيك ماتحب لنفسك ، ووفق هذا السياق فأن إهدار الحقوق ومنع المحاكم من النظر في القضايا التي تخص الجنسية والتعسف في التطبيقات القانونية ، وقضايا التسفير الهمجي الظالم والجمعي ، وسلب الحقوق ومصادرتها التي طالت شرائح عديدة من العراقيين ، ولعل من اكبرها واهمها شريحة الكرد الفيلية ، كان مخططاً لها بقصد احداث ردة فعل من مواقف الكرد الفيلية الوطنية ، سواء منها المساندة لحركة المقاومة المسلحة ، ضمن قوات البيش مركة الذراع المسلح للأحزاب الكردية التي ناضلت ضد سلطات الدكتاتورية من أجل حقوق شعب كردستان في العراق ، او من ضمن صفوف الحركة الوطنية التي عارضت النهج الدكتاتوري بكل الوسائل بما فيها الكفاح المسلح .
ولم تأخذ محنة الكرد الفيلية حجمها الطبيعي في الأعلام ، العراقي منه أو الدولي ، فقد تعرضت الفيلية إلى حالة ليس فقط من الأستلاب والتعتيم ، وأنما إلى تمكن السلطة حينها إلى رش الرماد في عيون العديد من الجهات لتصوير الكرد الفيلية وكأنهم أجانب أقتضت الظروف السياسية في العراق أن يعودوا إلى بلادهم التي جاء اجدادهم منها ، وروجت للمسألة وكأنها ترتيب لحماية وضع البيت الوطني ، وحماية العراق من الدخلاء والمقيمين بشكل غير شرعي وقانوني ، وعملية تزوير التأريخ ليس غريباً على تلك السلطة التي شرعت تدعو لأعادة كتابة التأريخ وفق رغبتها وغاياتها ، ومع كل هذا التزوير والتزييف ، فقد سقطت سلطة صدام فاضحة نفسها ، حين تصدت في عمليات تهجير كبيرة صاحبتها عمليات أحتجاز وتعذيب ونفي مواطنين عراقيين من الأكراد الفيلية يملكون السندات الرسمية التي تثبت عراقيتهم ، وصاحب ذلك القيام بمصادرة للأموال والعقارات لاأساس لها من القانون ولاسند لها من الشرعية ، كلها تم تطبيقها على الكرد الفيلية في العراق ، اعتقاداً من السلطة انها انتصرت على الحق ، وأنتقمت منهم شر إنتقام .

عملية الأقرار بحقوق الآخرين تحتاج ليس فقط إلى شجاعة وأيمان بحق الأنسان في الخيار والأختيار ، وليس فقط الجرأة في تقبل قضية الحقوق ، ولايحتاج أصحاب الضمائر الحية والمؤمنين بحقوق الأنسان إلى كل هذا ، فهم أصلاً يحترمون خيار الأنسان وكونه خلق حراً لايمكن أستعباده ، فلكل انسان شخصية قانونية ويتمتع بحماية النظام القانوني ، وأن جميع البشر أحرار ومتساوين في الكرامة والحقوق ، وأن الحقيقة لاتموت ، كما أن اهل العراق والمتخصصين في دراسة التأريخ والسياسة يعرفون يقيناً أصالة الكرد الفيلية وثبات وجودهم العراقي ، أنما يتطلب الأمر حقا الأيمان بمدى تطابق وجودهم التأريخي مع كل القوانين والأعراف في العراق ، وأن عملية تهجيرهم كانت من جهات نزعت عنها الضمير فباتت ميتة ودون وازع يردعها من إتمام الأفعال التي طالت الفيليين وغيرهم من أهل العراق .

جاء في القاموس المحيط للفيروز آبادي في الصفحة 1129 أن الحق من أسماء الله تعالى ، أو من صفاته ، ضد الباطل ويعني العدل وواحد الحقوق والحقة أخص منه .
وأكد سبحانة وتعالى على قضية الحق وكررها مرات عديدة في سور القرآن الكريم ، ويكفي أن يرد في سورة البقرة لوحدها من القرآن الكريم كلمة الحق 22 مرة .
والأسلام من الأديان التي تدعو لأحقاق الحق وتحث عليه ، ومن يطالع كلمات القرآن المجيد يدرك أهمية الحق والحقوق لدى الأسلام ، وأذا كان الأعلان العالمي لحقوق الأنسان قد صدر في نهاية عام 1948 ، فأن الأسلام أقر المباديء العامة للحقوق قبل الف واربعمائة سنة ، وقبل الأسلام أكدت الديانات جميعها على أحترام قضية الحق والحقوق وتقديس الأنسان .
وجاء الأعلان العالمي لحقوق الأنسان رداً على التجاهل المتعمد لهذه الحقوق وأحتقارها مما أدى الى اعمال أثارت بربريتها الضمير الأنساني ، وكان البشر قد تنادوا ببزوغ عالم يتمتعون به بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة والأستعباد كأسمى ماترنو اليه نفوسهم .
وحتى في حال انكار وقائع التاريخ في تواجد الكورد الفيلية في الجانب العراقي على الشريط الحدودي مع العراق ، فأن الواقع العراقي حتى بعد تأسيس ماسمي بالحكم الوطني يمنحهم الحق في المواطنة ، وضمان كامل الحقوق التي اقرها القانون الأساس وأقرتها العهود الدولية ، و معاهدات الدول التي وافقت عليها بما فيها العراق ، الا أن السلوك الغريب الذي نهجته سلطة صدام من أنشاء قواعد قانونية باطلة تخالف القانون الدولي ولا تلتزم بالمعاهدات الدولية التي أبرمتها وتعاهدت على الالتزام بها ، ولا ألتزمت بالقانون الانساني ولا أحترمت نصوص الدساتير العراقية ، ولاتجد هذه القواعد سنداً لها وشرعية في اسقاط الجنسية وسحب المستمسكات ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة عن الكرد الفيلية ، مع العلم أن السلطات التي اسقطت الجنسية عن يهود العراق أحتفظت لهم باموالهم تحت رعاية دائرة رسمية ( دائرة مراقبة وأدارة أموال الأشخاص المسقطة جنسيتهم ) ، وجمدت التصرف بها والتي نظمها القانون رقم 5 لسنة 1951 ، أحترمت تلك الحقوق ، في حين كانت المؤسسة الأمنية المتمثلة بدوائر الأمن والمخابرات والأستخبارات والأمن الخاص وحدها من تتصرف بكل حرية ودون رقابة قضائية أو قانونية بأموال وأسلاب الكرد الفيلية الذين استبيحت حياتهم وأموالهم بعد إن كانوا يتمتعون بكامل حقوق المواطنة العراقية .

أن الأساس الذي أستندت اليه اللائحة الدولية في وجوب أن يتمتع الأنسان بحماية نظام قانوني من أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساووين في الكرامة والحقوق ، ولكل انسان الحق في الحياة والحرية والآمان على شخصه ، وأن لكل أنسان الحق في التعبير عن رأيه وأفكاره وأختيار شكل الحياة التي يريد وتضمنت النصوص الخاصة بالأعلان العديد من الحقوق غير أن مايهمنا في هذا البحث الموجز هو ما اوردته المادة الأولى من الجزء الأول من العهد الدولي الخاص بالحقوق والذي ينص :

( لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها ، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي في السعي لتحقيق نمائها الأقتصادي والأجتماعي والثقافي ) ، ويورد في الفقرة الثالثة منه مايلي : ( أن على الدول الأطراف في العهد الدولي والتي تقع على عاتقها مسؤولية الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية أن تعمل على تحقيق المصير وأن تحترم هذا الحق ) .
كما أن الجنسية حق من حقوق الإنسان تستوجب النصوص القانونية توفيرها لجميع البشر دون استثناء مهما كان نوعه في العقيدة أو الدين أو القومية أو المذهب أو اللون أو الجنس ، ولذا فقد اتفقت المنظومة البشرية ضمن إتفاقياتها والدولية على عدم تجريد الإنسان من جنسيته وعدم ابقاءه دون جنسية مطلقاً ، وليس فقط سلب الجنسية وحق المواطنة ، وانما سلب الحقوق المنقولة وغير المنقولة دون وجه حق ، وسلب الحياة والأستقرار ، وهو ما حصل للكرد الفيلية في زمن الدكتاتور البائد صدام في العراق .

كما ينص مشروع ميثاق حقوق الانسان والشعب في الوطن العربي ان لكل انسان الحق اينما وجد في إن يعترف بشخصيته القانونية ، وأن حقه في الحياة يحميه القانون ، كما إن لكل أنسان الحق في الجنسية وله الحق في تغييرها والأحتفاظ بها مع أي جنسية أخرى ، ولايجوز الطرد الجماعي لمواطني أي بلد عربي ، ولايمكن في حالة الحرب الفعلية أو الخطر الداهم أو أية أزمة تهدد أستقلاله وأمنه أن يعلن حالة الطواريء وأن يتخذ في أضيق الحدود الأجراءات التي يتطلبها الظرف الطاريء والتي تجيز التحلل من بعض الالتزامات المترتبة على الميثاق ، ووفق هذا لايجوز التحلل من احترام الحق في الحياة والسلامة الشخصية والحق في الأعتراف بالشخصية القانونية وبالجنسية .
ولعل حالة ماجرى للكرد الفيلية من بين حالات فريدة في التأريخ الحديث ، من بين شرائح المجتمعات التي تم انتزاع جنسيتها وأنكار مواطنتها من قبل سلطات غاشمة ، دون رأي الشعب ودون تطبيق نزيه لنصوص الدستور ، ودون أي أعتبار لقرارات الأمم المتحدة والعهود الدولية والمواثيق والمعاهدات ، وتجاوزاً لحقائق التأريخ والجغرافية .

وتأتي القضية الكردية من بين أهم القضايا العراقية ، والتي استوجبت الأجتهاد في وضع الحلول الناجعة لها ، وإذا كانت القضية الكردية تأخذ منا ذلك الأهتمام بالنظر لأهميتها في الحياة العراقية ، فأن قضية الكرد الفيلية تعد من ضمن المهم من هذه القضية ، بالنظر لأبعادها وتداخلاتها ونتائجها المأساوية ، حيث تم الأمعان في ألحاق الأذى مادياً ومعنوياً بالفيلية من قبل السلطات على مدى سنوات طوال ولأسباب عدة ، بالرغم من ثبوت كون المناطق التي سكنها الكرد الفيلية جزء لاتتجزأ من الأرض العراقية ، وكانوا وحتى اليوم جزء لاينفصل من حضارته وتأريخه .
ولهذا فأن وجوب وضرورة أن نصل الى الحق ونتحقق من الأدلة والقرائن التي توصلنا اليه ، وأن نتمعن في الشكل الدستوري الذي يحقق العدالة والحقوق للعراقيين بشكل عام ، هذا الأمر يتوجب علينا أن نعترف أن الأكراد الفيلية من العراقيين الأصلاء أولاً ولم يأتوا من المجهول ثانياً وأنهم شركاء في هذا الوطن ثالثاً وأن تضحياتهم العراقية على مسار التأريخ تشهد لهم ، وأنهم جزء مهم وفاعل ضمن صفحات التأريخ العراقي القديم والحديث ، مثلما لهم حقوق كبقية البشر أخيراً .
وأذا وضعنا الرواسب الشوفينية التي كان لها الدور الأساس والفاعل في بروز ظاهرة التنكر للحق ، ورفض منح أي حق للكرد عموماً وللفيلية خصوصاً على جانب ، فأننا سنجد أن هذا الشعب تحمل مالاتتحمله الجبال من الظلم والضيم ، الذي لم يكن له ما يبرره سوى سيادة العقل الشوفيني المبتلي بالأمراض التي تراكمت على مدى زمن ليس بالقصير ، ومحاولته الدفع بأتجاه أنكار الحق بزعم حماية الوطن وسيادة التراب من خلال سياسة الوهم المتمثلة في سيادة قومية على أخرى ، وأشاعة نظرية أن الوطن أغلى من الأنسان ، وهذه السياسة المريضة والتي تمارسها العقليات الشوفينية والمتطرفة لايمكن أن تتعكز على اللعبة الدولية والمصالح السياسية التي كان الشعب الكردي أحد ضحاياها لنجزم بالتسليم للأمر الواقع ، لأن المصالح الدولية واللعب السياسية لاتغير من حقائق الشعوب ، فالكرد شعب له من الحقوق ماللشعوب الأخرى وعليه ما للبشر دون منّة من احد ، بل ودون أن ينتظر من احد منحه هذه الحقوق ، فقضية الحق لاتقبل المساومة مثلما ليس لها حلول وسطية .
فأذا أعتقدنا بماورد نكون قد خطونا الخطوة الأولى في أحقاق الحق الذي دعا اليه الأسلام قبل أعلان حقوق الأنسان الصادر من المجتمع الدولي .

ونعرف كلنا حقيقة أن الأكراد الفيلية جزء من الأمة الكردية ، مثلما هم جزء مهم وفاعل من المجتمع العراقي ، وهذه الحقيقة لاغبار عليها ، وهم شريحة كردية لهم لهجتهم وتاريخهم وخصوصيتهم وسكنوا هذا الجزء من أرض العراق منذ أن وجد الأنسان على هذه الأرض ، وحين نشر الفتح الأسلامي جيوشة كان الكرد الفيلية يقيمون في تلك المناطق التي ألتزمت بالدين الجديد ، بالنظر لتفهم حقيقة الدين ومايحققه من أسس ومفاهيم وقيم أنسانية للشعوب الأسلامية منها أو غير الأسلامية .

أن الأكراد الفيلية الذين عرفوا بتجمعاتهم المتمركزة في مدن وقصبات عراقية وفي محلات معينة من بغداد ، أنتشروا في مساحة من الأرض توزعت وفقاً لخرائط الجغرافية والتقسيمات السياسية لايمكن أن يغفل أحد وجودهم الأنساني ، وكما لايمكن إن يسكت أحد عن حقائق التأريخ الأنساني حيث كانوا ضمن تأثيراته وصفحاته المشرقة ، بالرغم مما لحقهم من تهميش وغض النظر في الفترات القديمة والحديثة التي كانوا فيها ، حيث تم تغييبهم عند كتابة التاريخ في الزمن الصدامي الذي كتب وفقاً لرغبات السلطات الحاكمة .
ساهم الأكراد الفيلية سوية مع العرب في مناطق عديدة من العراق جنباً الى جنب في تحملهم نصيبهم من أضطهاد الحكومات التي كان ولاتها يتسلطون على البشر بأسم الدين الأسلامي ، وحمل سلاطينها وخلفائها وملوكها ورؤسائها ألقاب (( أمير المؤمنين )) ، والتي توالت على حكم العراق وانتهت مع حقبتها التأريخية ، وما تحمله الشعب من جور وظلم السلطات العثمانية والفارسية والصدامية البائدة .
وحين قامت ثورة العشرين في حزيران 1920 كان الكرد الفيلية ضمن جموع الأكراد في مقدمة من أستجاب لنداء العلماء المسلمين والقادة السياسيين المتنورين وشيوخ العشائر في الفرات الأوسط ، حيث تلاحمت الأخوة العراقية بحق في هذه المواقف التي سجلها التاريخ العراقي بفخر للعرب وللأكراد والتركمان بالرغم من الظلم الذي كان يعانيه الكرد من الدولة العثمانية ، الا أن الأستجابة الوطنية في رفض الأحتلال مهما كان شكله ونوعه ، كان الدافع الذي دفع الشعب الكردي وقياداته في التصدي المسلح ، والمساهمة جنباً إلى جنب مع العرب والتركمان ضد الأحتلال الأنكليزي للعراق .

وخلال الحكم الوطني العراقي ساهم الكرد الفيلية مساهمة فعالة في رفد الأقتصاد العراقي وحركة التجارة العراقية والحركة العمالية رفداً فعالاً ومهماً ، أذ تمتع الكرد الفيلية بعقليات تجارية وصناعية قادرة على المساهمة في ترسيخ قاعدة أقتصادية متينة للعراق ، ولما تمتعوا به من ذكاء فطري وتراكم عملي في فهم العلاقات التجارية والمالية ، ولما أشتهر عنهم من خصال الأمانة والثقة والصدق والأخلاص في تعاملهم وعملياتهم التجارية والمالية ، مما سبب أستقرار ورسوخ قيم السوق التجارية الناجحة والرصينة ، بالأضافة الى تطلعاتهم بأتجاه المستقبل العراقي ، حيث ساهموا في التخطيط لهذا المستقبل ، وانصهروا ضمن النضال السياسي الوطني ليشكلوا قادة وقواعد تطالب بالحق والديمقراطية لكل العراق قبل أن يطالبوا بحقوقهم المشروعة .
والمنصف الذي يقرأ التاريخ العراقي بحيادية ينظر بعين الأعجاب للمساهمة الوطنية والتلاحم العراقي والشراكة الحقيقية في سبيل تحقيق طموحات الشعب العراقي بكل أطيافه وشرائحة ، وبجهادها ونضالها الذي جسدته في ثورة 14 تموز 58 19 التي أنهت الحكم الملكي في العراق ، ومن ثم في المواقف الثابتة والرصينة المناهضة للسلطات الدكتاتورية والشوفينية التي تعاقبت .

كانت مشكلة الأكراد الفيلية في العراق قائمة مع السلطات التي رسمت علاقتها بهم من خلال التشكيك بوطنيتهم ، واتهامهم بالأنحياز الى دولة إيران بأعتبارهم جزء من التهمة الكاذبة والرخيصة التي يتم قذف الشيعة الجعفرية في العراق بها ، وأستحضار أتهامات لاأساس لها من الواقع ، وتشريع النصوص سيئة القصد التي يراد في تطبيقاتها تحطيم حياتهم وإستقرارهم في يوم ما ومحاربتهم بشفرات نصوصها ، حيث بقيت تلك النصوص متوارثة تحرص على بقاءها الأنظمة المتنافرة مع الشعب التي حكمت العراق ، لم تتغير بتبدل الزمان وتغير السلطات على الحكم في العراق ، والتي لم تستوعب مطالبهم الأنسانية ولاوضعهم القانوني ، ولا أ قرت بحقوقهم المشروعة فأستغلت مواقعها وقدراتها العسكرية وامكاناتها المادية ، وشنت عليهم حملات هوجاء تلقي القبض عليهم بوسائل الخديعة وتهاجم بيوتهم وتنتهك حرمتها وهتك ستر عوائلهم ، في التسفير الكيفي والهمجي المخطط له سلفاً ، ولأغراض مسبقة ومدروسة ، فطحنت أبناء العراق من الكرد الفيلية وروعت عوائلهم الآمنة والمستقرة وشردت أعدادهم وتجمعاتهم ، وفرقت اطفالهم عن أمهاتهم وزوجاتهم ورجالهم عن نساؤهم ، وأستولت دون وجه حق على كل ما جمعته تلك العوائل في حصيلة أعمارها وتأريخها بعرق جبينها وبكدحها بشرف ، وبالنتيجة فقد خسر العراق الكثيرفي تلك الممارسة الأجرامية الحاقدة ، يقيناً أن السلطة البائدة حين أقدمت على ممارسة تلك الأفعال الأجرامية بحق الفيلية كانت تعتقد أن بأستطاعتها القضاء على حقوق الشعوب و تطلعها لحقها في الحياة ، وأنها تنتقم من الفيلية لأيقاع الأذى مزدوجاً على الشعب العراقي بالنظر للتداخل بين الشرائح وامتزاجها ، وكما أعتقدت أنها قد تؤذي إيران لما التبس في عقلها من وجود روابط مذهبية أو دينية ، دون أن يتم أعمال العقل في دراسة الحق والحقوق والتوصل الى محطات يمكن أن تكون قواعد وأسس للحياة العراقية الجديدة ضمن الأطار الأنساني بصرف النظر عن قوميته أو مذهبة ، ولم يشكل الكرد الفيلية أية مشكلة مع بقية مكونات الشعب العراقي ، بل سجلوا أنسجاماً وتلاحماً مصيرياً مشهوداً لهم ، ولهذا كانت قضية الكرد الفيلية احد اسباب سقوط العديد من السلطات الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق .
التضحيات التي قدمها الأكراد الفيلية لم تكن نوعاً من الترف السياسي أو من أجل مواقف ذاتية أو لمصلحة قائد سياسي أو حزب من الأحزاب ، فقد كانوا يشعرون حقاً بما يلحقهم من غبن في الحقوق ، وكما كانوا يشعرون بأن عطاؤهم لايتجانس مع حقوقهم المتعلقة بخيوط النصوص الواهية التي وضعتها السلطات والتي غمزت من مواطنتهم وأرتباطهم بالعراق .
ومع كل هذا القهر والعذاب الأنساني الذي عاشته جماهير الكرد الفيلية ، فقد كانوا ينتظرون أن تخلص كل نزعات السلطات الشوفينية وتنتهي من صب حقدها الأعمى وشرورها المستطيرة ، حتى يمكن التأمل برهة للزمن العراقي القادم بديلاً عن تلك النزعات التي تعمي البصر والبصيرة وتنشر مساحة الدم والرعب فوق كل حقول العراق ، والعطاء الفيلي في التضحية بالأشتراك مع بقية المكونات العراقية لم يتوقف ولااستكثر الأرواح من اجل ان ترتفع راية الحق التي لابد ان تزهو عالية ترتفع وخفاقة فوق الجباه التي افتدت العراق ومستقبله بارواحها النقية والطاهرة لتسجل اروع الملاحم بين شعب يستمد ايمانه من حقه في الحياة وبين طغمة لم تفهم معاني الحياة ولاجماليتها الا مغمسة بالدماء والرعب وملطخة بالظلم والظلام .
يتطلع الكرد الفيلية في كل تضحياتهم للأنسان ولحياة وكرامة تليق به وتتفاعل ضمن الحياة البشرية ، وتتامل التطلع نحو مستقبل يلحق به الأنسان في العراق بركب المدنية والتطور ، وأن لاأحد فوق الآخرين والبشر سواسية ، وأن الجميع يخضعون للقانون ، ويتطلع الكرد الفيلية في تضحياتهم للتعبير عن أصرارهم الأنساني والمشروع في ابقاء صوتهم عالياً ، وأن يكون لهم الحق في بقاء هذا الصوت حالهم حال أي شعب بالعالم .

وبقي الكرد الفيلية شوكة في حلق الطاغية البائد لم يستطع أن يذلهم ولاأستطاع أن يقهرهم ، وكانت مواقفهم وتضحياتهم وأصرارهم الشرارة والمنارة التي لم تهدأ ولم تنطفيء في أنارة دروب أسقاط سلطة الطاغية بالتكاتف والتعاون مع أحزاب الحركة الوطنية العراقية ومن خلالها .
وبعد أن تحقق سقوط الطاغية ورحيله دون رجعة ، وبعد ان كنست الدكتاتورية من الزمن العراقي ، وبعد أن استعادت الجماهير حقها في الحياة يتحتم على أصحاب الوجدان والضمائر الحية أن يستذكروا أن الاكراد الفيلية لهم من الحقوق المهدورة والمسلوبة ما يستوجب العمل على أعادتها دون تأجيل ، وان نعمل على تمجيد شهداؤهم لكثرتهم وقساوة طرق القضاء عليهم ، وأن نسعى بضمير صاف لوضعهم في الأطار الوطني الصحيح ، وان الكرد الفيلية كانوا السند المجاهد والدائم وحطب الثورة المستمرة على الطاغية ، والصرخة الإنسانية التي شكلت الأرضية الثابتة للحركة الوطنية العراقية التي يجب الأقرار بمواقفها ومساهماتها الوطنية .
ومثلما يكون للكرد الفيلية في العراق الحقوق التي تتناسب مع الوضع العراقي ، فأن هذا الأمر لايخل بحقوق بقية مكونات الشعب العراقي ،
وحق علينا أن نستذكر بوجدان العراقي النزيه وبضمير العراقي المناضل ماقدمه الأكراد الفيلية من تلك التضحيات العراقية الجسام ، وأن نحقق ما أمرنا الله به من أعطاء كل ذي حق حقه ، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه المبين في سورة البقرة :
(( ولاتلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )) .




زهير كاظم عبود







الفصل الأول

الكرد الفيليون


ضمن التقسيمات القومية لشرائح المجتمع في العراق ترد كلمتين تشيران الى مجموعات بشرية تشكل جزء مهم وفاعل من تاريخ العراق الحديث وتدخل كشرائح أجتماعية لها حضورها ضمن القوميات التي تسكن العراق ، هما الفيلية والشبك ، يجمع بينها ما نالها من الأتهامات الباطلة في خلط الأنتساب والأصل ، كما يجمع بينها توحد المذهب ، بالأضافة الى استمرار وإصرار السلطات التي تعاقبت على حكم العراق على ظلمهما وتهميشهما والتنكيل بهما سوية ، ثمة من يحسم أنتساب الكرد الفيلية الى القومية الكردية ، وثمة من يختلف في نسبة الشبك جميعهم الى القومية الكردية ، حيث ينسبهم بعض الى خليط متشابك من القومية العربية والكردية والتركمانية والفارسية .
المجموعة الأولى التي حسمت وأكدت حقائق التاريخ فيما يخص قوميتهم وأصالة أرتباطهم بالأكراد كقومية هم شريحة الأكراد الفيلية ، أما الثانية والتي لاتقل عنهم عطاءاً وأصالة فهم الشبك في العراق ، وسبق لنا الخوض في قضية الشبك ، حيث كنا قد أصدرنا كتابين بحق هذه الشريحة العراقية الفاعلة ، الأول بعنوان ( لمحات عن الشبك ) اصدار دار الرافد في لندن 2000عام ، والثاني ( الشبك في العراق ) أصدار دار أيزيس للأبداع والثقافة في القاهرة عام 2006 ، ودار سردم في كردستان العراق عام 2006 ودار هافيبون في ألمانيا عام 2006 معاً ، بحثنا فيه عن أصل الشبك وحقيقة الدين والقومية ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم ومناطقهم التي يقيمون بها ولعلنا أسهمنا في خدمة الحقيقة .
وأذ فكرت السلطة العراقية البائدة في أجبار الشبك على تغيير قوميتهم بالنظر للأختلاف في نسبتهم وأختلاط قوميتهم ، ومارست بحقهم أسوأ الأساليب والطرق التي تدفعهم قسراً الى تغيير قوميتهم ، وتسعى الى تغيير خارطة مدنهم وقراهم البائسة التي امعنت في ابقاءها عتيقة وخربة لايصلها العمران والحضارة والخدمات التي توفرها ابسط السلطات لمواطنيها ، أو تهديم بيوتهم ومصادرة مزارعهم وأموالهم ، وسعت الى تشويه تاريخهم وأنتسابهم القومي في محاولة لألغاء تراثهم وحقيقة ديانتهم ومذهبهم وأصولهم ، وكما سعت الى تهجيرهم وتشريدهم ، الا أن السلطة نفسها لم تستطع أن تلعب لعبتها مع الأكراد الفيلية لعدم تمكنها من أيجاد خلاف لدى الباحثين في كرديتهم ، فسعت لأتهامهم بالفارسية بالنظر لوجود العديد من عشائرهم في الجانب الأيراني المحادد للعراق ، والتي لم يتم اتهامها بأية تهمة من قبل آيران ، ولكنها لم تستطع ضمهم الى قومية السلطة لعدم وجود عشيرة أو فخذ منهم ينتسب للقبائل والعشائر العربية ليتم التعكز عليه ، بل العكس حدث من ذلك فثمة عشائر كردية أندمجت مع العشائر العربية بعد أن سكنت مناطق الفرات الأوسط منذ زمن قديم .
فأن سنحت لنا الفرصة للتعرف على الشبك ، فقد كانت لنا علاقات إنسانية وطيدة مع العديد من إبناء الكرد الفيلية ، وتحفظ ذاكرتنا لهم ذكريات لم نزل نضعها في جوانح القلب ، وقد امتلأ ت روحنا بطيبتهم وكرمهم وأخلاصهم وبساطتهم وتواضعهم ، وكنا قد كتبنا مقالات عدة عنهم اقتضتها ظروف حينها ، سواء قبل أن يسقط الطاغية ، أو بعد أن رحل الى الأبد بعد أن خلف فينا جراحاً عميقة ونزفاً لم يزل طرياً ، والكرد الفيلية أحد الجراح الندية التي لم تزل في جسد العراق .
وعرفهم أخوتهم أهل العراق بالنخوة والشجاعة والشهامة ، وفوق كل هذا ولا أعتقد أن احداً من اخوتي اهل العراق من يختلف معي من كونهم أشتهروا بالأخلاص وتمسكهم بثقة بالكلمة التي يعطونها ويتعاملون بها دون الحاجة الى سندات وتوثيق وشهادات في تعاملهم ومعاملاتهم التجارية ، وينعكس ذلك ايضاً على في ديونهم وثقتهم بغيرهم من إبناء العراق .
ولأعتبارات سياسية كانت على الدوام تـثار قضية التشكيك في قومية الكرد الفيلية ، كما يشاع ظلماً أنهم ليسوا بأكراد وأنما نتاج هجين للمجتمعات المتجاورة بين ايران والعراق ، وهذا الزعم لايعوزه المنطق والأثبات ولايخالف الحقيقة فقط ، وأنما يشكل واحد من الأتهامات العديدة التي الصقت بالكرد الفيلية والمجتمع العراقي .
يقول الدكتور زهير عبد الملك عن الكرد الفيلية في مقالة له نشرت في مواقع الأنترنيت على صفحة العراق للجميع :
(( شريحة من أقدم سكان الجزء الجنوبي الشرقي من بلاد ما بين النهرين،وهم السكان الأصليون للمدن و القرى والقصبات الممتدة إلى الشرق من مجرى نهر دجلة،من خانقين شمالا إلى الكوت والعمارة ثم البصرة جنوبا ، فضلا عن مدينة بغداد . ويذكر الباحث العراقي عباس العزاوي عن تاريخ مدينة العمارة العراقية : "أن هذه المدينة تكونت عام1860 ميلادية، 1278 هجرية، وكانت تسكنها عشيرة (دوزاوه) من اللور الفيلية، وجملة عشائر بدوية ". ويلاحظ أن هذه المناطق أصبحت بحكم ترسيم الحدود الدولية ما بين العثمانيين والفرس في مطلع القرن الماضي جزءا من الإمبراطورية العثمانية أي ضمن الأراضي التي أنشئت عليها الدولة العراقية الحديثة (المملكة العراقية) في العشرينات. وعاش الفيليون في وسط البلاد وجنوبها، واندمجوا على نحو متكامل اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا بالمجتمعات العربية، دون أن يفقدوا حسهم بالانتماء القومي إلى الأمة الكردية، كما حافظوا على تقاليدهم المذهبية (الجعفرية) ولهجتهم الكردية- الفيلية، شأنهم في ذلك شأن العديد من الأقليات القومية والدينية الصغيرة التي تكون منها المجتمع العراقي تاريخيا . ))
التأريخ يدون احداثه من خلال أعتماده على الحقائق التي مرت والتي تركت خلفها الاثر الملموس على الإنسان في الزمان والمكان ، والتأريخ ما يستند على الوثائق والرقم والكتابات والوجود الأنساني ، ولايمكن إن يكون رغبة من رغبات السلطان أو الحاكم ، كما لايمكن إن يمرر حتى النهاية المزور من الأحداث ، ولذا فأن مايتم أعتماده في الوجود الكردي الفيلي لايتعلق برغبة الحاكم المستبد والطاغية الشوفيني في العراق ، ولايمت بصلة للمزيف الذي يتم التعكز عليه للتوصل الى نتائج يراد تحقيقها ، وحيث إن الحقائق المدونة في التأريخ العراقي القديم منه والحديث ، تثبت وجود الكرد الفيلية على الأرض العراقية قبل أن تصل الموجات العربية الى مناطقهم ،حين كان العرب يتحددون ضمن رقعة جغرافية معروفة ، وتثبت ايضاً أثرهم الملموس في خضوعهم الى الولاة الفيلية والى السلطات الفارسية والعثمانية ومن ثم الانكليزية التي حكمت العراق ، شأنهم شأن كل أهل العراق ، ولذا فأن حقائق التأريخ تبقى متألقة وناصعة لايمكن تدنيسها.
كما لاتوجد أمم هجينة تنتج من تزاوج الأمم ، وهذه الفرية يعوزهاالمنطق ، وتعارضها المراحل التأريخية في الحياة البشرية ، ولم ينتج بأي حال من الأحوال التزاوج الحديث بين العرب والفرس كيان أنساني هجين مطلقاً .
وليس غريبا إن يكون من اوائل الذين طعنوا بكردية وعراقية الكرد الفيلية هو ممثل الأدارة البريطانية في العراق ( أدمونز ) عند إحتلال العراق ، تماشياً مع السياسة البريطانية في تفكيك وتشتيت صفوف المجتمع العراقي لأضعافه وبث الفرقة بين ابناءه ، وهو الذي بدأ بأحياء نغمة الجنسية وشهادة الجنسية التي ألتزمتها السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، وأستعملتها أبشع استعمال ضد العراقيين من الكرد الفيلية بعد سنوات قليلة من الأحتلال .
ومن خلال تحليل القصد الذي دفع ممثل الأدارة البريطانية المحتلة للعراق الى تقسيم المجتمع العراقي ، والتفريق بين الشرائح العراقية ، ندرك انه لم يكن بقصد تنظيم المجتمع بقدر ماكان يسعى لأضعاف الشرائح الفاعلة والتي يراها تشكل خطورة على الوجود البريطاني الأجنبي في العراق ، وكما ليس غريباً أن تحرص العقليات الشوفينية المبتلية بالتعصب القومي على ما قرره المستشار البريطاني ( السير برسي كوكس ) بالتعاون مع ( عبد الرحمن النقيب ) من تبني ذلك المشروع ، حيث تم تجسيده وتحويله الى نصوص قانونية صدرت قبل إن يصدر القانون الأساس للبلاد ( الدستور الدائم لعام 1925 ) .
الشوفينيون الذين تسلطوا على الحكم في العراق ارتكبوا بحق الكرد الفيلية جرائم ثلاث لايمكن أن تعفيهم من العقاب ، أولها أنكارهم أن شريحة الكرد الفيلية جزء لايتجزأ من الأمة الكردية التي يراد لها أن تتشرذم وتصمت وتضعف على الدوام وفق رغبات السلطات الشوفينية المتعصبة وأن لاترفع صوتها تطالب بحقها وحقوقها ، وأن الأفتراء كونهم فرس يجانب الحقيقة ويتعارض مع حقائق التأريخ والجغرافية حيث ثبت أنهم اقاموا في الشريط المحادد لآيران منذ فجر التأريخ ، يراد من تلك التهمة سلخهم عن أمتهم وحصرهم في زوايا لأضعافهم وخسارة أمتهم ، وثانيهما أنهم من أتباع آل البيت ومن تابعي المذهب الجعفري تحديداً وهذا الأعتناق المذهبي عرفه الفيلية من العراق قبل إن تكون إيران معتقدة بالالتزام بهذا المذهب ، وكما ليس من المنطق أن يكون أتباع هذا المذهب من تابعي إيران ، لأن حقائق التأريخ تقول أن الايرانيين هم من أتبعوا مذهب الأمامية في العراق وليس العكس ، ومايلاقيه أتباع هذا المذهب من محاربة وتهميش وأضعاف من قبل السلطات التي تعاقبت على حكم العراق منذ تأسيس الحكم الوطني حتى سقوط سلطة الطاغية لأسباب طائفية مقيتة ونوازع مريضة تسيطر على ارواح وعقول الكثير من المتسلطين على الحكم في العراق ، وثالثها أن الأكراد الفيلية أنخرطوا منذ وقت مبكر في الحركة الوطنية السياسية العراقية وخصوصاً في الأحزاب اليسارية منها بالنظر لشعورهم بالحيف والظلــم الذي لحقهم من السلطات الحاكمة ، ولذا لايمكن تناسي دورهم المهم في هذا التاريخ حيث سعت السلطات الى طمس معالم هذه الصفحات المشهودة في التاريخ العراقي الحديث .
وهذه الأتهامات الثلاث التي تشكل قمة الفخر الأنساني لدى المواطن العراقي وتشعر الكردي الفيلي بالزهو والعطاء العراقي الأصيل ، فأنها تبقى على الدوام مؤشر يشير الى تواصل النضال والعطاء المستمر للعراق من هذه الشريحة العراقية ، مثلما يشير الى تواصل الأعداء وفق منطقهم وعقليتهم ألصاق الأتهامات بهم دون سند أودليل وهو ما درجت عليه أضابير أجهزة الأمن والمخابرات والأستخبارات التابعة لتلك السلطات وهي المعبر الحقيقي لعقليتها وتفكيرها تجاه الشرائح والمكونات العراقية .
ومروراً على تسمية ( الفيلي ) ، يذكر المرحوم نجم سلمان مهدي الفيلي في كتابه الفيليون الصادر عن دار الشمس بالسويد – ستكهولم 2001 بالصفحة 19 : (( أن اصل التسمية بالفيلي – وفق رأي الكاتب – مشتق من أسم الملك العيلامي بيلي ( Peli ) الذي أسس سلالة بأسمه في عيلام ، وأنجبت هذه السلالة أكثر من أثني عشر ملكاً ، بدءاً بحكم بيلي حوالي العام 2670 قبل الميلاد ، انتهاء بحكم الملك ( يوزور أنيشوشيناك ) في العام 2220 قبل الميلاد ، وأطلق هؤلاء الملوك على سلالتهم ورعيتهم معاً أسم بيلي مؤسس هذه السلالة ، ولكن المؤرخين أشاروا أليهم في كتبهم تحت عنوان سلالة ( أوان ) نسبة الى أسم مدينتهم العيلامية ( أوان ) . )) .
ويرى الباحث جورج . ن . كرزن في كتابه آيران وقضية أيران – الجزء الثاني – ص 329 من أن أصل الكلمة بمعنى الثائر ، في حين يرى هنري فيلد في كتابه معرفة الأقوام الايرانية ص 98 أن أصل الكلمة بمعنى المتمرد أو العاصي .
كما يرى بعض الباحثين أن أصل التسمية جاء من أسم أحد اكبر ملوك الفيلية وأسمه (( فيلي )) ، في حين لبعض رأي آخر يرتبط بتسمية العرب لهم بالفيلية نسبة الى مالقيه الفتح الأسلامي من مواجهات معهم استعملوا فيها الفيلة .
ونشر الكاتب مدحي المندلاوي رأياً طرحه للمناقشة في صحيفة نداء الكرد العدد صفر بتاريخ 3 تشرين الأول 2000 ، حول أصل التسمية نسبة الى ( فئة علي ) ، ويذكر المندلاوي حسب ما أشار اليه شاب في اربيل يدعى ( محمد ) نقلاً عن والد زوجة ذلك الشاب ، الدكتور الراحل كامل البصير عضو المجمع العلمي العراقي ، وقد كتب الباحث السيد عبد الرحمن مزوري في العدد الرابع بتاريخ تشرين الثاني 2001 من نفس الصحيفة رداً يفيد فيه أن التسمية ضعيفة ولاسند لها ويخلص الى ما نقله عن ( الطبري ) من أن فهلوج – فهلوي – هم سكان فهلة – بهلة ، الأسم الذي رافق الميديين الكرد منذ 844 قبل الميلاد ، حين ورد ذكرهم في كتابات الملك الاشوري شلمانسر الثاني ، وأن كلمــة ( فيلي ) هي الصيغة الأحدث لـ ( فهلي – فهلوي ) ولا علاقة لها ب ( فئة علي ) كما يقول المزوري .
ويؤيد رأي السيد مدحي المندلاوي الكاتب والأعلامي نوري علي فيقول : أميل شخصياً الى ترجيح أصل كلمة فيلي الى ( فئـة علي ) ، عن بقية الأفتراضات التي نسبت كلمة ( فيلي ) الى ( بيلي ) أي شجاع أو كون التسمية جاءت من أسم احد أكبر ملوكهم وأسمه ( فيلي ) ، أو بسبب تسمية العرب لهم عند مواجهتهم لقوات الفتح الأسلامي بالفيلية ، ويعزي بعض هذه التسمية لنهر ( الفيلية الذي يمر في منطقة ( بهلة ) الحدودية وهي منطقة محاذية للجانب الذي يسكنه العرب ، وقد أطلق العرب أسم الفيلية على الأكراد القادمين من الجانب الأخر لمناطق سكناهم .
ولغرض فهم أسباب ترجيح كلمة ( فئة علي ) على بقية الأفتراضات يتوجب العودة الى موضوع الأمامة أو الخلافة حسب المعتقد الشيعي ، حيث التزم الشيعة بما روي عن النبي ( ص ) قوله ( الأمامة في قريش ) ، ولاشك أن قريش كانت تعني حاضرة العرب ، وهذا يعني حسب الفقه الشيعي أن الخلافة أو الأمامة أو الزعامة والقيادة للمسلمين يجب إن تكون عربية ، وقد أخذت معظم المذاهب والنحل الأسلامية بذلك ، بأستثناء المعتزلة والخوارج ومذهب ابو حنيفة ، بالوقت الذي جاء المذهب الجعفري كأمتداد للتشيع ليؤكد ويوجب أشتراط عروبة الخليفة ، كما أكد غالبية فقهاء التشيع على عدم جواز غير العربية في كثير من المسائل منها التكبير .
ويعود السيد المندلاوي للدفاع عن وجهة نظره في العدد السادس من نداء الكرد الصادرة بتاريخ حزيران 2002 ، فيفند ربط كلمة الفيلية بالفيل الذي لايتواجد في تلك المنطقة ، وعدم قبول حجة أن منطقة بهلة ( ربما ) تكون هي الفيلية وأن جذور بعض الأسماء وعودتها الى ميديا مسألة فيها وجهة نظر ، ذلك أن الأمثلة التي أوردها المزوري – حسب المندلاوي – غير مطابقة للحقيقة أبداً ، ولايمكن إن تتحول كلمة ( بهلو ) الى فيلي ، ويؤكد المندلاوي عدم ورود أسم فيليستان أو الفيلية في العديد من المؤلفات اللغوية والسياسية ، أذ ينصب التحدث عن مناطق اللر واللهجة اللرية والكرد اللر ، ويخلص الى أن والي بشتكوه كان عربيا وكذلك أسرته ، والفيلية هي كلمة عربية أحترق بنارها مئات الالاف من الكرد العراقيين ولايزالون .

أما الباحث الدكتور مؤيد عبد الستار ، فيبدي وجهة نظره في أسم ونسبة الكرد الفيليون فيقول : (( عرفت بلاد الكرد عموما باسم كردستان ، وهي منطقة جغرافية شاسعة وفيها سلسلة جبلية شهيرة هي سلسلة جبال زاغروس ، وضمن بلاد كردستان توجد مقاطعات او ولايات او امارات عديدة حملت اسماء مختلفة ، كانت تعيش وفق ظروف العصور المختلفة ، وكانت اشبه بالولايات الادارية المستقلة ، ضمن كردستان الكبرى ، ومن تلك الامارات ، او المقاطعات ، منطقة لورستان ، اي بلاد اللور ، والتي حملت هذه التسمية بسبب منطقة معروفة فيها تدعى لور ، وقد ورد ذكر اللور عند ياقوت ، وقال عنهم بانهم قبيلة من الكرد تعيش في الجبال بين خوزستان واصفهان . وبلاد اللور تشكل جزء من مملكة ايلام ، وكانت مملكة معروفة ، هاجمها اشور بانيبال ، في عهد الملك الايلامي تيومان الذي خسر المعركة فاحتل الجيش الاشوري ايلام عام 653 قبل الميلاد ، وخربها واستولى على العاصمة سوزة ، ونهبها. وقد استمر تخريب مملكة ايلام طوال اربعين عاما ، قامت به الجيوش الاشورية في حملتين عسكريتين ، واخذت الاف الاسرى ورحلتهم الى مناطق تابعة للامبراطورية الاشورية ، وسهل هذا الخراب الذي حل ببلاد ايلام الامر على القبائل الفارسية التي كانت على تخوم الدولة الميدية ، في التقدم نحو ايلام والاستيطان في بلاد اللور . اما تسمية الكورد اللور بالفيليين فان ذلك يعود لسببين ، الاول ان احد ملوكهم كان يدعى بيلي ( بالباء المثلثة ) ، فاطلقت الاقوام الاخرى عليهم اسم بيلي وتحول الاسم تدريجيا بالعربية الى فيلي ، وذلك لعدم وجود حرف الباء المثلث في اللغة العربية . والسبب الاخر ان الكرد كانوا مقاتلين اشداء ، واقوياء البنية ، فاصبحوا يشبهون الفرسان بهم وينسبون اليهم القوة والفروسية وظلت التسمية تستخدم في الفارسية ومنها اشتقوا بهلوي ، وبهلوان .
واطلقت على الكتابة المسمارية التي كانوا يستخدمونها تسمية الكتابة البهلوية ، والفهلوية ، وهي التي تطلق على ما يسمى الفارسية القديمة ، والحقيقة هي الكردية ، ولكن بسبب احتلال القبائل الفارسية لمناطق الكرد الايلاميين ، اقتبسوا كتابتهم ، ولذلك نجد اللوح المدون فيه اعمال داريوس في طاق بستان ، في ايلام منقوشا بثلاث لغات ، احداها الكردية المسمارية ، والتي استطاع العلامة الايرلندي ، عالم المصريات الدكتور هنكس حل الرموز الموجودة في اللوح استنادا الى الاسماء الفارسية ، اذ نشر مقالة بهذا الخصوص عام 1846م بين فيها ان اللغة المكتوبة على اللوح هي لغة مقطعية وليست هجائية ، وهو العالم الذي اكتشف عدة اسماء مثل نبوخذنصر ، وسنحاريب واورشليم وغيرها . ومن ثم ساهم علماء ورحالة اخرون في فك طلاسم الكتابة المسمارية من خلال هذا اللوح الموجود في طاق بستان ، في ايلام بلاد الكرد ، صاحبة اقدم حضارة سومرية . ))
وفي مقدمة بحث عن مدلول كلمة الفيلي قدمته مؤسسة شفق نشر على الأنترنيت في صفحة العراق للجميع بعنوان ( الكرد الفيليون تأريخ مجيد ) :
(( عرف العلماء كلمة الفيلي وإستدلالاتها على أنها الثوري أو المتمرد أو العاصي وقد وردت في مصادر أخرى بأنها تعني الشجاع أو الفدائي كما أتخذت إسماً لسلالة تأسست في المنطقة وتعاقب على حكمها (إثنا عشر) ملكاً ، بدأ بالملك العيلامي (بيلي) حوالي عام (220) قبل الميلاد .
أطلق ملوك هذه السلالة على سلالتهم والرعية أسم (بيلي) فتحولت كلمة بيلي بمرور الزمن إلى فيلي كما تحولت كلمة بارس إلى فارس . تأسس في إيران بعد الفتح الإسلامي كيان بإسم (فيلان شاه) وهو الأسم الأعم لسائر ملوك السرير . ))

ومهما تكن التسمية والأختلافات في وجهات النظر ، الا إن رباطهم القومي الكردي لاغبار عليه ، وانسانيتهم أكبر من ارتباطهم القومي ، ودينهم الأسلامي الحنيف أكبر من مذهبهم ، وقد خلق الله الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا ويتحابوا ويتعايشوا ، وأكرم هؤلاء ليس نسبه القومي ولا الديني ولا المذهبي ولا اعتقاده السياسي ، أنما أنسانيته وتقواه ونزوعه بأتجاه عمل الخير ، وكان مجتمع الكرد الفيلية على الدوام نازعاً نحو الخير ، وحقاً بقي الكرد الفيلية منذ بدايات أسلامهم وحتى اليوم يتحملون الظلم المضاعف بسبب موالاتهم لأل بيت رسول الله ( ص ) ، ومحبتهم الشديدة لأئمة الجعفرية،ويقيناً أنهم من محبي الأمام علي ( ع ) ، فهو أول الأئمة وأكبرهم عظمة وعلماً وشجاعة وأقتداراً وأيماناً .
الكاتب هادي حافظ قيتولي نشر رأيا في العدد الأول من صحيفة نداء الكرد الصادرة بتاريخ 1 شباط 2001 خلص فيه الى أن أكراد أيران ( ايلام ولورستان لايعرفون معنى الفيلية ولم يسمعوا بها من قبل ، ويطلقون على غيرهم من الكرد بالجاف ، ويتابع من أن هناك نظرية أخرى ترجع أصل التسمية الى نهر صغير يسمى ( الفيلية ) يفصل مناطق الكرد في جبال زاكروس عن المناطق السهلية ، فالذين سكنوا شمال النهر الصغير أطلق عليهم الكرد الفيلية ، وسكان جنوب النهر اطلق عليهم عرب الفيلية ، وهذه النظرية – حسب رأي الكاتب – أقرب للواقع لأن الشيخ خزعل أطلق على أبناء عشيرته بالعرب الفيلية وكان يسمى سكان بشتكو بالكرد الفيلية .
ويقول الدكتور مهدي كاكه ئي في بحث له عن الكرد الفيلية بعنوان ( الفيليون هم السكان الأصليون لبلاد مابين النهرين ) :
(( في العهد الأشكاني (250 ق.م.- 226 م) كان إسم( پهله) يُطلق على الإقليم الذي عُرف بإقليم الجبل في بداية العصر الإسلامي، للدلالة على قسم من بلاد الميديا القديمة، و الذي عُرف جزء منه لاحقاً بإسم (كوردستان). حافظت الكلمة (پهله) على وجودها في زمن الساسانيين (224-652 م)، حيث أخذ بعض الأسر النبيلة تحمل لقب (پهلو) كلقب متميز ورفيع المستوى، كأسرة قارون پهلو التي كانت تسكن في مدينة نهاوند و أسرة سورين پهلو في مدينة سيستان و أسرة سباهبند پهلو في دهستان، حتى أن عائلة رضا شاه في إيران إستخدمت هذا اللقب للدلالة على نبالة و أصالة العائلة، حيث تبنوا اللقب پهلوي)، مثل الشاه رضا پهلوي و إبنه الشاه محمد رضا پهلوي.
في القرن العاشر الميلادي، أثناء فترة الحكم الإسلامي، تمت الإشارة الى (پهله - پهلو) لأول مرة من قبل ابن فقيه الهمداني الذي حدّد جغرافية منطقة (پهله) بالرقعة التي كانت تضم مدن همدان و ماسبذان (إيلام) و سمرة (دره شهر) و ماه البصرة (نهاوند) و ماه الكوفة (دينور) و كرمنشاهان. يضيف أيضاً بأن مدناً أخرى مثل الري و إصفهان و كومش كانت تُعتبر جزء من منطقة (پهلە). الشاعر الإيراني ، الفردوسي، الذي عاش خلال القرن العاشر الميلادي، يُميّز في شاهنامته، بين قوم ال(پهلە أو پهلي) و الأعراق الأخرى التي كانت تعيش في إيران القديمة كالفرس و البلوش. كلمة(پهلە - پهلو) تعني تأريخياً (الجبل أو الإقليم الجبلي)، حيث أن الفردوسي يستخدم هذه الكلمة في شاهـنامته بمعنى (الجبل) لأكثر من مرة .

نتيجة إشتهار السكان القاطنين في المناطق الجبلية بالشجاعة و الإقدام، مع مرور الزمن، أصبحت كلمة (پهلە) تعني (الشجاع). يبدو أن كلمة (پهلوان) التي تعني (البطل) في اللغات الكوردية و الفارسية و الأوردية، مأخوذة من كلمة (پهلە). بسسب إفتقار اللغة العربية الى حرف(پ)، فأن كلمة (پهلە - پهلوي) تحولت الى فهلة - فهلوي. إبن النديم، الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، يذكر بأن (فهلة) هي المنطقة التي تضم مدن همدان و ماه نهاوند و إصفهان و الري و أذربيجان. الطبري الذي عاش أيضاً في القرن العاشر الميلادي، يقول بأن الفهلو - هم أهل كورة الجبال. الجغرافي (إبن حوقل) يُحدّد إقليم الجبل بمدن شهرزور وشهرورد (سهرورد) و سيروان و همدان و ماهين (مادين - ماه) و مدينة لور و دينور و حلوان و نهاوند و مدينة كوردان و قرميسين (كرمنشاه). الغزاة السلاجقة قاموا بتقسيم بلاد الكورد في القرن الثاني عشر الى قسمين، أطلقوا على أحدهما إسم (كوردستان و على الآخر إسم (عراق العجم). يذكر مينورسكي بأن منطقة اللور الصغرى غالباً ما أخذت تُعرف بلورستان الفيلي إبتداءً من القرن الرابع عشر الميلادي. من هنا يمكن القول بأن كلمة (بيلي) السومرية تحولت الى (فيلي) التي تعني المقاتل و الشجاع والتي ترجع الى زمن الميديين (884 ق.م - 550 ق.م.)، حيث يذكر الدكتور محمد معين في معجمه الفارسي، بأن الشعب الميدي كان يُعرف تأريخياً ب(پهلة -پهلو) أيضاً، فكان يُطلق عليه (پهلوي ماد). بمرور الوقت، تحول (ماد) الى (ماه) ، كما في (ماهي دشت) أي السهل الميدي و (ماهي نهاوند) وهي إسم مدينة نهاوند الميدية و جبل (ماه نشست) أي موطن الماديين أو الميديين، ثم أصبح مصطلح پهله - پهلو يطلق حصراً على أرض الميديين.

إن كلمة فهلو - پهلو لا تزال تدخل في تركيب المواقع الموجودة في بلاد الكورد التأريخية مثل جبل (هفتاه پهلو) الذي يقع في جنوب مدينة (خرم آباد) و مدينة (فهلويان - فهليان) الغنية بالآثار الساسانية والتي تسكنها قبائل (مامسني) الكوردية و رافد (فهلويان - فهليان) الذي ،يُكوّن مع رافدي خير آباد و شولتان نهر (تاب) الذي يصب في الخليج . هكذا نرى أن كلمة (فيلي) منحدرة من الكلمتين (فهلي - فهلوي). )) .
كما يطرح الباحث الدكتور مهدي كاكه ئي وجهة نظر جديرة بالدراسة والأهتمام من أن الكرد هم السكان الأصليون لبلاد ميسوبوتاميا يقول فيه :
( نستنتج بأن الفيليين هم السكان الأصليون لبلاد الرافدين (ميسوبوتاميا) و أن السكان الحاليين في جنوب و وسط العراق هم أحفاد الفيليين و لا ينتمون الى العرب بأية صلة تُذكر. لو نتفحص الأسماء الشخصية للمواطنين الشيعة في وسط و جنوب العراق، لَنكتشف أن أسماء الكثير من أجدادهم و جداتهم هي أسماء كوردية خالصة ، ربما قد تمت عليها بعض التحويرات البسيطة التي حدثت خلال الحقب التأريخية المتعاقبة التي مرت بها المنطقة. على سبيل المثال، لا الحصر، الأسماء الشيعية (سباهي) متحورة من الكلمة الكوردية (سپاه) التي تعني (جيش) و (إبريسم) المأخوذة من الكلمة الكوردية (هوريشم) التي تعني (الحرير) و (چلاب) الآتية من الكلمة الكوردية (گول آب أو آو) التي تعني (ماء الورد) و الإسم الشيعي (خنياب) المأخوذة من الكلمة الكوردية (خوين آب أو آو) والتي تعني (ماء الدم أو ماء الحياة). كلمة (شروگي) التي تُطلق بالعامية العراقية على الشيعة والتي تعني (شرقي)، هي للإستدلال على أن منبع الشيعة هو الشرق أي شرق دجلة و كوردستان. بلا شك، نحتاج الى الكثير من التنقيبات الأثرية و البحوث و الدراسات للتعمق في تأريخ المنطقة و الإهتداء الى الحقائق المتعلقة بتأريخ الأقوام القاطنة في منطقة الشرق الأوسط و كشف الحلقات التأريخية المفقودة وإلقاء الضوء على الجوانب المبهمة من تأريخ المنطقة. إن التقدم البشري الحالي و ثورة المعلومات و الإنترنيت و الكومبيوتر و سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق، كلها يمنح فرصة ممتازة لعلماء الآثار للتنقيب و البحث عن الآثار القديمة، خاصة في كوردستان ووسط وجنوب العراق. الظروف الجديدة توفّر أيضاً مجالاً واسعاً للباحثين في مجال التأريخ القديم ، للبحث في ثنايا الوثائق و المستندات و الرسائل و الكتب القديمة للكشف عن المزيد من المعلومات التأريخية عن الكورد و الشيعة و الأقوام الأخرى القاطنة في منطقة الشرق الأوسط . إن القيام بمثل هذه التنقيبات ضرورية جدا ً، حيث أن تأريخ المنطقة تم تزويره وتشويهه من قبل الحكام و المؤرخين العنصريين. إن تصحيح و تنقيح المعلومات التأريخية وتقديمها بشكل موضوعي و شفاف، بات مُلحّاً و ضرورياً لتبيان الحقائق التأريخية ولأدوار التي قامت بها الأقوام و الشعوب و الأمم في المنطقة و الأحداث و النشاطات والفعاليات التي وقعت في هذه المنطقة ، لإنصاف هذه المجاميع البشرية و معرفة دور كل منها في كتابة و تسجيل التأريخ الإنساني القديم و مدى مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية . ))

وهناك رأي يقول بأن التسمية نسبة الى منطقة يقال لها ( بهلة ) تقع بين منطقتي بشتكوه وخوزستان ، فيها تختلط عشيرة عربية مع أكرادها ، والعشيرة العربية هذه تسمى بالفيلية أيضاً ، نسبة الى منطقة ( بهلة ) ، والعرب تقلب الباء الى فاء ، فالبهلية تنقلب الى فهلية ثم الى فيلية ، وهذا الرأي ضعيف ولا سند له مطلقاً .
يقول الدكتور برهان شاوي في بحث منشور على الأنترنيت في صفحة شمس الحرية بعنوان ( الكرد الفيليون محاولة لفهم أصلهم وفصلهم ) :
(( يشكل الكورد الفيليّون أحد مكونات الشعب الكوردي الجوهرية والأساس. وقد تضاربت آراء الباحثين والأكاديميين حول تحديد هويتهم وتحديد أصل تسميتهم ب(الفيليّن). فالمستشرق الروسي المعروف (فلاديمير مينورسكي)، ويؤيده في ذلك كل من : جون مالكولم، براون والباحث الكوردي (د. إسماعيل قمندار)،يعتقد بان البدايات الأولى لظهور مصطلح (فيلي) كان في القرن السادس عشر، حيث إستخدمت هذه اللفظة للتمييز بين إمارة (اللر الصغير) وحكامها الذين يعتبرون انفسهم اللر الحقيقي والفعلي( الفيلي) مقارنة باللر الكبير الذين يحسبون كإمتداد لهم وليس الأصل. معتمدا على ان تطور وتحول لفظة (فعلي) نحو (فيلي) ينسجم مع القوانين العامة في معالجة الأحرف والمفاطع الصوتية الأجنبية في لهجة اللور الصغير. رغم ان هذا المصطلح لم يستخدم في تلك المناطق إلا نادرا، بينما صار يستخدم في القرن التاسع عشر إلى سكان منطقة (بيشتكو) فقط، علما ان إستخدام هذا المصطلح حتى من قبل سكان (بيشتكو) حاليا لا يطلق إلا على كورد هذه المناطق الذين صاروا ضمن حدود الدولة العراقية بعد ترسيم الحدود بين إيران والعثمانيين في العام 1905، علما ان سكان خانقين ومندلي، وهم من الأكراد الجنوبيين، لا يستخدمون هذا المصطلح للتعريف بأنفسهم. علما أن هذا المصطلح يستخدم لتمييز هذه الشريحة من الكورد من الناحية المذهبية، من حيث انهم من اتباع المذهب الجعفري.
وجاء ذكر (بهلة) كمنطقة جغرافية في المصادر العربية لأول مرة في القرن العاشر الميلادي في كتاب (مختصر تاريخ البلدان) لأبن فقيه الهمداني ، إذ يشير بأن هذه المنطقة تضم : همدان، ماسبن (إيلام)، سمرة (درهشهر)، ماه البصرة (نهاوند)، ماه الكوفة (دينور)، وكرمنشاهان. كما ان (أبن النديم) في كتابه (الفهرست) يذكر هذه المدن نفسها تقريبا وينسبها لمنطقة (فهله)، مثلما يذكر (الطبري) في كتابه (تاريخ الرسل والملوك) بأن (الفهلو) هم أهل كورة الجبال.
كما يرد ذكرهم في ملحمة (الشاهنامة) للفردوسي كطائفة معروفة في تاريخ ايران، كما يؤكد الباحث عبد الرحمن مزوري بأن الفردوسي يستخدم لفظ (بهلو) بمعنى الجبل أيضا، ولإشتهار سكان الجبال بالإقدام والشجاعة فقد أخذت هذه الكلمة تتعطي معنى الشجاع، ولربما من هنا أشتق لفظ (بهلوان) في اللغات الكوردية والفارسية والأوردية. والغريب ان لفظ (بيلي) يعني بالسومرية الشجاع والباسل أيضا. ))
وكتب الباحث القانوني الدكتور منذر الفضل حول الكرد الفيلية في مقالة له منشورة على الأنترنيت في صفحة /web.krg.org/columnists/columnis :
(( ونشير الى الكرد الفيلية , وهم جزء من هذه الامة الكردية , حيث يذكر العديد من المؤرخين الى انهم من بقايا العلاميين او الكوتيين في وسط وجنوب العراق ( مندلي , بدره , جصان , خانقين , زرباطية, كركوك , بغداد وغيرها من المدن العراقية الى جانب المدن الايرانية الاخرى ). والكرد الفيليون ينحدرون من عشائر كردية معروفة عاشت في منطقة خوزستان وشرق العراق وبخاصة في شرق دجلة وهي من اقدم المناطق التاريخية في العراق والتي نشأت عليها اقدم الشرائع .
والحقيقة ان اصل اطلاق تسمية ( الكرد الفيليون ) جاءت من اطلاق تسمية المؤرخين العرب على الاكراد الذين جاءوا من كردستان ايران ( جبال زاكروز ) والذين نجحوا في الاندماج منذ مئات السنين بالمجتمع العراقي ونجحوا في امتهان العمل التجاري والزراعي والصناعي وبرزوا اكثر في ميدان الحركة الوطنية العراقية عموما وبوجه خاص في نشاطهم الوطني العراقي ضمن صفوف الحركة التحررية الكردية وضمن صفوف الحزب الشيوعي العراقي والحركات السياسية الاخرى مثل حزب الدعوة , بل ظهرت اسماء لامعة من بين الاكراد الفيلية في الحركة الوطنية العراقية وتاريخ العراق السياسي .ولهذا تعرض الكرد الفيلية الى ابشع صنوف الاضطهاد والظلم في ظل انظمة الحكم المتعاقبة في العراق وبخاصة منذ حكم البعث الاسود عام 1968 وبلغ اشد ه عقب اتفاقية اذار عام 1970 واثناء الحرب ضد ايران التي شنها نظام صدام عام 1980 .
والكرد الفيلية , مواطنون عراقيون , ينتمي اغلبيهم الى مذهب اهل البيت وهو المذهب الشيعي وهناك عدد اخر قليل منهم من غير الشيعة , وهم شعب مسالم تميز بوفاء العهود واحترام المواثيق والصدق والامانة في نشاطاتهم التجارية والاقتصادية عموما ولم تتلوث سمعتهم بأي عمل ارهابي او باعمال العنف السياسي .وهنا يذكر البروفيسور خليل اسماعيل محمد ( كولان العربي 10-2002 ) : الكورد الفيليون الاصل الحقيقي للشعب اللوري والاخير هم قسم من الامة الكردية وفقا لما جاء في موسوعة شمس الدين سامي وغيره من المعاجم والمؤلفات .كما يشير ( مينورسكي ) ان اللور هم قبائل رحالة يعود اصلها الى شعوب الهندو- اوربي . ))
وبعيدا عن الغور الأكاديمي في البحث عن اصل كلمة ( فيلي)، نستنتج مما تقدم بان الكرد الفيليين هم سكان أقصى الجنوب من كوردستان، وبالتحديد منطقة (بيشتكو) و(بيشكو) وهم وحدهم المقصودين بهذه التسمية. وصارت ذات دلالة مذهبية أكثر مما هي سمة قومية.
ولايوجد رابط بين ما اورده الفيروز آبادي في قاموسه المحيط بالصفحة 1350 الطبعة الثانية مؤسسة الرسالة بيروت 1987 عن كلمة ( فال – فيله – فيوله ) وبين كلمة الفيلية ،كما يحاول بعض الأستنباط في الدلالة بمفردات المعاجم العربية ، وهو مما لايصح تطبيقه على الألقاب والأسماء الكرد الفيلية التي تتعلق بالأصول .
بينما لم تخلص الحلقة الدراسية الخاصة بحالة اللاجنسية التي عقدت في جامعة أوكسفورد 2003 والتي بحثت موضوع الكرد الفيلية رأياً قاطعاً حول أصل التسمية ، مع تطرق البحث حينها الى جميع الأفتراضات والنظريات المطروحة حول الأسم .
مامن شك أن الانتماء إلى عشيرة أو في قبيلة أو حلف يشكل حماية للمرء في مجتمعات تحرص على تلك الروابط حتى اليوم ، ويحدد جنسيته وفق هذا الأنتماء في عرف هذا اليوم . ولهذا صار إخلاص الإنسان لقبيلته أمراً لازماً عليه أن يبذل كل ما يستطيع من أجله وأرتباطه يتجسد من خلال ممارسة قيم وأعراف وقوانين تلك القبيلة او العشيرة ، ومن بين أهم تلك الأعراف عليه أن يدافع عن قبيلته ، فالقبيلة جزء من القومية ، وتتحدد حياة المواطن بحياة وأعراف وقيم تلك القبيلة.
وتنتسب كل قبيلة إلى أصل تنتمي إليه ، ولم يذكر لنا التأريخ القديم والحديث أن الكرد الفيلية حاولوا تغيير قوميتهم ، أو أنهم مالوا لتغيير نسبهم ، والمطلع على عشائر الكرد الفيلية يتيقن إن الأتهامات التي حاولت إن تخدش تأريخ الكرد الفيلية لم تفعل فعلها الا بعد الحرب العالمية الأولى ، وبعد إن اصبحت اللعبة الدولية بين الحكومات التي انتصرت ، إن تقدم على معاهدات واتفاقيات لتغيير معالم الحدود بين البلدان ، وأذ يمتد أنتساب الكرد الفيلية الى تلك العشائر اللرية التي سكنت أقليم واسع من خوزستان وأصبهان من أعمال خوزستان ، وأن بلاد اللر بين أصبهان وخوزستان ، وتنتشر القبائل اللرية بين الأراضي العراقية والايرانية .
ولعل س . جي . أدموندز مستشار وزارة الداخلية العراقية في عهد الأنتداب البريطاني والذي انتهت مهمته في العام 1945 يؤكد حقيقة الكرد الفيلية ، حيث يذكر في كتابه ( كرد وترك وعرب ) ترجمة جرجيس فتح الله ، منشورات شركة دار العروبة العالمية للنشر والتوزيع – مطبعة التايمس 1971 / ص 7 مايلي :
(( أن الطريق السلطانية الممتدة من كرمنشاه الى كرند يليها الخط المستقيم المنتهي بـ ( مندلي ) ، وهو على وجه التقريب الحد الفاصل بين بلاد الكرد الاصلية وبين ذوي قرباهم ( اللر واللك من ضمن الشعب الكردي – المترجم )
أولئك الكرد الذين يشاهدهم الناس يومياً في بغداد يحملون على كواهلهم أثقل الأحمال ويقومون بالأعمال التي ذكر كتاب الف ليلة وليلة أنها مهمة أسلافهم بالضبط قبل ألف ومائتين من السنين ، هم ليسوا كرداً ، انما هم من اللر الذي جاؤوا من غرب أقليم كردستان المعروف بأقليم بشتكوه . ))
ولايخفى ما لدور السياسة الايرانية ضد الكرد وممارسة الفصل العنصري وتنمية روح التعصب الفارسي ، وأضعاف الوعي القومي لدى بقية القوميات ، من دور خبيث وتأثير مهم في عملية التشتيت وأنتشار الأتهامات والطعون التي كانت تنغرس في خاصرة الأمة الكردية بقصد أبعادها عن ابائها وتشتيت جموعها بقصد أضعافها والسيطرة عليها .
أثبت البروفسور جورج كامرون قيام الملك ( Peli ) في العام ( 2670( قبل الميلاد من مدينة شوش ابتداءاً .
ومن اللافت للنظر أن كتب التأريخ التي كتبتها السلطات كانت تبتعد قدر الأمكان عن البحث في تلك المناطق التي سادت بها حضارات ثم بادت ، والتي حكمها ملوك وقامت دول حتى يمكن إن تكون قد غابت عن بال المواطن غير المهتم بحقائق التأريخ .
وكنا قد لاحظنا هذا التغييب في قضية القوميات والمذاهب في العراق ، أذ لايعرف الكثير من إبناء العراق شيئاً عن الشبك أو الكاكائية أو الأيزيدية أو الصارلية مع أنهم من شرائح المجتمع العراقي ، ولهم حضور قديم فوق هذه الأرض .
كما يؤكد الباحث ( والتر هينتس ) في كتابه ( دنيا عيلام الضائعة ) أكتشاف كتبية أثرية في معبد كيريرشا يعود تأريخها الى العام 2550 قبل الميلاد ، منقوش عليها أسم الملك بيلي . وكذلك ذكر المحقق يوسف مجيد زاده في كتابه ( تأريخ وتمدن إيلام ) حكم الملك بيلي في عيلام . ( نقلاً عن نجم سلمان الفيلي – الفيليون ص 19 الطبعة الأولى 2001 ) .
ويقول الدكتور أحمد سوسة في ( فيضانات بغداد في التاريخ ) ص 137 ، المهاجرين القدامى الذين وفدوا الى هذه المنطقة من جبال زاغروس وأواسط أيران قد أتخذوا الوادي موطناً لهم وأسسوا فيها أقدم حضارة لسكنى الإنسان جنوب العراق .
وجاء في ملحمة كلكامش :
(( قال صياد رأى انكيدو لأبيه
أبتاه كان هناك رجل أتى من الجبل
قوته كانت شديدة جداً كشهاب آنو السماوي
يرعى العشب مع القطعان دوماً ))
( أساطير من بلاد ما بين النهرين – ستيفن دالي – ترجمة نجوى نصر – دار بيسان 1971 ص 78 .
عليه فأن الموجة البشرية الأولى التي استوطنت وسط وجنوب العراق وعمرتهما وأنشأت فيهما القرى الزراعية الأولى التي تحول بعضها الى مدن فيما بعد قد نقلت معها من كردستان الى العراق تجارب خمسة الاف عام في فن العمارة والبناء ، أي بناء الدور والقرى وكذلك تجارب حوالي الفي سنة في ميدان الزراعة ، ونقلت الى العراق وسائل الأنتاج وعناصر حضارية أخرى ، وأنشأت فيه الحضارة قدمت من جبال كردستان .
ويقول الباحث الآثاري طه باقر في مقدمته ( مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ) بالصفحة 183 بغداد 1974 أن السومريين لم يأتوا من جهات بعيدة ، ولعله يشير الى منطقة كردستان .
وأكدت الابحاث والمصادر إن المناطق التي تبدا في الضفاف الشرقية لنهر دجلة هي موطن الكرد الفيلية منذ القدم .
وجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي ( ت 626هـ / 1229م ) المجلد الخامس – دار بيروت للطباعة والنشر1988 بالصفحة 25 : مادة اللر : اللر بالضم وتشديد الراء وهو جبل من الأكراد في جبال بين أصبهان وخوزستان وتلك النواحي تعرف بهم فيقال بلاد اللر ويقال لها لرستان ، ويقال اللور ايضاً ، وجاء في مادة اللور ( هكذا وردت ) اللور بالضم ثم السكون ، كورة واسعة بين خوزستان وأصبهان معدودة من عمل خوزستان .
ويشير المؤرخ العراقي السيد عباس العزاوي في كتابه العراق بين احتلالين – الجزء الثاني في الصفحة 17 ، ان بلدة العمارة العراقية الحالية ( ميسان ) التي كانت تسكنها عشيرة من الكرد الفيلية كانت تدعى دوزاده من اللر الفيلية ، وتم تقسيم المنطقة الفيلية الى قسمين هما ( بشتكوه ) بمعنى خلف الجبل ، و( بيشكوه ) بمعنى أمام الجبل ، حيث وقع القسم الأول ( بشتكوه ) في غرب الجبل ، ووقع القسم الثاني في شرق الجبل ، وفي العهد المغولي أطلق على منطقة ( بشتكوه ) أسم اللر الكبير ، وسميت منطقة بيشكوه بأسم اللر الصغير ، وفي العهد الصفوي أطلق على منطقتي بختياري وكهكيلوية أسم اللر الكبير ، وتبدل أسم اللر الصغير الى لرستان الفيلية ، وفي ناحية علي الشرقي التابع لقضاء علي الغربي يكثر الكرد وتقطن في الفسم الشرقي منها عشيرة ( كورده لي ) الكردية ، وهي تقع على الضفة الشرقية لدجلة وفي ناحية الشيخ سعد التابعة لقضاء علي الغربي والمتاخمة لقضاء بدرة ، ويمكن الجزم أن العزاوي كان يشير الى الكرد الفيلية المتواجدين بكثرة في تلك المناطق .
وأشار الأصطخري ( ت 341هـ / 1039 م ) في مسالك الممالك طبع ليدن 1027 في التقويس الواقع بين جبل حمرين شمالا والى الكوت جنوباً ، وسلسلة جبل بشتكوه شرقاً ، وكان معظم هذا التقويس يسمى في التاريخ القديم ( أشنونا ) .
وذكر ( لونكريك ) في كتابه ( أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث ) ترجمة جعفر الخياط – الطبعة الأولى - الصفحة 17 : ( اما لورستان الصغرى الممتدة على طول الحدود العراقية الواضحة في جهة زاغروس فقد بقيت للسلالة الأتابكية القديمة التابعة لملك الملوك ، ( لفظة اتابك كردية الاصل وتتالف من مقطعين الاول اتا بمعنى انت ، والثاني بك بمعنى اللقب العظيم ، وتكون الكلمة انت ياصاحب اللقب العظيم ) ، وكان حكمها ممتداً الى مسافة بضعة أميال في السهل الكائن في غرب تلولها ضاماً بذلك ( جصان ) و ( بدرة ) من القرى التي يكثر فيها السكان اللريون حتى الان ) .
وبمرور مراحل تأريخية عديدة ، لم تتم عملية رسم الحدود الفاصلة بين الدولتين العثمانية والايرانية ، مع وجود عشائر الكرد الفيلية على جانبي خط الحدود التي رسمتها المعاهدات والبروتوكولات المنظمة لها ، ومن كان ضمن الأراضي العراقية التابعة للدولة العثمانية ، صار من رعاياها ومواطنيها ، واللافت للنظر أن أية عملية أحصائية لم تجر لحصر أعداد الكرد الفيلية من العراقيين ، ونعتقد إن الأمر يتعلق بسوء النية والقصد المبطن والمبيت ضدهم ، مع أن الأمر يتطلب أن يفرزهم التعداد السكاني الذي تم اجراءه اكثر من مرة في العراق ، وفي أزمنة مختلفة ، وهذا الأمر بالحقيقة لايخص الكرد الفيلية وحدهم ، فأن السلطات العراقية البائدة حرصت على التعتيم وعدم كشف احصائيات أعداد الشبك والأيزيدية والفيلية والكاكائية والصارلية وبقية المذاهب والديانات القديمة في العراق .
أن أصولهم العيلامية القديمة لاغبار عليها ، أذ تنتشر عشائرهم من العمارة جنوبا مروراً بالكوت ومن ثم ديالى والى كركوك حيث تلتقي ببقية العشائر الكردية الأخرى من غير الفيلية ، وتسكن في جانبي الحدود العراقية – الأيرانية ، غيرأن نهر دجلة يفصل السكان الأكراد عن بقية السكان من القوميات الأخرى ، حيث يسكن الكرد الفيلية في منطقة شرق دجلة ، بينما تسكن على الدوام بقية المكونات غرب دجلة ، ويقول الباحث والآثاري عبد الرقيب يوسف في كتابه ( حدود كردستان الجنوبية تاريخيا وجغرافيا ) الصادر في كردستان العام 2004 ص 224 : (( أن نهر دجلة يفصل الأراضي الكردية الواقعة في شرقها عن الأراضي التي تسكنها أكثرية غيركردية التي تقع في غربها ابتداءا من مسافة حوالي ( 54 كم ) شمال غربي مدينة الموصل أي من البداية الجنوبية لحدود ناحية زمار التابعة لقضاء تلعفر حتى الفتحة وطول هذا المقدار من دجلة يبلغ حوالي 208 كم .
عند انتهاء هذا الحاجز الطبيعي ( دجلة ) يبدأ رأساً الحاجز الطبيعي الثاني وهو سلسلة جبل حمرين ( جبل بارما ) وقد اعتبرها الجغرافيون أطول سلسلة في العراق .
وتشكل هذه السلسلة خطاًَ متواصلاً في الأرتفاع وسط الأراضي السهلية متجهه نحو الجنوب الشرقي الى أن تصل بجبل بشتكوه من كردستان التابعة لأيران في شرقي مدينة ( مندلي ) بالقرب من موقع ( كومه سنك ) وفي يسار نهر كنكير حيث تتصل هناك بجبل بشتكوه ثم يتجه حمرين نحو الجنوب ويقطع الفرع الجنوبي منه ( آب شو نكولا ) في شرقي ( بدرة ) ويستمر الى أن ينته بنهر ( كرخة ) ، أحد توابع نهر ( كارون ) ، في شرقي العمارة حسب خارطة ( كوردن هستد ) الرقم ( 17 ) ، وكما هو مؤشر على خارطة أيران حاليا ، وتنتهي في جنوب دهلران ، فطوله حوالي ( 550 كم ) ، أما طول حمرين من دجلة الى مندلي أي الحدود العراقية الايرانية فأكثر من ( 250 كم ) .
أما ارتفاعه فوق سطح البحر في جنوب الفتحة ، ف ( 525 متر ) ثم يقل أرتفاعه في منتصف المسافة بين الفتحة و( إينجانه عند الطريق العام بين كركوك وبغداد ) الى ( 343 متر ) ويزداد ارتفاعه في شرق بدرة الى ( 1200 قدم ) ويوازي الفرع الجنوبي من حمرين سلسلة جبال بشتكوه التي ترتفع عليه لأن ارتفاعها ( 6000 قدم ) ، ويرتفع جبل حمرين عن مستوى السهل الرسوبي العراقي العربي ب ( بين 500- 800 قدم ) بينما يرتفع عن السهول الكردية الواقعة عن شماله بـ ( 400-500 قدم ) ، والسبب في قلة ارتفاع حمرين هو تعرضه لعوامل التعرية التي ازاحت طبقات الصخور العليا منه سيما في الجهة الشرقية وكونت ودياناً وسلاسل ضيقة كثيرة )) . ( أنظر كتاب حدود كردستان الجنوبية للباحث عبد الرقيب يوسف – مطبعة شفان – السليمانية 2004 ) .
وضمن دراسة قدمها الباحث الدكتور مجيد جعفر باللغة الانكليزية الى الكونفرانس الاكاديمي "قضايا تتعلق بالكورد و كردستان" الذي عقد في بوزنان في بولندا، 20-21 تشرين الاول 2003 و الذي نظمه قسم الدراسات العربية والاسلامية في جامعة ادم ميكيفيش و بمبادرة من رئيس القسم البروفيسور دكتور عدنان عباس ، تحت عنوان الكورد الفيلية و دورهم في الحركة التحررية الكردستانية نقتطف منها مايأتي :
(( الكورد الفيلية (او الفيليون) هم كورد ، كما يدل على ذلك اسمهم ، و هم قسم لا ينفصل عن الشعب الكردي في العراق* و جزء لا يتجزأ من الامة الكردية المقسمة بين دول العراق و ايران و سوريا وتركيا. لقد اثبت الكورد الفيلية هذه الحقيقة وهذا الواقع عبر السنين و الاحداث و لحد الآن بالقول والفعل و العمل. يتكلم الكورد الفيلية لهجة فرعية تابعة للهجة اللورية التي ينطق بها الكورد في المناطق الجنوبية من كردستان، خاصة المناطق القريبة من الحدود بين العراق و ايران. الكورد الفيلية مسلمون تتبع الغالبية العظمى منهم المذهب الشيعي.
جميع الناطقين باللهجة الفيلية لا يطلق عليهم اسم "الفيلية". يمكن القول بان الكورد الناطقين بهذه اللهجة و الذين يقطنون مناطق بغداد و وسط و جنوب العراق شرقي نهر الفرات يطلق عليهم اسم "الكورد الفيلية". توجد تفسيرات و اجتهادات عديدة و متنوعة حول اصول و اسباب اطلاق اسم "الفيلية" على هؤلاء الكورد و لكن الكاتب لم يعثر على تفسير موثق و مقبول بشكل عام حول هذه المسألة.
غالبية الكورد الفيلية كانت تقطن مدينة بغداد و خاصة قبل حملات التسفير المتكررة، كانوا متركزين في حي الاكراد ( وبعض الاحياء الشعبية المجاورة لها ) وعند تحسن حالتهم الاقتصادية كانوا ينتقلون الى اماكن اخرى من بغداد اكثر رفاها، مثل حي العطيفية وحي جميلة و الاحياء الممتدة على طول شارع فلسطين و غيرها، كما كان الكورد الفيلية يقطنون باعداد اقل في المدن العراقية الواقعة بين الحدود مع ايران شرقا و حتى الضفاف الشرقية لنهر الفرات غربا، من جنوب المدينة الكردستانية كركوك شمالا حتى شمال مدينة البصرة جنوبا. من بين هذه المدن المدن الكردستانية خانقين و مندلي (منلي باللهجة الفيلية) و زرباطية و السعدية و شهربان و المدن العراقية كوت و العمارة و الجصان و كوميت و شيخ سعد و النعمانية و الحي و الرفاعي و علي الغربي و علي الشرقي و غيرها. اما على الجانب الايراني من كردستان فان الكورد الفيلية (بالرغم من عدم اطلاق هذه التسمية عليهم هناك) يقطنون محافظات كرماشان و ايلام و جنوبها، و بعد التسفيرات الجماعية للكورد الفيلية من العراق في السبعينيات و الثمانينيات تقيم جالية كوردية فيلية كبيرة من اصول عراقية في طهران ايضا يطلق عليهم الايرانيون اسم "عربها" (اي العرب).
و كأية مسألة اخرى في دولة البعث البوليسية فان عدد الكورد الفيلية غير معروف بالدقة و ربما اعتبرتها من الامور السرية المتعلقة لأمن دولة البعث. و لكن هناك تقديرات مختلفة تضع عددهم بين مئات الآلاف و ثلاثة ملايين. الا ان الكثيرين يتكلمون عن اكثر من مليون كوردي فيلي كانوا يقطنون في بغداد قبل التسفيرات الجماعية.
الكورد الفيلية مواطنون عراقيون بالولادة ابا عن جد و قسم ضئيل منهم بالتجنس، سكنت غالبيتهم بغداد باعداد كبيرة منذ مئات السنين، وبدقة اكثر، منذ اربعة قرون و نيف. يشير البروفسور عزالدين مصطفى رسول الى ان كتاب "الشرفنامه" الذي يعتبر اول الاعمال المكتوبة عن تاريخ الكرد و جغرافية كردستان (الذي الفه الامير شرفخان البدليسي عام 1005 هجري المصادف لعام 1584 ميلادي، اي قبل 420 عاما) يشير الى مسألة استقرار الكورد (اللورية) الفيلية في بغداد بشكل دائم. كما يشير الاستاذ جرجيس فتح الله الى ان الكورد الفيلية بقيادة قائدهم ذو الفقار احمد سلطان فتحوا بغداد و المدن العراقية الاخرى من شمال سامراء حتى البصرة و حكموا العراق (كما كان معروفا انذاك) لمدة ست سنوات من عام 1523 حتى عام 1529 ميلادي (صفحات من تاريخ الكورد الفيلية، مجلة روز العدد 8، نقلا عن مجلة ايلام الصادرة في غوتنبورغ في غرب السويد). و يضيف في مقالة له نشرت في مجلة روز في عددها 8 بأن اول اشارة الى الكورد الفيلية في الكتب الانكليزية تعود الى عام 1744 في كتاب جيمس فريزر المعنون "تأريخ نادر شاه" الصادر في لندن.. هاتان الاشارتان تؤكدان بان الكورد الفيلية قطنوا بغداد و المدن العراقية الاخرى من جنوب كركوك شمالا حتى البصرة جنوبا و من الحدود الايرانية شرقا حتى السواحل الشرقية لنهر الفرات غربا لأكثر من اربعة قرون و قبل وقوع العراق تحت الحكم الصفوي و من ثم غزوه من قبل العثمانيين.
ازداد عدد الكورد الفيلية في بغداد بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة بشكلها الحالي و جغرافيتها الحالية حسب اتفاقية سايكس – بيكو بين بريطانيا و فرنسا و تقسيم الشرق الاوسط بشكل اعتباطي بينهما لخدمة مصالحهما الخاصة. زيادة عدد نفوس الكورد الفيلية هذه كانت لاسباب كثيرة منها قابلية التحرك الاجتماعي و الانتقال الجغرافي و الحيوية الاقتصادية (الجرأة على أخذ المبادرة و تقبل المخاطرة الاقتصادية) و الخصوبة السكانية (ارتفاع معدلات الولادة).
عمل العديد من الكورد الفيلية في قطاعي المقاولات و تجارة الجملة و المفرد و خاصة في سوق الشورجة و في القطاع الخاص بشكل عام في بغداد وغيرها بسبب مؤهلاتهم الاقتصادية المشار اليها اعلاه و بسبب سد فرص العمل و الاستخدام امامهم خاصة في القطاع العام كما عملوا كنقالين (حمالين) في سوق الشورجة خاصة عند التجار الكورد الفيلية و عرفت عنهم الامانة و الاخلاص في العمل و القوة البدنية.
بدأ الكورد الفيلية في ارسال ابنائهم الى المدارس بشكل واسع بعد الحرب العالمية الثانية و خاصة منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي بعد سنوح الفرص لهم و تحسن اوضاعهم الاقتصادية. درس وتخرج و عمل الكثير منهم كأطباء و مهندسين ومعلمين و غيرهم من التكنوقراط و انشأوا مدارس خاصة بهم اشهرها المدرسة الفيلية في باب الشيخ (في منطقة جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني).
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا عامل نظام البعث الكورد عموما و من بينهم الكورد الفيلية بهذه الدرجة من الحقد و القساوة؟ هنالك اسباب عديدة تلقي بمجموعها بعض الضوء و تجيب على هذا السؤال، من بينها الاسباب الآتية:
1- تأتي اصول ايديولوجية البعث عند إنشائه من الفكر النازي اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كانت ألمانيا النازية في اوج عظمتها العسكرية وتوسعها العدواني. كما ان للستالينية تأثيراً كبيراً على صدام شخصيا حيث كانت مكتبته الخاصة مليئة بالكتب المكتوبة من قبل ستالين او من قبل اخرين عنه. فالنازية و إيديولوجيتها المبنية على عبادة الشخصية (القائد الأوحد) و الدكتاتورية والشمولية و الاستعلاء القومي و التوسع و العدوان، والستالينية الدكتاتورية و الدولة البوليسية المنغلقة و ممارستها الصارمة و العنيفة ضد الأقليات حقائق تأريخية معروفة و موثقة و تأثيراتها على نظام البعث واضحة وجلية في سياسات و ممارسات الطاغية صدام ايضا. اضافة الى هذين العاملين هناك عامل اخر اثر على النظام و قائده وهو التزامه بالتقاليد و القيم القبلية العشائرية و الريفية الاقطاعية الصارمة من الولاء الكامل و التام الى الطاعة المطلقة.
2- كون الكورد الفيلية جزءاً من الشعب الكردي في العراق و جزءاً من الامة الكردية، لذا فان اضطهاد الكورد الفيلية من قبل نظام البعث المعادي للشعب الكردي و لتطلعاته المشروعة هو امتداد او جزء من اضطهاده لهذا الشعب ككل و يعبر عن الاستعلاء القومي و العدوانية التي ترفض او تنفي القوميات الاخرى و تطلعاتها و تبغي التوسع على حسابها.
3- وصل الكورد الفيلية بجهودهم الذاتية و من بدايات متواضعة جدا الى مستويات و مراكز مرموقة و مؤثرة في قطاع التجارة الخاصة و خاصة في بغداد، مركز سلطة الدولة العراقية. بسبب الاجندة الخفية لنظام البعث المعادية للشعب الكردي و تطلعاته المشروعة عمل ذلك النظام على تدمير المركز التجاري القوي للكورد الفيلية و تحطيم قوتهم الاقتصادية عن طريق سلب و مصادرة جميع اموالهم و ممتلكاتهم و ودائعهم و وثائقهم العراقية كجزء من اجندة النظام ضد البنية الاقتصادية للكرد و كردستان.
4- قام حزب البعث و القوميون العرب بانقلاب 8 شباط 1963 الدموي. لم يواجه الانقلابيون مقاومة جدية و على مدى ايام سوى في منطقتين في بغداد احداهما في حي الاكراد استخدمت فيها الوحدات الانقلابية الاسلحة الخفيفة و الثقيلة (الدبابات) لفرض سيطرتها على الحي ثم قامت باعتقال جميع الرجال البالغين من العمر 16 عاما حتى الشيوخ. وهذه مسألة لم ينسها البعث و قادته و لم "يسامحوا" الكورد الفيلية عليها.
5- قانون الجنسية العراقي العتيق و البالي الموروث كثيرا منه من العهد العثماني و المطور من قبل الاستعمار البريطاني عند إنشائه الدولة العراقية ليجعله في صالح الاقلية من المجتمع العراقي التي تعاونت معه و ضد مصالح الاغلبية. و كان الكورد الفيلية من بين اكثر العراقيين تضررا من هذا القانون.
6- كجزء من تحضيرات نظام البعث التوسعية والعدوانية في الحرب ضد ايران عمل على تحقيق ما اعتقد انه سيزيد من الفوضى و عدم الاستقرار الاجتماعي و الاعباء و الاضطرابات الاقتصادية في ذلك البلد الذي شهد لتوه تغييرات كبيرة عن طريق تسفير مئات الالاف من الكورد الفيلية و غيرهم من العراقيين اليها قبل بدء الحرب. و قد سبق للنظام ان استخدم نفس الاسلوب مع الحركة التحررية الكردستانية عام 1974 قبيل بدء حملته العسكرية الجديدة على شعب كردستان حيث دفع و ارغم الالاف من الكورد للذهاب الى المناطق المحررة لخلق مشاكل و اعباء اقتصادية و مصاعب اجتماعية ومخاطر امنية للحركة.
7- كون الكورد الفيلية من المسلمين الشيعة كان سبباً اضافيا لملاحقتهم و تسفيرهم و معاملتهم بشكل لا انساني من قبل نظام البعث الذي اتصف بالشوفينية و الطائفية و المذهبية الضيقة. ))
ولهذا عالجت السلطة العراقية البائدة عبثاً حالهم ، بوسائل وطرق لاتنم عن حكمة أو عقلانية وأنسانية ، أذ أنعكست في أجراءات ترحيل عدد من القرى التي يسكنها الكرد الفيلية في مناطق الحدود الأيرانية – العراقية ، بزعم حماية تلك الحدود ومراقبتها أو احتلالها عسكريا من قبل الوحدات العسكرية ، ومحاولة تجميع الناس في قلاع أو مخافر أو مجمعات أشبه ماتكون بمعسكرات الأعتقال ، دون أن تستطيع نفيهم وتوزيعهم الى مدن الوسط والجنوب ، لمعرفتها الأكيدة بما يكنه العراقي في هذه المناطق من تقدير ومحبة وأحترام للأكراد الفيلية ، ولشعورها بمدى التلاحم والأنسجام بين جميع مكونات العراق الأجتماعية ، لذا عمدت الى أساليب أخرى سنتطرق اليها .
وكانت المنطقة التي تقع ضمن اراضي العراق المحاددة لايران والمنطقة الايرانية المحاددة للعراق تنتشر فيها العشائر الكردية من الفيلية على طول الشريط الممتد من العمارة بأتجاه الكوت مروراً بديالى ، وفي نفس الوقت كانت تلك العشائر العربية ومثلها الكرد الفيلية تسكن على جانبي خط الحدود ، مثل عشائر ( الجاف و الهورماني والأركوازي والبولي والكرده ليه والمامش والمذكور والكلهورد والزروكش والسوره مري والدوسان والقره لوس وغيرهم من العشائر الكردية الفيلية والتي تتحدث بلهجة واحدة هي الفيلية – اللرية بأستثناء اختلاف مع لهجة واحدة ) ، أذ تنقسم العشائر بحكم أختيارها لمناطق السكن والماء والرعي والصيد والتواجد البشري في مساحة من الأرض ، قد تكون قد وقعت بين دولتين عند رسم الحدود السياسية ، غير أن تلك المجاميع البشرية لم تكن تعرف الحدود ولا تلمس فواصل جغرافية أو طبيعية في المناطق التي تسكنها ، وهكذا أصبحت عشيرة واحدة منقسمة بين دولتين ، وكان الكرد الفيلية يستقرون في تلك المناطق قبل مجيء القبائل العربيــة التي انتشرت ابان الفتح الاسلامي للعراق في تلك المناطق ، والتي رحبت القبائل الفيلية بها وتشاركت معها الحياة في السراء والضراء ، ومع أن الأسلام أنتشر بين هذه العشائر بشكل سهل ودون مقاومة ، بالنظر لتقبل الكرد الفيلية الأفكار والمباديء التي جاء بها الفتح الأسلامي ، الا أن حالهم بقي كحال بقية الناس التي أسلمت بعد الفتح وأنتشرت الشريعة الأسلامية بينهم ، أذ ساندوا الدين الأسلامي وساهموا في أنتشاره بين منطقتهم ، ولهذا ساهموا مساهمة أيجابية في دعم الثورات والحركات الوطنية ضد الأنكليز انتصارا للفتاوى التي أصدرها رجال الدين ، بأعتبار أن الأنكليز كفاراً ومحتلين ينبغي التصدي لهم ومحاربتهم ، غير أن مايتشابهون به مع بقية العشائر العربية في مناطق أخرى ميلهم للألتزام بمذهب آل البيت وتمسكهم الشديد به وتقديسهم الأئمة الأطهار منهم ، الا أنهم بقوا متمسكين ببساطة أعرافهم وبلغتهم وأعتزازهم القومي بقوميتهم الكردية ، وبالأضافة الى دخولهم لعبة الصراع الديني والسياسي التي عمت الأمة ، فصاروا بحكم كونهم شيعاً من أتباع المذهب الجعفري ، وضمن دائرة التقسيم الطائفي والسياسي أعتبر الكرد الفيلية معارضين الجانب الأخر الذي يضم الحكومات والسلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، وشدد من هذه الناحية كونهم كانوا يشكلون محطات لأستقبال القوافل القادمة من أيران والهند وأفغانستان والصين وروسيا لزيارة العتبات المقدسة .
يقول الكاتب حسن العلوي في كتابه ( الشيعة والدولة القومية في العراق 1914- 1990 ) ص 275 الطبعة الثانية : (( في تمذهب السلطة أخرج الشيعة من حق التمثيل الكامل في السلطة ، وفي التهجير أخرج الشيعة من حق المواطنة ، وكان التبرير الرسمي لهذه العملية ، أن هؤلاء المواطنين لم يكونوا من أصول عربية بحتة ، وأن سجلاتهم في دوائر الأحوال المدنية تشير الى كونهم من التبعية الايرانية . رغم أن احداً لايجهل بأن سياسة التمييز العنصري والطائفي وعمليات زج الفقراء العراقيين الى حروب التوسع التركي ، قد ألجأت العديد من الناس آنذاك في محاولة لحماية عوائلهم من الجور والأضطهاد والسوق التعسفي للقتال ، الأدعاء بأنهم من التبعية الايرانية الى الحد الذي جعل الحكومة العراقية بعد تأسيسها تناشد سلطات طهران بالتوقف عن عمليات التجنيس .
ولم يكن هؤلاء الذين ارادوا الأفلات من التمييز الطائفي والعنصري التركي يتصورون إنهم سيقعون بعد قرن أو قرنين من الزمان ضحايا التمييز الطائفي الذي مارسته سلطة قومية ترتكز في خطابها السياسي على مفهوم إنساني يستبعد وقوعها في الوحل الفاشي . ))
ولم تكن كلمة ( الفيلي ) مستعملة للأشارة اليهم بالنظر لماعرفوا عنه بأسم عشائر اللر ، مع أن التسمية محلية اكثر منها أعجمية ، وبالرغم من الأشارة التي يوردها بعض المؤرخين في أمتهان بعضهم مهنة تدريب الفيلية ، فأن هذا الأمر يتناقض مع واقع المنطقة الجغرافي الذي يعيشونه ، فقد أشتهرالكرد الفيلية في مناطق العراق وأيران بأمتهان الزراعة والرعي والصناعة والأعمال التجارية ، وتميزوا بقوة جسمانية أشتهروا بها في أعمال التحميل التي مارسها الكادحين من رجالهم بشرف وأمانة أتسموا بها وأشتهرالعديد منهم بهذه القدرة الجسمانية المتميزة ، وتشير بعض الدراسات أن الأسم مشتق من الملك العيلامي ( بيلي ) ومنها تم تحريف الكلمة الى فيلي كما ذكرنا سابقاً ، ومهما كان اصل التسمية فانها لايمكن ان تحط من قيمتهم او قدرهم او كرامتهم ، وبالعكس فان ممايزيد المرء فخرا انتسابه للكرد الفيلية ، وليس بين اهل العراق من يستعمل اللفظ للحط من قيمتهم ، بل العكس فأن العراقيين بما عرفوا عن الكرد الفيلية من خصال الأمانة والوفاء والكرم ، فقد كان لهم منزلة اجتماعية متميزة بين العشائر العراقية العربية في الوسط والجنوب ، كما اكتسبوا الأحترام والمحبة لماعرفوا به من اعتزازهم بقوميتهم ومذهبهم ، ولما تميزوا به من الأخلاص والتفاني في العمل وحفظ الأمانة ، وهم من قبائل متعددة من اللر بين العراق وايران .
ويتفق جميع المؤرخين على أن عشائر اللر من اصول كردية ، بالأضافة الى حقيقة دامغة تشير الى عدم وجود عشيرة أو قبيلة عربية أو تركمانية أو فارسية بينهم ، مما يؤكد وجهة النظر التي تؤكد على كرديتهم .

أستمرت العشائر الفيلية من الكرد تعيش في العراق على الشريط الشرقي المحادد لآيران ، وتتمازج مع العشائر العربية التي تشاركها السكن في العديد من القرى والقصبات وتنسجم مع المجتمع العربي بالنظر لظروف الأختلاط والتمازج والتزاوج والواقع الأجتماعي ، وكما أختلطت اللهجة ، وعرف كل لغة الآخر ، بالنظر للتعامل اليومي والضرورة التي يحتمها أختلاط المجتمع المتشكل من قوميات عدة ، وتغلغل الكرد الفيلية في مجتمعات المدن العربية الكبيرة وصاروا من ابنائها المتميزين ، وبقيت مكانتهم محفورة في ضمائر الناس بالنظر لما جبلت عليه اخلاقهم من نوازع الاندفاع نحو الخير في تشكيل الجمعيات الخيرية ، وبناء المدارس ومساعدة المحتاجين لأحساسهم بالظلم الذي وقع عليهم ، وميلهم نحو التميز في المجالات التي حرموا منها ، وأثبت الكرد الفيلية أنهم من المجموعات الفاعلة والنشطة أجتماعياً وأقتصادياً وسياسياً في حركة المجتمع العراقي ، وأحتلوا المكانة المتميزة لهم في أقتصاد السوق العراقية وخصوصاً بعد تهجير اليهود العراقيين ومصادرة أموالهم وأرباك الأقتصاد والسوق العراقية ، وما احدثه تهجيرهم من فراغ اقتصادي ومكانتهم المهمة في عمليات الأستيراد والتصدير أستطاع الكرد الفيلية اشغالها بجدارة ، واثبتوا قدرتهم على المساهمة في استعادة التجارة العراقية مكانتها بالنظر لما تميزوا به من خصال الثقة والأمانة والأخلاص في اعمالهم وعلاقاتهم التجارية والقانونية ، غير أنه وبنفس الوقت ميزهم عن غيرهم أنتشار الفقر بين شرائح كبيرة منهم ، فقد كانت الطبقة الواسعة منهم من أبناء الكادحين أو من المزارعين أو العمال الحرفيين الفقراء التي تعج بهم المدن والقصبات العراقية ، والتي احتفظت لهم دوماً بالأحترام والمحبة لما لمسته منهم من تفاني وأخلاص وأمانة في العلاقات الإنسانية وفي العمل التجاري ، وكان أغلبهم من المتمسكين بالشعائر الأسلامية بالأضافة الى ما عرف عنهم شدة تمسكهم بالمذهب الجعفري ومحبة آل البيت أسوة بالمجتمع الذي تعايشوا معه وأنصهروا ضمن شرائحه ، مما أغاض السلطات التي تعاقبت على حكم العراق منذ ظهور الدولة العثمانية ومروراً بالحكم الوطني الملكي ومن ثم الجمهوريات الأنقلابية التي تعاقبت على حكم العراق ، بالنظر للنهج الطائفي والشوفيني الذي كانت تحرص على التمسك به وتطبيقة على العراقيين .
غير أن مالفت نظر السلطات الى خطورتهم في وقفتهم الشهيرة لمقاومة السلطة الفاشية التي قادت الأنقلاب الشباطي في العام 1963 سيء الذكر ، والذي لقي مقاومة صلبة من الأكراد الفيلية بالرغم من كونهم لاعلاقة لهم بسلطة عبد الكريم قاسم ، ولم يكنوا يشكلون طرفاً في التناحر السياسي القائم في العراق ، الا انهم وبحكم سجيتهم وأنتصارهم الى الحق ومعاداتهم الباطل الذي ذبحهم دوماً ، كانت لهم تلك الوقفات الوطنية والسياسية المناهضة للحكام الطغاة ، وأزاء هذا الوقوف بوجه الأنقلابيين تمت مواجهة الأكراد الفيلية مواجهة قاسية وتم التنكيل برجالهم ونسائهم ، وتم أعدام البعض منهم وأودعت أعداد كبيرة منهم في السجون .
ولعل المنصف من كتاب التأريخ العراقي الحديث والمؤرخين من يتذكر ملحمة ( عكد الأكراد ) ، والذي سطرت فيه جماهير الكرد الفيلية ملحمة أنسانية وشعبية رائعة ، في التضحيات والمقاومة والتمسك برفض السلطة الفاشية التي حلت بأنقلاب شباط 1963 ، ومقاومتها تلك المقاومة الباسلة حيث قدموا العديد من شبابهم قرابين للدفاع عن حكم عبد الكريم قاسم .
وأكتشفت السلطات العراقية أن الأكراد الفيلية كانوا من العناصر التي تشكل عمود من أعمدة الحركة الوطنية في العراق ، بل لعلها من بين أهم روافد هذه الحركة ، وعمودها الفقري في تغذيتها بالقيادات وبالشهداء وبالعناصر الفاعلة فيها ، بالنظر ليس لمساهمتهم في تلك الحركات ، وأنما لفاعلية أنتشارهم وسط الأحزاب العراقية والحياة العراقية المتطلعة نحو أفق المستقبل الديمقراطي وحل جميع مشاكل القوميات .
وضمن هذا الأصطفاف والموقف الوطني أتخذت السلطات موقفها المضاد والسلبي من الكرد الفيلية ، ووفق منهج الكرد الفيلية الأنساني ظهر الموقف البشع والمعادي لحقوق الأنسان ولقيم اهل العراق ، أظهرته السلطات البائدة ولم يكن يعبر بأي حال من الأحوال عن موقف حركة سياسية وطنية أو قومية من القوميات أو مذهب أخر .

ويخطيء بعض ممن يتصور أن السلطات العراقية بدأت حملاتها الشوفينية المضاعفة ضد الأكراد الفيلية بعد وقفتهم للدفاع عن الجمهورية والنظام الوطني بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم ، أو بعد واقعة الجامعة المستنصرية في بغداد عام 1980 ، بل أن الحملة بدأت بشكل سري وخفي في اول أيام سلطة العهد الملكي حين تم التنسيق بين السلطتين الأيرانية والعراقية على أضطهاد الكرد الفيلية ، أذ كانت ايران تفصل في التعامل بين أكراد الشمال وأكراد اللر الفيلية ، في حين بقي العراق يتبع سياسة دقيقة في أيجاد شروخ أو حدود في التعامل بين أكراد شمال العراق ( كردستان العراق ) ، وبين الفيلية الذين حرمهم من تبوء الوظائف المهمة في الدولة أو تطوعهم كضباط في الجيش أو الشرطة ، بأستثناء أعداد قليلة استطاعت الأفلات من تحكم السلطة التي ارادت عدم تمكينهم تبوء تلك المراكز ، أو تمثيلهم في المجالس النيابية ، أو النظر اليهم نظرة مساواة حقيقية في الدستور العراقي ، وكما في محاولات عزلهم عن اخوتهم الأكراد في بقية المناطق ، ولم يكن الأمر بهذه الصورة لو لم يجد له الأرضية والقاعدة التي يؤسس عليها من خلال العقليات الحاكمة التي انسجمت مع تلك المشاريع الطائفية .
توجهت السلطة الملكية أول الأمر بانكار كردية الفيلية واعتبارها أقلية قليلة الاهمية ، ثم مالت حين لم تجد لطرحها القاعدة المنطقية لتقبل الفكرة ن ثم جهدت الى ابراز أفكار ومشاريع يمكن إن تفصل أو تضع الشروخ بين ابناء هذه الأمة ، وأن تسعى لطرح البند الثاني من المشروع الطائفي في غمز وطنية وأنتساب الكرد الفيلية ، ولكونها تعتبرهم من أبناء التبعيات الأجنبية ، دابت للتركيز على اعمال الطبقة الدنيا منهم ، حيث اشاعت انهم خلقوا لاعمال الخدمة الثقيلة والتحميل ، وصرفت انظار العالم عن الابداع والامكانيات والمواهب التي يتمتع بها مجتمع الكرد الفيلية ، بالاضافة الى قدرة هذا المجتمع بالرغم من الظروف القاسية والصعبة ان يلد رجال ضمن المجتمع العراقي ومن شتى التخصصات يشار اليهم بالبنان ، وقدموا للمستقبل العراقي ما يشار له بالأنصاف والتقدير ، فقد قدم الكرد الفيلية أسماء ناصعة ومشهود لها بالعلمية والرفعة والثقافة وفي مجالات عدة ، بأعتبارهم مساهمين حقيقيين في مستقبل العراق ، وقد نعجز ولانجد مجالا لتعداد الأسماء الكردية الفيلية التي سجلت اسمها بزهو في التاريخ العراقي الحديث في جميع الميادين .
وما زاد النقمة عليهم مبادرتهم للانخراط كمقاتلين في صفوف الثورة الكردية المسلحة ، دفع السلطات الملكية الى حرمان العديد منهم من شهادة الجنسية العراقية التي كانت تشكل الحجة والتبرير التي تتعكز السلطات عليها في محاربــة العراقيين وتصنيف مواطنتهم الى درجات ، فأعتبرت بعض منهم من التبعية الايرانية ، ثم أقدمت على تسفير هذا البعض تحت مزاعم التبعية ، وكانت قمة المأساة أن الكردي الفيلي الذي يتم تسفيره بأعتباره أجنبياً ومن التبعية الأيرانية الى إيران ، أن يتم أعتباره في أيران كردياً عراقياً وأجنبياً عن الأيرانيين ، فيقع وسط محنة أنسانية لاحل لها ولم تلتفت لها الأمم المتحدة ولاأعارها العالم المتمدن الأهتمام والحل الذي يليق بأنسانيتهم .
وأشتدت الحملة عليهم بعد مجيء الحكم البعثي الثاني في العام 1968 ، أذ بدأت تلك الحملة تشتد بشكل سافر في العام 1970 ، وتطور التسفير ليشمل الشباب منهم حيث تم سلخهم عن عوائلهم وحجزهم في أماكن ومواقف سرية وبعيدة عن المدن والأنظار ، ومن ثم يصار الى دفنهم وهم أحياء أو اعدامهم دون ذنب أو جريرة ارتكبوها ، وتم اخضاع العديد منهم الى التجارب الكيمياوية حيث مات اكثرهم تحت سمومها وتأثيرها ، ومن ثم طورت السلطة الصدامية عملها المرعب بحق الكرد الفيلية ، فقامت بتشتيت الأطفال وفصلهم عن الأمهات ، والرجال عن النساء ، والشيوخ عن أولادهم ، زيادة في الأمعان بأيذائهم والتنكيل بهم ، ثم عمدت الى تعذيب الشباب منهم ، وزجهم في السجون العراقية المعروفة ، والأيعاز للمحاكم الصورية الأستثنائية بأصدار قرارات الأحكام بالأعدام بحقهم ، وتنفيذ هذه الأحكام تحت مرأى وبصر العالم دون أي مسوغ قانوني أو تهمة تصل بالعقوبة لحد الأعدام .
يقول الشاعروالمناضل العراقي الراحل المبدع زاهد محمد في استقراء للمستقبل العراقي وهو يتلو أبيات قصيدته يتحدث بها لشاعر العرب الأكبر الراحل الكبير محمد مهدي الجواهري :
لله والتأريخ أي بليــــة دهت ( العراق ) وأي ليل أسود
أشكو أليك وأنت مثلي عارف أن الدجى ما طال ليس بسرمــد
وبأن شمس الحق دائمة السرى حتى يحين طلوعها في الموعد
فلئن بدا حكم الطغاة مخلــداً فالويل من يوم سيطلع في غد

وبقي الكرد الفيلية بالرغم مما لحقهم من ظلم وحيف ومحاربة غير متكافئة من سلطة تملك كل شيء في الوقت الذي لايملك الكرد الفيلية سوى ضمائرهم ومحبتهم للعراق وأعتزازهم بقوميتهم الكردية ، بقي الكرد الفيلية يناضلون ويقارعون السلطة البعثية بأصرار ، ويساهمون مع كل الحركات السياسية بقدرة فائقة وجهد كبير من أجل أسقاط السلطة الدكتاتورية التي تحققت بفضل الله تعالى .
وكتب الفقيد الدكتور علي بابا خان تحت عنوان ( من الضرير هذا المهجر أم نظام صدام؟ ) يقول فيه :
(( ما كان في إعتقادي عندما قمت بالدراسات الميدانية حول المهجرين العراقيين الذين هجروا الى الجمهورية الأسلامية الآيرانية في زيارتي عام 1980 ، أن أراه مع المهجرين ، لالكونه أكثر عراقية من الاخرين ، بل لأنه بصير منذ نعومة أظفاره ، فلم ير الناس ولامنطقة حي الأكراد الذي ولد فيه ، ولم يشاهد صور الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم العراق ، ولكنه عاش ولمس وعانى ما أقترفته حكومة صدام بحقه وبحق الالاف من غيره دون وازع من ضمير ... ألقته لجاوزه في العراء مع الآخرين ، وطلبت منه التوجه إلى إيران تحت تهديد السلاح بعدم العودة ، دليله في هذه المسيرة الشاقة كان أيادي إخوته في المصير يقودونه باتجاه بلد وأرض لم يألفها ولاكان في تصوره أن تطاله يد الأجرام وهو المحروم من نعمة البصر أصبح ألان محروماً من العطف والمستقر ، يعيش تحت الخيام ... وعندما رأيته قلت له مازحاً : أنت خطر على صدام ونظامه لأنك إيراني .. أجابني ساخراً : هل حي الأكراد وباب الشيخ و.. و .. التي ولدت وعشت فيها هي مناطق إيرانية ؟ فإذا كانت كذلك لماذ لم تهجر معي ؟ لقد كنت من أبرز وجوهها المعروفين ، مافائدة هذه المناطق دوني !!سأسافر إلى باكستان من هنا .. وعندما سكت تساءلت مع نفسي ماهي جريمة هذا البصير وخطورته على أعظم رابع جيش في العالم كما صورته ووصفته وسائل الأعلام .. وهل تسمح مواثيق حقوق الإنسان والقيم العظيمة لديننا الإسلامي بإذلال الكفيف والمقعد والمسن والرضيع ؟ أي نظام ورجال في العراق ؟ أية شفقة ترجى من أناس باعوا واشتروا ممتلكات هؤلاء بأثمان بخسة فأمثال هؤلاء سيذلهم الله في الحياة الدنيا والآخرة وسنراهم تحترق بطونهم ويبيعون ما اشتروه ظلماً بأثمان لاتسد لهم سوى رمقا ًقصيراً فأن الله لايخلف الميعاد . )) ( عن العدد الأول من نداء الكرد – شباط 2001 ) .
ويقول السيد كريم ولي الفيلي وهو من أبناء الكرد الفيلية مجسداً معاناته الإنسانية في العدد الخامس من صحيفة نداء الكرد الصادرة بتاريخ شباط 2002 : (( هل سمع أحدكم أن على البسيطة شيء أو كائن ليس له أسم أو هوية وأنتماء وأصل وفصل ؟ نعم انه أنا الذي سلبت منه نعمة الأنتماء والهوية ، ولم أكن أنافس أحد عليها ، أو اتجنى لأنتزاعها من أحد ، ولم أطمع وأطالب أكثر منها ولم انلها في هذه الدنيا المتناقضة .
كنت أنتمي لبلد طار أسمه في الآفاق وبزغت على ضفاف مياهه الدافئة المباركة أولى أشعة الفكر البشري ، لقد كنت خيطاً من نسيجة الزاهي بألوان الطيف ، أنتفخ زهواً وفخراً بذلك العراق ، محتضن الأعراق ، وعلى حين غرة أنتزعني وعرقي من تربته ولم أعد أملك منه سوى أحساس الأنتماء الذي يتأجج داخلي ولم تشفع لي عذاباتي . ))
وحالة استلاب الوطن التي تجسدها بساطة كلمات موجوعة صادرة بحرقة من أنسان لم يزل متعلقاً بأهداب الوطن متمسكاً بألوان طيفه ممتزجاً بخيوط نسيجه الزاهية رغم كل أطنان الظلم الذي تراكم فوق رؤوس أهله ، لاطمع لديه ويختزل حلمه في رائحة التراب العراقي وعروقه النابتة في روحه .
ابلى أبناء الكرد الفيلية البلاء الحسن وأظهروا المواقف الشجاعة في جميع الحركات السياسية الوطنية المسلحة ، حيث كانوا أنصاراً مع الشيوعيين وبيش مركة مع الأحزاب الكردية ، ومقاتلين مع الأحزاب الأسلامية لمقاتلة الطاغية وقواته الغاشمة ، وشكلوا التجمعات والجمعيات وساهموا في المؤتمرات وجاهدوا بكل ما تستطيعه ارواحهم انتصاراً للعراق .
وبعد أن سقط الطاغية حري بالعراقيين أن يستذكروا هذه الشريحة الفاعلة والمؤثرة في تاريخ وحياة شعبنا العراقي ، وأن نستذكر معها وقفتها التاريخية ضد الظلم والسلطات القمعية ، وجهادها المتواصل وعطاءها العراقي ، وأن نستذكر معها ماقدمته من شخصيات بارزة وأسماء عبقة تشع وطنية في تاريخ العراق السياسي والثقافي ، وأن نستذكر بأجلال قوافل الشهداء ، وما ساهمت به من مساهمة أيجابية في إرساء دعائم الاقتصاد الوطني ، وحري بنا أن نسجل هذا لها بفخر وأعتزاز وأن نذكر الأجيال القادمة بما عانته الأم والأخت والبنت الكردية الفيلية التي تحملت الظلم ثلاث مرات مضاعفة عما تحمله غيرهم .

وكان الكرد الفيلية من أشــد المساهمين والفاعلين في المعارضة العراقية لسلطة صدام ، ومن المطالبين دوماً بأقامة النظام الديمقراطي والفيدرالي والغاء مفهوم التبعية وتنظيفه من أدران الماضي ، وتثبيت الولاء الموحد للوطن ، بالأضافة الى سعيهم الحثيث للمطالبة بتفعيل القوانين الدولية والأتفاقيات التي تحمي الإنسان من تعسف السلطات ، ووضعوا اياديهم بيد قادة المعارضة العراقية قبل سقوط صدام ، كما كانت المعارضة العراقية قد اصدرت ضمن بيانها السياسي المؤرخ في 14-15 كانون الأول 2002 توصيات من بينها التوصية التاسعة والتي تنص على ادانة التهجير القسري والتطهير العرقي واستخدام الاسلحة الكيمياوية وتغيير الهوية القومية وما جرى من تغيير في الواقع القومي لمناطق كركوك ومخمور وسنحار والشيخان وزمار ومندلي وغيرها ، ويدعو المؤتمر الى ازالة آثارها وذلك عبر الاجراءات التالية :

- عودة المهجرين الى ديارهم وغعادة ممتلكاتهم اليهم وتعويضهم عما لحق بهم من خسائر .
- أعادة الوافدين الذين جلبتهم السلطة لأسكانهم في المناطق المشار اليها اعلاه الى أماكنهم السابقة .
- عودة الكرد الفيليين وجميع العراقيين المهجرين بذريعة أصولهم الآيرانية الى خارج البلاد بغض النظر عن أصولهم والذين جردتهم السلطة بدون وجه حق عن مواطنتهم العراقية الى العراق ، وضمان تمتعهم بجنسيتهم العراقية وإعادة ممتلكلتهم اليهم وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم والكشف عن مصير المعتقلين الفيليين منذ نيسان 1980 .
- إلغاء جميع الأجراءات الأدارية التي قام بها النظام منذ سنة 1968 والتي استهدفت تغيير الواقع الديموغرافي في كردستان العراق .






















الفصل الثاني
المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيلية

تقوم المسؤولية القانونية في كل فعل أستنادا لتحقق الأرادة والأدراك في أرتكاب الفعل الجرمي ، والمسؤولية القانونية التي ترتبت على نظام صدام تتجسد ضمن أفعال جرائم إبادة الجنس البشري ، والجرائم ضد الإنسانية ، بالإضافة إلى الانتهاك الصارخ والعملي لقرارات الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وتتحقق المسؤولية الجنائية في توفر أسبابها القانونية بارتكاب الأفعال التي تدخل في باب جرائم الإبادة الجماعية ، والجرائم ضد الإنسانية بتصميم وأدراك لما تتسم به من فداحة الفعل الجنائي والإرادة الآثمة ، وبالإضافة إلى إن السلطة الصدامية توقعت النتائج الإجرامية المترتبة على أفعالها ، لابل أنها خططت لهذه الأفعال ، وعلى هذا الأساس فأن توفر قصدها الجنائي هو مظهر من مظاهر الركن المعنوي في الجريمة ، كما يتوفر سبب قائم وملموس بالأضافة الى توافر الأدراك وحرية الأرادة في أرتكاب تلك الجرائم بحق الكرد الفيلية بتصميم وتخطيط عمدي ، وأن ما تم ارتكابه بحق شريحة الكرد الفيلية لم يكن منطبقاً مع المزاعم التي روجتها السلطة في حينها ، فالزعم بتسفير الأجانب من المقيمين في العراق لاينسجم مع حقيقة عمليات الأعدام المنظم ولا التجارب الكيمياوية التي أجريت على أجساد شباب الكرد الفيلية ، ولاعلى دفع المجاميع البشرية وسط حقوق الألغام ، ولافي عمليات سرقة محتويات البيوت المادية ، ولا ايضا في استلاب المستمسكات العراقية الأصلية منهم ، ولافي تهجيرهم في أماكن غير آهلة بالسكان وسط صحراء السلمان تحت ظروف لايتحملها الشيوخ والنساء والأطفال ، فأن هذا الأمر يتعارض ويتناقض مع مزاعم السلطة وتبريرها ، فالنية كانت قد تجسدت في أنصراف ارادة الجناة في السلطة البائدة الى ارتكاب تلك الجرائم المتنوعة والمتعددة الصور بحق الكرد الفيلية ، وممارسة تلك الأساليب في ارتكاب الجرائم المتعددة بحق المواطنين العراقيين من أبناء الكرد الفيلية يجسد انطباق القصد الجنائي ودلالته الأجرامية من علم وأرادة تحيط الجرائم بالسلوك الأجرامي وبالنتيجة الحاصلة بالقصد المحدد ، يجسد اختيار السلطة للسلوك الأجرامي في التعامل مع معارضيها ، كما أنها سلكت طرقاً متعددة ومختلفة تثبت أنها كانت مصممة ومصٌرة على ارتكاب تلك الجرائم ، وتنوعت تلك الأفعال بين الأبعاد والنفي ، وبين الحجز والإخفاء ، وبين التعريض للتعذيب الجسدي والنفسي والموت تحت التعذيب الجسدي أو في حملات الإعدام ، وبين مصادرة الأموال وسلب المستمسكات الرسمية والحجج والسندات والأموال ، مما يؤكد أن تكون بالضرورة تلك الأفعال قد صدرت من مجموعة المتسلطين على السلطة وبأرادتهم المنفردة ، والتي وظفوا لها إمكانيات السلطة بكل امكانياتها ومؤسساتها الأمنية لارتكاب تلك الجرائم ، ولما كانت السلطة في العهد الصدامي البائد مكلفة بالحفاظ على حياة الناس وتلزم نفسها في الحال الاعتيادي أن تقم بتطبيق النصوص الدستورية بأمانة وبتجرد ، وباعتبارها تتشكل من أشخاص يملكون جزء من الوعي والمسؤولية ، ما يكفي لأن تقع على عاتقهم المسؤولية القانونية عند حدوث أي ضرر أو خلل في حياة الناس ، وتتحقق شروط المسؤولية في شرطي الإدراك والإرادة التي يمكن تلمسها في قدرة الإنسان على فهم فحوى الأفعال الصادرة عنه ، ونتائج أفعاله وتحمل نتائجها ، وقبل أن ندخل في تبسيط المعاني القانونية لتلك المسؤولية ونبحث في القضايا القانونية التي تخص محنة الكرد الفيلية ، حري بنا أن نستذكر المقررات التي تداولتها أحزاب المعارضة العراقية ، ومواقفها تجاه قضية الكرد الفيلية قبل سقوط سلطة صدام ، مما يستوجب منها في خضم الصراع وتثبيت دعائم السلطة ، أن تلتفت إلى ماكانت تدعو اليه وتذكره في بياناتها وبرامجها السياسية ، بصدد رفع الضيم والحيف عنهم ، وأن تخفف عنهم الضغوط التي وضعتها سلطة صدام فوق كاهلهم ، لتعينهم على الأقل بالشعور بإلغاء وكنس القرارات الظالمة والتعسفية التي انتهكت انسانيتهم وحقهم في المواطنة ، طيلة الزمن الصدامي البغيض وماقبله من قرارات لاأنسانية وتعسفية ، وحتى يمكن إن يشعروا بأمان وثقة من أن السلطة الجديدة ستهتم الاهتمام الكافي في معالجة ملفاتهم وقضاياهم ، ودراسة ابسط السبل والأساليب السريعة للتوصل إلى الحصول على حقوقهم المسلوبة ، وعلى الأقل إن يتم اكتمال التحقيق القضائي بشكل متكامل في ملف الكرد الفيلية لأحالته إلى المحكمة الجنائية العراقية في الزمن القريب ن فليس من المعقول إن تمضي اربع سنوات على سقوط الطاغية ولم يزل الكرد الفيلية بأنتظار من يعيد لهم حقوقهم وأعتبارهم .
أن الجريمة المرتكبة بحق الكرد الفيلية تعتبر من أخطر الجرائم ضد الإنسانية ، والتي تعني ارتكاب المسئولين في السلطة العراقية البائدة جرائم القتل العمد والإبادة البشرية بكل الطرق والأساليب ، والتسبب عمداً بإهلاك مجموعة قومية أو أثنية أو عرقية من البشر بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً ، وقد جسد الدكتاتور العراقي البائد صدام حسين هذا السلوك عملياً من خلال الأوامر الصادرة والتعليمات والقرارات التي أصدرها مجلس قيادة الثورة المنحل المتمثل بشخص الدكتاتور ، بالإضافة إلى عمليات تهجير وإبعاد السكان ونقلهم قسرياً إلى أماكن نائية ، وتنفيذ الحجز والسجن والحرمان من الحرية البدنية دون مشروعية وإسقاط الجنسية والتجريد من المستمسكات ، وبما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي ، بالإضافة إلى عمليات التعذيب النفسي والجسدي والاغتصاب الجنسي ، والاضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو أثنية أو دينية لايجيزها القانون الدولي بأي شكل من الأشكال ، والإخفاء ألقسري للأشخاص وجميع الأفعال غير الإنسانية ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية .
إن معاهدة معاقبة مرتكبي جرائم الابادة الجماعية التي صدرت في 9 ديسمبر 1948، والتي دخلت حيز التنفيذ ، شملت بحمايتها الجماعات الوطنية والعرقية والدينية ، وما سمي بعمليات التطهير التي استهدفت هذه الجماعات . وتشمل العقوبة كل من المخططين والمنفذين لتلك السياسة ، وتتحقق مسؤوليتهم وفق المعايير القانونية التي ذكرناها .

وحيث أن الدكتاتور العراقي كان الموجه الأساس والرئيس في إصدار التعليمات والأوامر التي يتم ارتكاب كل تلك الجرائم بحق الكرد الفيلية ، وكونه يدرك أعماله ويستطيع إن يعرف أو يتوقع النتائج ، مما يجعله في دائرة المسائلة القانونية عن الجرائم التي تم ارتكابها بأمره ومعه كل الأدوات التي ساهمت واشتركت في تلك الجرائم .
وإذا كان حكما قضائيا باتا تم تنفيذه بأعدام الطاغية المتهم الرئيس في قضية الكرد الفيلية ، فأن الدعوى الجزائية تنقضي عنه باعدامه وتوقف الاجراءات القانونية بحقه وقفا نهائيا استنادا لاحكام المادة 300 من قانون اصول المحاكمات الجزائية ، وحيث إن تنفيذ الاحكام الصادرة من المحكمة الجنائية العراقية يكون بمقتضى احكام قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 ، وفقا لأحكام القاعدة 61 من قواعد الأجراءات وجمع الأدلة الخاصة بالمحكمة ن فيصار الى تطبيق النص الوارد في الأصول على المدان صدام في قضية الدجيل ، وايقاف الأجراءات القانونية بحقه وفق الأصول في قضية الدجيل ن غير أن الأمر لايمنع من الأستمرار بمحاكمة المتهمين الاخرين في القضية .
ووفقا لأحكام القاعدة 32 من قواعد المحكمة الخاصة بتعدد الجرائم ، فانه اذا نسب الى متهم جرائم متعددة فتتخذ بحقه الأجراءات وفقا للمادة 132 من قانون اصول المحكمات الجزائية ، وفي حال اتهام المتهم باكثر من جريمة جاز احالته بقضية واحدة على المحكمة الجنائية العراقية العليا بشرط إن تكون تلك الجرائم معاقبا عليها بمادة واحدة ومن قانون واحد .
ومما يوجب ليس فقط فرض العقاب المتناسب مع حجم الجرائم ، وأنما نشر الجرائم المرتكبة وفضح أساليبها ، وتوضيح ما تعرضت له الإنسانية من أفعال صدرت من جناة مسئولين مسؤولية كاملة عن الإرادة الآثمة التي صدرت عنهم ، ووظفوا كل إمكانيات السلطة لتنفيذ جناياتهم ، وهذه المسؤولية لايمكن تحميلها بأي شكل من الأشكال للشخصية المعنوية للدولة ، باعتبارها شخصية حكمية أو افتراضية ، لأن الفعل صادر من شخص الطاغية ومعاونيه وأعوانه ولا وجود لفعل مادي صادر من الشخص الاعتباري ، بدليل إن تلك الأفعال كانت وفق رغبة الحاكم خارج سياق ونطاق الشرعية والأعراف وسنثبت ذلك بالأدلة القانونية .

تنطبق أركان جريمة الإبادة الجماعية على الأعداد التي تم قتلها من أبناء الكرد الفيلية ، وأهلاك مجاميعهم بطرق مختلفة ، وإخضاعهم إلى ظروف وأحوال معيشية من شأنها إهلاكهم فعلياً كلياً أو جزئياً ، فقد تم تعذيب وقتل أعداد من الكرد الفيلية دون وجود قضايا تحقيقية ، كما تم أخفاء جثثهم ولم يتم الكشف عن مصيرهم ، بالرغم من تسفير عوائلهم إلى خارج العراق .
و يمكن إن توصف الجرائم المرتكبة من قبل الدكتاتور البائد صدام بحق الكرد الفيلية من جرائم القانون العام المرتكبة بقصد الإخلال بالنظام الاجتماعي ومصالح العراقيين ، وهذه الجرائم عمدية توفر فيها القصد الجنائي ، حيث تعمد الجناة ارتكابها وتحمل نتائجها .
أن هذه الجرائم تستمد صفتها من القانون الدولي ومن القواعد والأعراف الدولية بالإضافة إلى ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية والعهود ولائحة حقوق الإنسان ، وما نصت عليه أخيراً نصوص قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، مما يستوجب بالضرورة محاكمة صدام المتهم الأول بارتكاب هذه الجرائم والتي تعتبر على درجة عالية من الخطورة الإجرامية ، وأن أدلة الإثبات والأسانيد القانونية المتوفرة في هذه القضية كافية لأحالته وأدانته ، وإصدار الحكم العادل بحقه وبحق من كان يمارس ارتكاب الجريمة معه ، بالإضافة إلى تعويض الضحايا وورثتهم التعويضات المتناسبة مع فداحة الضرر مادياً ومعنوياً ، ونشر تلك المآسي علناً لأسماع وأنظار العالم حتى يمكن إن تستذكر البشرية تلك الصفحات المروعة من الانتهاكات الإنسانية بحق الحياة البشرية والاستخفاف بها من قبل الطغاة والحكام المستبدين وأعوانهم .
وما ارتكبته سلطة صدام بحق الكرد الفيلية يعد من الجرائم المركبة والمستمرة وعدوان سافر ضد مكونات الشعب العراقي واستقراره وانتهاكا لنصوص الدستور والقوانين العراقية ، بالإضافة إلى قيام السلطة البائدة بإعدام العديد من شباب الكرد الفيلية عن طريق إخضاعهم للتجارب الكيمياوية ، وبالتالي أخفاء جثثهم وقبورهم مما زاد من معاناة أهاليهم وعوائلهم ، بالإضافة إلى جريمة احتجاز العوائل الكردية الفيلية سنوات طوال وأبعادهم في مناطق الصحراء النائية ، أو في المواقف والمعتقلات دون أي قرار حكم قضائي أو قانوني ، وكل هذه الجرائم تدخل تحت ولاية المحكمة الجنائية العراقية والتي يمتد اختصاصها للنظر في تلك الجرائم حصراً للفترة من 17/7/1968 ولغاية 1/5/2003 ، ووفق هذا فأن الجرائم التي ارتكبتها السلطة الصدامية بحق الكرد الفيلية تكون من اختصاص هذه المحكمة العراقية حصراً وفقاً لاختصاصها الزماني والمكاني ، باعتبارها داخلة ضمن الاختصاص المكاني والزماني ، بالإضافة إلى كونها من الجرائم الوطنية المرتكبة بحق الشعب العراقي .
و تقوم هذه المحكمة بالإضافة إلى تطبيق قانون العقوبات البغدادي الملغي ، فأنها تطبق إحكام قانون العقوبات النافذ ، كما تقم بتطبيق قانون العقوبات العسكري رقم 13 لسنة 1940 وأصول المحاكمات العسكرية رقم 44 لسنة 1941 ، وكما لها أن تستعين في إحكام المحاكم الجنائية الدولية عند تفسيرها لأحكام جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ، وتسري إحكام قانون العقوبات بما لايتعارض وأحكام قانون المحكمة النافذ ، والالتزامات الدولية المتعلقة بالجرائم الداخلة في ولاية المحكمة عند تطبيق الأحكام الخاصة بالإعفاء من المسؤولية الجنائية ، ولا تخضع الجرائم التي تشمل اختصاص المحكمة بالتقادم المسقط للدعوى الجزائية والعقوبة والذي تميز به القانون الجنائي العراقي .
بالإضافة إلى توفر أركان المسؤولية الجنائية الشخصية ، والتي يعتبر بموجبها الشخص الذي يرتكب الجريمة بصفته الشخصية عرضة للعقاب ، أذا ارتكبها بصفته الشخصية أو بالاشتراك أو بواسطة شخص أخر ، بغض النظر عما أذا كان هذا الشخص مسئولا أم لا ، وإذا كان قد أعطى الأوامر بارتكاب تلك الجرائم فشرع فيها وتمت بناء على ذلك الأمر ، أو حث على ارتكابها أو قدم أية إغراءات في سبيل إتمامها ، وإذا كان قدم العون أو المساعدة بأي شكل أخر لغرض تيسير ارتكاب الجريمة أو توفير وسائل ارتكابها أو الشروع في ارتكابها ، وإذا ساهم في تعزيز النشاط ألأجرامي ، ولايمكن للمتهم في مثل هذه الجرائم التعكز على بعض النصوص التي يحاول الجناة والمتهمين بمثل هذه الجرائم وضعها كساتر لصد الأحكام ونفي ارتكاب الجريمة ، فقد نص القانون على إن لاتعد الصفة الرسمية التي يحملها المتهم سبباً معفياً من العقاب ، سواء كان المتهم رئيساً للدولة أو رئيساً أو عضواً في مجلس قيادة الثورة المنحل أو رئيساً أو عضواً في مجلس الوزراء المنحل أو عضواً في قيادة حزب البعث البائد ، ولايجوز الاحتجاج بأي صفة بالحصانة للتخلص من المسؤولية في مثل تلك الجرائم .
ووفق المعيار القانوني فأنه لا يعفى الدكتاتور البائد صدام وفق هذا الأمر باعتباره كان الرئيس الأعلى الذي يصدر الأوامر ، عن الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية وعن الجرائم الأخرى ، التي يرتكبها الأشخاص الذين يعملون تحت أمرته ، ولم يتخذ من الإجراءات ما يمنع وقوع ارتكابها لو لم تكن بموافقته وتنفيذا لرغباته ، كما لايعفي القانون الشخص الذي ارتكب تلك الأفعال بناء على أوامر من الحكومة أو من رئيسه ، حيث أن مجرد صدور الأمر من الأعلى لايعفيه من المسؤولية الجنائية مع ثبوت علمهم بالأمر غير المشروع وعدم مشروعية الأفعال المرتكبة بحق الكرد الفيلية ظاهرة وواضحة ، ويترك أمر تقدير مدى جسامة مساهمته للمحكمة .
وتبحث المحكمة في التفرقة بين الأمر القانوني وغير القانوني بأن تستند على معيار للتفرقة يمكن معرفته من خلال أدراك الإنسان في موقفه وسنه وتعليمه ومركزه عندما يواجه التصرف غير المشروع ، وأرتكاب الحالات التي تمثل جرائم لايجوز تنفيذها يرتب المسؤولية القانونية على مرتكبيها ، وجميع الحالات غير الإنسانية التي ارتكبت بحق الكرد الفيلية ( القتل والتعذيب والحجز والأبعاد والأغتصاب وسلب المستمسكات الرسمية والاستحواذ غير الشرعي على الأموال المنقولة وغير المنقولة ) جميعها تصرفات غير مشروعة ، وبالتالي فأن ارتكابها تنفيذاً لأوامر الطاغية يرتب المسؤولية الجنائية .
علماً أن مثل تلك الجرائم لايشملها التقادم المسقط للجريمة والمانع من فرض العقوبة ، ومع أن القانون الجنائي العراقي لايعتد بالتقادم في الجنايات ، فقد جاءت الأتفاقيات الدولية التي اقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1969 لتؤكد عدم التقادم ، حيث لم تشمل الجنايات الخاصة بجرائم الأبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم المسقط للجريمة ، وبذا فأن الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية غير مشمولة بالتقادم ، وانها تقع ضمن ولاية المحكمة الجنائية العراقية .
أن القانون على الدوام يحمل الناس على التزام العقل في التصرفات الصادرة وعدم الأنحراف ، ولذا فأن النصوص تعين المظلوم من ظالمه وتداوي جراح المتضرر بالتعويض والتدابير الأحترازية والقسرية التي تقررها القواعد القانونية ، وتشكل نصوص قانون العقوبات تحديد الجرائم ودرجاتها وأنواع العقاب التي يتحدد لكل جريمة من حيث اركانها وظروفها .
ووظيفة قانون العقوبات حماية العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع من خلال ردع الجاني ومعاقبته ، ويتحتم وفق هذا المنظور أن يرتب القانون النافذ للمحكمة الجنائية العراقية العليا ، العقوبة المتناسبة مع جسامة الفعل المرتكب بحق الكرد الفيلية ، كما يترتب فرض العقوبة التي هددت النظام الاجتماعي وساهمت في خدشه وتمزيقه من خلال الأفعال الإجرامية المتلاحقة والمتعددة وما لحقها من نتائج بحق الكرد الفيلية ، والأمر يتطلب دراسة شخصية المجرم مرتكب الجريمة من حيث تركيبه الجسماني وعقليته وتأثير ذلك على طباعه من الناحية الإجرامية ، إذ إن الذي حصل للكرد الفيلية يخرج عن نطاق الأنتقام السياسي ، ويتعدى العداء المذهبي أو الديني أو القومي ، ويتخطى العداء الطبيعي الإنساني ، لأن الذي جرى من أفعال يندى لها الجبين البشري تنم عن تردي في الضمير وانحطاط في السلوك وخسة في التفكير ، بالإضافة إلى انحراف في سلوك المخططين للأساليب والطرق ، التي أتبعتها السلطة في الأنتقام من مواطنين عراقيين مدنيين ، استعملت السلطة كل قوتها وثقلها وإمكانياتها وصبت حقدها الأعمى في وسائل تخريب حياتهم وتشريدهم ، مع مسؤوليتها القانونية والدستورية والسياسية في رعايتهم والحفاظ على حياتهم ، ويمكن وفق ما ذكر أن يكون الأختصاص الشخصي ( مبدأ شخصية القانون الجنائي وصلاحيته الشخصية ) منطبقاً على المتهمين في قضية الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية .
ووفق تعريف مفهوم الجريمة والتي تعني السلوك الأجرامي الخارجي أو الداخلي الذي يجرمه القانون ويقرر له عقابا أو الامتناع عن عمل أمر به القانون ، ويصدر عن إنسان مسئول عن أفعاله ، فأن توفر شرط الخطورة الاجتماعية يشكل الأساس المعول عليه في تحديد الجريمة ، مع تقدير النتائج المترتبة على الفعل وطريقة ارتكاب الفعل ومقدار الضرر الحاصل ودرجة الخطورة .
وأمام جريمة تهجير وتسفير الكرد الفيلية ، نتمعن في الخطورة الاجتماعية التي تعرض لها ليس فقط الكرد الفيلية ، وكما ليس فقط المسفرين من أبناء التبعية ، وأنما لحق العراقيين كافة ضرراً بليغاً ، حين صار جميع أهل الفرات الأوسط والجنوب وفي شتى مناطق العراق الأخرى تحت رحمة قرارات السلطة ، تقدم على تسفير أو تهجير من تشاء ودون سبب أو ذنب !! كما أن النتائج الوخيمة وغير الإنسانية التي ترتبت على تهجير وتسفير وإعدام الكرد الفيلية شكلت ابعاداً إنسانية ساهمت في إحداث الضرر ليس فقط للضحايا ، وأنما انسحبت على عوائلهم وأهاليهم فترة من الزمن كان اخطرها الفترة التي تمتد منذ 1980 ولغاية سقوط صدام 2003 ، كما انسحبت على العديد من المواطنين العراقيين الآخرين من غير الكرد الفيلية ، وأن درجة الخطورة في هذه الأفعال الإجرامية امتدت حتى اليوم تحز في نفوس العراقيين وتنعكس سلبيا على حياتهم ومستقبلهم ، وقد توفرت كافة أركان الجريمة ، من ركنها المادي المتمثل بالواقعة الإجرامية ، وركنها الشرعي باعتبارها سلوكا غير مشروع ، وركنها النفسي أو المعنوي المرتكز على الإرادة ألاثمة التي تتمثل في القصد الجنائي .
وقراءة متأنية لبرقية وزارة الداخلية التي تم تعميمها على المؤسسات الأمنية في العراق بعدد 2884 في 10/4/1980 تكشف عن حقيقة ما كانت تضمره السلطة وما خططت له .
(( نص البرقية )) :
لوحظ وقوع أخطاء وإلتباسات من قبل اجهزتكم في التسفيرات وتحديد المشمولين بها والمستثنين من التسفير . توضيحاً للتعليمات السابقة ، أدناه الضوابط التي يجب العمل بموجبها في هذا الشأن :
1- يسفر جميع الآيرانيين الموجودين في القطر وغير الحاصلين على الجنسية العراقية وكذلك المتقدمين بمعاملات التجنس أيضاً ممن لم يبت بأمرهم .
2- عند ظهور عائلة ، البعض منها حاصلون على شهادة الجنسية تشملهم الضوابــط الا إن البعض الأخر مشمولون فيعتمد مبدأ ( وحدة العائلة خلف الحدود ) مع سحب الوثائق أي الجنسية أن وجدت والأحتفاظ بها لديكم ، ومن ثم أرسالها إلى الوزارة مع تزويد الوزارة بقوائم المشمولين بقرارنا هــذا ليتسنى لنا إسقاط الجنسية عنهم .
3- يجري تسفير البعض خاصة العوائل عن طريق القومسيرية وفي حالة عدم استلامهم يجري تسفيرهم من مناطق الحدود الأعتيادية .
الأستثناءات :
أولا: العسكريون من مختلف الرتب يسلمون إلى الأنضباط العسكري في بغداد للتصرف بهم من قبلهم وحسب التبليغات المسلمة اليهم .
ثانياً : عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير المقيمين في القطر وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم .
ثالثاً : النساء الإيرانيات المتزوجات من أشخاص عراقيين ترسل قوائم بأسمائهن إلى الوزارة .
رابعاً : عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير الذين أعمارهم من 18- 28 سنة والأحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلى إشعار آخر .
خامساً : يستثنى من التسفير الأرمن الايرانيون المقيمون في القطر وتزود الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم .
سادساً : لايشمل التسفير اللاجئين السياسيين الايرانيين .
سابعاً : يستثنى العرب العربستانيون المقيمون في القطر من التسفير .
ثامناً : عند ظهور أية حالة من غير الحالات الواردة اعلاه اعلامنا هاتفياً قبل البت بها .
نؤكد أمرنا في فتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المسفرين ( انتهت )
نرجو الأطلاع والعمل بموجبه .

التوقيع
وزير الداخلية

هذه التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية وهي من الوزارات المهمة والوزارة المعنية بالشؤون الداخلية والأمنية لها دلالتها وأبعادها ، والبرقية أيضاً صفحة ضمن الحملة التي شنتها بأمر السلطة جميع الأجهزة الأمنية ووظفت كل إمكانياتها من اجل إيقاع أكبر الضرر بهذه الشريحة العراقية ، واستطاعت بما تملك من إمكانيات وسطوة إن تنفذ رغبة الدكتاتور في إبعاد أعداد كبيرة من العراقيين ورميهم على الحدود الإيرانية البرية حصراً ، وكذلك حجز عشرات الآلاف من أبناء هذه العوائل في المواقف والمعتقلات والسجون ، ضماناَ لإيقاع اكبر الأذى والضرر المادي والمعنوي على مجموع تلك العوائل ، فتسفير العوائل التي تحمل الجنسية العراقية تحت زعم ( وحدة العائلة ) ، أمر غريب في إقدام حكومة على طرد مواطنين يحملون الجنسية العراقية ومعها شهادة الجنسية ( آ ) من أبناء شعبها وتسفيرهم ، لأن أحد أفراد العائلة غير عراقي ، أو أنه لم يحصل عليها ، أو أنه موجود في العراق بصفة مقيم لم يتم حصوله على الجنسية ، أو أن معاملة تجنسه لم تكتمل بعد ضمن الضوابط التي تحددها الوزارة وقانون الجنسية أن صحت قضية كونه غير متجنس ، أو حتى في حال رفض تجنسه أو كونه أجنبياً ، فأن الحال يقتضي الالتزام بمبدأ إن لاتزر وازرة وزر أخرى ، أن منطق وحدة العائلة يقتضي أن يتم ألحاق من لم يكتسب الجنسية بعائلته المكتسبة للجنسية احتراما للمركز القانوني للمواطن العراقي ، وما حددته نصوص الدساتير العراقية وليس العكس ، كما تأمر وزارة الداخلية بسحب جميع الوثائق والسندات الرسمية التي يمتلكها المواطن وسلبها منه اعتقادا منها بإتلاف أدوات الجريمة في الإصرار على تجريد العراقي من مواطنته وسنداته وأوراقه الثبوتية ، وحتى لايمكن عرضها كأدلة أثبات إلى المؤسسات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان والمحافل الدولية ، ومعنى هذا الأمر انه يتم تجريد الإنسان من عراقيته وسحب جميع وثائقة التي تثبت هذه المواطنة ، وترسل جميع المستندات والجنسية إلى الوزارة بقوائم ليمكن للوزارة بعدئذ العمل على أسقاط الجنسية عنه بعد تلك الإجراءات بأية وسائل غير قانونية ، بمعنى أن إجراءات الأبعاد والطرد والتسفير والتهجير تتم قبل إن يصدر قرار يتم تجريد المواطن من مواطنته ، وعملية استلاب المستندات القانونية الصحيحة التي تثبت قانونياً عراقية المواطن ، جريمة هجينة ومهينة ترتكبها السلطات الصدامية في التجني على ضحايا لاتتوفر فيهم حتى المزاعم التي زعمت السلطة الاستناد عليها لتتعكز عليها في هذه الإجراءات ، وليس هذا فقط ولم يقتصر الأمر على ما ذكر آنفاً ، وأنما حملت التعليمات بين طياتها أمراً غريباً يتناقض مع المنطق ووحدة العائلة ، ويفند البرقع الذي حاولت السلطة إن تغطي وجهها البشع وعيوبها وجريمتها في تطبيق منطق وحدة العائلة ، حيث أصبح الشباب بعمر ( 18-28 ) سنة من أبناء هذه العوائل متهمين دون ذنب ، ومحكومين دون قضية ، ومحتجزين دون جريمة ، ومنسلخين عن عوائلهم دون ارادتهم ورغبتهم ، ومقيدة حرياتهم دون قرار قضائي أو قانوني ، كما إن هناك فقرة أخرى وردت ضمن الأستثناءات في البرقية أعلاه برقم ( ثانياً ) يقضي بعدم تسفير الشباب ( الذين يترك أمر تقدير أعمارهم من الشباب إلى الجهات الأمنية ) ، وعمليات احتجاز الشباب وفق هذه البرقية تدلل على مسؤولية سلطة صدام عن مصير الآلاف من الشباب الفيلية المغيبين ، ووزير الداخلية لم يكن يجتهد أو يأمر وفقاً لمعلوماته ، فقد كان يستلم الأوامر من الطاغية صدام مباشرة ، ولم تسأل أية جهة عن فحوى التحقيقات التي تجريها تلك الجهات الأمنية مع الآلاف من شباب الكرد الفيلية .
وبعد صدور تلك التعليمات المهينة للأنسان في العراق ، بادر مجلس قيادة الثورة المنحل بأصدار قرار برقم 474 بتأريخ 15/4/1981التي تقضي بمنح كل عراقي قام بتطليق زوجته مبلغ أربعة ألاف دينار للعسكري وألف وخمسمائة دينار للمدني ، أذا كانت زوجته من التبعية أو في حال تسفيرها خارج العراق ، وأشترط القرار لصرف المبلغ أن يتم تسفير أو طلاق المرأة وأن يقوم الرجل بعقد زواج جديد من عراقية .
وبعد أسبوع من صدور القرار السابق ، وضمن الحملة الشعواء التي شنتها السلطة ضد أبناء العراق ، أصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قرارا برقم 2469 في 22/4/1981 يقضي بتسفير الزوجة المطلقة إلى خارج القطر ( تعبير خارج القطر يشير حصراً إلى إيران ) .
أن سلب الجنسية من المواطن العراقي الكردي الفيلي وأبعاده الى إيران يجعله قانوناً مواطناً دون جنسية ( عديم الجنسية ) ، بالنظر لامتناع إيران منحه الجنسية الإيرانية ، ولعدم رغبة المواطن العراقي تجنسه بالجنسية الإيرانية التي تشترط موافقته ، أو لكون القانون الإيراني يمنع ذلك ، وأزاء تلك الحالة فيتم انطباق نصوص اتفاقية حالات انعدام الجنسية التي أعتمدها مؤتمر المفوضين المنعقد عام 1959 ثم عام 1961 ، تطبيقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرقم 896( د- 9 ) والمؤرخ في 4 كانون الأول 1954 ، حيث اتفقت الدول الموقعة على الاتفاقية ( بما فيها العراق ) ، على منح الجنسية للشخص الذي يولد في إقليمها ولو كان عديم الجنسية ، ويتم منح الجنسية بحكم القانون لدى الولادة أو بناء على طلب خطي من الشخص المعني الى السلطة المختصة ، أو بواسطة وكيله أو بالطريقة التي ينص عليها القانون ، وللدولة المتعاقدة التي ينص على منح جنسيتها بناء على طلب يتم طبقاً للفقرة أعلاه أن تنص أيضا على منح جنسيتها بحكم القانون في السن وبالشروط التي يحددها قانونها ، كأن يقدم الطلب خلال فترة تحددها الدولة المتعاقدة ، وأن يكون الشخص قد أقام بصورة معتادة في إقليم الدولة المتعاقدة خلال فترة يحددها قانون الدولة شريطة أن لايتطلب تجاوز مجموعها عشر سنوات ، ولاتجاوز شطرها الذي يسبق مباشرة تقديم الطلب خمس سنوات ، وأن لايكون الشخص المعني قد أدين بجريمة ضد الأمن الوطني أو حكم بالسجن خمس سنوات على فعل جنائي ، وبالرغم من إن نصوص المعاهدة تمنع الدول من أن يتبع تجريد الإنسان من جنسيته وفقدانها لزوجته أو أولاده يتوجب أن يكون هذا الفقدان مشروطاً بحيازة أو اكتساب جنسية أخرى .
غير أن العراق في الزمن الصدامي الغى من قواميسه حتى العمل بهذه النصوص ، وأكثر من هذا فقد سحب إجراء فقدان الجنسية حتى الى مواطنات ومواطنين عراقيين مع أزواجهم ، خلافاً لما ورد عليه النص القانوني ، علماً بأن نص المادة ( 8 من الاتفاقية ) تمنع الدول المتعاقدة من تجريد أي شخص عن جنسيتها أذا كان هذا التجريد من شأنه إن يجعله عديم الجنسية ، وتعتبر بذلك كل الإجراءات غير قانونية وغير شرعية .
ولايفقد الفرد جنسيته على نحو يجعله عديم الجنسية حتى وأن كان تحريم هذا الفقدان غير وارد بنص صريح في حكم آخر من أحكام هذه الإتفاقية ، وهو ما صار اليه حال الكرد الفيلية ، وبعد إن قامت السلطة الصدامية بتجريدهم من جنسيتهم العراقية ورميهم على الحدود الإيرانية ، تعاملت الدولة الإيرانية معهم على اساس أنهم عراقيين ، فباتوا إيرانيون في العراق وعراقيين في إيران ، ولكنهم دون أن يحملوا اية جنسية من كلا الدولتين المتحاربتين في تلك الظروف ، مما جعلهم أمام حالة اللاجنسية التي تنطبق عليها بنود وأحكام المعاهدة المذكورة .
المادة ( 9 ) من المعاهدة أيضاً الزمت الدول الأمتناع عن إسقاط الجنسية عن أي شخص أو أي مجموعة من الأشخاص لأسباب عنصرية أو أثنية أو دينية أو سياسية .
أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها المرقم 1040 ( د – 11 ) في 29 كانون الثاني 1957 المصدقة للأتفاقية بشأن جنسية المرأة المتزوجة والنافذة في 11آب 1958 ، وضمن نصوص الاتفاقية الموقعة من قبل العراق ، أن توافق كل الدول على إن الأجنبية المتزوجة من احد مواطنيها أن تكتسب جنسية زوجها أذا طلبت ذلك خلال إجراء تجنس أمتيازي خاص ، وأن توافق كل الدول على انه لايجوز لأنعقاد الزواج ولا لأنحلاله بين أحد مواطنيها وبين اجنبي ، ولا لتغيير الزوج جنسيته ، أن يمنع زوجة هذا المواطن من الأحتفاظ بجنسيتها .
وفي العام 1985 شعرت الامم المتحدة بفداحة التعرض للأذى الذي يصيب الإنسان جراء التعسف في إستعمال السلطة ، فأدركت أن حقوق الضحايا الذين يتعرضون للأذى والأضرار والإصابات والمشقة كبيرة ، وأن هؤلاء وعوائلهم لاتلقى الاهتمام والاعتراف الكافي ، فأكدت المنظومة الدولية على ضرورة الاعتراف العالمي الفعال بحقوق ضحايا الأجرام والتعسف في استعمال السلطة واحترام هذه الحقوق .
ومن أجل أن تتخذ الدول الخطوات اللازمة والأساسية لإنفاذ أحكام الإعلان الدولي ( إعلان مبادئ العدل الأساسية المتعلقة بضحايا الأجرام والتعسف في استعمال السلطة ) ، أجمعت الدول على اتخاذ الخطوات للحد من الإيذاء ومساعدة ضحايا تلك الجرائم ، ولذا تقرر حظر الممارسات والإجراءات التي تفضي الى التعسف في استعمال السلطة ، مثل الاحتجاز في أماكن سرية والحجز الانفرادي ، والتعاون بين الدول عن طريق التعاضد القضائي والإداري في مسائل ملاحقة المجرمين وتسليمهم للعدالة ومصادرة موجوداتهم ، واستحداث الطرق والوسائل لتوفير سبل أنصاف الضحايا ، أذا كانت السبل الوطنية غير كافية .
أن الجرائم التي اقترفها صدام وسلطته الإرهابية بحق الكرد الفيلية تنطبق عليها تماماً مقررات إعلان مبادئ العدل الأساسية الصادرة بحق ضحايا التعسف في استعمال السلطة ، ويقصد بمصطلح الضحايا الأشخاص الذين أصيبوا بضرر فردياً أو جماعياً ، بما في ذلك الضرر البدني أو العقلي أو المعاناة النفسية أو الخسارة الاقتصادية ، أو الحرمان بدرجة كبيرة من التمتع بحقوقهم الأساسية ، عن طريق أفعال أو حالات إهمال لأتشكل حتى ألان انتهاكاً للقوانين الجنائية الوطنية ، ولكنها تشكل انتهاكات للمعايير الدولية المعترف بها والمتعلقة باحترام حقوق الإنسان .
ومع أن مهمة الأمم المتحدة كانت تتركز ليس فقط على تقديم الدعم لضحايا الجرائم المرتكبة ضد الكرد الفيلية في العراق ، فأن الإعلان الدولي يرتب مسؤولية أقامة سبل الاتصال الفعالة للتجمعات والجمعيات والشخصيات الكردية الفيلية ، مع ضمان أبقاء الضحايا على علم بحقوقهم وبالفرص المتاحة للانتصاف من المجرم أو الغير أو السلطة التي مارست بحقهم الأفعال الإجرامية ، وما حصل لتنفيذ هذه المهمة ، أنها مورست بشكل غير فاعل وخجول مع وجود الضحايا منتشرين في مخيمات إيران وبلدان اللجوء .
ويتجسد الركن المادي في الجريمة التي مورست بحق الكرد الفيلية ، في التعسف باستعمال السلطة وممارسة أفعال إجرامية باسم وتحت ستار تنفيذ نصوص القانون ، النشاط ألأجرامي الذي تمت ممارسته أفعال تخرق الشرعية والقوانين الدولية ، بالإضافة الى الخرق الفاضح لنصوص الدستور العراقي المؤقت . أن هذا النشاط ألأجرامي الذي تم بناء على أوامر من صدام شخصياً يشكل سلوكاً خارجياً تم تجسيده بأعمال التهجير والتسفير والطرد والمطاردة ، كما في قضايا الإعدام والتجارب الكيمياوية والأبعاد ألقسري وفصل الأطفال عن والديهم والسجن والحجز الكيفي والانفرادي ، وتتحقق العلاقة السببية بين الفعل المادي والنتيجة الإجرامية التي رافقت عمليات التهجير والاستيلاء غير القانوني على الأموال المنقولة وغير المنقولة للكرد الفيلية ، كما يتجسد الركن عنصرها النفسي ( المعنوي ) ، حيث أن الجاني وهو يمسك بزمام السلطة وأدواتها ، برغبته الدفينة ومشاعره المتبلدة وجه إرادته لإتمام الأفعال الإجرامية بحق شريحة عراقية أصيلة ، كما وجه كل أصابعه للمساهمة والمشاركة في إتمام الجرائم التي كان قد خطط لها ضد الكرد الفيلية .
وسواء في القانون الدولي أو الاتفاقيات الدولية أو في الدستور العراقي المؤقت منه أو الأساس ، فأن الركن الشرعي للجريمة واضح ومنطبق على السلوك ألأجرامي وماترتب عليه من نتائج كارثية بحق مجاميع من العراقيين لم يكن فعلها على الضحايا فقط ، وأنما انسحب الى الغير ، وحيث أن قواعد القانون التي تحدد السلوك ألأجرامي وتبين عقابه ، قد حددتها القوانين والأعراف الوطنية و الدولية ، بالإضافة الى أحكام القانون الدولي والالتزامات الدولية المتعلقة بالجرائم الداخلة في الولاية الوطنية أو الدولية ، فتكون الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية من الجرائم التي توصف بجرائم الأبادة الجماعية ، بالنظر للنتائج التي تحققت في أعداد القتلى والمغيبين ، ومن تم تنفيذ حكم الإعدام بهم بأي شكل من الأشكال ، بالإضافة الى المتوفين طمراً بالتراب وهم أحياء ، بالإضافة الى من قضوا نحبهم في الصحاري والمنافي غير الآهلة بالسكان لأي سبب آخر ، حيث بلغت أعداد الشهداء منهم عشرات الآلاف ، بالإضافة الى إعداد غير قليلة من الضحايا المعوقين والمرضى النفسيين جراء الأفعال الإجرامية المذكورة .
كما تدخل تلك الجرائم في باب الجرائم ضد الإنسانية لما تضمنته من انتهاكات في القتل العمد والإبادة والتعذيب والأبعاد ألقسري والحجز والحرمان الشديد والاضطهاد والأفعال اللاإنسانية وسلوك منحرف تجاه قوميات وأديان ومذاهب وأفكار سياسية .
ومع أن الجرائم المرتكبة موضوع البحث تعد من الجرائم المستمرة والمتلاحقة ، فان طابع التكرار وان اختلفت الضحايا ، فإنها طالت اعداد كبيرة من الكرد الفيلية دون إن يكون هناك ضوابط حقيقية للفصل بين المجني عليهم ، وهي وان كانت متشكلة من أفعال متكررة ومتتابعة إلا أنها وقعت ضمن نمط معين من الفعل ألجرمي من فاعل واحد ساهم معه جناة متعددين ، فهي جريمة واحدة وأن أفعال الشركاء والمنفذين للأفعال الجريمة كلياً أو جزئياً يتم معاقبتهم عليها باعتبارهم فاعلين أصليين ، كما يتم نقل الظروف المادية للجريمة المشددة الخاصة بالجريمة .
ثمة من يسأل عن مدى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للنظر في جريمة الكرد الفيلية ، والمحكمة الدولية هي مؤسسة دولية أنشأت بموجب معاهدة ملزمة للدول الأعضاء التي وقعت المعاهدة ، وهي ليست بديلاً عن القضاء الجنائي الوطني وأنما هي مكمل له ، وقد أنشأت بموجب نظام روما الأساسي الذي أعتمد من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية بتاريخ 17 تموز 1998 وتأريخ بدء النفاذ في 1 حزيران 2001 وفقاً للمادة 26 ، وتكون هذه الاتفاقية نافذة المفعول لفترة عشر سنوات تبدأ من تأريخ بدء نفاذها .
ويقول البروفسور محمود شريف بسيوني في الصفحة 20 من كتابه مدخل لدراسة إحكام واليات الإنفاذ الوطني للنظام الأساسي ، وهو من أساتذة القانون الدولي وأحد واضعي أسس نظام المحكمة الجنائية الدولية ومن المراجع القانونية الدولية الفعالة ، ورئيس المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول بشيكاغو ، ورئيس الجمعية الدولية للقانون الجنائي ، ورئيس المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية (( أن الأختصاص الجنائي الوطني دائماً له الأولوية على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ، ولكن المحكمة تستطيع ممارسة اختصاصها في حالتين فقط ( مادة 17 ) وهما :
الأولى: عند انهيار النظام القضائي الوطني
الثانية : عند رفض أو فشل النظام القضائي الوطني في القيام بالتزاماته القانونية ومحاكمة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم الجرائم الثلاث الموجودة حالياً في اختصاص المحكمة ، أو بمعاقبة أولئك الذين أدينوا والجدير بالذكر أن المعايير اللازمة لتحديد انطباق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية مذكورة في المادتين 17 و 18 من النظام الأساسي . ))
ووفق ما ورد أعلاه فقد بقيت المؤسسة القضائية العراقية فاعلة وقائمة لم تتأثر مثلما تأثرت المؤسسة العسكرية بعد سقوط سلطة صدام ، كما أن النظام القضائي العراقي بما عرف عنه من متانة ورصانة كان مؤهلاً للنظر في الجرائم المعروضة امامه ، ولم يمتنع أو يتردد في التحقيق والمحاكمة وفرض العقوبات على من يتم تجريمهم من الجناة ، ولذا فأن المؤسسة القضائية العراقية احتلت الجانب الأول في مشروعية النظر في تلك الجرائم المحالة إليها .

أن المحكمة الجنائية الدولية تعتبر أعمالها نافذة من تاريخ بدء نفاذ الاتفاقية ونشؤها ، مما يجعلها غير مختصة للنظر في الجرائم التي وقعت قبل نفاذها ، وهذه مسألة في غاية الأهمية ، وبالإضافة الى إن هناك مسألة أخرى تقيد النظر في جرائم صدام من قبل المحكمة الجنائية الدولية ، وهي أن العراق لم يوقع على الاتفاقية الخاصة بالدول التي صادقت على نظام روما الأساسي ، وعدم توقيع العراق على القبول بالانضمام الى الدول المصدقة على نظام روما الأساسي سواء إن كانت الاتفاقية قبل دخولها في حيز النفاذ أو بعد دخولها في حيز النفاذ يمنع عملياً إحالة القضايا الإجرامية المتهم بها صدام البائد وزمرته في هذا المجال ، ولما كانت هذه المحكمة الدولية كيان قانوني ذا صفة دولية كما يشير البروفيسور بسيوني ، فأنها بالتأكيد ليست محكمة وطنية عليا ، وأن اختصاصها هو أختصاص تكميلي للأختصاص الجنائي الوطني ، وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في اليوم الأول من شهر تموز 2002 ، وعليه فأن أمر الأحالة والأستناد الى المحكمة الجنائية الدولية لايمكن إن يكون عملياً ويحقق الغاية المرجوة في أظهار الحقائق وتجريم الطاغية ومعه الزمرة التي تعاونت في ترويع العراقيين وأرتكابهم الجرائم البشعة بحقهم ، ومن ضمنها قضية الكرد الفيلية .
أن الإجراءات البطيئة التي لازمت محاكمة الطاغية الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش في انتهاكات قوانين وأعراف الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، ومحاكمة رادوفان كرازاديتش زعيم جمهورية صربيسكا السابقة في البوسنة ، بتهمة الانتهاكات الكبرى لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ، وانتهاكات قوانين وأعراف الحرب والإبادة الجماعية ، سواء منها إجراءات التحقيق أو المحاكمة الدولية ، بالإضافة الى صعوبة الاستناد والتعرف على نصوص القوانين الوطنية من قبل المحكمة والقضاة الدوليين ، كما لايخفى التفاوت الواضح في تدرج العقوبات ، بين المحاكم الدولية التي لاتفرض عقوبة الإعدام على المدان من المتهمين ، وبين القانون الوطني الذي لم يزل متمسكاً بفرض عقوبة الإعدام على الجناة في الأفعال الإجرامية الخطيرة التي يحددها قانون العقوبات ، سواء منها قانون العقوبات البغدادي أو قانون العقوبات النافذ برقم 111 لسنة 69 ، وقانون العقوبات العسكري رقم 13 لسنة 1940 .
وحيث إن الجرائم المذكورة تعد من الجرائم الخطرة التي تهدد الجنس البشري ، فقد نصت جميع القوانين والنظم القانونية على عدم شمول تلك الأفعال الإجرامية بالتقادم .
وحين نؤكد من إن الجرائم البشعة التي ارتكبت باسم القانون من قبل الطاغية وأعوانه بحق الشعب العراقي ، والإنسانية بشكل عام ، فأننا نؤكد أيضا أن الشرائع السماوية أكرمت الإنسان ، فضلاً عما تشكله تلك الجرائم من تهديد جسيم للأمن والاستقرار والسلم الدوليين ، مما يستوجب إدانة تلك الجرائم ومعاقبة وتجريم مرتكبيها ، ويأتي دور القضاء العراقي والمحكمة الجنائية المختصة إحقاقا للحق ، واقتضاء لحقوق الضحايا والمتضررين ، والتأكيد على أن يكون دور المحكمة في إطار احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون ، التي غابت كلياً في محاكمات استثنائية وصورية وشكلية قام بها النظام ورموزه بحق العراقيين ، وأن الرسالة التي تبثها هذه المحكمة هي رسالة إنسانية سامية برهاناً على التنافر والتناقض في مفهوم الحق والحقوق ، ونؤكد أيضاً بهذا الصدد ونشير الى ضرورة توفير كافة السبل والوسائل العلمية والتقنية الممكنة لأجهزة العدالة ، لانجاز مهامها وواجباتها بالشكل المطلوب وبما لايعيق عملية أظهار الحقائق ، وبما لايغبن أحد من الضحايا في عمليات المفاضلة السياسية في أولويات الجرائم المرتكبة ، والتي يتم محاكمة الطاغية بموجبها .
ونود إن نبين وجهة النظر في قضية فرض عقوبة الإعدام على بعض الجناة ممن تتم إدانتهم في القضايا من قبل المحاكم ، حيث يشكل تنفيذ عقوبة ال‘دام بأي شكل من الشكال بالمدان نقطة أختلاف ووجهات نظر متعددة .
فقد شكلت عقوبة الإعدام والتي تعني أنهاء حياة المدان أو المجرم أو المذنب أو المحكوم عليه وفق قرار حكم قضائي بات صادر من هيئة أو جهة قانونية أو محكمة مختصة ، أسلوباً تعاملت به المجتمعات البشرية منذ القدم في معاقبة مرتكب الجريمة ، وقد تم فرض العقوبة منذ فترات قديمة في التاريخ ، وفي العراق بدأ تطبيق هذه العقوبة منذ أيام الحكم البابلي والسومري والأكدي والأشوري ، أذ يتم تطبيقها على من تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم معينة اعتمدتها النصوص المسمارية والقانونية والعرفية منها والنصية في تلك الحقب الزمنية تبعاً لفهمها وحضارتها وتطبيقاتها العقابية وفقاً لظروف وطبيعة المجتمع ، منها جريمة مساعدة العبد الهارب من سيده ، ومنها تمرد العبيد ، وكذلك الاغتصاب والزنا بالمرأة المتزوجة ، وإخفاء المال المسروق وغيرها من تلك الجرائم .
ثم تطورت هذه العقوبة في الفترة الرومانية واليونانية والفارسية ، بالإضافة الى ماشكلته القوانين ضمن قواعد وأحكام الأعراف القبلية في الجزيرة العربية والتي طورها وشذبها الإسلام ووضع لها القواعد والنصوص القانونية المستمدة من الشريعة ، حتى صار فرض العقوبة حصراً على المحاكم القضائية بعد أن يكتسب قرارها الدرجة القطعية بأن يستنفذ المحكوم جميع طرق الطعن القانونية ، بالإضافة الى صدور مرسوم جمهوري أو أرادة ملكية من اعلي سلطة تنفيذية بالأمر ليتم وتطبيقها من قبل الأجهزة المعنية بالتنفيذ .
ولعل من بين أهم الجرائم التي تعاقب بالإعدام ، والتي أستمر العمل بموجبها ، هي ارتكاب جريمة قتل الإنسان عمداً ، بالإضافة الى جرائم أخرى كانت تعاقب مرتكبها بالموت ، ثم جرى تعديلها وتخفيف الحكم على مرتكبيها أو إلغاء عقوبتها لعدم مسايرتها للعصر الحديث الدول المتمدنة ، أو انسجاما مع ثقافة وتطور الإنسان ووضع المجتمع المعرفي والأخلاقي بشكل عام ويأخذ الإعدام أشكالاً متعددة تتناسب مع الزمان والمكان ، سواء القتل بقطع العنق بالسيف أو الشنق أو رمياً بالرصاص أو الخنق في غرفة الغاز أو بواسطة الصعق الكهربائي أو بزرق السوائل المميتة بواسطة الحقن ، أو بوسائل أخرى مبتكرة القصد منها تخفيف معاناة المحكوم خلال عملية إنهاء حياته بإعدامه وأجتثاثة من المجتمع بعد ثبوت خطورته الاجتماعية ونزعته الإجرامية الخطيرة ضمن المجتمع .
وكان الإسلام قد أعتمد عقوبــــة الإعدام في قتل النفس تأسيساً على قوله تعالى : (( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ، فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . )) ( المائدة – 45 ). فجعل عقوبة الموت للقاتل بأن النفس بالنفس ، ثم تطورت نظرية العقوبة الجسدية المفروضة على القاتل وفق مبدأ القتل العمد ، والقتل غير العمد ، والقتل بشكل غير مباشر ، أو الضرب المفضي الى الموت ، أو القتل الخطأ ، أو القتل المقترن بقتل أخر ، أو بدوافع دنيئة أو تمهيدا لارتكاب جناية أخرى ، أو قام الجاني بالتمثيل بجثة المجني عليه أو كان المجني عليه من أصول الجاني ، أو اقترن فعل القتل بجريمة الشروع بالقتل أو باستعمال القاتل مواد سامة أو متفجرة أو حارقة أو كان القتل مقابل اجر أو استعمال طرق وحشية للقتل .
ومن الجدير بالذكر أن جميع قوانين العقوبات عدت جريمة القتل من الجنايات من حيث جسامتها، والجناية هي الجريمة التي يعاقب عليها القانون بعقوبة الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لأكثر من خمس سنوات ولغاية خمس عشرة سنة.
وعد القانون الجزائي العراقي عقوبة الإعدام من العقوبات الأصلية ( أذ إن العقوبات أصلية وتبعية ) ، وعرف عقوبة الإعدام بأنها شنق المحكوم عليه حتى الموت ، أي إن القانون العراقي الجزائي حدد طريقة تنفيذ حكم الإعدام بوسيلة الشنق حتى الموت حصراً .
وعين قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي المرقم 23 لسنة 1971 المعدل الطريق القانوني لتنفيذ حكم الإعدام ، بان يودع المحكوم بالإعدام في السجن حتى تتم إجراءات تنفيذ الحكم ، حيث ينبغي إن يقترن الحكم الصادر من محكمة الجنايات المختصة والمقترن بمصادقة محكمة التمييز والتي سترسل اضبارة القضية مقترنة بمصادقتها على قرار الحكم بالإعدام ، الى وزير العدل الذي يتولى إرسالها الى رئيس الجمهورية لاستحال المرسوم الجمهوري بتنفيذ الحكم (وفي أحيان يصدر المرسوم بتخفيف الحكم أو أبداله أو بالعفو عن المحكوم ) ، وفي حال صدور المرسوم بالتنفيذ ، يقوم وزير العدل بإحالة القضية مقترنة بموافقة الرئاسة على التنفيذ ، وتنفذ عملية الإعدام شنقا داخل السجن في المكان المخصص لذلك بحضور هيئة التنفيذ ، بعد إن يتم تلاوة المرسوم الجمهوري القاضي بالتنفيذ، ويمكن للمحكوم عليه إن يدون أخر أقواله بواسطة القاضي المختص ، وبعد إتمام عملية التنفيذ يتم توقيع المحضر من قبل الحاضرين .
مع ملاحظة انه لايتم تنفيذ حكم الإعدام في أيام العطل الرسمية والأعياد والمناسبات الدينية الخاصة بالمحكوم ، كما يمكن للادعاء العام إن يرفع مذكرة لتأجيل التنفيذ إذا وجد إن المحكوم عليها امراءة وإنها حامل ، ويتم تأجيل التنفيذ بعد مرور أربعة أشهر بعد الوضع .
والإعدام في العراق اقتصر على الجرائم الجنائية العادية التي تصدر قرارات الحكم فيها من المحاكم الجنائية في انحاء العراق دون غيرها من الأحكام بعد إن تأخذ طريقها القانوني المرسوم في قانون أصول المحاكمات الجزائية ، حيث منعت المحاكم العراقية من النظر في القضايا السياسية أو الأمنية وكل قضية تحمل الطابع المناوئ للسلطة في الزمن الصدامي البائد ، حيث تم سلب اختصاص القضاء العراقي من النظر في جميع الجرائم التي يحكمها قانون العقوبات بقرارات أصدرها الطاغية وحصرها في مؤسسات أمنية جعلها تستحوذ على هذا الأختصاص ، و عمد صدام البائد الى خلق كيانات لها أسم المحكمة دون إي علاقة لها بالعدالة أو بالقضاء أو بالقوانين ، ولم يعمل فيها قضاة حقيقيين ، وأصدرت هذه المحاكم ألاف القرارات بالإعدام بما يخالف النصوص العقابية نفسها ودون تدقيق من أية جهة مختصة ، وتم تنفيذ هذه القرارات بإعدام الآلاف من الشباب العراقيين .
وعقوبة الإعدام تلجأ لها المحكمة تأسيساً على مبدأ القصاص والردع وتخليص المجتمع وحمايته من نوازع القاتل الإجرامية ، وتلزم المحكمة التي أصدرت حكمها بالإعدام أن ترسل أوراق القضية الى محكمة التمييز استنادا للفقرة د من المادة 224 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، تلقائيا خلال مدة عشرة أيام ولو لم يقدم المحكوم طعنا فيه وفقا لمقتضى نص الفقرة أ من المادة 252 من نفس القانون ، وللمحكوم إن يميز هذا القرار وكما له الحق في الطعن بقرار محكمة التمييز خلال مدة ثلاثين يوما أيضا .
ويدور الخلاف اليوم بين مؤيد لإبقاء وتنفيذ عقوبة الإعدام ، وبين من يريد إلغائها ورفعها من متن قانون العقوبات وإيجاد بدائل لها .
ويمكن إن نقرأ الأسانيد التي يستند لها لها المطالبين بإبقاء عقوبة الإعدام في حاجة المجتمعات الى الردع بالإضافة الى النص التشريعي الإسلامي الذي حدد النفس بالنفس ، وبالتالي يتطلب الأمر حماية المجتمع من الجريمة ، بوضع عقاب رادع وزاجر في إنهاء حياة الفاعل .
كما تنتشر الجرائم الإرهابية اليوم في العراق ، و التي تستخف بالحياة البشرية مما يشكل خطورة اجتماعية في تفشي الجريمة ، بالإضافة الى الأساليب الخسيسة وانحطاط القتلة واستسهالهم ارتكاب عمليات القتل ، مما يوجب أن يتم ليس فقط تخليص المجتمع منهم ، وإنما إيقاف جرائمهم وإنهاء حياتهم للمساهمة في القضاء على الجريمة والتخفيف من معدل الجرائم في هذا السياق كعلاج اجتماعي وقائي لحماية المجتمع من خلال تشريع قانون مسند لقانون العقوبات لمحاربة الإرهاب وإنزال العقاب الجنائي الصارم بحق القتلة .
إن لكل جريمة عقوبة تتناسب مع حجمها وخطورتها الاجتماعية ، وأن جسامة الفعل ألجرمي تتطلب أن ان يتحدد النص في عقوبة متناسبة مع هذه الجريمة ، ولهذا فقد تمسكت العديد من الدول بعقوبة الإعدام واستمرت على تنفيذها ، بينما حاولت عدد من الدول أن تحصرها في نطاق ضيق ومحدد ، بالإضافة الى الأعراف والتقاليد والقيم العشائرية في الأخذ بالثأر ، التي لم تزل يلتزم بها المجتمع العراقي في أضيق الحدود .
في حين يتنادى دعاة حقوق الإنسان بأن عقوبة الإعدام انتهاك لحق الإنسان في الحياة ، وان العقوبة ينبغي إن تكون أصلاحية لاانتقامية ، ومن الممكن اصلاح الجاني وأعادته الى الحضيرة البشرية بوسائل قانونية وتربوية ليعود عنصراً فاعلاً في المجتمع ، ومنحه الفرصة لأعادة تأهيل نفسه .
أن الحياة حق من حقوق الإنسان لايمكن إن يتم سلبها لأي اعتبار أو سبب كان ، إلا بإرادة الله الذي منحها ، وبالتالي فأن المحكمة لاتعدو إلا تجسيد للإرادة البشرية التي يجب إن لأترقى لمستوى سلب الحياة من المخلوق ، كما أن عملية الإعدام مهما كان شكلها وطريقتها تشكل هي الأخرى جريمة ، ولايمكن أن تحل مشكلة جريمة بارتكاب جريمة أخرى .
ويحتدم النقاش حول نتيجة الحكم القضائي الذي أصدرته المحكمة الجنائية المختصة في العراق بحق المتهم الدكتاتور العراقي صدام حسين ، وأيضا حول طريقة تنفيذ حكم الإعدام الذي صدر بحقه وأكتسب درجة البتات من عدمه .
ثمة من يجد إن الحكـم بالإعدام المستعجل لم يكن عادلاً أمام كثافة الاتهامات والأدلة التي تدين الطاغية ، حيث ستتوقف بقية القضايا المثارة عليه ، كما أن الإعدام سيكون الخلاص الطبيعي للطاغية الذي سيتخلص من بقية أيامه وعذاباته وجرائمه التي ارتكبها بحق العراقيين ، حيث سيكتب التاريخ جرائمه وأفعاله بما يذكر الإنسانية بفداحة الجرائم التي يرتكبها الطغاة بحق شعوبهم ، وثمة من يجد أن الإعدام يكون مخالفاً لحقوق الإنسان ، وأن السجن المؤبد المقترن بالأشغال الشاقة ربما يكون أكثر عدالة وأنسجاما مع حقوق الأنسان في الزمن الحاضر ، والأمر في كل الأحوال سابقاً لأوانه حيث سيبقي العديد من الأتهامات والجرائم دون كشف أو فصل من قبل المحكمة المختصة ، والتي سيكون قرارها ليس فقط متفقاً مع قانون العقوبات العراقي ووفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية ، وأنما سيكون قرارها عراقياً نابعاً من ضمير العدالة العراقية وبأقلام عراقية سيذكرها التاريخ بالتقدير ،ولهذا فأن قرار الحكم النهائي لهذه القضايا التي تتم محاكمة الدكتاتور العراقي البائد بموجبها قراراً وطنياً صادراً باسم الشعب وموقع من قبل كل جماهير العراق التي أضاع الطاغية أعمارها ومستقبلها ، وباسم الشهداء الذين وضعوا أرواحهم ودمائهم فداءاً للعراق ، ولهذا كان قرار المحكمة الفيصل الحكم لما يتضمنه من شكل العقوبة التي تضمنتها الإدانة .
ويأتي أعدام الطاغية بعد أكتساب قرار الحكم الصادر بحقه في قضية الدجيل أنسجاما ما تمليه الظروف في العراق ، بالنظر لأن الوضع العراقي وضع استثنائي جراء الهجمة الإرهابية والتي تقوم بها تنظيمات إرهابية ومتطرفة وتتعاون معها تنظيمات سياسية وزعامات دول وفضائيات وصحافة ، نجد أن الإبقاء على عقوبة الإعدام في ظل هذه الظروف أمراً لازماً وأساسياً في سبيل حماية المجتمع من الجريمة والمجرم ، وحسناً فعل المشرع العراقي حين أعاد العمل بعقوبة الإعدام في ظل الظروف العراقية الحالية ، كما أن انتشار ظاهرة الجريمة في العراق يكون من ضمن أسبابه التهاون في تنفيذ قرارات الحكم بإعدام المدانين من القتلة في هذه القضايا ، ولعل عقوبة الجاني بانتزاع ممارسته اللاأنسانية في الجرائم من وسط المجتمع وسيلــة من وسائل الردع المادي وطريقة من طرق حماية المجتمع من الجريمة والمجرم ، وقطع الطريق على المجرمين في التمادي والانفلات والخلاص من العقوبة ، بعد أن اخذ الجناة يشيعون بعدم أمكانية تنفيذ الإعدام في العراق بسبب سياسة المحتل وهيمنته على تنفيذ قرارات الإعدام من عدمها ، وزعماً منهم بأن إعداما لن يتم في محاولة لاستمالة العديد ممن ينزلقون في مهاوى الإرهاب والجريمة المنظمة في العراق الى مجموعاتهم الإجرامية والإرهابية .
أن التفكير برفع عقوبة الإعدام في العراق ضمن هذه الفترة الحرجة من تاريخ التحول العراقي يتخلله خلل كبير في عدم معرفة الحقيقة التي تجري على الأرض العراقية ، وابتعادا عن الواقع العراقي في ظل هذه الظروف التي يمر بها العراق ، ومن الممكن أن يتم التفكير برفع هذه العقوبة أذا ماعاد العراق لأهله وأستقر الحال أمنياً وساد القانون والعدالة ، وعادت الحياة العراقية الى شكلها الطبيعي بعد خلاص العراق من الطغيان .

وعلى هذا الأساس يقول البروفسور محمود شريف بسيوني – أستاذ القانون ورئيس المعهد الدولي لحقوق الإنسان ورئيس المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية : ( لن تكون المحكمة الجنائية الدولية بمثابة الدواء الشافي لكل ما تعاني منه البشرية ، فأنها لن تحد من الصراعات ولن تعيد الحياة للأموات ولن ترجع للضحايا ما فقدوه ، كما أنها لن تقتص من كل مرتكبي الجرائم ، لكنها سوف تتفادى سقوط بعض الضحايا ، كما أنها تسمح بمثول بعض مرتكبي الجرائم في محراب العدالة ، وبهذا سوف تدعم المحكمة الجنائية الدولية النظام العالمي بالإضافة الى المشاركة في حفظ السلم والأمن الدوليين ، فالمحكمة الجنائية الدولية مثل أي كيان دولي أو وطني سوف تضيف إسهاماتها للجانب الآدمي من حضارتنا . )

ولذا فقد آل الأمر الى تشكيل المحكمة الجنائية العراقية التي أوردت ضمن الفصل الخاص بضمانات المتهم في المادة 19 بفقراتها الأربعة .
وللفائدة نعرض أن قانون المحكمة الجنائية العليا الذي أقرته الجمعية الوطنية طبقاً للفقرتين ( أ و ب ) من المادة الثالثة والثلاثون والمادة السابعة والثلاثون من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية والمنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد 4006 في 18 / 10 / 2005 أصبح هذا القانون اعتبارا من تاريخ نشره نافذاً وملزماً ، كما اعتبرت قواعد الإجراءات وجمع الأدلة الخاصة بالمحكمة الجنائية العراقية العليا ملحقة لقانون المحكمة اعتبارا من تاريخ نشرها بنفس التاريخ ، وهي قواعد إجرائية وتفصيلية تضمنت ( 69 ) قاعدة تفصل عمل المحكمة ، والغي هذا القانون حكماً قانون المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية رقم ( 1 ) لسنة 2003 وقواعد الإجراءات الصادرة وفقاً لأحكام المادة ( 16 ) منه اعتبارا من تاريخ نفاذ القانون الجديد في 18/10 .
أن هذا القانون جاء مؤسساً للمحكمة وهيكلها التنظيمي وطريقة اختيار القضاة والادعاء العام ، واختصاصات المحكمة وقواعد الإجراءات وجمع الأدلة وضمانات المتهم وإجراءات المحاكمة وطرق الطعن ، وجاء القانون محدداً لصلاحية المحكمة الجنائية العراقية العليا ومفسراً للعديد من اختصاصاتها وولايتها التي حددها حصراً في الجرائم التالية :
1- جريمة الإبادة الجماعية
2- الجرائم ضد الإنسانية
3- جرائم الحرب
4- انتهاكات القوانين المتمثلة بالتدخل في شؤون القضاء أو محاولة التأثير في أعماله وهدر الثروة الوطنية وتبديدها وسوء استخدام المنصب والسعي وراء السياسات التي تؤدي الى التهديد بالحرب أو استخدام القوات المسلحة العراقية ضد دولة عربية .
وأكد قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا التمسك بمبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت أدانته ، مثلما أكد على مساواة المواطنين أمام هذه المحكمة تماشياً مع ما أكده الدستور العراقي الذي نص على أن العراقيون متساوون أمام القانون ، وأن حق التقاضي مصون ومكفول للجميع كجزء مهم من ضمانات المتهم .
وتأسيساً على أن لكل فرد الحق في أن يتم التعامل معه معاملة عادلة في الإجراءات القضائية ، فقد فصلت المحكمة أن للمتهم الحق أن يصل علمه بمضمون التهمة الموجهة إليه بتفاصيلها وأسبابها وطبيعتها ، وأن يتاح له الوقت ويمنح التسهيلات الكافية لتمكينه من إعداد دفاعه وأن تتاح له الحرية في الاتصال بمحام يختاره بملء إرادته ويجتمع به على إنفراد ، ويحق للمتهم أن يستعين بمحام غير عراقي أيضاً وفقاً للقانون .
وضمنت نصوص قواعد الإجراءات للمتهم الحق في المساعدة بمحض اختياره بما في ذلك تلك المساعدة القانونية التي يقدمها مكتب الدفاع أذا لم تكن لديه القدرة على دفع مقابل المساعدة ، وكما له الحق في خدمة ترجمة مجانية أذا لم يكن يفهم أو يتكلم اللغة التي يتم فيها الاستجواب ، وللمتهم أن يتنازل بمحض أرادته عن حقه في المساعدة القانونية أثناء الاستجواب على أن يبين قاضي التحقيق أن التنازل قد تم بحرية وأدراك ، وإذا مارس المتهم حقه في المساعدة القانونية فلا يجوز لقاضي التحقيق استجوابه دون حضور محام مالم يتنازل المتهم طوعيا عن هذا الحق .
وأن تلتزم المحكمة بأجراء محاكمة المتهم دون تأخير غير مبرر بأسباب مقبولة ، وأن تجري المحاكمة حضورية وأن يكون للمتهم الحق في طلب المساعدة القضائية أذا لم يكن لديه محام ولم تكن له المقدرة المالية حيث يمكن له إن يقوم بتوكيل محام دون إن يتحمل أجور المحاماة .
أن للمتهم كامل الحق في طلب شهود الدفاع وشهود الإثبات ومناقشتهم ، كما أن بإمكانه تقديم أي دليل يعزز دفاعه لدفع التهمة وفقاً للقانون .
ولايجوز أن يتم أرغام المتهم على الأعتراف ، حيث أن له الحق في الصمت وعدم الإدلاء بأية أقوال دون أن تفسر المحكمة هذا الصمت دليلاً على الإدانة والبراءة ، حيث أن المحكمة ملزمة بتدقيق وتمحيص ما توفر لها من الأدلة في القضية المعروضة أمامها ، وما ورد من ضمانات يشكل مبادئ جديدة التزمت بها المحكمة الجنائية فيما يخص الضمانات الخاصة بالمتهم والتي لم يكن العديد منها موجوداً في القوانين العراقية .
أن قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا جاء منسجماً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 كانون الأول 1948 والذي أكد على عدم جواز إخضاع الإنسان للتعذيب ولا المعاملة القاسية أو الحاطة بالكرامة ، وأن لكل إنسان الحق في أن تنظر قضيته من قبل محكمة مستقلة ومحايدة وعلنية وتوفر له جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه ، وأن لا يدان أي شخص بسبب عمل أو امتناع عن عمل مالم يكن في حينه يشكل جرماً بمقتضى القانون الوطني أو الدولي .
وبهذا الانسجام يكون القانون العراقي امتدادا للقانون الدولي وملتزماً بأسسه ومعاييره ومنسجماً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر بتاريخ 16 كانون الأول 1966 الصادر عن الجمعية العامة في الأمم المتحدة والنافذ اعتباراً من 23 آذار 1976 .
كما إن للمحكمة الجنائية العراقية العليا أن تستعين بأحكام المحاكم الجنائية الدولية عند تفسيرها لأحكام النصوص القانونية الخاصة بجريمة الإبادة الجماعية ، وجريمة التحريض والشروع فيها ، والتي فصلها القانون الإنساني الدولي ضمن قانون المحكمة الجنائية الدولية وقراراتها ، أو ضمن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الصادر في روما سنة 1998 ، أو النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بيوغسلافيا ، أو براوندا ، أو نظام نورمبرج في العام 1945 ، مع التغييرات التي طرأت في الفعل والمنهج .
المحكمة ملتزمة بتطبيق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 ، بالنسبة لأجراء المحاكمة دون أن يخل ذلك بنصوص قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، وقواعد الإجراءات القانونية الملحقة به ، حيث جاءت القوانين منسجمة ومكملة لبعضها في هذا المجال .
أن علنية جلسات المحاكمة من القواعد العامة في المحاكم والتي نصت عليها المادة 152 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي ، مالم تقرر المحكمة سرية الجلسة كلها أو بعضها ، لأسباب منها مراعاة للأمن أو المحافظة على الآداب العامة أو المحافظة على أمن المحكمة ، أو أن نشر المعلومات يضر بالأمن الوطني للعراق أو أن العلنية تضر بالعدالة ، أو المحافظة على خصوصية الأشخاص كما في حالات الاعتداء الجنسي .
كما إن للمحكمة الجنائية أن تستبعد أي شخص من المحاكمة لغرض حماية حقوق المتهم في المحاكمة العادلة والعلنية ولايجوز أبعاد المتهم عن الجلسات ، إلا أذا وقع منه ما يخل بنظام المحكمة ، وعلى المحكمة أن تحيطه علما بما تم بغيابه من الإجراءات .
بالإضافة لما وفره القانون للمتهم من حق الطعن بالقرارات الصادرة من قضاة التحقيق أمام الهيئة التمييزية ، أو في ضد قرارات الحكم الصادرة من المحكمة الجنائية أذا أعتقد المدان أن خطأ حصل في الإجراءات أو أن قرار الحكم جاء مخالفاً للقانون أو مجحفاً بحقه أو شابه خطأ في التفسير أو خطأ في الوقائع يؤدي الى الإخلال بالعدالة ، كما إن على المحكمة إن ترسل الدعوى الخاصة بالمدان الى الهيئة التمييزية إذا كان الحكم الو جاهي بالإعدام أو السجن المؤبد خلال عشرة أيام من تاريخ صدور قرار الحكم للنظر فيه تمييزا ولو لم يقدم طعنا فيه من قبل المدان أو وكيله ، وفي كل الأحوال فان للمدان أو وكيله الحق في الطعن تمييزا بقرار المحكمة الجنائية امام الهيئة التمييزية خلال 30 يوما تبدا من اليوم التالي لصدور قرار الحكم تبدا من اليوم التالي للنطق به اذا كان وجاهيا او من تاريخ اعتباره بمنزلة الحكم الوجاهي إن كان غيابيا .
قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا أورد نصوص وردت في الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق منها الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية المعاقب عليها والمؤرخة في 9 كانون الأول – ديسمبر – 1948 المصادق عليها بتاريخ 20 كانون الثاني 1959 واتفاقية جنيف في 12 آب 1949 ، إلا أن القانون وضع المتهم امام القانون الوطني العراقي المتمثل بقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 ونصوص قانون العقوبات البغدادي لسنة 1919 وقانون العقوبات العسكري رقم 13 لسنة 1940 وأصول المحاكمات العسكرية رقم 44 لسنة 1941 ، تشكل ضمانة أكيدة للتطبيق السليم على ألأفعال التي أحيل المتهم بموجبها على المحكمة الجنائية العراقية لمحاكمته ، وتشكل نصوص القانون تأكيداً على الالتزام بحقوق الإنسان التي أوردها البيان العالمي أو التي ذكرتها العهود والمواثيق الدولية والتي أكد عليها القانون الإنساني الدولي وما أوردته المحاكم الجنائية الدولية من ضمانات للمتهمين الذين تتم أحالتهم على القضاء لمحاكمتهم عن الجرائم التي اتهموا بارتكابها .
والمحكمة الجنائية العراقية العليا تتمتع بالاستقلالية التامة وهذه الاستقلالية تمنحها حرية القرار ونزاهة الحكم ، بالإضافة الى توسيع قاعدة هيئات الحكم التي دأبت محاكم الجنايات أن يكون تشكيلها من ثلاثة قضاة ، بينما تكون في المحكمة الجنائية من خمسة قضاة ، وتكون في الهيئة التمييزية من تسعة قضاة .
ومنح القانون لقضاة التحقيق الاستقلالية التامة باعتباره جهازاً منفصلاً حتى عن المحكمة ذاتها ولا يخضع جهاز التحقيق أو يستجيب لأية طلبات أو أوامر صادرة من أية جهة من الجهات الحكومية ، كما أشارت النصوص أيضا على استقلالية هيئة الادعاء العام ، كما نصت الفقرة ثانيا من المادة 31 على وجوب تعامل المحكمة مع المتهم المعاملة الضرورية لضمان أدائها لوظائفها بما فيها الأشخاص الآخرين .
أن ضمانات المتهم التي كفلها قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، وما سارت عليه آلية عمل المحاكم الجنائية في العراق ، استرشاداً بنصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية ضمن النظام القضائي العراقي ، يمنح المتهم ضمانات أكثر واكبر من تلك التي تضمنتها الأنظمة الأخرى ، كما أن هذه الضمانات جميعها تقع ضمن دائرة حقوق الإنسان والإقرار بكرامته وإنسانيته مهما كانت الجريمة المتهم بها ، كما وضعت تلك الآلية الاعتبارات الإنسانية الدولية في أظهار المستوى الفعال للعدالة العراقية في اعتماد سلطات التحقيق على الوسائل والطرق القانونية التي نص عليها القانون ، ضمن نصوص وجوبيه أشارت الى عدم جواز تحليف المتهم اليمين ، وعدم إجباره على الشهادة ، وعدم استعمال أية وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم ، للحصول على إقراره سواء منها إساءة المعاملة او التهديد بالإيذاء ، والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي ، واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير في التحقيق ، حيث اعتبرت المادة 218 من قانون اصول المحاكمات الجزائية ان الاقرار الصادر تحت الاكراه المادي او الادبي او الوعد او الوعيد باطلا .
وبهذا الأمر نستطيع أن نخلص الى أن النصوص التي أوردها قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا يحتوي من الضمانات الأكيدة للمتهم ما يمكن أن يكون أكثر مما تضمنته محاكم جنايات أخرى في بلدان عديدة عالجت قضية محاكمة متهمين بقضايا جرائم الحرب والأنتهاكات المريرة لحقوق الأنسان وجريمة الأبادة الجماعية ، بالأضافة الى ضمانة أخرى من أن جميع قضاة التحقيق والهيئة التمييزية وأعضاء المحكمة الجنائية العراقية العليا هم من القضاة العراقيين ممن تحلوا بالسمو الأخلاقي والنزاهة والأستقامة بالأضافة الى توفر الخبرة القضائية في القانون الجنائي وشروط التعيين التي نص عليها قانون التنظيم القضائي العراقي رقم 160 لسنة 1979 وقانون الأدعاء العام رقم 159 لسنة 1979 .
وأذ تشير الدلائل الى عدم التمكن من حصر أعداد الضحايا العراقيين المرتكبة بحقهم جرائم من قبل نظام صدام البائد ، فأن الأمر يدعو لحصر أعداد الضحايا من الكرد الفيلية ، بالرغم من إن العديد من ابناء هذه الشريحة لم يتم التعرف على قبورهم أو اماكن دفنهم أو مصيرهم منذ اكثر من ربع قرن من الزمان ، مما يمكن إن يستنتج أنهم ضحايا النظام البائد ، وحيث إن المحاكمات والتي يسبقها التحقيق القضائي ، جرت بصدد الجرائم المرتكبة بحق العراقيين سواء منها في الأنفال والتي شملت ابناء الكرد الفيلية أيضاً ، أو في حلبجة والأنفال وغيرها من الجرائم ، فأن تحقيقاً قضائياً بصدد جرائم التعذيب والأعتقال والتشريد والتسفير والسجن والأغتصاب ينبغي الأهتمام به ومنحه المكانة الإنسانية مع الأعتبار لضخامة عدد الضحايا والمتضررين من المجني عليهم وذويهم والمتضررين ، لمعرفة الأبعاد القانونية للجرائم المرتكبة وتحديد العقوبات المفروضة على الجناة بعد أدانتهم .
وبعد إن ركنت ليس ملفات الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية ، وأنما حقوقهم التي سبق وأن تعهدت بها الأحزاب والشخصيات العراقية قبل أن يحل زمان التسابق على المراكز والمناصب ، والفيلية ينتظرون ماذا سيحل عليهم ولهم ، وماذا سيحمل لهم الغد !! ولم تزل جراحهم ندية ، ولم تزل أمهات الشهداء في حزنهن الأبدي لم نفعل لهن ما يمسح تلك الدمعات السخية ، ولم نجد من بين تلك الملفات ملف الكرد الفيلية ، لنتأكد أن الأوان آن ليعلم العالم بالجريمة التي تسترت عليها جهات عديدة في العالم ، من اجل إن لاتفضح عنصرية وشوفينية وطائفية صدام ونظامه الظالم ، ولنتأكد إن الوقت قد حان ليتعرف على الحقائق الدفينة والقضايا الخفية في قضية الكرد الفيليين الذين حملوا أسم العراق بأمانة في ضمائرهم ، وأرضعوه حليباً لأطفالهم ، وشكل لهم الهاجس الذي بات معهم في محنتهم وجوعهم وظلمهم أينما حلوا .
ولم تزل التحقيقات الجارية بحق من ارتكب الجرائم ضد الكرد الفيلية مبتورة وناقصة ، حيث لم تطال العديد من الأسماء المعروفة بسبب النقص في الخبرة والكفاءة المطلوبة من سلطات التحقيق ، كما إن السلطات العراقية لم تعرف لحد اليوم أماكن دفن مئات من الشباب الذين تم اعدامهم أو قتلهم من الكرد الفيلية ، بالأضافة الى عدم نشر ملفات وأضابير تخص الأساليب التي اعتمدتها السلطة البائدة ، وتم تكليف بعض الأسماء بأرتكابها .
لم تزل العديد من مواجع الكرد الفيلية ، ولم تزل دموع المهات جارية لم تتوقف بأنتظار أي حلم أو بارقة أمل يعيد لها اولادها وأحبتها ، ولم تزل المنظمات الفيلية والتجمعات الخاصة بهم تركض يمينا ويسارا لعل أحد من أصحاب الضمائر ما يلبي حاجتها ويجعل الضمائر تصحو لأستعادة حقوقها المشروعة .
يقول البروفسور محمود شريف بسيوني انه في جميع الأنظمة الاستبدادية التي أسفرت عن وقوع عدد هائل من الضحايا ، فهذه الأنظمة دمرت وخربت باديء ذي بدء المجتمع المدني ، ثم أسست السلطة على أيديولوجيات تنطوي على التمييز والتعصب ، في حين تضع في الوقت نفسه في المناصب أو مواقع النفوذ أشخاصاً ارتكبوا الأخطاء التي أوقعت ضحايا ، وفي معظم الحالات كان هؤلاء الأشخاص أما من بين أسوأ العناصر في المجتمع أو اعتمدوا على بعض أسوأ العناصر في المجتمع للقيام بأعمال مريعة ، ومن ثم فأن غياب المجتمع المدني والافتقار الى الرقابة الاجتماعية هو الذي خلق الفراغ الذي نفذت فيه السياسات والممارسات التي أوقعت ضحايا .
وفي كثير من هذه الحالات أتاح إهمال المجتمع المدني أيضاً تعاظم الفساد الذي حدث في مناخ من إفلات الجناة من العقاب ، ووسط توقع الإفلات من العقاب في المستقبل ، وهو نفس المناخ الذي أحدثت فيه هذه الأنظمة خسائر بشرية ، ومن هنا تصبح المحاسبة على الأفعال بعد زوال هذه الأنظمة لازمة وضرورية كي لتتكرر مثل هذه الإحداث في المستقبل . ومن ثم فأن عودة المجتمع المدني والديمقراطي يجب إن يكون مصحوباً دائماً بالمحاسبة أيا كان الشكل الذي تتخذه على ضوء الأهداف المستقبلية لكل مجتمع .
أن الجرائم السابقة لن تترك أبداً معلقة في ذمة التأريخ ، بل تظل محصورة داخل حاضر مستمر ، فإما أن تنادي بالقصاص أو تأمل في الإصلاح .
أن تصفية الماضي عنصر لاغني عنه في المصالحة المستقبلية ، وإذا حدث عكس ذلك فهو يعني كما قال الفيلسوف جورج سنتايانا بعبارات أخرى أن يحكم علينا بتكرار أخطاء الماضي .
حالات من التصفية والأعدامات خارج اطار القضاء والمحاكم طالت الكرد الفيلية ، ففي العام 1991 صدرت عن الأمم المتحدة وثيقة برقم E/ST/CSDHA/012 تتحدث عن الإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة ، عمليات الإعدام خارج نطاق القانون ودون محاكمة ودون توثيق ، وهو منطبق تماماً لما جرى على الكرد الفيلية في العراق ، ولانطباق هذه الوثيقة التاريخية على الأفعال المرتكبة بحق الفيلية نجد من الضرورة أن نشير الى بعض ما ورد فيها .
تفصل الوثيقة عمليات الإعدام هذه : 1- الاغتيالات السياسية 2- الموت نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة في السجن والاعتقال 3- الموت نتيجة الاختفاء ألقسري للأفراد 4- الموت نتيجة للاستعمال المفرط للقوة من جانب العاملين في الضبط القضائي من شرطة ومن سائر الجهات الأمنية 5- الإعدام دون الإجراءات القانونية الواجبة الأتباع 6- الإبادة الجماعية .
وحيث إن العديد من معايير حقوق الإنسان تحظر الحرمان التعسفي من الحياة ، فقد صدرت الاتفاقية التي تجرم عمليات الإعدام خارج القانون ، أذ لايجوز حرمان فرد من حياته عن عمد ماعدا في حالة تنفيذ حكم صادر من محكمة بسبب إدانته بارتكاب جريمة تقررت لها هذه العقوبة في القانون .
وأقرت الأمم المتحدة بوجود ثغرة في الحماية الدولية من عمليات الإعدام التعسفي أو دون محاكمة ، ولم تقتصر هذه الوثيقة على حث جميع الدول الأطراف على حظر التعذيب في التشريعات الوطنية ، وإنما أشارت بصراحة الى انه لايجوز التذرع بأمر من مسئول أعلى أو بظروف خاصة لتبرير التعذيب ، وجوزت الوثيقة الدولية محاكمة من قام بالتعذيب أينما وجد في إقليم أية دولة طرف في الاتفاقية ، حيث يجوز محاكمتهم في أي دولة من تلك الدول الأطراف ، كما يجوز تسليمهم الى لدولة التي ارتكبوا جرائمهم فيها .
كما تتعهد الوثيقة من قبل جميع إطرافها أن تنص نظمها القانونية على حصول ضحايا التعذيب على تعويض عادل ومناسب ، بما في ذلك رد الاعتبار الكامل بقدر الإمكان .
وأن من ضمن الوسائل التي يمكن بها للحكومات أن تبرهن على أنها تريد القضاء على هذه الظاهرة الشنيعة التي تتمثل في عمليات الإعدام دون محاكمة ، إن تتقصى وتحقق وتستجوب وتحاكم وتعاقب المذنبين ، مع ضرورة إيجاد معايير دولية تهدف للتأكد من جميع حالات الوفاة المشبوهة وبخاصة التحريات والتحقيقات التي تقوم بها وكالات الضبط القضائي في جميع الأوضاع . ويجب إن تتضمن هذه المعايير التشريح الوافي وأعتبارالوفاة في أي حالة من حالات الاحتجاز باديء ذي بدء إعداماً دون محاكمة أو إعداماً تعسفياً ، مما يوجب أجراء التحريات والتحقيقات الملائمة على الفور لتأكيد أو نفي هذه القرينة .
ومع أن العديد من المتهمين بارتكاب الجرائم بحق الشعب العراقي بشكل عام والفيلية بشكل خاص غادر العراق ، وحيث أن الغاية السامية التي يدعو لها المجتمع الدولي تتطلب التعاون ومكافحة الجريمة كظاهرة تتعارض مع السلوك الإنساني ، يستوجب الأمر وفق هذا المنظور أن يتم تنسيق الجهود للقبض على المتهمين المذكورين وتسليمهم الى الجهات التحقيقية التي أصدرت أوامر بالقبض عليهم ، وهي بهذا العمل لاتخرق سيادتها وأنما تقوم بالوسائل القانونية تطبيق قواعد وأحكام مبادئ تسليم المجرمين ، ويحكم هذا الأمر مبادئ عامة منها الموقف الدولي التضامني في تضييق الخناق على المجرمين ، ومبدأ المعاملة بالمثل .
و أركان جريمة الإبادة الجماعية تتطلب أن يرتكب الجاني جريمة قتل مواطن أو أكثر ، وأن يكون المجني عليهم منتمين الى جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية معينة ، وأن تتجه النية الى إهلاك تلك الجماعات كلياً أو جزئياً ـ وأن يكون هذا السلوك ألأجرامي في سياق نمط سلوك مماثل واضح موجه ضد تلك الجماعات أو من شأنه أن يحدث بحد ذاته هلاكاً .
سواء بإخضاع الجماعة لأحوال معيشية يقصد بها أهلاكهم فعلياً كلياً أو جزئياً ، وما تم ارتكابهم أفعال إجرامية بحق الكرد الفيلية منطبق تماماً مع هذا السلوك حيث توفرت أركان جريمة الإبادة الجماعية .
وشكلت بقية الأفعال المرتكبة جريمة من الجرائم ضد الإنسانية والتي تعني الهجوم الواسع النطاق أو المنهجي الموجه ضد الكرد الفيلية وهم من المدنيين العراقيين ، عملاً بسياسة السلطة الصدامية التي تقضي بارتكاب ذلك الهجوم وتعزيزاً لسياسة الدكتاتور صدام في هذا المجال ،سواء في عمليات القتل الجماعي أو الفردي أو أجبار السكان على العيش في ظروف تؤدي الى الموت ، ويتجسد فعل إبعاد السكان أو النقل ألقسري تسفيرهم ورميهم على نقاط الحدود البرية قسراً وانتزاعاً من بيوتهم ومناطقهم التي يقيمون بها ودون سابق قرار أو معرفة أو إنذار ، وبالقوة ودون مبررات يسمح بها القانون الدولي .
بالإضافة الى وجود أعداد من الضحايا في المعتقلات والسجون وأماكن الاحتجاز غير القانوني والشرعي وحرمانهم من الحرية البدنية والالتحاق بعوائلهم ، وأن تصل جسامة الإخفاء والحجز الى الحد الذي يشكل انتهاكا للقواعد الأساسية للقانون الدولي ، وحالات الاختفاء ألقسري للأشخاص منذ اعتقالهم في العام 1980 ولغاية سقوط النظام الصدامي في نيسان 2003 ، وبالرغم من مضي ما يقارب الربع قرن على ذلك الاختفاء بعد احتجازهم من قبل السلطة البائدة لم يتم التعرف على معلومات عن مصيرهم أو أماكن حجزهم وتواجدهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لهم ، وعدم التعرف على مصيرهم ونهايتهم وأماكن دفنهم إن كان قد تم إعدامهم خارج نطاق القانون أو ماتوا تحت التعذيب .
ومع ممارسة التعذيب يتم إلحاق الأذى الجسيم والمعاناة الشديدة البدنية أو العقلية بشخص منهم أو مجموعة من الأشخاص ، دون وجود قضية تحقيقيه أو إبهام في قضية جنائية ودون مبرر منطقي ومقبول لهذا التعذيب ، بالإضافة الى عمليات الاغتصاب التي رافقت الحجز والتحقيقات غير المشروعة واستعمال القوة والتهديد ، واضطهاد وحرمان الكرد الفيلية عموماً ، حرماناً متعمداً وشديداً من الحقوق السياسية والدستورية بما يخالف القانون الدولي ، وذلك بسبب هويتهم الدينية والقومية ، مما يشكل تداخلاً في الجريمتين المرتكبتين ، جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية .
ومن المتعارف عليه في القانون الدولي ، وما التزمت به المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية العراقية من أن الأحكام الواردة تطبق على جميع الأشخاص دون تمييز بسبب الصفة الرسمية ، وهوما أكدته المحكمة في قانونها ضمن أحكام الفقرة ثالثاً من المادة 15 من قانون المحكمة الجنائية العراقية ، والواردة ضمن المادة 27 من النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية ، والصفة الرسمية لاتعفي بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية ، كما لأتشكل تلك الصفة في حد ذاتها سبباً لتخفيف العقوبة .
كما لاتحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص ، سواء كانت في إطار القانون العراقي أو الدولي ، دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص .
ويؤكد القانون الدولي على عدم سقوط تلك الجرائم بالتقادم بالنظر لخطورتها وكونها تشكل تهديدا كبيراً للإنسانية ، وهو ما أكدت عليه النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 29 ، وما أكدته المحكمة الجنائية العراقية في الفقرة رابعاً من المادة 17 من قانون المحكمة ، ومع إن الجرائم الجنائية في العراق غير مشمولة بالتقادم المسقط للعقوبة ، الا إن تأكيد المحكمة أشارة الى أستمرار ذلك الألتزام القانوني في القوانين العراقية .

حري بالعراق أن يضع هذه الشريحة الاجتماعية في مكانها المميز لما تتميز به من تضحيات وعطاء ، وحين نفتش بين ضحايا العراق سنجد أن مايميز الكرد الفيلية هو ما وقع عليهم من ظلم بسبب قوميتهم الكردية ، وظلمهم مذهبياً وسياسياً واجتماعيا وطول مدة الزمن الذي بقوا فيه مظلومين، وقد آن الأوان أن نتخذ من القرارات مايعيد الحق الى نصابه ، وأن نجعل هذه الشريحة العراقية الكريمة أن تشعر بأن تضحياتها لم تذهب سدى أو هباء الريح ، وأن العديد من الأقلام والضمائر المنصفة تقف معهم وتنتصر لقضيتهم ، لم ينسهم أحد ولم تضيع تضحياتهم في زحمة التنافس والتطاحن ، وأن العراق الجديد سوف لن يغمض عينيه عنهم ولاعن جسامة التضحيات التي قدموها بصمت ودون صراخ .
فهل نستطيع أن نعطي بعض ما أعطاه الفيلية للعراق ؟

















الفصل الثالث
أين صارت حقوق الكرد الفيليين ؟


وبعد إن سقط صدام ، وعادت أعداد وشرائح كبيرة من العراقيين الى بيوتهم ، لم يتمكن الكرد الفيلية من استعادة حقوقهم ، ولم تجد قضيتهم الأهتمام الذي يليق بها ، ليرفع عن كاهلهم تلك التراكمات من العذاب والظلم ، فقبعت محنة الكورد الفيلية في أعماق النسيان ، ومرة أخرى يتم خذلانهم بعد تلك التضحيات الجسام .
مرة أخرى يتم التنكيل بشهداء الكورد الفيلية ويستهان بكل ما قدمته هذه الشريحة للعراق من تضحيات ، ويقينا أن محنة الكورد الفيلية شكلت الأرضية التي تم تأسيس نهاية الطاغية عليها حيث سطروها بتضحياتهم الجسام وبدماء شبابهم الزكية وإصرارهم الواضح في العمل والمساهمة على إسقاط سلطة الطاغية .
مرة أخرى بعد إن تعرض الكورد الفيلية تحت سمع ومرأى بصر العالم وأسماعه ، لأبشع عملية استلاب أنساني سجلها التاريخ الحديث ، لم تزل صورتها تخجل الإنسانية لصمتها وسكوتها المريب ، وصورتها أقمارهم الاصطناعية وشبكات الأعلام الدولي الذي تم إخراسه بثمن بخس ، وأمام مهادنة مع النظام حول الجريمة الإنسانية التي تهز الوجدان ، فلم يسبق لشعب إن تم تجريده من هويته وجنسيته وأمواله المنقولة وغير المنقولة ، وتم تعريض شبابه للتجارب الكيماوية ، وتم أبعاد الشيوخ والعجائز الى الصحارى ، وتم حجز ألاف الشباب ومن ثم إعدامهم والقضاء عليهم بصمت ، وفر الباقين بجلودهم الى منافي الأرض ، أمام قوانين العالم ومنظماته الدولية ولوائح حقوق الإنسان التي كانت حينها تداري لغة الطاغية وسيولة أمواله التي تتدفق على مكاتب المهتمين بقضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي وتملأ حقائب السياسيين ، نفس القانون الدولي الذي يمنع أبقاء مواطن واحد دون جنسية ، في حين أصيب هؤلاء بدهشة المقابر وأصابهم صمت الموتى مع الكورد الفيلية حين أصبحوا دون جنسية .
الكورد الفيلية الذين لم تجد قضيتهم فسحة إنسانية في الأعلام العروبي المتشدق بالحرية والرأي الأخر واحترام حقوق الإنسان وكرامته ، ولا وجدوا من صحافة الأعراب ودول الجوار ما ينشر حقيقتهم ، وكأن الجميع أتفق على غض النظر عن أظهار بشاعة الجريمة الإنسانية التي اقترفها طاغية العراق بحق هذه الشريحة الممتلئة عبقاً وطيباًُ وعطاء للعراق .
ونفس المحنة التي تعرضوا لها أيام الطاغية من قبل دوائره المنية والمختصة بالجنسية ، تعيدها عليهم اليوم دوائـــر وسفارات حين تطالبهم بشهادة الجنسية ( العثمانية ) ، شهادة السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، وشهادة الجنسية التي مزقناهم ووضعناها تحت أقدام اخياتنا من أمهات الشهداء وحرائر العراق ، وشهادة الجنسية تلك الوثيقة البائدة التي استعملها صدام البائد للتنكيل بالعراقيين وتسفير العوائل العراقية العفيفة وتشتيتها ، لم تزل تلك الشهادة موضع اعتزاز وتقديس من دوائر الدولة والسلطات الجديدة ، ولم تزل تتصدر قائمة المطالب في كل ظرف أو معاملة .
مرة أخرى رغم سقوط الطاغية وتبجحنا برحيل نظامه لم تزل أموال الكورد الفيلية محجوزة ومسلوبة بانتظار قرارات يتذكرهم فيها مجلس النواب العراقي ، وتستذكرهم فيها الحكومة ، فتعاد الحقوق الى من سلبت منه ، ويتم ترتيب ما ضاع من حقوق لهم وما فاتهم من حقوق الانتفاع طيلة هذا الزمن المرير ، وأن يتم الارتفاع بمستوى المحنة التي لحقت بحياتهم ودمرتهم وشردتهم .
مرة أخرى يتم خذلان الكورد الفيلية ، وهم لم يفكروا باستلام السلطة ، ولا نافسوا أحدا على وزارة سيادية ، ولأوقفوا بباب الأحزاب يريدون تشكيل ميلشيات تابعة لهم ، ولا استغلوا محنة العراق كما أستغلها غيرهم ، ولم تزل عيون الأمهات اللواتي ودعن عشرات الشهداء من عائلة واحدة ، يترقبن قراراً ينصف الشهداء ويعلن حقاً للعالم أنهم أعطوا أرواحهم لهذا العراق الذي نريد .
مرة أخرى لم تزل رغم كل هذه السنوات الممتلئة بالمرارة والعنف والموت تضيع قضايا الكورد الفيلية ، ليس ضياعاً وتنكراً فقط أنما هناك من ينبري يطالبهم بالصمت ، فيقول : أليسوا كورداً وقد تحققت الفيدرالية لهم ؟؟ أليسوا شيعة وقد صارت الأحزاب الشيعية في السلطة ؟؟ أليسوا مع الحركة الوطنية وقد صاروا وزراء ونواب في البرلمان ، فليصمتوا فأنهم أخذوا أكثر من حقوقهم !! فأي مغالطة تلك وأي ظلم بشع تتعرض له الكورد الفيلية !
لم تزل اللجان التي تم تشكيلها تحيك لهم الطرق التقليدية والوسائل البائدة والقوانين العتيقة التي ستحقق لهم ضمان حقوقهم بعد سنوات أخرى ، فليصبروا حتى تحل هذه السنوات الجمر قضيتهم التي نسيها العديد من المسؤولين اليوم في العراق .

ولكنهم لحد اللحظة لم يزل بعض أولادهم دون سندات ودون جوازات سفر ، ولم تزل دوائر متعددة تطالبهم بشهادة الجنسية ( السيف ) الذي شحذه صدام وجز رقابهم وأستباح حلالهم ، ولكنهم لم يزلوا ينظرون لأملاكهم وبيوتهم ومتاجرهم بعيون ممتلئة بالدمع ، وهم يشاهدون عناصر وضباط الأمن العام والخاص تحتلها وتستغلها وتشغلها وتعمل بها ولا يريدون إن يخرقوا القانون وهو اليوم أبطأ من سير السلحفاة في التطبيق .
مرة أخرى نتنكر لهم ولا نستذكر معهم المحنة الإنسانية الكبيرة التي تعرضوا لها ، ولا نداوي جراحهم بإيجاد العلاج السريع والشافي ، ولا وجدوا من يهدأ وجعهم ويكفكف دموعهم فيقرر النواب على الأقل تخصيص راتب تقاعدي رمزي للشهداء .
مرة أخرى نخذلهم ونتنكر لكل الوعود التي قطعناها لهم ، ومرة أخرى نكلفهم أن يضعوا الحقوق في مجمدات النسيان ، وأن يصبروا فلعل الزمن القادم كفيل أن يجعل قلوبنا أكثر رقة وإحساسا فنقر لهم بالحقوق ، ويقرر مجلس النواب إن لهم شهداء هم حطب العراق ، ويقرر النواب أن لهم حقوق لايمكن تأجيل إعادتها إليهم ، ويقرر النواب أنهم ملح العراق ، ويقرر النواب مايميزهم من مكانة عراقية ننشف بها دموع من لم تجد رفات وليدها حتى اليوم ، وأن مقابرهم الجماعية لم تزل مجهولة حتى اللحظة ، وأنهم في ضمائر أهل العراق عربه وكورده وتزكمانه وكلدانه وآشورييه وأرمنه ، وأن تكون القرارات التي يصدرها البرلمان لاتحيلهم على قائمة انتخابية أو حزب سياسي ، فقد كان عطاؤهم للعراق ، وأن تكون القرارات متناسبة مع ما تحمله الكورد الفيلية من جرائم الطاغية ، وحين نستطيع إن نعيد ابتسامة الأمهات حين نبرهن لهن إننا أولادهن وأننا إخوانهن بحق ، وان الغربة التي أرادها لهم البائد صدام والتي بعثرت حياتهم لايمكن إن تكون حاجزاً يشتت حياتهم ، فالعراق وطنهم وأهلهم وأرضهم وحقهم ، كل العراق دون استثناء فهم كانوا لكل العراق ، حينها نكون قد أعدنا لهم بعض ما في ضمير العراق من دين لهم .
كان لحضور الكرد الفيلية أشخاصاً ومجموعات ، تنظيما وجمعيات ، في مؤتمرات المعارضة العراقية ضد النظام الدكتاتوري حضوراً مؤثراً وفاعلية ، وكانت أطراف المعارضة تثمن هذا الدور وتقر أيضا بحقوق الكرد الفيلية ، وتعدهم بتلبية حقوقهم في أول أيام سقوط النظام الصدامي ، ولكن هذه الأحزاب التي استلمت السلطة تناستهم وجعلت ورقتهم الأخيرة ، وكررت وعودها زمن بعد آخر ، غير أن مظالم الكرد الفيلية لم تزل كما هي ، ولم تزل عيون أولادهم الذين ولدوا في المنافي ممتلئة بالدموع تراقب ما يحدث في العراق ، والعراق هو الوطن الغافي في تلافيف أرواحهم ، ولم تستطع أوربا وكل بلدات الدنيا أن تمسحه من ذاكرة حتى أولادهم الذين أشبعوهم كلاماً وحكايات وتأريخ عن هذا العراق المتعدد الأطياف .
مرة أخرى يتناساهم البعض ويحاول تبرير هذا النسيان والإجحاف بإحالة ملفاتهم على حكومة إقليم كردستان ، ومرة أخرى نعود لقضية التبريرات والالتفافات لكنها جميعاً لاتعيد لهم حقاً مسلوب ولا أعمارا ذهبت دون عودة ولاظلماً أزيح عن كاهلهم ، ولاغصة في القلب صارت متحجرة لم تزل جاثمة فوق صدورهم ، ولا قبوراً وشواهد معروفة لأولادهم ، مرة أخرى نعود بهم الى الوعود التي ما تحققت وما تبرعمت فعلاً تحت زحمة الانشغال بمكافحة الإرهاب وضجة الكراسي والمناصب والمحاصصة ، لكنهم يقفون دون ضجيج فقد قدموا النفس والمال والاستقرار لهذا العراق .
وحتى تأخذ الجريمة التي ارتكبت بحقهم أطارها القانوني العام ضمن استكمال أجراءات التحقيق ، بالرغم من معرفتنا بأن القضايا التي عرض قاضي التحقيق المختص والمتهم فيها صدام حسين لاتمثل جميع القضايا ، ولاتمثل حصراً الاتهامات بالجرائم التي تم التحقيق مع المتهم الطاغية وفقها والتي طالها التحقيق وتمت إحالتها الى المحكمة الجنائية العراقية .
وبالرغم من معرفتنا أن موجبات الاتهام القانونية في جريمة جنائية لاتختلف عن جريمة أخرى مادامت توازيها في الحجم والنتائج الكارثية .
ولكن مالفت أنتباهنا أن لاتكون جريمة التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وما تم ممارسته من وسائل وطرق التسفيرات والأبعاد ومالحق الكرد الفيلية من جرائم يندى لها الجبين وتروع في قصصها الضمائر الأنسانية ولم تأخذ للأسف حقيقيتها الأعلامية لتهز مشاعر البشرية ، وتحمل ماتحمل من ويلات ومظالم لم يعهدها العالم ولا عرفتها البشرية في بشاعتها مع ما لحقها من تستر وصمت دولي مريب .
أن مالحق الكرد الفيلية يمكن أن يكون من الجرائم الفريدة في العالم والتي لم تلتفت إليها الإنسانية ، فلم تنحصر قضية محاربة هذه الشريحة بسبب قوميتها الكردية ، ولافي جرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها الرجال والنساء منهم ، ولافي غياب أماكن قبورهم وجثث أبنائهم وبناتهم ، ولافي تهجير شيوخهم وأمهاتهم عبر الحدود ، ولافي إجبارهم على تخطي حقول الألغام بين العراق و آريان للموت وسطها ، ولافي أبعادهم الى منطقة ( نقرة السلمان ) الصحراوية والنائية في الصحراء الجنوبية ، ليلقوا حتفهم وقدرهم ويدفنوا إعدادهم تحت الرمال الحارقة حيث تيبست جثثهم وتبخرت سوائل أجسادهم فباتوا كالريش في رياح صحراء البادية الجنوبية في العراق . .
ولم تكن بسبب اعتبارهم نماذج تجارب للسموم والكيمياويات في القضاء عليهم ، ولافي سلب ممتلكاتهم وأموالهم وتجريدهم من مستنداتهم الرسمية ، ولافي ترحيلهم عبر الحدود باتجاه دول الجوار وبالأخص آريان المسلمة التي عاملتهم بكل حذر وجعلتهم يعيشون حياة مزرية في المخيمات بشكل مأساوي بعيد عن الاعتبارات الإنسانية ، ولا بسبب التزامهم بالمذهب الجعفري الذي يتباهون بالالتزام به وإخلاصهم له ، ولا بسبب أنتماءاتهم السياسية حيث كانوا ولم يزلوا رافد أساسي من روافد الحركة الوطنية السياسية في العراق .
أن مالحق الكرد الفيلية جدير بالمراجعة والانتباه بسبب نومة الظهيرة التي كان فيها المجتمع الدولي يغط فيها ، وكانت الإنسانية تنام في سباتها وتؤجل حقوق الإنسان عنهم ، والمنظمة الدولية في شغلها الشاغل عنهم ، فقد تم تجريدهم من مواطنتهم دون وجه حق وتم إسقاط جنسيتهم دون وجه حق وتم سلب حقوقهم دون وجه حق ، وتم اعتبارهم شريحة إنسانية دون جنسية ، فهل يعي المجتمع الدولي بقاء شريحة كبيرة من الشعب العراقي دون هوية ودون جنسية ودون وطن دون أن تلقى الاهتمام والمعالجة من الاختصاصيين في القانون الدولي والمنظمات الإنسانية والمنظمات الدولية المختصة !!!
علماً إن المادة ( 15 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 كانون الأول 1948 قد نصت على حق الفرد في التمتع بجنسية ما ، كما لم تجوز تعسفا حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته ، وأن ما جرى للكورد الفيلية لايعد تعسفاً فحسب ، بل تجاوزاً على إنسانية العراقيين ، وتحدياً لكل القيم والاعتبارات الإنسانية ، فقد تم تجريدهم من جنسيتهم ، كما تم سلب مستمسكا تهم القانونية ، بالإضافة الى أخفاء معالم الأسس والسجلات التي تثبت مواطنتهم وأصالتهم ، وبالإضافة أيضاً الى مصادرة وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة دون وجه حق ، ودون وجود أية قرارات قضائية بل ودون أية قضية منظورة في محاكم العراق ، بالإضافة الى ممارسة السلطة الصدامية طرقاً خسيسة ودنيئة في التنكيل بهم وسرقة ممتلكاتهم ومصادرة حقوقهم وكأنها أسلاب كفار والتي لايقرها قانون ولاشرع ولادين ، ولم تتم ممارسة ما يماثلها من أدنى السلطات وأكثرها انحطاطاً .

الصمت الذي لاحق الكرد الفيلية وتجاهلهم من قبل المجتمع الدولي هو الذي ينبغي أن يزاح عنه الغطاء ونتعرف على الأسباب الحقيقية والدفينة في اللعبة السياسية التي كانت شريحة العراقيين من الكورد الفيلية الوقود الذي أشتعل تحت سمع وبصر المنظومة الدولية ومنظمات حقوق الإنسان فيها ، دون أن يجدوا ما يساندهم من الوثائق العالمية والإقليمية في الاتفاقيات الدولية فصاروا الضحية والمجني عليهم دون أن يتم تشخيص الجناة في حينها ، ولو كانت هناك حكومة واحدة في العالم تطالب بحقوقهم أو تساندهم وتدافع عنهم لربما اختلفت موازين اللعبة السياسية ، ولربما لو كانت هذه الشريحة من غير الكورد الفيلية ( من الأكراد الشيعة والمنحازين الى جبهة القوى الوطنية المعارضة لسلطة الدكتاتور ) لصارت الأمور غير ماصارت وماجرت عليهم من نتائج تحملتها الكورد الفيلية بصبر الجبال وعزيمة المتمسكين بالحق .
وعلى هذا الأساس بادرنا لمخاطبة رئيس المحكمة الجنائية العراقية العليا القاضي والزميل عارف عبد الرزاق الشاهين نقول فيها :
حماك الله وسدد خطاك
جميع القضايا التحقيقية التي يستكمل التحقيق فيها يتم احالتها على أحدى محاكم الجنايات التابعة لمحكمتكم الموقرة ، وتابعنا بأهتمام قضية جريمة الدجيل التي انتهت بالحكم على المجرمين ، ولم نزل نتابع مجريات قضية الأنفال .
والحق أقول لك إن قضية الأنفال لم تأخذ مداها وحجمها الحقيقي ، ولم توضح المحاكمة للعالم جرائم الأبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ولا أنتهاكات القوانين العراقية بشكلها الذي يمكن إن تبقى في ذاكرة العالم في هذه القضية ، وكلنا يعرف إن ما جرى في جرائم الأنفال كان بقصد ابادة شعب كوردستان ، وما جرى من وقائع وتفاصيل لم يتم استيعابه من قبل سلطات التحقيق ، لأسباب لايمكن التخمين بها ، وقضية مثل الأنفال لسنا مسرورين لنهايتها والحكم على من يتم اثبات أدانته ، لأنها لم تفضح دور الطاغية وعقله المريض في هذه القضية ، ولا فصلت ووضحت لنا دور وأسماء الجناة ممن كان يستعمله الطاغية سوطا وسيفا وآلة لقتل البشر والتنكيل بهم وتعذيبهم وأهلاك الأطفال الرضع وقتل الشيوخ العجزة والنساء الحوامل ودفن الأحياء في المقابر الجماعية ، لم نتعرف الا عدد قليل من المتهمين لايمكن إن يتم أختزال هذه الجريمة الإنسانية بهم .
في قضية الأنفال ثمة أسماء نزعت عنها الضمير وباتت تشبه البشر شكلا ، وقرأت النوازع المريضة في عقل الدكتاتور ، وشرعت في تنفيذ تلك النوازع بمخططات وعمليات وحفلات أعدام ، تلك الأسماء لم تتعرض لها سلطة التحقيق ولا وردت ضمن سياق جلسات المحكمة ، ولم نسمع إن قضايا فرقت بحقهم لتجري محاكمتهم غيابيا أن كانوا هاربين .
نثمن عاليا دور الأدعاء العام بأعتباره المعبر الحقيقي عن تمثيل الحق العام ، ونثمن دور القضاة في ادوار التحقيق وفي المحاكمات وفي عضوية الهيئة التمييزية .
وانتم تعرفون وضع العراقيين الذين انتشروا في كل بقاع الارض ، واستقر العديد منهم في تلك المدن النائية التي وفرت لهم الكرامة والامان التي سلبها منهم الطاغية ، هؤلاء من بينهم مشتكين لهم شكاوى تتضمن صور لجرائم ووقائع تفتت الصخر ، كما لهم بينات وسندات ليس بقصد تسجيل اسماؤهم أو تعويضهم على الضرر الجسيم ، أنما بقصد توضيح الصورة الحقيقية لما جرى في واقعة الانفال .
هذه الاعداد حرمت من تسجيل الشكوى والادلاء بالشهادة بسبب عدم تمكنها من الحضور ،لأسباب مالية أو أمنية أو مرضية أو لظروف خاصة ، كما إن السفارات العراقية الفتية تفتقر للمستشارين القانونيين مما اعجز السفارات من تدوين اقوال المشتكين وارسالها الى المحكمة لربطها باضبارة القضية في موعدها المقرر ، وستبقى تلك الشهادات مطمورة في صدور اصحابها لاتقيدها محاضر التحقيق والمحاكمة ، ولاتشخص افعال بعض المتهمين الخسيسة بحق شعب كوردستان ، ولاتفضح دور بعض الاسماء التي لم يطلها التحقيق والاجراءات القانونية .
كما ستتكرر المشكلة مع القضايا الاخرى ، فثمة عراقيين يطلبون توفير السبل التي تمكنهم من تدوين اقوالهم المنتجة في القضايا التي ستعرض إمام المحكمة ، لذا نناشدكم إن تجدوا مع وزارة الخارجية العراقية ما يقم بتسهيل تدوين تلك الشهادات .
وإذا كنا قد كتبنا وعلقنا الكثير عن تلك القضايا التي عرضت على الملأ من خلال علانية المحاكمة وتوفير كل الضمانات التي وفرها للمتهمين قانون اصول المحاكمات الجزائية وقانون المحكمة وقواعد جمع الأدلة فيها ، فأننا نود إن نلفت انتباهكم الى مسألة غاية في الأهمية .
ستكتمل في الفترة اللاحقة بقية القضايا التحقيقية ، وستكون الجريمة المرتكبة بحق الكورد الفيلية أوسع مما يمكن إن يستوعبه التحقيق القضائي ، حيث كان التحقيق الأبتدائي اصلا يفتقر للعديد من الأسس التي تجعل هذه القضية بمستوى الحد الأدنى من الجريمة المرتكبة .
ما جرى للكورد الفيلية لايتحدد ضمن أطار التسفير ومصادرة الأموال ونزع الحقوق ، ولافي احتجاز الالاف منهم في سجون صدام دون تهمة ودون وجود جرم ارتكبوه ، جريمة الكورد الفيلية تبدأ من أخضاع اعداد كبيرة من شبابهم للتجارب الكيمياوية ، وهذه الجريمة الإنسانية التي اودت بحياة الالاف منهم بحاجة لتبصير وتأني ، وان نستوعب أسماء المتهمين الذين اشتركوا بتنفيذها ، وأن يتعرف العالم على نوع تلك الجريمة التي لم تمارسها ابشع السلطات وأكثرها همجية بحق المدنيين من شعوبها ، وأن يتم التعرف على أماكن دفن تلك الجثث ، فثمة أسماء لم تزل طليقة وتعرف كل الأسرار .
والقوافل التي سيرت من رجال الكورد الفيلية وسط حقول الالغام لم تكن ياسيدي لغرض العبور الى الأراضي الايرانية بقصد تهجيرها ، وأنما كان لغرض تفجير تلك الأجساد في حقول الالغام والتخلص منها وسط تلك الحقول وبقاء تلك الجثث مرمية ومكشوفة تحت تلك الظروف ، وجميع الشهداء من ابناء الكورد الفيلية من الطاقات والكفاءات العراقية المتميزة ومن المدنيين ، ثمة من نزع ضميرة وسحب عليه الماء وبقي منزوع الضمير من قام بتلك الأفعال الشنيعة ، من نزع ضميره ساهم بأقسى ما يستطيع بالتنكيل وأيذاء الكورد الفيلية ، ولم نزل نترقب إن توافينا سلطة التحقيق ليس بأعداد الشهداء ، وانما باسماء منفذي تلك الجرائم من ذيول الحاكم المشنوق ، وان تكشف لنا تفاصيل تلك العمليات التي ربما لم يعرفها أو يسمع بها العالم .
لم تزل امهات الكورد الفيلية تناشدكم ايها الزميل أن يتم الالتفات الى المحنة الفيلية التي تعرض لها العراق في زمن هجين وبذيء ، وينطلق صوتهن يناديكم للأستماع الى تلك الشهادات الدامغة ، مثلما يطالب أخضاع الأسماء المعروفة في مديرية جنسية بغداد والمسؤولين عن التسفير في حينها الى التحقيق ، ممن تصوروا إن ارتكاب الجرائم المنحطة ضد الكورد الفيلية سيرفع من شأنهم عند الحاكم الدكتاتور .
هذه الاسماء التي تركت جرحا غائرا في ارواح الشهداء واهاليهم ، واوغلت في خستها بعد إن نزعت الضمير ، هذه الأسماء اليوم مطالبة إن يتم اخضاعها للتحقيق ، وليست الغاية إن يتم الحكم فقط على الجناة ، فمن يعيد كل تلك الأرواح اذاماتم اعدام الجاني ، وكيف نجعل الصبر والقناعة يحلان في صدور الأمهات اللواتي لم يزلن ينتظرن بعيون تحجرت دموعها كل تلك الوجوه العبقة وهي تحمل شهاداتها الجامعية وارواحها البريئة التي دفنت سرا في قبور مجهولة .
الله الله في قضية الكورد الفيلية ، فهم بحاجة لتبيان حقيقة ما جرى لهم قبل إن يطالبوا بالحكم على القلة من الجناة الذي طالهم التحقيق ، والله الله في قضية هؤلاء ممن تقطعت بهم السبل وزاد من حزنهم انه لم يتم الالتفات الى محنتهم حتى اليوم ، ويزيد حزنهم أكثر انتشارهم في كل ارجاء الدنيا يطرزون مدنها بأرواحهم الباسلة والمشرفة وهم اهل العراق .
جئتك بهذه الكلمات بحكم كوني زميلا لك ومن دورة قضائية واحدة ، و صديقا أعتز بصداقته ، وسوية كنا نشكو هموم العراق في الزمن الصدامي ، وبحكم كونك الرئيس الأعلى للمحكمة اليوم ورئيسا لهيئتها التمييزية ، ولما عهدته فيك من السمو الأخلاقي والتواضع والأستقامة ، اعرض لك إن الحقيقة هي ماتريده الناس وأن يتم توضيح ما جرى لهذه الشريحة التي غبنها الأعلام وكتم على حقيقتها النظام البائد .
لم تزل كل الناس تريد توثيق الحقيقة للتاريخ ، فثمة أجيال قادمة ينبغي عليها إن تتعرف على ما حل بالعراق ، ولماذا تعرض الكورد الفيلية لمثل ما تعرضوا له ؟ ولماذا تمت مصادرة اموالهم ونزعت املاكهم بطرق غير قانونية وغير شرعية ؟ ولم تزل الجهات المسؤولة تطالبهم إن يسلكوا طريق القانون في استعادة ما سلبته منهم الدكتاتورية بالطريق غير القانوني وتلك معادلة غير عادلة .
وستبقى محاضر التحقيق والمحاكمة مرجعا تأريخيا يكشف الحقيقة ويثبت الأحداث وتفاصيل مجرياتها في زمن غابت فيه الحقيقة وماتت فيه القيم والمروءة وعز فيه الرجال ، ولهذا نتطلع الى إن تلتفتوا الى هذا الجانب قبل إن يتم احالة القضية مجردة من تلك الروابط المهمة في التحقيق ، بل إن يتم اختزال كل تلك الجريمة الإنسانية التي حصلت بقصد اهلاك جميع الكورد الفيلية اهلاكا كليا ، وقتل اعداد كبيرة منهم لم تزل جثامين المئات منهم غير معروفة المصير وأماكن الدفن مجهولة ، بالأضافة الى قتل الأطفال وحجز العوائل في المحاجر وفي سجن نقرة السلمان الصحراوي ، وموت العديد من النساء والشيوخ تحت تلك الظروف المناخية القاسية ، بالأضافة الى التدابير القاسية وغير القانونية التي مورست بحقهم ، ليتم اختزالها بعدد صغير من المتهمين يتم تحميلهم وزر الجريمة الكبرى .
لقد أكملت ياسيدي كتابا عن المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيلية ، ولظروفي المالية لم استطع إن اطبع الكتاب بالسرعة التي يمكن إن يحقق منها الغرض المنشود ، ليس لي علاقة بريعه وتوزيعه ، فقد تبرع اهل الخير بذلك دون إن ننتظر شكرا سوى الثواب من الله في مناصرة هذه الشريحة ، وعلى امل إن نقوم بتوزيعه في اقرب فرصة ممكنة ، ليطلع الناس على المعالم القانونية للخروقات التي مارستها سلطة البائد صدام بحق أهل العراق من الكورد الفيلية وما لهم وماعليهم من حقوق .
الفت عنايتكم الى أهمية ما خفي في هذه القضية حيث إن الأدلة والقرائن في بقية القضايا واضح وملموس ، أما ما حصل في قضية الكورد الفيلية ، فقد تم التعتيم عليه تحت انظار جميع المنظمات الإنسانية المتباكية على حقوق الإنسان ، وتحت انظار الأمم المتحدة ، ويكفي للعلم انه لم تزل حتى اليوم ، وأكرر حتى اليوم أعداد كبيرة من الكورد الفيلية تسكن الخيام في الاراضي الآيرانية بحالة مزرية وبائسة .

الظلم الذي عم قضية الكرد الفيلية لم يكن من طاغيتنا العراقي البائد ولامن السلطة الشوفينية ولامن حكام المنطقة ودول الجوار فقط ، وأنما كان من المجتمع الدولي الذي أهتزت شواربه لأحداث في اندنوسيا والفلبين ودار فور ، وتفاعل مع أحداث في افريقيا والشيشان ، دون أن يجد الفرصة لمعرفة أسباب تدمير هذه الشريحة الأجتماعية العراقية الأصيلة .
لذا لن نستغرب حين يتم تأجيل التحقيق مع الطاغية في شأن الجرائم التي ارتكبها بحق الكرد الفيلية ، ولن نستغرب من حكومتنا الجديدة أن تضعهم على الرف لينتظروا زمن آخر يمكن أن تفكر بعد حين في أن نعيد لهم حقوقهم وماترتب لهم بذمتنا !! ولينتظر جيلهم الذي ولد في المخيمات وفي بلدان اللجوء والمنافي ودون جنسية ودون مأوى ودون معرفة بلغتهم القومية ، ولينتظر من لم يزل يعيش في العراق وبيته مصادر ويسكن فيه بعثي أو عنصر أمن أو مخابرات فالدنيا صيف والجو جميل ولا ضرورة للنظر في قضاياهم في الوقت الحاضر ، وهناك ما هو أهم من قضية الكرد الفيلية ، والأهمية درجات وكما أن الناس مقامات ودرجات ، ولم يزل الكرد الفيلية في أدنى درجات الأهمية في عراقنا الجديد .
لم تكن سلطة معينة من وقفت موقفاً معادياً من الأكراد الفيلية ، ولم يكن الاتجاه العروبي الشوفيني وحده من وقف يدعو لتهميشهم وإلغائهم وحصرهم في زوايا منسية ضمن القضايا التي تخص الشأن العراقي ومحاربتهم صراحة أو علناً .
لم تكن هذه السلطات التي ابتليت بالتفكير الشوفيني المتعصب و المحدد المسار والظالم الذي لايرى الحقيقة ولايريد أن يعترف بها ، لم تكن وحدها هذه السلطات من قام بوضع أطنان من العذابات الإنسانية والتهميش والظلم والنصوص التي وردت ضمن القرارات التشريعية التي تجعل الكرد الفيلية مواطنين من الدرجة الثانية في العراق .
كان معهم كل المتطرفين من غلاة الدين ومن وعاظ السلاطين ، وكان معهم كل من يعتقد أن بقاء الكرد الفيلية على هذا النهج من الصمود والعطاء لن يقضي عليهم ، وكان معهم من يريد استغلال الكرد الفيلية لمصلحته سياسياً أو اقتصادياً واعتبارهم ورقة يتم اللعب بها في أوقات الحاجة ، فقد تجمعت كل القوى التي تنزع نحو الشر والتعصب والتطرف بوجههم .
وثمة من يقول أن الكرد الفيلية هم من الأكراد ، فلماذا هذه الخصوصية في مطالبهم وحقوقهم ؟ أليسوا هم جزء من هذه الأمة الكردية العظيمة ونالهم مانالهم بسبب هذا الانتماء ؟
نعم أنهم جزء من تلك الأمة التي تحملت الظلم ولم تستكن ، وتحملت التهميش ولم تسكت ، وتحملت التحدي وأعطت قوافل من الشهداء ولم تتوقف ولن تتوقف .
نعم أنهم الجزء الذي لايتجزأ والذي أمتزج فيه الزمن العراقي بالوجود التاريخي ، وكما صاروا جزء من الملحمة العراقية الإنسانية فباتوا بعض حروف أسم العراق لايمكن أقتطاعهم منه لأن الأسم سيبدو مبتوراً ودون معنى .
لكن الكرد الفيلية وهم من هذه الأمة تحملوا ما لاتتحمله الأمم ، ولاأستطاعت أن تتحمله الجماعات والمجموعات البشرية وهم الشريحة الطيبة والفاعلة ، ليس فقط أسقاط الجنسية عنهم ، فالجنسية هي العلاقة العقدية بين المواطن والبلد الذي يعيش فيه ، وبالرغم من كل أساليب السلطات الجائرة في أسقاط جنسياتهم واعتبارهم من التبعية الفارسية ، إلا أنهم بقوا ملتصقين بالعراق يجاهدون بكل السبل من أجل العراق الفيدرالي والديمقراطي .
ولحق الأكراد الفيلية من الظلم بسبب سافر وواضح في التزامهم الديني بالمذهب الجعفري فنالهم أكثر مما نال أخوتهم من المسفرين لأسباب طائفية .
وعلى مدى الأزمنة الغابرة والمقبورة لم يكن بإمكان أبناء الكرد الفيلية أن يصيروا قادة وزعماء في المجال الحكومي ، ولم يكن في قدرة الأكراد الفيلية أن يصيروا ضباطاً كبار في الدورات الخاصة والعامة ، ولم يكن بمقدورهم أن يتم اعتمادهم كبناة لاقتصاد العراق من قبل الدولة ، ولادعمهم ومساندتهم في البناء الأٌقتصادي ، فقد كانوا موضع شك السلطات في كل حين .
فقد أعتبرتهم جميع السلطات التي تعاقبت على حكم العراق الخطر الكامن والمعارض الدائم للسلطات التي تبرقعت بالفكر الشوفيني والطائفي المتستر بعباءة الوطن والقومية والدين في كل فترة من فترات الزمن العراقي .
فأذا كان الكرد بشكل عام تحملوا الظلم من السلطات بسبب قوميتهم ، والمسلمين الشيعة بسبب مذهبهم الأسلامي ، والمعارضين بسبب معارضتهم لنظام الموت والقتل المتمثل في سلطة صدام البائد ، الإ ان الكرد الفيلية تحملوا كل هذه الأسباب ، فهم أكراد وشيعة ومعارضين وقد جمعوا كل تلك الصفات العراقية .
وتميز الكرد الفيلية في تقديمهم قرابين للحرية والديمقراطية في العراق ، وبالغت السلطة الجائرة في عذاباتهم الانسانية ، فسلخت الوليد عن صدر أمه ، وأبعدت الطفل عن والديه ، والشاب عن والدته وأجداده ، وأمعنت في إذلال الشيوخ والعجائز ، وأسكنت مجاميع منهم في مجاهل صحراء السلمان بأطراف البادية التي عافتها حتى الحيوانات البرية وطمرت أعداد منهم تحت الرمال وفي ثنايا زوايا سجن النقرة المهجور إلا منهم ، في حين أكلت منهم التجارب الكيمياوية والأجساد البشرية التي تفجر حقول الألغام في حرب الطاغية مع إيران .
وأمعنت السلطة في تشتيت شملهم وعدم أبقائهم في المناطق التي تمركزوا بها وتجمعوا منذ الزمن الغابر يزرعونها وينتجون بها ويعيشون بها بسلام وتآخي يلفت النظر .
وتميز الكرد الفيلية في العمل السياسي ضمن التنظيمات السياسية التي قارعت السلطات البائدة بتفانيهم وشجاعتهم وأقدامهم على التضحية . .
ولذا حق أن نقول أن للكرد الفيلية حقوق ينبغي الالتفات اليها ، وهي أن نرفع أول مانرفع عنهم مالحقهم من ظلم وبطلان في سحب الجنسية عن أعداد كبيرة منهم ، واعتبار القرار أصلاً باطلاً لاقيمة قانونية له لعدم استناده على أسس موجبة لهذا الإصدار .
بالإضافة الى بطلان إجراءات وقرارات أبطال شهادات الجنسية الصادرة لهم وفق القانون ، مع إلغاء كل المطالبات بشهادة الجنسية التي لامو جب ولا مبرر لها إطلاقا .
كما ينبغي أن يتم رد حقوقهم المسلوبة والمستباحة المادية منها والمعنوية ، وأن يتم تشكيل لجان خاصة بهذا الأمر فقد كان الكرد الفيلية العمود الأساس في العمل التجاري وحركة الأسواق ، وكانت البيوت الفيلية المنتشرة في العراق والمتميزة بكرمها وطيبتها ومحبتها للعراق وتفانيها في خدمة الشعب ، قد بنت بعرقها وجهدها الناصع كل تلك البيوت والمحلات التي تساهم في إثراء الحياة الأجتماعية في العراق ، وكان أبناء الكرد الفيلية تمتلك مالا تمتلك الأسماء الهجينة الطارئة التي ولجت العمل التجاري مربوطاً بحبال السلطة ، فقد توارثت العمل والمال والخبرة الاقتصادية وبنت مواقعها دون تعكز على سلطة أو مؤسسة حاكمة .
وعلى هذا الأساس بادرنا لمخاطبة السيد وزير الداخلية العراقي برسالة تخص الشأن الكردي الفيلي نصها :
مع أن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات تفضيلا ، الا إن حكام العراق البائدين رفضوا هذا التكريم وصنفوا البشر وفق رغباتهم وعقولهم ، وصار تصنيفهم للإنسان في العراق وفقاً للقومية والمذهب ، بدرجات وفقاً لقومية ومذهب الحاكم .
وعكست القوانين العراقية البائدة صورة بائسة لامتهان الناس حين صار أهل العراق من التابعية العثمانية ( عراقيين أصلاء ) ، بينما صار أهل العراق من التابعية الفارسية ( عراقيين دخلاء ) ، مع أن كلا الدولتين الفارسية والعثمانية احتلتا العراق في أزمان متفاوتة وظروف مختلفة ، كان فيها أهل العراق تحت نير احتلال تلك الدولتين متمسكين بعراقيتهم .
وجميعنا نعرف أن ذلك التصنيف لم يكن الا لأسباب طائفية مقيتة ، ولأسباب شوفينية مرفوضة ، وبقي الأمل في صدور أهل العراق أن تلتفت حكومة عراقية وطنية لهذه الشروخ العميقة التي وضعتها تلك القوانين في التصنيف الأثني وتزيلها وتلغيها وتحرر العراقيين من قيودها ، وتعيد لهم الاعتبار الوطني والإنساني ، وان يعاد النظر في العودة الى تكريم الإنسان الذي فضله الله على الكثير من المخلوقات .
وتأريخ العراق القديم والحديث غير خافيا على أحد ، وسكان العراق الأصلاء معجونين في تراب العراق ، وجزء لايتجزأ من تأريخه ونضاله الوطني ، ولهذا فأن تصنيف العراقيين درجات لايمكن أن يستمر في عهد سقط فيه أخر الطغاة وانتهت معه حقبة مظلمة من تأريخ العراق .
وإذا كانت بعض شرائح العراق عانت مرارة تلك القوانين الجائرة ، فأن قانون الجنسية وشهادة الجنسية العراقية كانت الخنجر المسموم الذي ذبح مئات الآلاف من العوائل العراقية ظلما وبهتانا تحت تلك الذريعة الواهية .
وجاء الدستور العراقي وهو أعلى القوانين ورأسها الهرمي ليؤكد في باب الحقوق والحريات بأن العراقيين متساوون إمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العراق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي ، وخلاف ذلك النص لايعدو الا باطلا ومخالفة صريحة للدستور .
وللحقيقة فأن جميع العراقيين متساوون إمام القانون باستثناء ( الكورد الفيلية ) ، فلم تشملهم المساواة لأسباب قد تدركها القيادة السياسية سواء مجلس النواب منهم أو الوزارة أو الأحزاب التي تشترك في العملية السياسية أو التي تعارضها .
الكورد الفيلية الذين ذاقوا مرارة الهوان والعذاب ، وخصص لهم صدام مؤسسات متخصصة في تعذيبهم وقتلهم وتسفيرهم وتجريدهم من ممتلكاتهم ، لم يشعروا أنهم قد تساووا مع العراقيين ضمن هذا النص ، مع أنهم من العراقيين الأصلاء دون غبار ، ومع أنهم قدموا لهذا العراق دون أن ينتظروا مكافأة من أحد ، ومع أنهم في صلب الحركة الوطنية في كل أصنافها الا أنهم أضعف الشرائح في نيل ابسط حقوقهم الإنسانية .
الجنسية حق لكل مواطن عراقي وهي أساس مواطنته باستثناء الكورد الفيلية ، فهم من طينة غير طينة العراق ، وشريحة كانت غافية لاجنسية لهم ولاوطن ولاتاريخ ، بدليل إن وزارة الداخلية تطالبهم حتى اليوم بإثبات عراقيتهم وفقا لشهادة الجنسية العراقية ، تلك الوثيقة التي استعملتها السلطات البائدة خنجرا مسموما للطعن في وطنية وإنسانية العراقي ، وبدليل أنه تتم أحالة الكوردي الفيلي على مديرية الإقامة باعتباره مقيما في العراق وتنطبق عليه ما تنطبق على كل مقيم ( أجنبي ) في العراق لإضفاء الشرعية على وجوده في العراق .
رسالتي هذه الى السيد وزير الداخلية أن يتمعن في تاريخ العراق مليا ويعالج وضع الكورد الفيلية وفقا لهذا التأريخ ، وأن يقرأ ما جرى على الكورد الفيلية ويقرر وفقاً لذلك ، وأن يتعرف على الأوضاع المأساوية التي تحصل لهم حتى اليوم ، وبعد مضي اربع سنوات على سقوط حكم الصنم ، لم تستطع وزارة الداخلية ولا مديرية الجنسية والإقامة أن تستوعب عراقية الكورد الفيلية .
رسالتي هذه الى السيد وزر الداخلية من إن الكورد الفيلية لايستجدون الجنسية العراقية وإنما يريدون أيمانا مطلقا بدولة تعتمد معايير القانون وتحترم دستورها ، وان لايتمسك بعض بقوانين صدام حتى اليوم ، وأن الدستور يمنح الحق لكل من أسقطت عنه الجنسية العراقية أن يستعيدها ، وانه لايمكن إن تسقط الجنسية العراقية عن العراقي بالولادة ، فكيف بالكوردي الفيلي الثابت التاريخ والقومية والدين والمذهب والأنتساب الوطني ؟
وإذا كانت حالة اللاجنسية التي حصلت للكورد الفيلية وحدهم في هذا العالم ، فأن قرارات الأمم المتحدة وقبلها الشرائع السماوية منعت تجريد أي شخص من الجنسية أذا كان هذا التجريد يجعله عديم الجنسية ( المادة 8 من قرار الجمعية العامة 896 في 4 كانون الأول 1954 ) ، كما منعت إسقاط لجنسية التي مارسها صدام ضد الكورد الفيلية ضمن مخطط بعيد عن الوطنية والمروءة والشهامة حين سلط قدرات المؤسسات الأمنية للانتقام منهم .
واليوم ياسيادة وزير الداخلية حل الدستور الذي يعيد الاعتبار لكل عراقي وفقا للنصوص التي تضمنها باب الحقوق والحريات ، ليس من الأنصاف ولا من العدالة إن يتم إحالة الكوردي الفيلي الى مديرية الإقامة لأجراء معاملة تجنس الأجانب ، لأن الكوردي الفيلي ليس أجنبيا ، ولأن الكوردي الفيلي سلب حقه القانوني والدستوري ، ولأن السلطة البائدة تجاوزت على حقوقه الاعتبارية والمادية ، ولذا يترتب على كل صاحب ضمير وطني وعراقي أصيل أن يساهم في أعادة الاعتبار لكل كوردي فيلي أسقطت عنه الجنسية ، وان تساهم مؤسسات وزارة الداخلية في الإسراع بإعادة تلك الوثيقة للكورد الفيلية بأسهل الطرق وأقصرها ، وأن تمنح الجنسية لأولادهم المولودين ضمن فترة التهجير القسري الصدامي ، وأن تنظر لهم السلطة الحالية التي نفترض أنها تطبق القوانين وتعتمد الدستور على أساس مواطنتهم وإنسانيتهم كعراقيين ضحايا ، والضحية ياسيادة الوزير لايطالب بأن يثبت عدم صحة الأجراء الظالم القسري ، لأن الأمر سيؤدي الى إن تكون السلطة معترفة ضمنا بصحة تلك الإجراءات .
ياسيادة الوزير أن أحالة الكورد الفيلية الى نفس الإجراءات الظالمة يشكل ظلما آخر يتحمله أبناء الكورد الفيلية ، وهؤلاء لم تزل عوائلهم حتى اليوم تسكن مخيمات اللجوء في دول الجوار ، وفي ذلك ليس فقط مخالفة دستورية وإنما امتهان للكرامة والحقوق ، كما أن منح الكوردي الفيلي وثيقة أقامة مؤقتة تدلل على عدم قناعة السلطة التنفيذية بعراقية هذه الشريحة ، وهذا الأمر يتطابق مع نظرة المؤسسات الأمنية الصدامية الظالمة وقوانين صدام التي اعتقدنا أنها رحلت مع الطاغية .
ياسيادة الوزير من الغريب أن تستكمل محكمة التحقيق في المحكمة الجنائية العراقية العليا الخاصة قضية جنائية تخص الكورد الفيلية باعتبارهم عراقيين من ضحايا النظام البائد ، في حين لاتتم مساواتهم مع العراقيين بالفعل في الجنسية ، ترى هل فكر أحد منا بحجم قدسية ( شهادة الجنسية ) التي تمنح المواطنة من الدرجة الأولى وتميز العراقيين وفق الأسس المذهبية ؟ وهل نهجت دولة أخرى في العالم تقوم بإصدار هوية الأحوال المدنية لمواطنيها ، أن تقوم أيضا بإصدار شهادة لصحة تلك الهوية أو أن الأمر مقتصر على شريحة من شرائح العراق ؟
لنضع كل القوانين والنصوص الدستورية النافذة والقرارات التي أصدرتها الجمعية العامة والاتفاقيات الدولية جميعها على جهة ، ونحتكم الى ضمير العراق وتأريخه ، حتى يمكن إن نقرأ ما للكورد الفيلية وما عليهم ، ولماذا تتحمل هذه الشريحة كل هذا العذاب البشري دون إن تجد من ينتصر لتأريخها ووطنيتها وإنسانيتها في الإقرار بحق المواطنة الذي هم أحق من غيرهم به ، فهم أهل العراق وبناته وفدائييه والمضحين في سبيله ، وهم شهداء العراق وخيرة رجاله والسباقين لرفع المعارضة ضد كل الأنظمة الظالمة والدكتاتورية التي مرت على تاريخ العراق ، هل يمكن لهؤلاء إن يحملوا كل تلك الإسهامات الإنسانية من أجل العراق ليقفوا أذلاء إمام موظفي الجنسية يثبتون عراقيتهم ؟؟
كنا نأمل من مجلس النواب أن يلتفت لكل هذا ويشرع قانونا بإعادة الاعتبار لكل الكورد الفيلية ، وان يعيد لهم حقوقهم المادية وما سلبه منهم الطاغية وما أستغلته من أملاكهم المؤسسات الأمنية والحزبية ، وأن يشرع قانونا يضمن لهم التعويض الاعتباري المعنوي لما فقدوه من حياتهم وما أصابهم من ضرر نتيجة ما حصل لهم من مأساة لم تزل مستمرة حتى اليوم .
كنا نأمل من مجلس النواب أن يلتفت الى وجع العراقيات من الكورد الفيلية الساكنات في مخيمات اللجوء يتحسرن على قنينة النفط حتى اليوم ويعيد لهم الاعتبار في إعادتهم لوطنهم وأهلهم ، وكنا نأمل كثيرا ولكن وجعنا يزداد حين نعلم من إخوتنا الكورد الفيلية أنه تتم أحالتهم على مديرية الإقامة ، وتمنح لهم بطاقات هوية مؤقتة لاتليق بالعراقي .
ومن الغريب أن تقوم وزارة الداخلية في الزمن الصدامي البغيض بتحمل وزر تنفيذ الجريمة ضد الكورد الفيلية ، وان تقوم وزارة الداخلية في زمن العراق الجديد بتدقيق عراقيتهم التي سلبها صدام وتشك في أصالتهم بعد كل هذه المرارة .
للكورد الفيلية حق ومن يسلب هذا الحق سيحاكمه التاريخ قبل إن تحاكمه جماهير العراق ، وقد مضت فترة طويلة كانت المرارة تملأ القلب ، ونحن ننتظر أن يلتفت ضمير أو ينتفض حر ليعيد لهم ما سلبته الدكتاتورية وسلطات الطغيان الشوفينية .
لذا نأمل منكم التفاتة في إن تجسدوا نصوص الدستور وهي أعلى من القوانين ولا يجوز مخالفتها ، ونأمل أيضا إن تقدموا على ما يعيد الاعتبار لتلك الأعداد من العراقيين بما يجعل عملكم هذا مسجلا كموقفا وطنيا ضمن فترة عملكم كوزير للداخلية ، فالوزارات متغيرة والمراكز متغيرة وهي فرصة أخي الكريم في أن تتفحص معهم الألم الذي يشعر به الكوردي الفيلي حين يتم التعامل معه حتى اليوم وفق الأسس الخاطئة ، وان تتمسك مؤسسات وزارتكم بكل النصوص التي حرص عليها الطاغية بقصد إيقاع أكبر الأذى بهم .
وأخيرا تقول مقدمة الدستور انه نحن أبناء وادي الرافدين عقدنا العزم على نصنع عراق المستقبل دون نعرة طائفية ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولاتمييز ولا أقصاء ، فهل يمكن إن نحقق ذلك مع الكورد الفيلية ؟
وحق أن نقول أن للكرد الفيلية حقوق لما لحقهم من تهميش وظلم وأن نعيد لهم الأعتبار بالكيفية التي نراها ويرونها متناسبة مع حجم الظلم الذي وقع وطول مدة بقاءه وتأثيره على حياتهم وحياة العراقيين ، فقد تعرضت نفوس العديد منهم الى الإحباط والعذاب النفسي الكبير بالإضافة الى التشتت والتباعد بين أبناء الكرد الفيلية والذي حتمته الظروف التي صاروا زوارق في لجة بحرها .
وبقيت النقطة الأخيرة التي ينبغي أن تستقر في ضمائر أي مواطن يتبوأ مركزاً دستورياً أو قانونياً أو سياسياً في العراق الجديد ، بأن يضع الكرد الفيلية أمام ضميره ويضع لهم الاعتبار الذي يليق بهم في مناحي العمل السياسي والاجتماعي في العراق الجديد ، فمثل هذه الشريحة التي أعطت ولم تزل تعطي جديرة بأن تأخذ مكانها اللائق في بناء الخراب العراقي .
ومع أن المواطن سيصبح متساوياً مع الجميع في الحقوق والواجبات ، إلا أننا نذكر بأن التضحيات الجسام التي قدمتها هذه الشريحة العراقية التي ما فتأت تناضل وتعمل بكل قوة من اجل عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي يميزهم ويجعل عطاءهم كبيرا بحجم المحنة العراقية .
ولطالما بقيت البدعة القانونية والأكذوبة التي اخترعها دعاة الشوقينية المقيتة في العراق المتجسدة في شهادة الجنسية العراقية ، الى درجة انه ربط الوطنية والوطني بحيازته لهذه الشهادة وفق حروفها المقيتة وقانونها الأحول .
وإذا كانت الجنسية بحد ذاتها عقد قانوني بين المواطن والدولة ، وإذا كانت الجنسية العراقية تمنح للعراقي وفق القانون الخاص بالأحوال المدنية وفق الاعتبارات والفقرات الخاصة بهذا المنح ، فأن شهادة الجنسية العراقية كانت على الدوام الخنجر الذي يمكن أن يطعن خاصرة شريحة معينة من شرائح المجتمع العراقي .
من أين جاءوا بمشروعية التبعية العثمانية ؟ ومن أين جاءوا بعدم مشروعية التبعية الآيرانية ؟
وكيف يمكن التمايز بين أحتلالين بغيضين للعراق ؟ وفقاً لشهادة وسند صادر من السلطات العراقية التي تعاقبت وهي تحرص على التمسك بهذه الشهادة المقيتة التي ليس لها ادنى قيمة قانونية .
والجنسية هي إحدى الخصائص الشخصية التي تميز المواطن في دولة ما عن غيره من المواطنين في الدول الأخرى ، وهي بموجب القوانين عنصر من عناصر الشخصية التي تميزه ، ولم تظهر أهمية الجنسية العراقية إلا بعد قيام النظام الملكي في العراق حين أصدرت السلطة الملكية قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924 بتاريخ 23 آب 1924 ، ومن غرابة هذا القانون انه جاء قبل إعداد الدستور العراقي ( القانون الأساس ) الذي صدر في العام 1925 .
وبصدور شهادات الجنسية تم وضع أول الشروخ المتعمدة بين المواطنين العراقيين بتقسيمهم تقسيمـــاً لايمت للمنطق ولا للعدالة بشيء ، فقد ترتبت التزامات وقوانين استندت على القانون المذكور والذي بقي ثابتاً غير قابل للنقاش أو أعادة النظر طيلة الفترة منذ صدوره في بدايات الحكم الوطني حتى سقوط صدام وانتهاء سلطة الدكتاتورية ، ووفق قانون الجنسية هذا تم تسجيل تبعية المواطن العراقي بالعثمانية أو الفارسية ، ولذلك تم تسجيل المواطنين العراقيين وفقاً لهذا الأساس في تبعيتهم ، حين صاروا من التبعيــــة العثمانية ( التركية ) او من التبعية الآي رانية ، وصار ت العشائر العربية المسجلة وفقاً لاحتلالها من التابعية الفارسية مشكوكاً بولائها ومواطنين من الدرجة الثانية ومصنفين في التمايز بدرجة اقل من درجة المواطنين من تابعية الاستعمار التركي ( العثماني ) .
ووفق هذا التمايز والشرخ الذي أقترحه الانكليز في حينه واعتمدته العقليات المتطرفة قوميا ومذهبياً ، في صياغته على شكل قانون يتم تنفيذه وتطبيقه على عموم العراقيين ، لمنه بقصد وضع شرخ كبير وفاصل واضح في تبعيتهم . أذ كان المقصود منه حشر أكبر شريحة ممكنة من العراقيين في خانة التبعية الفارسية ، وبشكل أكثر وضوحاً العمل على تقييد حقوق أبناء المذهب الجعفري ، والكرد الفيلية منهم خصوصاً ، حتى يكون القانون سيفاً مسلطاً وخنجراً منغرسا في الخاصرة يتم استعماله متى شاءت السلطة ضد من تريد إيقاع تأثير وأبعاد القانون القاسية عليه من هذه الشريحة العراقية تحديداً .
ووفق هذا القانون الذي تم بناء نصوص وفقاً للتمايز المذهبي والطائفي تم أهدار نص دستوري وارد في القانون الأساس الصادر بتاريخ 6 آب 1925 حين أكد في المادة السادسة منه أنه لافرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون ، وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة ، إلا أنه احتاط لهذا الالتفاف حين ذكر في نص المادة الخامسة أن الجنسية العراقية تعين وتكتسب وتفقد وفقاً لأحكام قانون خاص ، ويقصد به قانون الجنسية والذي بيت بقصد أن يتم استعماله خلافاً لمبدأ المساواة بين العراقيين ، الذين أصبحوا تحت وطأة نصوص قانون الجنسية عراقيين من التبعية العثمانية ، وعراقيين من التبعية الفارسية .
أن القانون المدني العراقي جعل الجنسية من خصائص الشخصية وفقاً لمنطوق المادة 37 ، ومثلما يكون من حق الشخص ان يكون له أسم ولقب يلحق بحكم القانون بأولاده ، فأن له الحق في الجنسية أيضاً ، كما عرف الموطن بأنه المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة بصفة دائمية أو مؤقتة ، كما جوز القانون أن يكون للشخص أكثر من موطن ، وحيث أن الجنسية ينظمها قانون ، فالقانون العراقي هو المرجع في تكييف تلك العلاقات العقدية ، وتعسفاً في استعمال القانون منعت السلطة الصدامية القضاء العراقي من النظر في الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون الجنسية ، مما يدلل على سوء النية والقصد المبيت في عمليات تسفير الكرد الفيلية .
وإذا كانت الجنسية تعني السمة والرابطة التي تحدد الانتماء إلى شعب من الشعوب ، وحيث تتشكل الحكومة من هذا الشعب ، فتتحدد على ضوء ذلك الأمر طبيعة العلاقة بين المواطن وبين الدولة ، بمعنى أن تكون هناك دولة ذات سيادة ، وهناك رأي ليفرق بين الدول ذات السيادة مع الدول ذوات السيادة المنقوصة في مجال الجنسية ، وأن يكون هناك إنسان يتم منحه الجنسية ، وان تكون هناك علاقة أو رابطة بين هذا الإنسان وتلك الدولة ، حيث يتم اكتساب تلك الجنسية بطرق متعددة ، منها الولادة على أرض تلك الدولة .
ويتم منح المولود الجنسية أما تبعاً لجنسية والديه أو احدهما ، أو تبعاً لولادته على ارض تلك الدولة ، كما يتم منح الجنسية التي يكتسبها الفرد بعد أقامة طويلة ومحددة قانوناً ، ووفقاً لاعتبارات نص عليها القانون.
وصارت شهادة الجنسية وتابعية المواطن سيفاً مسلطاً على الرقاب تستخدمه السلطات كيفما تشاء ووفق سياستها إزاء كل حالة ، فمن رفض الجنسية العثمانية تخلصاً من الجندية والسوق الى الحروب وبقي على جنسيته الإيرانية صار إيرانياً بالتبعية رغم أنتماءه العربي أو الكردي الواضح وخصوصاً ماصار اليه حال الأكراد الفيلية ، وجلهم من الأكراد العراقيين الأصلاء .
ومن السخرية ان يتم اعتبار عرب وأكراد الجنوب والفرات الأوسط بما فيهم الأكراد الفيلية من التابعية الآيرانية ومشكوكاً بولائهم للسلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، في حين يتم اعتبار جميع المهاجرين من هنود وباكستانيين وأرمن وأتراك من الذين قدموا إلى العراق وكذلك العرب منهم الذين صاروا تحت لواء الجنسية العثمانية ، مواطنين لايشك في ولائهم ولايتم تهديدهم تحت حد السيف الذي تشهره السلطات .
ويتذكر أهل العراق عملية التسجيل في كلا التبعيتين ، حيث كان من يريد التخلص من الخدمة العسكرية يسجل في التبعية الفارسية بالرغم من ثبوت انتماؤه العربي أو الكردي والعشائري ، ووفقاً لهذا القانون فأن مواطنتهم أصبحت أدنى درجة من المواطن الاعتيادي ممن سجل نفسه أو عشيرته من العثمانيين ، ولا يغب عن البال أن العشائر المحاددة لدولة إيران من العرب والكرد الفيلية هم وحدهم من سجل تابعيته بالفارسية ، اما مناطق أعالي الفرات فلم يسعفها الواقع الجغرافي على ذلك السلوك فبقيت تحت التبعية العثمانية ، مع وجود تابعين للفارسية ولكنهم ولدوا مع أجدادهم وربما أجداد أجدادهم في العراق .
ولربما كان استقرار الحياة العراقية وبساطتها ، ولربما كانت اللحمة الأجتماعية وانتشار قيم وأعراف الخير بين الناس ، ما جعلها تتناسى وجود مثل هذا السيف المسلط على رقاب العراقيين ، والذي ليخدم الحقيقة ولا المستقبل العراقي .
وأذا كانت الجنسية حق من حقوق المواطن العراقي يكتسبها ويحصل عليها دون النظر الى قوميته او عشيرته او دينه او مذهبة او جنسه او عرقه او لونه او اتجاهه السياسي ، والجنسية هي تلك العلاقة القانونية والسياسية بين الفرد والدولة ، ووفق هذا التعريف المختصر ينبغي أن تكون هناك دولة ، كما ينبغي ان يكون هناك مواطن أو مجموعة من المواطنين يحملون تلك الجنسية ، كما يتوجب ان تكون هناك علاقة بين هذا المواطن او المجموعة وبين تلك الدولة ، وهذه العلاقة ينظمها القانون وهو ملزم الأتباع والتطبيق .
والدولة لاتكون سائبــة او متحللة من التزاماتها الإنسانية والقانونية والمعاهدات الدولية ، فهي مقيدة بمعايير حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ومبادئ القانون الدولي والأعراف الدولية بالإضافة إلى الأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الدولي ، ومثلما لايجوز أن يتم تجريد مواطن من جنسيته دون سبب وقرار حكم قضائي بات ، فأنه لايجوز أجبار مواطن على اكتساب جنسية دون أرادته وموافقته الصريحة .
وحين نتكلم عن الجنسية والتجنس ، فأننا لانتعرض ( لشهادة الجنسية العراقية ) ، وهي وثيقة لاتشابهها وثيقة أخرى في المنطقة العربية ولا في الدول الأوربية والأجنبية ، فالجنسية هي التي تحدد مواطنة الفرد وتابعيته لتلك الدولة ، ولايمكن القبول بدرجات في المواطنة ما دام المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات في نصوص الدستور ، كما لايمكن ان تكون رابطة قانونية متعددة الدرجات لتمايز بين المواطنين في الدولة الواحدة .
وحيث أن جنسية العراقيين كانت عثمانية لغاية الاحتلال البريطاني للعراق ، وباعتبار أن العراق أصبح تحت الانتداب البريطاني مما يعني انه أنسلخ عن سلطة الدولة العثمانية ، وبالنظر لتبدل السيادة بعد قيام الحكم الوطني في العراق ، فقد صار لزاماً أن يكون جميع العراقيين ممن يتم اعتبارهم من حملة الجنسية العراقية .
إلا ان قانون الجنسية أورد نصاً في المادة الثالثة منه يقول :
(( كل من كان في يوم 6 آب 1924 من الجنسية العثمانية وساكناً في العراق عادة ، تزول عنه الجنسية العثمانية ، ويعد حائزاً على الجنسية العراقية في التأريخ المذكور . ))
وفي العام 1932 تم تعديل نص المادة الثامنة من قانون الجنسية فأصبح كما يلي :
(( كل من ولد في العراق وبلغ سن الرشد ، أن كان والده مولوداً في العراق وكان مقيماً فيه عادة حين ولادة أبنه على أن لانطبق هذه الفقرة على الشخص الذي ولد قبل 6 آب 1924 وكان تأريخ بلوغه سن الرشد من رعايا تركيا ، او دولة انسلخت عن تركيا بموجب معاهدة لوزان المؤرخة في 24 تموز 1924 . ))
وبالرغم من أن التابعية كانت متوزعة بين الفارسية التي كان العديد من العرب في جنوب ووسط العراق يميلون اليها بحكم المذهب أو التقارب الديني أو العلاقات التجارية أو المصاهرة والنسب أو لعوامل أخرى ، فقد كان غيرهم من نفس المناطق يميل إلى التابعية العثمانية بسبب الارتباط الوظيفي او الانتماء الديني أو المكاسب التي يحصلها بعض من العثمانيين أو لأسباب ربما تتشابه مع تلك التي تمسك بها غيرهم .
لذا فأن شهادة الجنسية العراقية جاءت لتلغي كل هذه المعايير وتضع معياراً شاذاً لم يسبق للدول الحديثة التي تحترم نفسها أن أخذت به في تصنيف مواطنيها .
واستخدمت السلطات الشوفينية ( شهادة الجنسية ) كذريعة ووسيلة للتنكيل بالمواطنين العراقيين من معارضيها ، فأقدمت على التسفيرات والتشريد والابعاد بحجة التبعية بما يتعارض مع النظرة القانونية والإنسانية وخلافاً لكل المعايير القانونية الدولية .
وأذا كان تاريخ السادس من شهر آب عام 1924 يوم صدور قانون الجنسية الذي اسقط الجنسية العثمانية عن العراقيين وحلت الجنسية العراقية بديلاً عنها ، فأن هذا الإحلال لم يلغ الشروخ التي كرستها القيمة القانونية لهذه الشهادة ، ولم يسبق لدولة من الدول أن أصدرت جنسية للمواطن ثم أصدرت له مايشهد له بهذه الجنسية وفق درجات محددة ومتفاوتة سوى القوانين الشوفينية التي تكرس العنصرية وتؤشر بشكل غير مباشر الى الانتماء الطائفي المقيت في العراق ، ونعتقد ان الدافع الحقيقي في أيجاد صيغة قانونية لشهادة الجنسية العراقية تكمن في خلق تمايز قانوني ووطني بين العراقيين ، اذ لايعقل أن يكون المواطن من الأصول التركية أكثر وطنية من المواطن من الأصول الفارسية او الهندية الا بسبب الانتماء الطائفي ، وفي تكريس هذا الأمر كل هذه المدة دون أن نستجيب لدواعي العقل والمنطق ومسايرة القوانين الدولي أكثر من حالة سلبية مستهجنة وتكرس الطائفية .
فالجنسية تمنح لكل من ولد بالعراق ولكل من ولد من أبوين عراقيين ولكل من كان أبويه عراقيين وولد خارج العراق ، الا أن اعتبار العراقيين فئتين ( أ ) وهي الأصليـــة و ( ب ) وهي التبعية وفقاً لشهادة الجنسية يتعارض مع نص اكتساب الجنسية العراقية في كل حالاتها ، حيث صارت شهادة الجنسية العراقية عثمانية أو تبعية .
والمتمعن في تأريخ قانون الجنسية الذي صدر بعد ثورة 30 حزيران 1920 والتي بقيت في ذاكرة المحتل البريطاني ، حيث أصبح العراق تحت الانتداب البريطاني بموجب قرار عصبة الأمم ، ونعتقد أن السياسة البريطانية أوجدت هذا المشروع الذي يجعل التفرقة بين العراقيين قانوناً ، بالإضافة إلى انه يحد من مطالبة الكرد الفيلية والعرب من أتباع المذهب الجعفري ، والذين نازلوا الاستعمار البريطاني ووقفوا بوجههة مع قياداتهم الدينية .
وليس أكثر تأكيداً على الطائفية المفرطة من التفات سلطة البعث عام 1963 لإصدار قانون جديد للجنسية برقم 43 لسنة 63 ، تم إدخال قيود أخرى على منح الجنسية وسحبها مع التأكيد على شهادة الجنسية العراقية واعتبارها الفيصل في مدى وطنية ومواطنة العراقي ، بل صارت شهادة الجنسية شرطاً أساسيا من شروط التعيين والعمل والدراسة والسفر والعديد من الحقوق والمعاملات التي تهم المواطن العراقي ، ولحق القانون المذكور تعديلات عديدة تؤكد حرص السلطات التي تعاقبت على حكم العراق والمتسمة بالشمولية والشوفينية على تكريس مبدأ استعمال شهادة الجنسية على العراقي ، ومنح القانون السلطة التنفيذية صلاحية أسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي لم تكن عائلته ساكنة العراق بشكل اعتيادي قبل الحرب العالمية الأولى ، أذا صدر عنه أو حاول أن يأتي عملاً تعتبره السلطة خطراً على أمنها وسلامتها ، كما سلب القانون المذكور سلطة القضاء العراقي في ولايته العامة ورقابته على قرارات وأوامر وتعليمات السلطة التنفيذية ، كما جاءت المادة ( 20 ) لتفضح الرغبة العارمة والدفينة في خرق حقوق الإنسان وما تبيته السلطات الحاقدة بحق العراقيين ، من أسقاط جميع الحقوق القانونية عن المشمولين بالقانون ، بالإضافة إلى سحب جميع الوثائق التي تثبت عراقيتهم .
وليس أكثر دلالة من القصد المسبق والتوجه الطائفي والشوفيني المبيت في تلك القوانين ، من القرارات التي لحقتها ، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قراراً برقم 666 لسنة 1980 يخول بموجبه السلطة التنفيذية ( وزير الداخلية أو من يخوله قانوناً ) صلاحية سحب وإسقاط الجنسية العراقية عن كل من تعتبره السلطة لايوالي الوطن والشعب والأهداف القومية والسياسة الحزبية للحزب البائد ، وزيادة في التعسف باستعمال الصلاحيات والنصوص تأتي برقية وزارة الداخلية في الزمن الصدامي البغيض والمخالفة لحقوق الإنسان والمنطق والعقل ، حين تصدر برقية برقم 2884 في 10/4/1980 نصها :
(( عند ظهور عائلة البعض منها حاصلين على شهادة الجنسية تشملهم الضوابط ، الا أن البعض الأخر مشمولين فيعتمد مبدأ – وحدة العائلة خلف الحدود – مع سحب الوثائق أي الجنسية . )) ، مع التأكيد على نص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي قرر الحق لكل فرد في أن يكون له جنسية وأن لايمكن لأحد أن يسلبه هذه الجنسية ، وأن لايحبره أحد على التخلي عنها أو تغييرها ، والمتمعن في الفرق بين التطبيق العملي للفكر الصدامي فيما يخص سحب الوثائق العراقية حتى ممن كان عراقياً بوثائق رسمية ، وتسفيره مع بعض من عائلته ممن شملهم قرار التسفير ، وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
حتى صارت شهادة الجنسية العراقية في العديد من الأحوال أهم وأكثر أهمية من الجنسية العراقية نفسها .
ويقيناً ان استعمال وسيلة التفسيرات بحق شريحة كبيرة من شرائح الشعب العراقي لأسباب طائفية وسياسية وقومية ، فقد استعملت وسيلة التسفير ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة بذريعة الأصول الأجنبية وبحجة عدم استحصال شهادة الجنسية ( ا ) ، والحقيقة ان هذه التسفيرات التي شملت أيضا الأكراد الفيلية كانت بسبب قومية الفيلية الكردية الأصيلة ، وبسبب انتماء جميع المسفرين الى المذهب الجعفري من الشيعة الأمامية دون غيرهم من أبناء المذاهب الأخرى في العراق ، وكذلك بسبب معارض هذه الشريحة للسلطات القمعية والطائفية والشوفينية على الدوام مما زاد حقد السلطة عليهم ، وللحقيقة نذكر ان العديد من الكرد الفيلية ممن جرى تسفيرهم ومصادرة أموالهم كانوا يحملون شهادة الجنسية العراقية ( آ ) وهم من التبعية العثمانية ، ولم يتم الأعتراف والاعتداد بالمستندات الرسمية الثابتة التي تمنع تسفيرهم للأسباب التي تذرعت بها السلطة حينذاك .
وليس أكثر دلالة على التوجهات الطائفية في قضية التسفيرات ، التقيت اثناء عملي القضائي بطبيب عراقي لم يكن يحمل شهادة الجنسية العراقية ، وهو من أبناء التبعية الباكستانية ، ولما استوضحت منه عن أسباب عدم شموله بالتسفير ، أسرني انه من مذهب لايمت للجعفرية بصلة ، وقد تثبتت الجهات الأمنية من تلك المعلومات وأعفته من التسفيرات وسمحت له بممارسة عمله الوظيفي والمهني .
كما مارست السلطة العراقية ضدهم ممارسة تنم عن خسة ، حين قررت تشجيع الرجال المتزوجين من الكرديات تطليقهن والزوجات العربيات على تطليق أزواجهن من الكرد الفيلية ، ومنح من يقم بهذا العمل مكافأة مالية ، كما كان هؤلاء لايتمتعون بأدنى حقوقهم الأنسانية ، فليس لهم مدارس خاصة ، وليس من حقهم التحدث بلغتهم مع أولادهم بشكل رسمي ، كما ليس لهم من يمثلهم في جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق ، وعملت السلطات على صهرهم داخل المجتمع العربي لطمس معالم قوميتهم خلافاً لما أقرته الشرائع والاتفاقيات الدولية ولوائح حقوق الإنسان .
ولذا نستطيع الجزم مرة أخرى من أن قرارات التسفير التي طالت الكرد الفيلية لم تكن بسبب عدم امتلاك بعض منهم شهادة الجنسية التبعية العثمانية ، وليس بسبب تبعيتهم الفارسية ، وأنما كان القرار يتضمن داخله أسباباً طائفية وسياسية وقومية متطرفة أوغلت السلطة في اتباعها ضدهم .
واللجوء إلى سحب الجنسية وتسفير الشرائح العراقية بالشكل الذي حدث في العراق يشكل وصمة عار في جبين الحكام والمسؤولين الذين طوعوا النصوص القانونية ضد أبناء شعبهم ، ومارسوا ممارسة تنم عن الحقد الدفين ضد شريحة مذهبية من شرائح العراقيين ، بالإضافة إلى اتهامهم بالعجمة او التحدث بالفارسية ، وسبق للسلطات الملكية في العراق أن استعملت المراسيم الملكية المستندة على نصوص القانون لتسفير افراد محددين لأسباب سياسية وطائفية ، بسبب مواقف عدد منهم ضد الأنكليز ، وعدد آخر بسبب انتماؤهم لأحزاب عراقية وطنية ، مثل الحزب الشيوعي العراقي .
و على هذا الأساس فقد بلغت حدة التسفيرات لتشمل عوائل تمتلك شهادة الجنسية العراقية ومن النوع ( أ ) وكان بعض من اولادها ضباطاً في الجيش العراقي برتب متقدمة وأطباء يعملون في المستشفيات العراقية ، بالإضافة إلى ضباط متقدمين في الشرطة العراقية ، كما تم تسفير العديد ممن انهوا الخدمة العسكرية الالزامية وتم تسفير طاقات ثقافية وعلمية كبيرة ومهمة ، ولكن هذا لم يتشفع لها بسبب قرار النظام الصدامي الانتقام من الشيعة بسبب شنه الحرب العدوانية على إيران ولغرض التنكيل بأتباع هذا المذهب من العرب والكرد ، وتوسعت حملات التسفير التي سكت عنها العالم بشكل مخزي وسافر حين تم تسفير مئات الآلاف من العراقيين في العراء وتحت ضغط الأجواء المناخية القاسية ودون أية احتياجات انسانية أساسية ودون أية مستمسكات او اموال ، وإبقاء حالتهم دون حل مدة طويلة .
فقد تم اقتيادهم إلى مقرات الجيش الشعبي ودوائر الأمن والجنسية ، ومن ثم جرى عزل الشباب عنهم ، وتم تسفير اعداد كبيرة منهم بالسيارات العسكرية إلى مناطق الحدود مع إيران ، ومع أن تلك الحدود كانت مزروعة بالألغام ومحرمة فأن السلطات العراقية أجبرت تلك الأعداد على عبور تلك الأراضي باتجاه إيران وقامت برميهم بالرصاص وإجبارهم على المضي باتجاه إيران ، والتي لم يلقوا منها المعاملة الأنسانية التي تليق بهم لايحملون معهم أي شيء سوى ارواحهم التي بقيت تحوم حول سماء العراق .
وسحبت الجنسية عن هذه المجاميع بالرغم من كون قرار السحب يخالف ابسط حقوق الانسان ويتعارض مع القرارات الدولية ، وتصرفاً ينتهك انسانية البشر وقائماً على الإرهاب والتمييز الاجتماعي والطائفي والسياسي ، بل ومخالفاً لنصوص الدستور المؤقت والدساتير التي شرعت في العراق ، وأصدرت السلطة العراقية قرارا يمنع بموجبه المحاكم العراقية من النظر في الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون الجنسية ، لقطع الطريق على المواطن العراقي الذي يعترض على عدم قانونية أسقاط الجنسية عنه أو عن تسفيره مع عائلته ، وفي اليوم الذي يتم إسقاط الجنسية العراقية عن عراقيين مناضلين واصلاء يتم منح الجنسية العراقية لمواطنين عرب ليس لهم أية أهمية للعراق ولايعملون في أي مجال سوى مجالات التجسس والمخابرات والأمن والقمع ، ولم يكنوا مقيمين المدد القانونية ولم يقدموا للعراق ما قدمته هذه المجاميع التي تم التنكيل بها .
وتأسيساً على تلك النصوص التي يراد بها سلب مواطنة العراقيين ، صدر قرار مجلس قيادة الثورة المنحل المرقم 180 في 3 شباط 1980 والذي أعتبر بموجبه بعض العشائر غير العربية والتي ثبت أنها تسكن العراق منذ عهوده السحيقة ، اعتبرها من الأجانب مسمياً تلك العشائر من الكرد الفيلية ( ملك شاه السوره ميري والقره لوس والأركوازية والكويان والكركش والزركوس ) ، هذه العشائر عراقية وعريقة في سكنها الأرض العراقية ، وهذه العشائر واكبت الزمن العراقي وتقلب الحكومات التي تعاقبت على الحكم ، ويقيناً أن كتاب الأنساب وتأريخ العشائر والتراث يدركون قبل غيرهم هذه الحقائق ، ومع معرفة السلطات ان هذه العشائر مستقرة في العراق منذ الزمن القديم ، ويقينا أنها موجودة قبل صدور قوانين الجنسية وتعديلاتها ، وأن الوثائق العراقية سواء منها في العهد العثماني أو الملكي بعد الاحتلال تثبت ذلك ، مما يوجب ان يتم اعتبار منطوق المواطنة العراقية منطبقاً عليها ، ووفق معيار الدولة العصرية الحديثة في العصر الراهن ووفقاً للعلاقة القانونية والسياسية مع الدولة ، فأن مواطنتهم لاالتباس قانوني فيها ، فهم لم يعرفوا غير العراق وطناً وأرضاً يقيمون عليها ويتملكون فيها ولم حقوق ثابتة ويحميهم الدستور العراقي الذي ركلته السلطة البائدة بالأقدام .
بالإضافة إلى كونهم يتمتعون بكافة عناصر الشخصية القانونية في وطنهم العراق وفي اسماؤهم وذمتهم المالية وحقوقهم الشخصية التي حددتها القوانين النافذة .
ولانعتقد ان سلطة اخرى غير السلطة العراقية البائدة بيتت لشريحة من شرائح الشعب لتلغي كل ما اكتسبته من حقوق دستورية وقانونية ، وما صارت به كمراكز قانونية تتمتع بها وتحميها ضمن مفهوم الرعوية والتابعية والمواطنة ، لتنتقم منها وتعالجها المعالجة الكسيحة في تهجيرها وتسفيرها قسراً وبالقوة ودون أي حق قانوني ومنعهم من مراجعة القضاء الذي تم تكتيفه بمنعه من النظر بتلك الدعاوى ، ودون أن يصطحبوا معهم أي مستمسكات قانونية لأثبات عراقيتهم ومواطنتهم وحقوقهم المالية حيث تمت مصادرتها وأتلافها وإخفاء العديد منها .
وليس من المنطق ان تكون المشكلة الخاصة بالجنسية بعد تشكيل الحكومة الملكية والتي كانت تسمى بالحكم الوطني ، لأن هذا الحكم جاء منبثقاً على اعتاب سيطرة الإمبراطورية العثمانية على العراق زمناً ليس بالقصير ، كما استوطن العراق بالإضافة إلى العرب والأكراد والتركمان والكلدان والاشوريين والأرمن ، موجات من البشر من الهنود والباكستانيين والأفغان والأتراك ومن بلدان عربية أخرى بحكم التمازج الإنساني ، واستقروا في العراق ، كما أن عشائر عربية كانت تسكن الأراضي العراقية والايرانية لايمكن ان نصنفها بالعشائر العجمية كعشيرة بني أسد او بني مالك على سبيل المثال لاالحصر .
ومهما يكن الأمر فأن نظام صدام البائد حين سقط وأستبشر الناس خيراً لم تسقط قوانينه الجائرة بالرغم من التفات السلطة المؤقتة الى إلغاء العديد من القوانين والقرارات الجائرة ، حيث بقيت القيم والمفاهيم التي أشاعها في عقول العراقيين سائدة وتظهر للعيان بين فترة وأخرى .
وليس أكثر حزناً من وجود مسئولين وموظفين في الدولة العراقية الجديدة يستندون ويطلبون شهادة الجنسية العراقية من المواطن في أية معاملة أو طلب أو ترشيح ويجعلون لها الأعتبار الأساس في المواطنة .
وأذا كنا نرسم أن العراق هو وطن الجميع دون تمايز أو تفرقة ، وإذا كنا نعتقد حقاً بأن الإنسان أغلى من أي شيء ، وإذا كنا حقاً نريد حياة جديدة تليق بالمواطن العراقي ، وجب علينا أن نحترم مواطنينا وأهلنا وإخوتنا ، وان لانزيد في نكأ جراحاتهم ، وان نجعل خسة السلطات الشوفينية وقيم صدام البائدة تعمل بيننا .
مزقوا شهادات الجنسية ودوسوها بأقدامكم فليس هي المعيار لتحديد مساحة المواطنة لدى المواطن العراقي ، وربما سأكون السباق لأضع شهادة الجنسية العراقية التي منحتني اياها الدولة العراقية وفقاً للفقرة ( أ ) باعتباري عربياً من بني حجيم ( الفرات الأوسط ) ، أضعها تحت أقدام أي أخت أو أم من الاكراد الفيلية من العراقيات الأصيلات اللواتي قدمت فلذات أكبادها تضحية لهذا العراق الذي نريد له ان يكون وطن الجميع بحق ، تدوس عليها فليس لها أية قيمة أو معنى ، فالعراق لنا جميعاً دون أي فرق في القومية أو المذهب أو الدين أو الفكر أو الجنس .
العراقي الذي بقي يتمسك بجنسيته وانتماءه للعراق بالرغم من كل جنسيات العالم التي اكتسبها وفقاً للقانون ، جدير بأن يكون له مايليق بهذه المواقف .
والعراقي الذي بقي يلتصق بالعراق رغم كل مامر عليه من محن التهجير والمصادرة وبقاءه دون سندات وهويات وجوازات سفر ، جدير بأن نقول له أنت العراقي الحقيقي .
والجنسية حق طبيعي للمواطن ينبغي ان تعاد لكل من سحبت عنه الجنسية وأن نلغي من عقولنا قبل القانون تمسك بعضنا بشهادة الجنسية العثمانية التركية أو الفارسية المعيبة ، وان نجعل التمايز بين العراقيين جريمة جنائية يعاقب من يمارسها وفق نصوص القوانين ، وأن نضمن إعادة جميع الحقوق المصادرة للمسفرين وأن نعيد كل الأموال المحجوزة لأصحاب العلاقة ، وبالسرعة التي يمكن ان ترفع جزء من محنتهم وإنسانيتهم ، وبما يليق بتحملهم كل هذا الضيم وجبال الحزن والمرارة من اجل العراق ، وأن نضمن تطبيقات حقيقية لحقوق الانسان والمجتمع المدني .
وأن نراعي الوضع الإنساني والنفسي الذي صارت فيه ألاف العوائل العراقية جراء سياسة صدام ، وان تلغي سفاراتنا وبيوتنا العراقية في الخارج الطلب من أي مواطن عراقي شهادة الجنسية فهي كانت على الدوام الرمز الطائفي والشوفيني البغيض للعراقيين .
مزقوها فما عادت لنا بها حاجة في الزمن العراقي الجديد .
دون أن نجد من يختلف معنا في التضحيات الجسام والمحنة العراقية الكبيرة التي لحقت بالكرد الفيلية ، وهم الشريحة العراقية التي اعطت وضحت وساهمت في بناء العراق ، وكان لها الشرف في وضع اللبنات الاولى للحكم الوطني العراقي ، بعد أن كان لمساهمتها التأريخية في حكم الأمارات الفيلية في مناطق أيلام ولرستان ،او من خلال الدولة الاتابكية الخورشيدية او الحكومة النخودية في العراق او الديرية الفيلية في البصرة او الزندية الفيلية أو في مقاومتهم للعثمانيين والأنكليز وللسلطة الصفوية او السلطات الغاشمة التي حكمت العراق منذ الأحتلال الأنكليزي ولحد سقوط سلطة الطاغية الأخير صدام .
دون أن نجد من يختلف معنا كون هذه الأسر العفيفة والمناضلة التي تتشكل من الكرد الفيلية التي دخلت التاريخ العراقي من أوسع أبوابه ، والتي يفتخر العراق بها حقاً ، تحملت من ضيم وجور السلطات الشوفينية البائدة مالم تتحمله غيرها من شرائح العراق ، فكان ظلمها مضاعفاً ومتواصلاً وجراحها عميقة ، فقد تحملت مالحق بالكرد من ظلم وغبن ومطاردة وقتل وإنكار للحقوق ، وتحملت مالحق بالشيعة من تغييب وتهميش وإنكار لحقوقهم في المواطنة والدستور ، و تحملوا العذاب والموت في الأقبية والمواقف والزنازين بسبب ميلهم للعمل مع القوى السياسية الوطنية الخيرة في العراق ، والتي كانت على الدوام مناهضة ومتعارضة مع السلطات القمعية والدكتاتورية التي تسلطت على العراق .
وأذا وجدت السلطة البائدة ذريعة وسبب تتعكز عليه لإلحاق الأذى بأبناء الكرد الفيلية ، فقد بالغت في إيذائهم وتعذيبهم حتى فاقت سياستها البوليسية والأمنية والبعيدة عن الفهم الإنساني تجاههم كل المعايير الإنسانية فقد كانت سياسة لاتمت للبشر بصلة ، فأوغلت في تمزيق نسيجهم الاجتماعي ، وعملت على تفرقة العوائل لزيادة العذاب والقهر ، وعمدت الى أجراء التجارب الكيمياوية على شباب الكرد الفيلية ، وانتزعت الأطفال من صدور أمهاتهم ، وفرقت أفراد الآسرة الواحدة ، وعمدت أيضاً الى تصفية العديد من الشباب دون تهمة أو سبب سوى انتسابهم بشرف للكرد الفيلية ، ونفذت أحكام الموت بالعديد منهم ، وأرسلتهم الى مجاهل الصحارى والأماكن غير المأهولة بالبشر ، وطمرت العديد منهم في غياهب السجون والقبور التي لم تكتشف بعد .
وصادرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة ، وسلبتهم حتى المستمسكات الشخصية التي اكتسبوها قانوناً ، كما هجرتهم سيراً على الأقدام وسط الألغام ومناطق القتال المحرمة وبين حقول المتفجرات والأسلاك الشائكة ، مجردين من أي غطاء تحت أقسى الظروف المناخية ، وتركتهم في مجاهل الحدود تحت رحمة الله .
وكانت بتلك الأعمال تترجم حقدها الطائفي والسياسي الدفين ، وكانت الأساليب تنفذ بناء على أوامر صارمة من الدكتاتور ، بالنظر لما لمسه من تعارض ومقاومة من تلك الشريحة العراقية المظلومة والتي كان النظام الصدامي يطلق نعوته غير المنصفة وغير العادلة بحقها ، منها الطابور الخامس والعجم والأجانب ، وقد تم تهجير وتسفير أكثر من ثلاثمائة ألف كردي فيلي خلال الفترة من 1970- 1982 من مختلف المدن العراقية .
واستمرت السياسة الصدامية تكرس جزء كبــير من سياستها الأمنية والظالمة ضد الكرد الفيلية ، وبالغت السلطة البائدة في كراهيتها وظلمها لهذه الشريحة التي طالما افتخر بهم أبناء العراق بكل قومياته المتآخية ، ولن نستعيد مالحق بالكرد الفيلية من عذابات واجهوها بقوة وصمدوا رغم كل تلك الظروف والمحنة التي مرت عليهم وزادت من صلابتهم ووقفتهم الأصيلة وأبرزت نقائهم وعطائهم ، حين بقوا أوفياء للعراق وللقوى الوطنية التي تعارض النهج الفاشي والشوفيني الصدامي ، متفاعلين مع قوى المعارضة للعمل بشكل دؤوب وفاعل من اجل إسقاط سلطة الطاغية .
وحين سقط الطاغية الصنم استبشرنا خيراً بإزاحة الظلم والضيم والغبن عن العديد من الشرائح الوطنية التي لحقها الظلم الكبير وعلى امتداد زمن طويل من السلطة الباغية ، والكرد الفيلية من بين هذه الشرائح .
وبقينا ننتظر أن يلتفت المسئولين في الحكومة المؤقتة أو الأحزاب العراقية الوطنية الى ضرورة أن يتم إزاحة أطنان الظلم التي أثقل بها كاهل أكتاف الشيوخ والعجائز الفيلية ، وبقينا ننتظر لحلول الفرصة التي ترد لهم بعض فرحتهم وحقوقهم ، وقد كتب العديد من الأخوة الذين ينتصرون لقضايا حقوق الانسان ولقضية الكرد الفيلية بشكل خاص ، لهذا الأمر وطالبوا بالإسراع في وضع الحلول التي تشعر الكرد الفيلية انهم غير منسيين .
لقد تم استلاب الحقوق من الكرد الفيلية منقولة وغير منقولة ، وقد تصرفت السلطة الصدامية بهذه الحقوق ، واستفادت من نمائها ومن منفعتها بشكل واسع ، وخصصت دوائر في المؤسسات الأمنية تخصصت بأموال الكرد الفيلية لتستغلها أبشع استغلال .
ليس فقط مصادرة الأموال المنقولة ، وإنما استغلالها من قبل دوائر السلطة وأفراد الأمن والأجهزة الأمنية الأخرى ، وتوزيع عدد منها بعمليات بيع صورية وبائسة في عمليات مزايدة محددة و صورية مرسومة سلفاً ، وبيع عدد كبير من العقارات الى المواطنين لتغيير شكلها وواقعها .
وإذ نجد أن السلطة المؤقتة والبرلمان المؤقت يلتفت الى قضية شهادة الجنسية ، حيث قررت الحكومة أن تعيد الجنسية العراقية لكل واحد منهم أسقطها عنه صدام البائد ، فأن إلغاء العمل بشهادة الجنسية كان ضرورة وطنية ليس فقط للكرد الفيلية ، وإنما لكل المجتمع العراقي بالنظر لأثرها السلبي ، وقصدها السيئ على واقع المجتمع العراقي .
فالمجتمع العراقي وبماعرف عنه من تنوع ديني وقومي ومذهبي ، كان خليطاً من الأعراق والأجناس والديانات والمذاهب ، مما يجعل الصورة واضحة من خلال صفحات التاريخ العراقي التي ابلى بها الإنسان بغض النظر عن ديانته او قوميته او مذهبة وثقافته من عطاء للعراق .
ليس فقط إلغاء العمل بشهادة الجنسية مايرفع الضيم عن كاهل الكرد الفيلية ، فقد سلبت السلطة حقوقهم وأضحوا دون حقوق مدة غير قصيرة من الزمن ، وعلى السلطة المؤقتة أن تستغل وجودها المؤقت لتعمل قبل غيرها على تمكينهم من استعادة حقوقهم بسرعة ، ووفقاً للحاجة الملحة التي صاروا عليها بعد سقوط الطاغية ، وعلى البرلمان العراقي المؤقت أن يستغل هذه الفرصة ليكرم الكرد الفيلية ويعيد لهم جزء من حقوقهم المسروقة والمسلوبة والمغتصبة ، وأن يمكنهم من استعادة هذه الحقوق بطرق قانونية سهلة لاتدخل فيها الأساليب التقليدية في الدعاوى ، فقد شبعوا ضيماً وظلماً ، وحين سلبت حقوقهم لم يتبع معهم أحد الطرق القانونية أو الدستورية .
وهي فرصة للقوى السياسية للتعبير عن مدى امتنانها لهذه الشرائح المعطاء ، وتعبير عن الوفاء لمن قدم وضحى من أجل العراق ، وهي فرصة لإثبات صدقية الوقفة الوطنية في الزمن المر .
ليس فقط باستعادة الجنسية التي سلبها صدام منهم يمكن ان نعيد لهم بعض من هيبتهم وبهائهم وفرحتهم ونعيد لهم مافقدوه من أعمارهم وتشتيت شملهم ، ليس فقط بإعادة ماسرقته السلطة البائدة من عقارات وأملاك وأموال و وثائق وحقوق مملوكة لهم صرفاً ، علينا أن نجد طرق قانونية وفقاً لأساليب القضاء المستعجل ، نختصر فيها المراحل والمدد القانونية ، في تعويض من تراه الهيئات القضائية جديراً بالتعويض وبشكل متناسب مع اعتبار لتحديد الفترة التي تمت مصادرة وسلب أمواله المنقولة منها أو غير المنقولة ، وأن نعيد لبعضهم عقاراتهم التي استغلتها السلطة مع تعويض عن فترة الاستغلال عن فترة حرمانهم من استغلال العين المسلوبة والمستغلة لصالح السلطة البائدة ، وأن تحسب لهم المدد التي تم تهجيرهم بها دون سند من القانون أو الدستور مدداً للتعويض ، وأن يتم تشكيل لجان للتخفيف عن كاهلهم الظلم الذي تراكم عليهم حتى يمكن أن يستعيدوا أنفاسهم عما لحقهم من قطع النفس وباستمرار ، وملاحقة السلطة البائدة لهم حيث لاحقتهم بخسة ودناءة خلال زمن ليس بالقصير خسروا فيه أبنائهم وآبائهم وبناتهم وأطفالهم ووطنهم وأملاكهم وغيرت معالم حياتهم ومستقبلهم ، فقد تقطعت بهم السبل وتناثروا في دول أوربا يتوزعون دون ان يتعرف احدهم على الاخر الا بصعوبة بالغة ، كما باتوا يحملون جنسيات غير جنسيتهم ، ويتحدثون بلغات غير لغتهم ، وكما فرض عليهم الوضع الجديد ان يتأقلموا مع واقع الحياة الجديدة ، وأن يتعلم أولادهم لغة تلك البلاد ، وهم أهل العراق الاصليين ويمثلون جزء من الشرف العراقي الذي طالما جاهدنا جميعاً وناضلنا جميعاً أحزاباً وشخصيات وطنية من أجله .
ليس فقط بعض القرارات ماتعيد البهاء والسرور للعوائل التي نتفق جميعنا على انها تمثل جزء عزيز وكبير وفاعل من شرف العراق ، وليس فقط التمنيات والوعود مايعيد الحق للكرد الفيلية ، وحتى يمكن أن نعالج معاناتهم ومحنتهم بشكل أكيد وعملي ينبغي أن نعمل على منحهم الحق بأوسع معانية وبما يستحقونه أنسانياً وقانوناً وشرعاً ، وان نسعى جميعاً لتلبية مطاليبهم واستعادة حقوقهم .
نرى ان الفرصة لم تزل سانحة للخيرين في السلطة العراقية الجديدة للالتفات الى هذه الشريحة لمسح دموع ابنائها ومواساة عجائزها التي بقيت مصرة على العطاء للعراق ، ولم تزل العديد من عوائل الكرد الفيلية لم تستطع العثور على جثث أو قبور أولادها ، ولم تستطع لحد اليوم العديد من عوائل الكرد الفيلية تتوسل الطرق القانونية والدروب لأستعادة أملاكها وعقاراتها ، ولم تزل لحد اليوم من العوائل الكردية الفيلية ممن لم تجد لها غفارا قائماً ، ولا أعيد أولادها إلى وظائفهم ولاأستعاد اولاد الشهداء منهم منزلتهم وتميزهم وحقوقهم ، ونهيب بالأحزاب العراقية العربية والكردية والتركمانية والآشورية والكلدانية أن تتبنى قضيتهم الأنسانية ، فهم من العراق والى العراق ، وهم ملح هذا العراق عجنوا أرواحهم الملهوفة بترابه وصيروا أضلاعهم الراية التي ترفع هامته ، على تلك التجمعات والأحزاب أن تبرز وجعهم وتتوحد جهودهم الخيرة من اجل أيجاد الحلول ليس فقط المستعجلة ، وأنما القريبة من الواقع والحق والعدل ، حتى يشعروا بأنسانيتهم في هذا العراق الجديد ، ويشعروا أن أحدا لم ينسهم ، ويشعروا أن الوفاء هو القيمة الجديدة التي نستعيدها في هذا العراق بعد ان غسلناه من أدران الماضي البغيض حين كانت القيم الهجينة التي يعتقد بها صدام البائد .
علينا أن نسعى لجمع رفات شهدائهم الذين تبعثروا في مجاهل الأرض وفي بقاع متعددة من العراق ، وأن نبحث معهم بجد عن المقابر الجماعية السرية التي ضمت رفات رجالهم ونساؤهم ، وعلينا أن نعيد قراءة التاريخ العراقي بما ينصفهم ويقول الحقيقة عنهم ، وعلينا أن نعلم أجيالنا القادمة حجم التضحيات والمواقف المشرفة والوطنية التي وفتها الكرد الفيلية .
علينا أن نستذكر هذا ونحن نشاهد الكرد الفيلية بيننا وأمامنا يقفون تمنعهم الكرامة وعزة النفس من المطالبة بالمشاركة في العملية السياسية أو الإلحاح على استعادة حقوقهم ، وهم أحق من غيرهم ، وهم أكثر جدارة من غيرهم ، وهم يحملون من الشارات العراقية مايجعلنا نحتار في صمودهم وجهادهم وتواضعهم وصبرهم ، فلم ينحنوا إلا لله ولم يركعوا للطاغية ولا لكل السلطات الطائفية والشوفينية ، ولم يرقصوا لهم ولم يطبلوا لهم ، فقد كانوا مع صف الشعب ، ومع صف المعارضين للظلم ، فقد كانوا دوما مع الحق و كانت عراقيتهم وكرديتهم ومحبتهم لإل البيت وكراهيتهم للتملق والجور مايجعلهم متميزين عن العديد ممن ولج الساحة بعد أن صار الطاغية الدكتاتور في قبضة العراقيين .
لهذا نقول لمن يقول أنهم من ضمن الأكراد المطالبين بحقهم في الفيدرالية ، فلم يزل الكرد الفيلية يشعون في مدننا العربية في العراق ليشكلوا جزء من تاريخها ومنظومتها الأجتماعية ، ولم يزل الكرد الفيلية يشكلون جزء مهم وحيوي من قيم العراقيين في المدن العربية حيث أمتزجوا بحق أمتزاجاً يدل على حقيقة التجانس الأنساني بين القوميات المتآخية في العراق .
ومن الطريف أن نذكر أن المدن والقصبات العراقية العربية لايمكن أن تفرط بأبنائها من الكرد الفيلية وتطالب بعودة المرحلين والمسفرين تحت شتى المزاعم اليها ، فقد اشتاقت لهم القيم والأخوة والتوحد وحياة خالية من الاضطهاد والاستغلال والظلم والتهميش ، وقد اشتاقت لهم الذكريات والعلاقات الأجتماعية .
وليس غريباً أن لايتم ذكرهم ولاالتفتت اليهم السلطة العراقية الجديدة ، لكننا بكامل ثقتنا أن الكرد الفيلية سيكونوا حاضرين في البرلمان أو في التشكيلات التي سترسم لنا العراق الجديد دستورياً او قانونياً ، فقد أصبح للكرد الفيلية أسماء واعدة ومهمة في رسم معالم العراق الجديد ، وأصبح لهذه الأسماء تأثير مهم ينبغي الالتفات إليه والاهتمام به والاستفادة منه مستقبلاً .
ولم يزل الكرد الفيلية مصرين على تميزهم علينا بكل هذا البهاء والعطاء والتضحيات ينتظرون دورهم في رسم معالم العراق الفيدرالي والديمقراطي وهم جزء لايتجزأ منه .
بعد ان انتهيت من لقاء أخوي بمجموعة من الأخوة العراقيين والعراقيات في مدينة مالمو بالسويد ، بعد أن تلقيت دعوة كريمة من منظمة نسوية عربية تهتم بقضية الأنتخابات العراقية ، كانت حقاً ممتعة بما طرحه الاخوة العراقيين من أسئلة تهم الشأن العراقي وتنم عن الحرص والمتابعة لشؤون العراق .
بعد أن انهيت اللقاء اوقفني شاب في عمر الورود وسألني عن كيفية حصوله على المستمسكات العراقية التي تثبت عراقيته حيث أنه من أبناء الكرد الفيلية ، وقد تم تسفيرهم بعد أن تمت مصادرة أموالهم وبما فيها المستمسكات الأصولية التي تثبت عراقيتهم ، وانه يريد أن يشارك بهذه الانتخابات كأي عراقي يحلم بوطن يضم الجميع ويرد الأعتبار للضحايا الذين لم تحل قضاياهم بعد ، بما فيهم الشريحة الوطنية والعبقة الكرد الفيلية .
ولطالما رددنا بأن الكرد الفيلية تحملوا من الظلم مالم تتحمله الشرائح العراقية التي ظلمها وجار عليها صدام ، فقد مارست السلطة الصدامية مع الكرد الفيلية أخس الأساليب وأحقرها ، وسلطت عليهم نماذح نتنة من البشر الذين اوغلوا في عذاباتهم والتنكيل بكرامتهم .
فقد أنتزعت منهم وثائقهم ومبرزاتهم الرسمية العراقية التي تثبت عراقيتهم وأصالتهم وقررت أتلافها وأصدرت القرارات التي لاتستند على أساس قانوني بألغاء هذه المستمسكات .
الأكراد الفيلية كانوا في العراق قبل أن يصير العراق ولاية تابعة للحكم العثماني ، وقبل أن يصير الحكم الوطني وتصبح الملكية ومن ثم السلطات الجمهورية التي تعاقبت على حكم العراق .
وكان الكرد الفيلية عمود من أعمدة الأقتصاد الوطني ، وشريحة مهمة وفاعلة في الحياة الأجتماعية العراقية ، ودون الأكراد الفيلية كان المجتمع العراقي مبتوراً وناقصاً ، لأنهم يشكلون مايمكن أن يسجل مفخرة ومآثر وطنية في الحياة السياسية العراقية .
ولأن الأكراد الفيلية من أتباع آل البيت ، كما أنهم من الكرد الاقحاح ، بالأضافة الى كونهم وبحكم الأنتماء الطبقي في العراق فقد انخرطوا في العمل ضمن الأحزاب العراقية الثورية المناضلة والمتطلعة نحو مستقبل سعيد للإنسان ووطن حر يتمتع به الجميع بغض النظر عن القومية والجنس والدين .
وبالرغم من الصيحات العالية التي أطلقها كتاب ومحللين ومفكرين الى السلطات العراقية التي أخذت على عاتقها أدارة دفة مركب العراق للوصول الى شواطئ الآمان بعد سقوط الدكتاتورية ، حول ضرورة الالتفات الى الكرد الفيلية التي أوغلت السلطة البائدة بقسوة في عذاباتهم ومحنتهم ، واستحوذت على أموالهم وعقاراتهم ، وسلبت منهم وثائقهم وأدلة الإثبات المتوفرة لديهم ، ثم قامت فوق كل هذا بتجريدهم من كل شيء وتسفيرهم الى مناطق الحدود الآيرانية ، وتركهم في العراق في درجات الحرارة المنخفضة تحت رحمة الطقس المروع مما أفقدهم العديد من الأرواح ، وبعد كل هذا وقعت العديد من مجاميعهم فريسة حقول الألغام التي زرعها العراقيين والآيرانيين على الحدود .
وبعد ان وصلوا الى إيران حددت الحكومة الإيرانية إقامتهم في مخيمات بائسة بأعتبارها تعلم حق اليقين انهم عراقيين وأكراد وحددت لهم حركتهم وحريتهم ، كما أنها منعت عليهم العمل والتصرفات القانونية التي يضمنها لهم القانون الدولي والمأساة أن المنظمات الدولية والأمم المتحدة لم تول قضيتهم ذلك الاهتمام الإنساني الذي يليق بقضيتهم وبأعدادهم المسفرة .
كما لم تلتفت المنظمة الدولية ولامنظمات حقوق الانسان الى الأعداد التي ابقتها السلطة البائدة منهم وخصوصاً الشباب محجوزين في سجون ومواقف بعيدة وصحراوية وإخضاعهم كوسائل للتجارب الكيمياويــة وإبادة العديد منهم نتيجة ذلك ، وإعدام العديد الآخر منهم ودفنهم في مقابر جماعية استكشف منها القليل ، ولم يزل بانتظار أن يتم أماطة اللثام عن الباقيات .
واللافت للنظر أن مأساة الكرد الفيلية لم تلق الاهتمام الذي يليق بها من جانب السلطة المؤقتة والدليل هذا الشاب الذي فقد أهله والمستمسكات لديه ، ومثل حاله العديد من العراقيين الذين لايستحقوا سوى التبجيل والتقدير ، فالجنسية هي عقد بين المواطن والدولة ، فأذا كانت الجنسية هي من تتشرف بهذه الشريحة الأنسانية الأصيلة والتي أعطت العراق العديد من الرجال والشهداء والتضحيات ، وأذا كانت الجنسية العراقية هي من تتشرف بهذه الأسماء الممتلئة تضحية وعذاباً وجب أن يتم أنصافها بقرارات وطنية تعيد لهم حقوقهم من الأموال المنقولة وغير المنقولة ,ان يتم شمولهم بتخصيص لجنة قضائية تكون أحكامها باتة وسريعة التنفيذ وتشمل بالقضاء المستعجل ، كما يتم الإيعاز الى جميع دوائر الأحوال المدنية لإعادة الوثائق والمستمسكات الى هذه العوائل والى أولادهم ممن ولدوا في المنافي .
وفوق كل هذا أن يتم أنصاف الذين توفوا منهم باعتبارهم شهداء من أجل العراق وتخصيص الرواتب لعوائلهم بالنظر لكون ماطالهم لم يكن لهم يد فيه ، وبالنظر لتعسف السلطة الصدامية في حقهم وبعثرة حياتهم ، كما انهم ونتيجة هذا العذاب والسوء الذي لحق بهم يستحقون التعويض قانوناً وشرعاً عما لحقهم من ضرر جسيم وعما فاتهم من استقرار وربح وحياة تليق بهم بعثرها صدام البائد .
منذ سقوط الطاغية في نيسان 2003 سيقترب الزمن من سنتين لم تجد شريحة الكرد الفيلية أي اهتمام يرقى الى مستوى العذاب والمحنة التي وقعت عليهم وطشرتهم في أصقاع الأرض وشتتت شملهم وفرقت بين أحبتهم ، لم تجد هذه الشريحة الاهتمام والقرارات التي تمسح دموعهم وتنسيهم بعض مآسيهم ، وعلى أمل ان تتفرغ السلطة والأحزاب العراقية الوطنية التي طالما راهنت عليهم ولوعدتهم حال سقوط السلطة بوعود كثيرة ، لم تجد هذه الشريحة القرارات التي تعيد الاعتبار لهم وعاملتهم معاملــة أي عراقي فقد وثائقه أو أسقطت عنه الجنسية .
حقيقة الأكراد الفيلية ان الله ابتلاهم بالصبر الكبير وبالعذاب الكبير ، وحقاً اننا نندهش لصبرهم وتهدئة حالهم ، مع مالحقهم من ضياع لحقوقهم وحياتهم ، فقد بقوا يعطون للعراق ويساهمون بشرف في بناء العراق بصمت وكبرياء العراقيين الأصلاء ، وبصمت وقبول الذي تطغي مصلحة العراق على مصلحته ، ولكن لايمكن أن نستغل هذا الجانب الإنساني ، ولايمكن أن نصمت على صمتهم ، فالعراق لابد أن يتذكر أبناءه النجباء والخيرين من الكرد الفيلية .
أقول لولدي الذي استوقفني في باب جمعيـة المرأة ان العراق ليفتخر بالكرد الفيلية ، وطالما أردد ان الجنسية العراقية هي من يجب أن تفتخر بهم ، وأن كل صاحب وجدان وضمير حي ويعرف تفاصيل التاريخ العراقي في زمن المحنة التي أوقعها صدام فوق رأس العراق يعرف جيداً مدى الحيف والظلم والمأساة التي حلت بالكرد الفيلية .
قليلاً من الانصاف بحق الشرفاء من أبناء العراق
قليلاً من الاهتمام الذي يليق بتضحيات الكرد الفيلية أيها القائمين على مواقع المسؤولية
ننحني إجلالا للشهداء والتضحيات الجسام التي قدمها الكرد الفيلية قوافل من البشر ومن كل الجناس والأعمار في الزمن الرديء والعاهر دون ضجة ودون أن يبكي عليهم العالم .
لم يزل الكرد الفيلية ينتظرون دورهم في الانصاف فمن يتقدم عليهم مع محنتهم التي لم تتحملها الصخور والجبال ، بالرغم من كل الأساليب التي نهجتها السلطات المتساقطة كورق الشجر اليابس في العراق للانتقاص من الكرد الفيلية ومحاولة الأنتقام منهم ، فقد تحملوا جراء السياسات الشوفينية والطائفية واليمينية قسطاً من العذابات الأنسانية والظلم الإنساني طيلة السنوات الطويلة لتي أمتد بها الحكم الملكي وزمن الانقلابات .
والكرد الفيلية ليس فقط من سكنه العراق القدماء ، وليس فقط أن تاريخهم القديم ومدنهم وحواضرهم وأمرائهم لايمكن ان يستمر التستر عليها في كتب التاريخ بعد رحيل هذه السلطات الغاشمة ، حيث سيكتب التاريخ بأنصاف وصدق تاريخهم المشرف وسلطاتهم ومدنهم العراقية التاريخية الأصيلة .
من معدن العراق الصلب شكلوا صلابتهم ، ومن رحم الأمة الكردية التي فرض عليها التمزق والتفرق وخوض الحروب وتحمل المآسي والنكبات وعدم الاستقرار خرجت أجيالهم ، ومن الاصطفاف مع المحرومين والمظلومين تفتحت عيونهم في أحزاب الفقراء ، ومن محبة ال بيت رسول الله ( ص ) والانتصار اليهم تمسكوا بمذهبهم ، من محنة العراق التي عجنتهم صاروا وقوداً للحركة الوطنية ، والنوارس التي تضيء للعراق طريق الظلام ، وأستمروا بأجسادهم وصدورهم العارية يناطحون قساوة السلطات وظلم الأجهزة الأمنية ، وعبثا حاولت هذه السلطات أن تنال منهم ، وتمكنت أن تسحق منهم رجالاً ونساء ، وتمكنت السلطة وأجهزتها الأمنية أن تصادر حلالهم وعرق جبينهم ، لكنها عجزت أن تذلهم ، لم تستطع السلطات البائسة أن تجعلهم يركعون سوى لله ، ورغم كل مانالهم من ضيم وظلم باتوا ينظرون الى رجالات السلطات التي انهارت كورق تافه وينتهون فيما يبقى الكرد الفيلية كنخيل العراق وجبال كوردستان ، كما كانوا يتبرعمون دوماً ويشيعون الضوء والمحبة بين أركان العراق ويبتسمون لحقيقة نهاية أعداؤهم وأعداء الأنسانية عارفين انهم مع العراق .
بقي الكرد الفيلية يعتزون بكرديتهم لم تستطع السلطات البائدة أن تلوث قوميتهم أو تزيف تاريخهم ، بقي الكرد الفيلية يعتزون بأصالتهم ووقوفهم مع كل العراق ، لكن عيونهم ترنو باتجاه أمتهم وأخوتهم .
وحين نهجت السلطة الصدامية البائدة نهجاً بعيداً عن الأنسانية ومخالفاً لكل شرائع الأرض بسحب شهادات الجنسية عنهم وإسقاط جنسيتهم لأسباب طائفية لاتخفى على المتابع الفطن ، وحين قامت السلطات الصدامية بنفيهم وتشريدهم وتفريق الرجال عن النساء ، وإخضاع الشباب الى الموت بالتجارب الكيمياوية وحقول الألغام ، وحين قامت السلطات بتشريد النساء والأطفال بمعتقلات لايصلها البشر وسط صحراء السلمان وقلاع متروكة بعيداً عن أولادهم ، وحين صودرت أموالهم وممتلكاتهم دون وجه حق ، وحين تم تهجير ألاف العوائل منهم دون وجه حق ، قوبلوا بصمت مريب وسكوت خانع من الأسرة الدولية ، لم يسمعوا أحداً يقف معهم ولم يقرئوا شيئا كتب عن مصيبتهم ومحنتهم الأنسانية ، قيل لهم أن محنة العراقيين كبيرة فأصبروا حتى يكتب الله لكم أمراً كان مفعولا، فصبروا وجاهدوا وناضلوا ضمن صفوف المعارضة بكل ما يملكون .
أنتشروا في كل أصقاع الأرض دون شهادات او مستمسكات يلوذون بها ، انتشروا في أركان العالم لايملكون سوى أرواحهم وهي رهن أشارة العراق دائماً ، وكان الفعل والفاعل في كل المؤتمرات والندوات والكتابات ، حتى حل يوم سقوط الطاغية وهو يلوذ بحفرته الشهيرة .
وحين فركوا أعينهم من حلم الليل الطويل والدامي والمرعب ، لم يلتفت اليهم أحد مرة أخرى ، لم ينصفهم أحد في العراق الجديد ، لم يمنحهم الحنو والدفء الذي كانوا بحاجة ماسة له ، لم يفكر أحد في قرار يعيد لهم حقوقهم ويعوضهم عن خسائرهم الأنسانية ومافاتهم من عمر انفقوه في غربتهم وأغترابهم ، لم يفكر أحد في طريقة يكرم بها شهداء الكرد الفيلية ويعيد البهاء والسرور لأولادهم وبناتهم ، لم يفكر أحد ان يجد لهم ملاذاً لعوائلهم حين تعود الى الوطن .
ووظفت السلطات العراقية العديد من القضايا القانونية لصالح تطبيقاتها الشوفينية الكريهة بحق الكرد حينما أستغلت قانون الجنسية أسوأ أستغلال ، وتعتبر شهادة الجنسية العراقية التي كانت تستعملها كسيف مسلط على رؤوس العراقيين من أبناء الفرات الأوسط والجنوب عموما ، كما قامت بتشريع قوانين تمنع الكردي والتركماني من ممارسة حقوقه الوطنية المقررة في الدستور العراقي بحجة التنظيم والأصول والضرورة والوضع الأستثنائي ، وربطت تصرفات قانونية بأجهزة الأمن والمؤسسات الأستخبارية مع مقدار تعاون المواطن ورضاها عنه ، دون الآلتفات الى نصوص الدستور التي كانت تصرخ بالشراكة الوطنية للجميع دون تطبيق ودون أن يلتفت اليها أحد .
ليس ثمة شك أن الهدف الذي يريد النيل من الكرد الفيلية مهما كانت اشكاله وأطرافه له أسبابه ومبرراته الخاصة ، فليس دون قصد أن تعيد النغمة التي روجها صدام نفسها بحق الشريحة العراقية الأصيلة والمناضلة من أبناء العراق من الكرد الفيلية بأعتبارهم أيرانيين ، وليس اعتباطا أن تعيدها بعض الأصوات التي احتلت مناصبها وجلست على كراسيها في الجمعية والبرلمان هذه النغمة ، ومن المحزن أن هذه الأصوات ماكان لها أن تجلس في مجلس النواب الا بفضل المواقف التي تحققت بفضل تضحيات ودماء أبناء الكرد الفيلية ، نفس الأطروحات الشوفينية التي تغمط حقيقة الكرد الفيلية وتسيء اليهم دون ان تعي انها تسيء الى العراق ، بل وتزيد اوجاعهم وهم منشغلين بالبحث عن جثث أحبتهم التي غيبها نظام صدام ، وهم منشغلين بأن يجدوا لهم موقعاً ضمن هذا السباق العجيب والغريب الذي يتناساهم عمداً ، وهم أحق من غيرهم بهذه المراكز والمناصب .
وإذ نستعيد التضحيات الجسام التي تحملها الكرد الفيلية وهم ينازلون السلطات الشوفينية التي انشغلت بمحاربتهم مستغلة أخس الأساليب دون أن يكلوا أو يملوا من مطالبتهم بعراق ديمقراطي وفيدرالي يتسع للجميع ، حيث سجل لهم التاريخ الحديث مناطحتهم للسلطات الطائفية المريرة التي تعاقبت ، وتحملهم العذابات والنتائج القاسية جراء تلك المواقف الوطنية .
لم يزل حتى اللحظة من يريـد تهميش الكرد الفيلية مع أن عطائهم العراقي ودماء الشهداء ( يقيناً أن المسئولين اليوم في العراق لايعرفون أسماء وأعداد شهداء الكرد الفيلية ) ، ويريد ان يجعلهم رقماً سهلاً يتم تغييبه ضمن لعبة الدوائر الأنتخابية المتعددة التي لاتدعمها الأحصاءات الرسمية ولاالظروف الموضوعية والذاتية التي يمر بها العراق ، والتي لاتقصد سوى تهميش صوت الكرد الفيلية أكثر من غيرهم ، باعتبارهم متوزعين ضمن المدن العربية في العراق .
ومن الغريب ان يتم الطرح هذه المرة من مراكز سياسية تتشارك مع الكرد الفيلية في الالتزام بالمذهب ، ومن الأغرب أن يتم التأكيد على هذا الاتهام في هذه الفترة بالذات ، ويتم استغلال التشرذم الحاصل في نفوس الكرد الفيلية ، فهم وحدهم مشتتين الانتماء دون ان يتم استيعابهم من قبل أحزابهم القومية ، وهم وحدهم من تم سلب حقوقه واستحقاقاته دون ان يعترض او يصرخ ، وهم وحدهم يتم تقسيمهم وقصقصة أجنحتهم وتشويه تاريخهم ، وأذ يشتركون مع اخوتهم الأيزيدية والشبك في توزيع الظلم ، فأن كمية الظلم الملقاة فوق أكتاف الكرد الفيلية ، واستمرار الظلم ليس فقط في الزمن العارفي والبعثي والصدامي ، وانما أمتد ليستمر في الزمن الديمقراطي الجديد ، فلم يتم الالتفات الى شهدائهم ولاتم تكريم عوائلهم ، ولاتم الالتفات الى مفقوديهم ، ولاشرع البرلمان قرارات وقوانين تتناسب مع حجم فجيعتهم ومصيبتهم ، ولافكرت الحكومة في مداواة جراح الأمهات والثكالى والشيوخ منهم ، ولاأعادت لهم حقوقهم وأملاكهم المنقولة وغير المنقولة المسلوبة ، ولاكشفت لهم الدوائر الأمنية أماكن قبور أولادهم ، ولامسح المسئولين في الأحزاب الحاكمة دموع أطفالهم .
فهم من الفرس المجوس الذين ينبغي أن ندرج تلك التهمة في هويات الأحوال المدنية ، فأي مصيبة أبتلي بها العراق ، وهو يسلم زمام قيادته الى من يفتقد لمعرفة أصول التاريخ العراقي ، ويبقى الكرد الفيلية بين حيرة التجاذبات السياسية التي تراكم عليهم الضرر والظلم ، وبين الظلم الذي جعله صدام أطناناً متميزة من العذابات الأنسانية الصامتة .
وهاهم يلوذون بشعب العراق مرة اخرى مستعدين أن يتقدموا الصفوف دائما وكما عهدناهم للعطاء الوطني ، رغم مصائبهم ، فقد أكلت منهم السجون العراقية ، وامتلأت دوائر الأمن بأضابيرهم ، واحتضنت الأرض العراقية المئات بل عشرات الآلاف من رفات أجسادهم الطاهرة ، ونقشوا أسماؤهم بأظافرهم على زنزانات المخابرات ودوائر التسفير في الجنسية العامة ، وهاهم جزاريهم يتجولون في شوارع بغداد دون خوف او مسائلة ، وهاهم من قام بتخريب حياتهم وسرق أحلامهم وأموالهم يتبوءون المراكز ويتقلدون المناصب ، وهاهم ينسلون من الاتهامات التي وقعت على رأس المتهم الأول فيها صدام .
فقد كان صدام يتبادل الكراهية المرة مع الكرد الفيلية ، فلا تتبادلوا الكراهية معهم ، ودعوهم بوجعهم ومصيبتهم ، ولاتزيدوا حزنهم ، فمن العار أن يكون التشوية وسيلة للوصول الى غاية .
دعوا فارسية الفرس للفرس ودعوا الأكراد الفيلية نتفاخر بأصالتهم الكردستانية وأنتمائهم للعراق .
والعراق اليوم وهو يخطو الخطوات الاولى بأتجاه ترتيب حقوق جميع المكونات ، لا يمكن ان ينسى دور الكرد الفيلية في التضحية والجهاد والأستعداد من اجل العراق الفيدرالي والديمقراطي .
ولهذا فأن هناك حقوقاً غائبة بحاجة ملحة الى معالجة ، فعلى مدى العقود الماضية التي حكمت بها سلطات مختلفة شعب العراق ، كانت هناك أشكاليات ومظالم لم تشأ اي من السلطات الحاكمة المتعاقبة أن تنظر لها بعين العدل والأنصاف وأن تعطيها حقها الإنساني أو على التطبيق الحقيقي لنصوص الدستور العراقي الأساسي منه أو المؤقت .
المأساة أن هذه السلطات زادت من اساليبها القمعية في سبيل أن تجعل الغبن والحيف والظلم الذي لحق بهذه الشرائح العراقية أمراً واقعاً ، وأن لاتسمح لأي منها أن تصدر صوتاً معارضاً أو وجهة نظر أو اعتراض أو مطالبة بالحقوق وتحريم كل هذا تحت زعم حماية العراق ووحدته .
ثمة من يقول أن شعب العراق جميعه وبكافة أطيافه كان يعاني من الظلم والتهميش وتغييب الحقوق والدليل التخلف الذي كان عليه العراق ولم يزل بالرغم من الثروات الهائلة والأموال التي يمكن أن تقوم بأعمار منطقة الشرق الأوسط في حين يعيش العراق حياة أشبه بحياة شعوب الدول الفقيرة والأفريقية التي تفتقر لأي مورد طبيعي أو معدني .
لكن هذه الشرائح التي تحملت الضيم دون ان تستطيع أن تعبر عن رفضها أو عن حقها في حياة تليق بالأنسان في هذا الوطن ، للعربي حق ومن ضمن الحقوق التي اعتمدتها السلطات البائدة اعتماد الطائفية المقيتة التي نشرت الظلم والغبن لأبناء العراق ، في حين لم تستثن أحد من هذا الظلم .
مارست السلطات التي تعاقبت على حكم العراق دون استثناء على نشر الظلم والموت والغبن ضد الشعب الكردي في كردستان العراق بشكل عام ، واستكثرت عليه المطالبة بحقوقه المشروعة والتي اختارها بإرادته وكانت تزعم حججاً غير صادقة من بينها وحدة العراق والتخوف من الانفصال أو هيمنة الكرد على الثروة النفطية ، وركزت قسوتها وظلمها على شريحة الفيلية منهم ، ومع أن الشعب العربي في العراق أستطاع أن يوصل صوته بالرفض وأن يطلق عالياً بشتى السبل والوسائل ما يؤكد هذا الرفض بواسطة الفعاليات السياسية والأحزاب والتجمعات السياسية ، وأن يعارض تلك السلطات ويتصدى لها ويقاتلها بشتى الوسائل الممكنة وفق الظروف الموضوعية ، والشعب الكردي أستطاع أن يقاتل من أجل حقوقه ولم يتوقف حتى تتحقق له هذه المطالب التي أيدها وساندها الشعب العربي .
الأكراد الفيلية الشريحة العراقية التي امتلأ تاريخها بالعذاب الإنساني من السلطات العراقية ، الأكراد الفيلية أشد من لحقهم الظلم والتهميش حين أعتبرتهم السلطات المتعاقبة شريحة مضادة للسلطة من خلال موقفهم الوطني العام المساند للحركات والأحزاب الوطنية ، بالأضافة الى اعتناقهم المذهب الجعفري الذي جلب عليهم وبال السلطات الطائفية المقيتة ، فصبت السلطات فوق رؤوسهم جام غضبها ، وانتقمت منهم بخسة فأقدمت على قلع جذورهم العراقية الأصيلة وشردتهم ، وأبعدت من تستطيع في المنافي العراقية الصحراوية ، وأقدمت على قتل شبابهم ووضعتهم بين فكي الرحى في اخطر المناطق الجغرافية الواقعة بين جيشين متحاربين وأسقطت عنهم جنسيتهم العراقية ومنعت عنهم كل الوثائق والأسانيد ووسائل الإثبات التي تثبت عراقيتهم وأصالتهم في هذا الوطن .
كما تعاملت مع التركمان بظلم واستخفاف ومنعت عنهم أبسط الحقوق القومية وحقهم في لغتهم أو الحقوق الثقافية والتمتع بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي أو اللامركزي بالرغم من تفاعلهم وأصالة وجودهم العراقي وإخلاصهم للعراق .
ولم تنظر أي من السلطات بعين الأنصاف لهذه الشريحة العراقية التي لاتقتصر على منطقة كركوك وماحولها حيث يملأ التركمان قضاء تلعفر في الموصل وقرى متناثرة غرب المدينة مثل تيس خراب وباسخرا من قرى الحمدانية
وثمة شريحة عراقية أصيلة وقديمة قدم العراق تمتد جذورها الى عمق التاريخ الإنساني ، فالأشوريين من أهل العراق الأصلاء الذين لهم حقوق تم تغييبها والصمت عنها ، وارتكبت بحقهم المجازر وقدموا الضحايا من اجل المطالبة بحقوقهم وإيصال صوتهم ضمن مساحة الوطن ، الا أن السلطات الشوفينية استكثرت عليهم أن يصل حقهم وأن ينطلق صوتهم فعدت كل ما يصدر منهم محرمات تسيء للوطن والقومية .
كما للسريان والأرمن في العراق حقوق قومية وإنسانية ، يوجب الضمير العراقي أن يتم التعامل معهم بالمنظار الوطني العادل ، وبما يحقق مطالبهم المشروعة .
وليس أكثر من الأيزيدية التي همشت ديانتهم ومنعت عنهم الأقرار بأحقيتهم في ممارسة طقوسهم الدينية وأشاعت عنهم كونهم لايعبدون الله وهي غير حقيقتهم فهم موحدين يقرون بوحدانية الله ، ولم تعترف لهم بأي نص في الدستور يليق بهم وهم الأعداد التي تملأ المدن العراقية الكردية العديدة .
كما تم تهميش الصابئة المندائية واستخفت السلطات بديانتهم القديمة والعريقة وإحالة معاملاتهم بما لايليق بهم الى محاكم غير التي تحكم بقوانينهم وبشريعتهم ، ولم تنظر لهم بما يمليه عليهم حقهم في ممارسة طقوسهم وكونهم جزء من التراث الديني ولهم مشاركة وصوت في وزارات الأوقاف والشؤون الدينية .
وأذا تطرقنا الى (( الشـبك )) فليس أكثر من اطنان الظلم التي تراكمت على هذه الشريحة المناضلة والأصيلة والمجاهدة من أهل العراق والذين يملأون القرى التي تمتد من غرب الموصل قرب نهر الخازر وحتى قرى تلكيف والقوش على مشارف دجلة في مدينة الموصل ، وقد يستغرب الأنسان حين يعرف أن الظلم أبعد من الخيال حين منعت السلطات دخول الشبك الى الكليات العسكرية والشرطة ولم يسمح لهم أن يحلوا كمسئولين في دوائر الدولة بسبب طائفي مقيت لايمت للحياة الجميلة للعراق ، كما أهملت قرآهم ومدنهم التي تفتقر لشارع معبد أو بنايات ودور تليق بالأنسان .
ثمة حقوق كثيرة مغيبة في العراق لم تكن برغبة العراقيين وأنما كانت بسبق إصرار من السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، بالعقليات المنغلقة وعدم تقبل الفكر والرأي الآخر ، السلطات التي تعتقد بحق القومية الواحدة في ان تحكم بقية القوميات بأعتبارها الأعلى والأهم والأحق ، العقليات البائدة التي خربت العراق وزرعت بذور الوهم والتخلف والخراب في نفوس العراقيين ، العقليات التي استخفت بالأنسان وبحقوقه .
وفي سياق العذاب الذي يلقيه الكرد الفيلية ، وضمن حالة العذاب الإنساني التي قد يعتقد القاريء في زمان ومكان آخر أنها من قصص السياسيين أو المعارضين ، ومن أجل أن نوثق الرواية بشهادة عيانية ثابتة ، ومن أمراءة عراقية أصيلة أنتخت رغم محنتها تروي تفاصيل ما شاهدته شخصياً .
وفي رسالة وردتني من المواطنة السيدة صبيحة الحيدر وهي من الصابئة المندائيين تقول فيها عن زيارتها لزوجها السجين السياسي السيد جبار صكر الحيدر في سجن الأحكام الخاصة بأبو غريب : تم نقل زوجها من ردهة السجن الى المستشفى الخاص بالسجن لأصابته بمرض في المرارة ، ولتردي حالته الصحية فقد قرر الطبيب المشرف على السجناء نقله من القاعة التي يقضي بها محكوميته الى ردهة المستشفى بنفس السجن لمعالجته ، وقد وصل علمها حال زوجها فقررت زيارته خلال فترة الزيارة المقررة ، وعند مراجعته وجدت عينيه تدلان على كثرة بكائه وأحمرارهما ووضوح تعبهما ، ولما استفسرت منه عن سبب بكائه وتعب عيونه ، اخبرها أنه ليلة أمس كان ينظر من شباك الغرفة في مستشفى السجن وشاهد سيارات عسكرية تنقل شباب بعـمر الورود من ( الأكراد الفيلية ) كانوا عراة الا من الملابس الداخلية وفي عز الزمهرير في شهر البرد القارص في العراق شهر شباط ، وكانت أياديهم مربوطة الى الخلف ، وحين كانوا ينزلون من السيارات وهم مقيدين الىالخلف يتعرضون للضرب بالصوندات القاسية على أجسادهم العارية من قبل الحراس الذين كانوا يقفون أستعداداً لضربهم ، وكانوا يصرخون ويبكون ويشكون ظلمهم الى الله في تلك الساعات الهمجية ، وكان يلاحظ الالم وتلوي اجسادهم العارية من لسعات سياط الجلادين بواسطة الصوندات الممتلئة بالحصى .
ويسترسل السيد جبار الحيدر في الحديث لزوجته كما تقول في الرسالة ، ان مالفت أنتباهه ليس السيارات العسكرية التي تحمل عراقيين مدنيين ، وليس تعريتهم من ملابسهم فلربما صارت هذه سنة من سنن العمل الأمني في العهد الصدامي البغيض .
مالفت أنتباهه هو أعمار الشباب المتقاربة ، بالأضافة الى كونهم جميعاً من أبناء الكرد الفيلية ، فأذا كان الشباب من الأكراد الفيلية قد تم أعتقالهم من قبل سلطة صدام بتهمة عراقيتهم وكرديتهم ومذهبهم ، وتمت تعريتهم من الملابس في عز فصل الشتاء القارص في العراق ، وتم تقييد اياديهم الى الخلف ، فلماذا الضرب على اجسادهم وما الذي يبغيه وتريده السلطة منهم ؟ أي بمعنى هل للضرب نتيجة ؟ وهل هم في دور التحقيق ؟ أم انه يراد تعذيبهم والاستمرار في إلحاق الأذى بهم بأمر الطغاة ؟
فاذا لم تكن للضرب نتيجة أو سبب فهل أن السجان والجلاد المريض الذي يهوي بسياطه على هذه الأجساد الفتية والعارية يحقق رغبة مريضة مدفونة في عقل الرئيس البائد في كراهيته المقيتة للعراقيين ، وانتقام شاذ من الشرائح الطيبة والعبقة التي ملأت العراق تواصلاً وتفاعلاً وخيراً وتضحية .
يقيناً أن الجلادين لايقدمون على مثل هذا الفعل الخسيس لو لم تأمرهم سلطة الطاغية ، ولو لم يتم تكليفهم بأستمرار إيذاء الكرد الفيلية بالوسائل التي يستعملها الجلاوزة وعبيد الطاغية و تقم ذيول السلطة بالتعبير عنها في تعذيب الكرد الفيلية والحط من كرامتهم بوسائل وطرق يقدم عليها المشرفين على المواقف والسجون .
وهذه الجموع الشابة من الكرد الفيلية ، وتلك جريمة كبيرة يمكن أن تلصق بالأنسان العراقي في العهد الصدامي البائد ، فأن مجرد أن يكون الإنسان كردياً وفيلياً يعني هذا دون نقاش مع السلطة الصدامية أنه يعارض سلطة صدام ويناضل من أجل اسقاطها ، وتلك الأفتراضات لم تأت من فراغ ، فقد أثبت الكرد الفيلية أنهم الشوكة التي تنغرز في عقل وعيون الحاكم البائد ، والتي تنغص عليه أيامه وهو يوغل في دماء العراقيين ويخرب حياتهم ومستقبلهم ، فيلتفت الى جموع الكرد الفيلية ليأمر أذنابه ترويعهم والإمعان في تشتيتهم وممارسة أخس الطرق والوسائل التي تنال منهم ، وبالرغم من التغييب الذي صار لآلاف الشباب من الكرد الفيلية ، وبالرغم من المحاجر والسجون والحجز في القلاع والمنافي التي ضمتهم ، وبالرغم من المرارة والأبعاد القسري وتشتيت وحدة العائلة وتفريق الأطفال عن الأمهات ، والزوجات عن الأزواج ، وبالرغم من كل تلك الحملة الشعواء التي شنتها السلطة البائـدة والنهج المخزي الذي سارت عليه في محاربة الكرد الفيلية والذي كشف عن بشاعة الأساليب ووحشية العقل الدفين لدى الطغمة الحاكمة وعقم التفكير ، وبالرغم من سلخهم للكثير من شباب الكرد الفيلية عن عوائلهم لزيادة معاناة أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأطفالهم ، فقد بقي الكرد الفيليون في قلب التاريخ العراقي محاطين بتقدير واحترام ومحبة واعتزاز كل العراقيين عرباً وتركماناً وأكراداً وآشوريين وكلدان ، وسجلوا أسمهم الناصع بفخر وزهو في سجل التضحيات التي سطرها الشعب العراقي في نضاله ضد الدكتاتورية ، وبقي الكرد الفيلية أسماً متوهجاً وعالياً ومتألقاً في حين أنحدر أسم الدكتاتور البغيض الى مزبلة التاريخ مقروناً بلعنة الأنسانية وشتيمة العراقيين مدى الحياة .
شلت يد الجلاد الآلة التي كان يستخدمها الطاغية في ضرب اخوتنا وأحبتنا ، وشلت يد الجلاد والطاغية الذين ارادا للعراق أن يتشرذم ويتبعثر ويتمزق فبئس ما أراد والعراق يعيد نفسه ويبني ماتهدم من جديد ، كانوا يعتقدون أنهم مزقوا الجسد العراقي ، وقطعوا أوصاله ، فأذا به يعيد لحمته ويستعيد ابناءه يضمهم الى صدر العراق .
وحين نستقرأ ما حصل للضحايا والشهداء من الكرد الفيلية ، نجدهم لم يزلوا نوارساً في سماء العراق ، بينما قبع الطاغية في قفص الاتهام يحاكمه الشعب ، بائساً ومهاناً ومكابراً ومرعوبا ومشنوقا ، وبينما ترتفع الأكف بالدعوة للشهداء بالجنة ، تحلق أسماء تلك النوارس التي ملأت سماء العراق تضيء الدرب ، ترتفع الأكف مضمومة تتوعد و تضيق أيام الطاغية لتقتص منهفي الاخرة بعد إن ناله في الدنيا ، وهو الذي سلب الضحكة والابتسامة والنظرة الى المستقبل ، وهو الذي حرم النظرة الى المستقبل ، وطارد المحبة وكسرة الخبز واللحظات الهانئة في بيوت الفقراء ، ليس من لكرد الفيلية فحسب ، بل من كل العراقيين ، فأنتهى الى غير رجعة الى مزابل التأريخ تلاحقه لعنات الأمهات الثكالى ودموع الرجال المنكوبين ، ويسجله التاريخ مع الطغاة والمنحرفين في الدرك الأسفل من الملعونين .
سترحل كل تلك المآسي التي مرت في التأريخ العراقي ومعها كل جرائم النظام الذي أعاد العراق الى عصور التخلف وعاث في العراق فساداً ودمر القيم وحارب المحبة والوئام وأشاع الابتذال والانحراف وجعل المال والمنفعة والاحتيال والدجل الأسس التي قام عليها ، سترحل كل تلك الأيام ومعها كل قيم الابتذال ، غير أنها ستكلف العراق كثيراً ، ومثلما أعطى الكرد الفيلية التضحيات لتعبيد طريق الوطن والإنسان ، سيعطي العراق من أجل إن ينظف تلك الدروب الممتلئة بالأوحال الصدامية والأحجار التي تعرقل المسيرة ، وكل المطبات والعثرات التي تحاول عرقلة مسيرة الإنسان وتجسيد ما رسمه اهل العراق في تحقيق الأمل العراقي في الديمقراطية والفيدرالية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان .
وحين نستعيد الخصوصية التي رافقت الكرد الفيلية فيما لحقهم من الجرائم ، وحيث أن سياق الأحداث يرتب قضايا متعددة تفرضها نوع الجرائم التي ارتكبت بحقهم ، ما يستدعي أن يتم ترتيب الآثار القانونية المدنية في تشريعات تصدر عن الجهة التشريعية ولها ليس فقط صفة الإلزام ، وأنما يتطلب الأمر شمولها بالنفاذ المعجل أو القرارات الخاصة بالقضاء المستعجل ، وإيجاد اية طرق وأساليب تختصر الزمن وتلغي مدد الطعن والجهات التي يمكن إن تدقق قضاياهم المدنية لأيصال الحقوق اليهم بما يتناسب مع فداحة الجرائم والفترة الزمنية التي حرم فيها الكرد الفيلية من التمتع بهذه الحقوق ، بالأضافة الى ما فاتهم من كسب أو ربح طيلة تلك السنوات العجاف .
لم نطالع بحثاً نفسياً أو فلسفياً يحدد التأثير النفسي على المجتمع الكردي الفيلي ، مع أن ثمة من يقول أن العراق بأكمله تعرض لمثل هذه التأثيرات ، ونحن مع هذا الطرح ، ولكننا نتمسك بخصوصية التأثير على الكرد الفيلية ، الذين باتوا في ليلة وضحاها دون وطن ودون جنسية ودون مرجعية سياسية تجعلهم يقفون على الأقل على أطراف شواطئ الأمان ، عبر الكرد الفيلية البحار دون إن يعرفوا وجهتهم ودون إن يتعرفوا على ما يخبئه لهم الغد ، ودون إن يتعرفوا على وجهة الزوارق التي تقل إفراد عوائلهم ، ونزلوا الى الشواطئ مجردين من كل ما يمت للمواطن في العصر الحديث ، مجردين من كل السندات التي يحملها المواطن في أي دولة في الأرض ، فباتوا دون هوية ودون جواز سفر ، وفي وضع أنساني مأساوي لم يسبق له مثيل .
وأقتحم الكرد الفيلية مجالات الحياة على أمل إن يستعيدوا حياتهم المفقودة في العراق في اقرب فرصة ممكنة ، لكن أملهم كان يئن تحت وطأة السنين ، وفعل الزمن فعلته بهم بعد إن تمكنت السلطة الصدامية من بعثرتهم في كل زوايا الأرض .
وأمام تلك المحنة نجد إن للخصوصية الكردية الفيلية ما يوجب المراعاة والاهتمام ، كما لم نجد ذلك الاهتمام بتلك الجريمة الإنسانية التي تحققت أركانها المادية والمعنوية ، مع الاستدلال بوجود القصد من وقائع وتفاصيل وظروف ما حصل لهم ، وإذا كان وصف غير الإنسانية ليس كافياً في وصف ما حصل للكرد الفيلية ، فأن السلوك ألأجرامي الذي تم تنفيذه وتم التخطيط له من قبل البائد صدام وذيوله ، يدلل بما لايقبل الشك إصرار مرتكبي الجريمة على تلك الممارسات الهجينة والتي لاتمت للإنسانية بأي معنى ، ومع إننا بحاجة ماسة ليس فقط لتحليل السلوك المنهجي والمنظم للمجرمين ، فأننا بحاجة للتعرف على التأثيرات النفسية على الضحايا وإفراد عوائلهم ، وانعكاس ذلك الأمر عليهم بعد هذا الزمن .
وإذا كانت الجرائم التي ارتكبت بحق الكرد الفيلية تقع في فصل جرائم الإبادة الجماعية سواء منها بالقتل أو بفرض تدابير تفرض أحوال معيشية تهدف التسبب في الإهلاك المادي كلياً أو جزئياً ، أو ألحاق أذى بدني أو نفسي جسيم ، فأنها أيضاً تشترك في توصيف الأفعال المرتكبة بالجرائم ضد الإنسانية بوصفها جرائم خطيرة بقصد القتل العمد والتعذيب والحجز غير القانوني ، غير أن إخضاع ابناء وبنات الكرد الفيلية الى التجارب البيولوجية التي شكلت خطراً على الحياة كلياً أو جزئيا ، وهذه التجارب غير علاجية وليست بدوافع طبية ولم تتم بموافقة الضحايا ، مع علم الجناة بفداحة وجسامة الخسائر البشرية إزاء تلك التجارب التي يستعمل فيها البشر كجرذان للتجارب البيولوجية التي أراد الطاغية صدام إن يحارب بها أعداءه .
وثمة من يسأل عماذا يريد الكرد الفيلية بعد ؟
ثمة أسئلة يسألها أحياناً من لم يتعرف على محنة العراق وأوجاع قومياته ، (( وماذا يريد الكرد الفيلية بعد ؟؟ )) ، القلة من مبتوري الضمير من يشكك بالمحنة الإنسانية والمأساة العراقية التي حلت فوق رؤوس الكرد الفيلية ، ثمة سؤال مبطن يحمل الكثير من التأويل عن ماذا يريد الفيلية ؟ دون أن يكون السؤال منصفاً عن ماذا أخذ الكورد الفيلية وماذا تحقق لهم ؟ بل وكيف تحقق ؟
الأكراد الفيلية من أبناء العراق الذين ناضلوا ضد كل السلطات القمعية التي تعاقبت على حكم العراق منكرة حقهم الشرعي والقانوني في الحياة والمواطنة والاستقرار ، كانوا يعرفون يقيناً أن تضحياتهم وجهادهم لابد وأن تحقق لهم نتائج إيجابية لصالح مستقبل العراق الذي راهنوا عليه والذي حققته الإرادة الشعبية ، وكانوا يعرفون أيضاً المبادئ العامة لحقوق الأنسان ، وما أكد عليه الإعلان العالمي لحقوق الأنسان وحق تقرير المصير الذي منح الشعوب نصوصاً قانونية موجبة الإلزام لحريتها واستقلالها وخيارها الدستوري ، فأن هذه القرارات والمواثيق تم خرقها والاستخفاف بها من قبل سلطة صدام ، بغية الإيغال في تعذيبهم وتوظيف كل إمكانيات السلطة الصدامية ضدهم ، وكانوا يعرفون أيضاً حلم الأمة الكردية النابت في جذور الروح وأنهم جزء من هذه الأمة النبيلة ، ويعرفون أيضاً أن مرحلة صدام حسين قد انتهت ونفضت الدول التي ساندته يديها عنه ، وسار في خط العد التنازلي حتى وصل الحضيض ، ويقف اليوم في قفص الاتهام تقاضيه جماهير العراق ويؤشر عليه ملايين الضحايا والشهداء بأصابع الاتهام ، كما يعرفون ايضاً انهم تبعثروا في ارجاء الأرض ، انتشروا فيها طلباً للأمان بعد ان شردتهم العصابة التي حكمت العراق بالحديد والنار ، وأرادت لهم ان ينسلخوا عن جسد العراق ، غير ان ارواحهم بقيت هائمة فوق دجلة والفرات ، وفي أسواق ومحلات بغداد ، وفي المدن والقصبات التي نقشوا مآثرهم وطيبتهم وإخلاصهم فيها .
وأذ حاولت السلطة أن تسلخ الفيلية ليس فقط عن قوميتهم ، فأنها أقدمت على توجيه الضربات القاصمة لهم وحدهم في محاولة لعزلهم عن ابناء الشعب الكوردي لأضعافه ، واستعدادا لضربات قوية اعتقادا منها أنها بهذه الأفعال والاعتقاد تستطيع أن تسكت صوت شعب كوردستان عن المطالبة بحقوقه وإبقاءه مستكينا وخانعاً تابعاً لسلطة الحكومة ، فهي وحدها من تمنح الحقوق وتقرر الحقوق ايضاً .
وأذ عانى الشعبين العربي والكوردي من النظام الشمولي والمركزي ، فأن المعاناة المبطنة للفكر الشوفيني والطائفي بدت اكثر وضوحاً في القوانين الاستثنائية والقرارات التي طالت العديد من العراقيين ترميهم على الحدود وتبعدهم عن تراب العراق وتضع العقبات والعراقيل في طريق استقرارهم ومستقبلهم .
وأدى هذا النظام ليس فقط الى سيطرة النزعة الدكتاتورية ومركزية السلطة وتكريس الفكر الشمولي والطائفي فحسب ، وانما أدى الى تدهور وتخلف مريع في الحياة العراقية بجميع إشكالها ، فقد عمدت السلطة إلى أحداث شروخ بين الشرائح العراقي ، وكرست بثقافتها المتطرفة والشوفينية قيم ومعلومات تمتلئ بالكراهية والاستعلاء والحقد ، ومهما كانت أسبابها فلم يزل المجتمع العراقي يعاني من التقسيم الباطل للعراقيين من ناحية الجنسية ، بين عراقي أصيل وعراقي تابع ، وبين عراقي وتبعية ، وبين مواطن وبين ما يقلل من قيمته الأنسانية ، وهو تقسيم لايمت للحقيقة بصلة ، كما انه بعيد عن التطبيقات القانونية ومخالف لكل الاتفاقيات والمعاهدات التي التزم بها العراق .
وبالرغم من كل الأساليب والوسائل وإمكانيات أجهزة الامن والمخابرات ، والمخططات التي تم تنفيذها ، فقد فشل هذا النمط من أنماط الحكم في العراق في القضاء على العلاقة الأزلية بين العراق والكورد الفيلية ، وفشلت السلطة القابضة على الحكم بالقوة أن تستمر في اساليبها في إبعاد شريحة الفيلية عن العراق ، ومع ان السلطات البائدة التي تعاقبت على الحكم كانت تحاول رتق الحياة الدستورية بحلول ترقيعية الا انها لم تكن جادة أولاً ، كما انها لم تكن تنوي أن تتخلص من أرثها الشوفيني ثانيا ، وفوق كل هذا فأنها لاتؤمن قطعاً بأي شكل من اشكال العلاقة الأنسانية التي تقر أن الكورد الفيلية مواطنين عراقيين ، ولهذا كانت هذه الأنظمة تراوغ وتحاول كبح جماح الجماهير ، في محاولات تفتيت التلاحم الشعبي ، وعزل الفئات التي عرف عنها الوقوف إلى جانب القوى العراقية الوطنية المناهضة للدكتاتورية ، وأن هذه القوى خبرت مراوغة السلطة وأساليب الدجل الذي تتبعه .
ولكن ثمة سؤال يثار أحيانا ، عن الحقوق التي حصل عليها الكورد الفيلية ، وبكل الأسى لم تزل إعداد كبيرة منهم لم تستعيد جنسيتها ولا أقرت السلطة الجديدة لها بمواطنتها ، ولم تزل إعداد كبيرة منها مطالبة بشهادة الجنسية وهي السيف المسموم المسلط على رقاب العراقيين ، ولم تزل السفارات العراقية تطالبهم بالمستمسكات التي سلبها منهم صدام وسلطته وأتلفها أو أخفاها ، ولم تزل اموالهم المنقولة وغير المنقولة تدور في أروقة الدولة وترقد في طي أضابير الروتين الحكومي ، لم يزل شهداؤهم ينتظرون ان تقر لهم الحكومة ومجلس النواب بحقهم العراقي وبما يرتبه القانون والدستور لهم ، ولم تزل أفواج من شبابهم المولودين خارج العراق دون سندات ودون سجلات تقيدهم ، ولم تزل قضاياهم بانتظار من يعيد النظر في اعتبارهم وبالرغم من كل هذا فلم يزل بعض يسأل ربما لقلة معلومات عن تاريخ العراق وتضحيات العراق ونضال العراقيين من كل القوميات ، ربما لعدم معرفة وإلمام بجوانب الحقوق التي ينبغي ان تكون منذ أقرار القانون الأساس للدولة العراقية في العام 1925 وليس بعد 80 سنة عن ماذا تحقق للكورد الفيلية .



الفهرس
مقدمة
الفصل الأول - الكرد الفيليون
الفصل الثاني - المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين
الفصل الثالث - أين صارت حقوق الكرد الفيليين ؟






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثبات مسيرة الحوار المتمدن
- شهادة السيد أحمد الحبوبي حول الواقع السياسي في العراق
- قراءة في شهادة جواد هاشم (( مذكرات وزير عراقي مع البكر وصدام ...
- من أجل تشريعات تعيد حقوق الكورد الفيلية
- الأيزيدية في كتب التأريخ العربي
- نبوءة البياتي
- الأرهاب يستهدف الأقباط في مصر
- هل يلجم التهديد بالأجتياح حقوق القوميات والأقليات في تركيا ؟
- جمعة كنجي المسافر الذي رحل دون كلمات
- الفيدرالية العراقية من وجهة نظر أمريكية
- إقتحام المدى
- الفيدرالية الطائفية
- كنت ولم تزل أبنا بارا للعراق يامصطفى المدامغة
- هل يمكن للبعث أن يغير أسلوبه وسياسته في العراق ؟
- الدم العراقي المستباح
- القتل منهجا
- مساهمة الأمم المتحدة في التصدي للإرهاب
- لايليق بكم السواد !!
- هل يستفيد الأتراك من تجربة إقليم كوردستان ؟
- الذيول الملطخة ضمائرها


المزيد.....




- اشتباكات مسلحة.. اعتقالات ومداهمات في مخيم جنين
- مينسك تأخذ في الاعتبار لقاء بعض البعثات الدائمة لدى الأمم ال ...
- تونس تطمئن تركيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بعد أن جمد ...
- المغرب.. اعتقال ناشط من الأيغور بناء على طلب من الصين
- إقالة عدد من المسؤولين الكبار في الحكومة وحملة لاعتقال المهت ...
- مسؤول تركي يثير غضبا واسعا بتحركات وتصريحات -عنصرية- ضد اللا ...
- الأمم المتحدة تدعو القادة السياسيين في تونس إلى حل الخلافات ...
- تنسيق روسي سوري في عدد من المجالات ضمن متابعة مؤتمر اللاجئين ...
- هيومن رايتس ووتش: -هجمات إسرائيل وحماس في النزاع الأخير قد ت ...
- اعتقال 4 صحفيين على يد قوات الأمن في أفغانستان


المزيد.....

- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي
- حكام الكفالة الجزائية دراسة مقارنة بين قانون الأصول المحاكما ... / اكرم زاده الكوردي
- الحماية القانونية للأسرى وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنسان ... / عبد الرحمن علي غنيم
- الحماية القانونية للأسرى وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنسان ... / عبد الرحمن علي غنيم
- الوهم الدستورى والصراع الطبقى - ماركس ، إنجلز ، لاسال ، ليني ... / سعيد العليمى
- آليات تنفيذ وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني / عبد الرحمن علي غنيم
- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ... / سعيد العليمى
- اللينينية ومسائل القانون - يفجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زهير كاظم عبود - المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيليين