سوسيولوجيا المهنة وتضامن أبنائها بين أخلاقيات التأسيس وواقع الصراعات


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 01:08
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة وتتداخل فيه المصالح، تشكل المهن على مر التاريخ أحداً من أهم أركان البناء الاجتماعي، ولم تكن يوماً مجرد وسيلة لكسب العيش أو أداء وظيفة مادية مجردة، بل امتدت لتكون بنية اجتماعية وثقافية متكاملة تُعرف في الأدبيات الفكرية بـ "سوسيولوجيا المهنة"؛ هذا الفرع المعرفي الذي يدرس الظواهر والعلاقات والأنظمة التي تحكم المجتمعات المهنية، وكيفية تنظيم التفاعلات بين أفرادها، والآليات التي تضمن بقاء هويتها الجماعية وحمايتها من التفكك والتصدع.
وفي هذا السياق التأسيسي، كان من الشائع والمستقر في الأعراف المهنية أن الانتصار للمهنة وصون أسرارها وتأكيد التضامن بين أعضائها يمثل التزاماً أخلاقياً وقيمياً قبل أن يكون فرضاً قانونياً، فكل مهنة تضبطها أدبيات وأخلاقيات محددة تنظم علاقات منتسبيها، وكان يُنظر دائماً إلى أي طعن أو صراع داخلي بين أبناء المهنة الواحدة على أنه خروج عن الناموس القيمي بل وعار أهلي يمس الهيبة الجماعية للمجتمع المهني ككل، غير أن المفارقة التي تفرض نفسها اليوم وتدفعنا للوقوف متأملين ومحللين، هي ما آلت إليه الأوضاع في بيئات العمل المعاصرة، إذ أصبحت الصراعات والتجاذبات بين أبناء المهن تطفو على سطح الواقع بشكل غير مسبوق، وغاب في كثير من الأحيان ذلك "التضامن العضوي"، ليحل محله تنافس غير محمود، وتكتلات مصلحية، وتجاوز للأعراف المستقرة.
وعند النزول إلى أرض الواقع الميداني وتأمل قطاعاتنا الحيوية، نرى بوضوح كيف تراجع التضامن المهني في قطاع الإعلام لصالح السبق الفردي والإثارة، وكيف تحول أحياناً الفضاء الاعلامي إلى ساحة لتسجيل المواقف الشخصية على حساب أخلاقيات نقل الحقيقة، وفي قطاع التعليم، نجد أن التنافس المحموم والبحث عن المكتسبات الفردية قد أضعفا أحياناً روح الزمالة التربوية، بينما تعاني النقابات العمالية والمهنية في كثير من محطاتها من تجاذبات تنظيمية وفئوية تفقدها بوصلة الدفاع المشترك، وهذه التحديات الهيكلية توجب الوقوف عليها بشجاعة لمعالجتها، وأبرزها غياب أو ضعف الضوابط في بعض المهن الحديثة مقارنة بالمهن التقليدية (كالطب والمحاماة والهندسة) التي تخضع لتشريعات صلبة، فضلاً عن تراجع الثقافة المهنية وأدبياتها نتيجة غياب التأهيل المسلكي والوعي بالحدود الفاصلة بين التنافس الشريف وبين الإساءة لزملاء المهنة الواحدة.
ولعلاج هذه المشكلة وتجاوز هذا الواقع المؤلم، فإن إعادة الاعتبار لسوسيولوجيا المهنة وتفعيل التضامن بين أبنائها يستوجب العمل على مسارين متوازيين؛ أولهما المسار التشريعي والتنظيمي الذي يتطلب الإسراع في صياغة مدونات سلوك واضحة وملزمة وتحديث التشريعات، وإنشاء مجالس تأديبية ونقابية فاعلة ومستقلة تفرض العقوبات الرادعة بحق كل من يسيء لأخلاقيات المهنة، وثانيهما المسار الثقافي والقيمي الذي يستدعي تعزيز أدبيات المهنة وترسيخ ثقافة الزمالة منذ مراحل التأهيل الأولى، والتأكيد على أن قوة أي مهنة وهيبتها نابعة أساساً من تماسك أبنائها واحترامهم المتبادل.
أخيراً، إن النهوض بالواقع المهني يحتم علينا اليوم -أكثر من أي وقت مضى- توجيه نداء صادق ومسؤول لكافة النقابات، والجهات المهنية، وأبناء المهن قاطبة؛ فالنقابات مطالبة بأن تكون الحصن الحصين والدرع الواقي لمنتسبيها عبر سياسات تعزز التعاضد وتحمي كرامة الأعضاء، كما أن المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق الزملاء ليدركوا أن قوتهم تكمن في وحدتهم، وأن الزميل سند وعضد لا منافس يجب إسقاطه، وإن صون القواعد السلوكية والانتصار لروح الزمالة هو الضمانة الأكيدة لحفظ كرامة الأعضاء، ورفع شأن المهنة، وحمايتها من التآكل والانزلاق في صراعات عبثية تدمر مكانتها ومركزها في المجتمع.