من يستفيد من إهدار مقدرات الدولة وتغييب القانون ؟


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 18:18
المحور: المجتمع المدني     

ليست الفوضى قدراً محتوماً، ولا هي وليدة الصدفة البحتة، بل هي في كثير من الأحيان مسار ممنهج يُرسم بدقة لخدمة مصالح ضيقة على حساب دماء الناس وأعمارهم ومستقبل وطنهم، فحين يتراجع القانون ليصبح وجهة مستباحة، وتتهاوى هيبة المؤسسة لصالح شريعة الغاب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بوجع وإلحاح، لصالح مين يتم تغييب القانون في حياتنا الفلسطينية؟ ومن هي الجهات التي تستفيد من سياسة تجاهل النظم والقوانين واستغلال الظروف القاسية لتمرير أجنداتها الخاصة؟
إن تغييب سيادة القانون لا يخدم سوى من يخشون العمل في النور ورقابة المجتمع، ولان في القانون عدالة، وفي المشهد الحالي، تتعدد الأقنعة لكن الدور واحد؛ بدءاً من شبكات الفساد وتجار الأزمات وعصابات الحروب التي تعتاش على الخراب وتقتات على أوجاع الناس، مروراً بالشلليات الحزبية وتلك الجماعات التي اتخذت من الانتماءات الضيقة غطاءً لنهب المكتسبات وتقاسم النفوذ، وهؤلاء جميعاً يدركون تماماً أن بقاءهم واستمرار امتيازاتهم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بضعف الدولة وتفكك مؤسساتها، فعندما تغيب المؤسسة وتتحول القوانين إلى نصوص ميتة، تصبح الواسطة والعصبية الحزبية وسلطة السلاح المنفلت هي البديل الذي يحمي المتجاوزين ويديم سيطرتهم، بينما يواجه المواطن البسيط مصيره المهمش وحده.
وإن الهدف الأعمق من إسقاط النظم والقوانين هو إبقاء المجتمع في حالة استنزاف دائم؛ فحين يُترك المواطن رهينة لصراع البقاء اليومي وتأمين أساسيات عيشه، فإنه يُحرم تلقائياً من طاقة التفكير في حقوقه الأساسية أو المساءلة والمحاسبة، والفوضى المنظمة تضمن إلهاء الجبهة الداخلية، وتمنع تراكم أي وعي جمعي قادر على بناء مؤسسات قوية، وتهدف إلى إلغاء الحقوق وتكريس الاستبداد بحيث يتحول الوطن في نظر هؤلاء إلى مزرعة نفوذ وغنائم شخصية تُمرر من خلالها الصفقات وتُهدر الموارد دون رادع أخلاقي أو وطني.
وإن أخطر ما يفرزه هذا الواقع هو ضرب الثقة من أساسها؛ ثقة المواطن بجدوى المؤسسة، وثقة الأجيال الناشئة بمفهوم الدولة، فضلاً عن تفكك النسيج المجتمعي وتقديم الولاءات العشائرية أو الحزبية على مصلحة الوطن العليا، وعندما تصبح الكفاءة جريمة، والنزاهة عبئاً، والشجاعة في قول الحق خطراً، فإننا لا نكون أمام أزمة إدارية عابرة، بل أمام استنزاف بطيء لروح المشروع الوطني وتهديد حقيقي لقدرة المجتمع على الصمود والبقاء.
إن الخروج من هذا النفق المظلم ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة حقيقية ومعركة وعي لا تقل شأناً عن أي معركة أخرى، تبدأ برفع الغطاء بكل أشكاله ونزع الشرعية الشعبية والعشائرية والحزبية عن أي عصابة أو شلية تستغل الظروف للابتزاز والسيطرة، وفضح ممارساتهم بلا مساحيق تجميلية، وكما يتطلب ضغطاً مجتمعياً حياً للتمسك بالعمل المؤسسي القائم على الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص، والتأكيد على أن سيادة القانون واستقلال القضاء هما الحصن الأخير لحماية الضعيف قبل القوي، وأنه لا قيام لدولة أو صمود حقيقي بدون قضاء فاعل ونزيه.
إن عصابات الحروب والشلليات الطفيلية، مهما اشتدت سطوتها واستقوت بالظروف الاستثنائية، فهي ظواهر طارئة وزائلة، وأما منطق الدولة، وقوة المؤسسة، وعدالة القانون، فهي الباقية لأنها تستند إلى الجوهر الصلب لإرادة شعب أثبت دوماً قدرته على كسر القيود وإسقاط كل محاولات التدجين والاستعباد، فالقانون ليس رفاهية، بل هو سياج الوطن ودرع بقائه.