المنظمات الجماهيرية والشعبية بين أزمة التحلل المؤسسي وضرورة الإصلاح الشامل
سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن
-
العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 00:04
المحور:
المجتمع المدني
تُشكل الاتحادات والنقابات الجماهيرية والشعبية الركيزة الأساسية لأي مجتمع حي ومدرك لذاته، والعمود الفقري للأطر التنظيمية الواعية، فهي ليست مجرد واجهات إدارية، بل هي القوة الدفّاعة التي تعبّر عن القواعد، وتدافع عن حقوق القطاعات المختلفة، وتصون الهوية الوطنية والمهنية.
غير أن الاستقراء الدقيق لواقع العمل النقابي في مراحل مختلفة، يُظهر حجم الإنهاك الذي أصاب هذه الأطر نتيجة تراكم الصراعات الداخلية، وتصفية الحسابات الضيقة بين بعض القوى والقيادات، ولعلّ النتيجة الأكثر خطورة لهذه الأزمات المتلاحقة لم تكن مجرد الانقسام أو التباين السياسي، بل تحلُّل قواعد العمل المؤسسي، وسيادة سياسة المحاباة والعلاقات الشخصية على حساب المصلحة العامة والنظام والقانون، يُضاف إلى ذلك التعقيد الجغرافي الواقع على بعض المناطق الهامشية أو المحاصرة، وما يرافقه من استهداف ممنهج لفصل مكونات الوطن النقابية وتهميش قواعدها، وذلك ضمن المخطط الكبير لفصل قطاع غزة.
وأمام هذا الواقع المأزوم، لم يعد إصلاح العمل النقابي يحتمل الحلول الترقيعية، أو المحاصصات الفردية، والفصائلية، أو الترضيات المؤقتة، إننا اليوم أمام لحظة فارقة تتطلب مساراً شجاعاً لإعادة الاعتبار للمؤسسة، والانتقال الناجز والمباشر من شرعية الأشخاص والولاءات إلى سيادة اللوائح والمحاسبة.
وتستند نقطة البدء في أي مسار إصلاحي حقيقي إلى إعادة الاعتبار للنظم واللوائح الداخلية، باعتبارها العقد الاجتماعي والحاكم الوحيد لجميع الأعضاء والقيادات دون استثناء، مع مراعاة الخصوصية القانونية والمهنية لكل جسم نقابي، وإن تفعيل سيادة القانون يستوجب أولاً التجميد الفوري لكافة الاجتهادات الفردية والقرارات الاستثنائية التي أوجدتها مراحل الصراع والهيمنة، والتوافقات على حساب القانون، ويترافق ذلك مع إخضاع اللوائح لمراجعة دقيقة من قبل لجان مهنية محايدة، لتنقيتها من الثغرات التي كُرست سابقاً للفرض أو الإقصاء، او الهيمنة، والاستبداد، والتفرد بالقرارات.
إن الهدف المحوري هنا هو إغلاق باب المحسوبية والعلاقات الشخصية، والمحاصصة الذي يضعف موقف المؤسسات النقابية أمام الخصوم والتحديات، والتأسيس لمرحلة تكون فيها الكفاءة، والتخصص، والتدرج النقابي، والالتزام بالبرامج العملياتية هي المعيار الوحيد لتولي المسؤوليات، مع التزام كافة الهيئات بالشفافية والتثبيت الدوري لاجتماعاتها ومخرجاتها أمام القواعد لتجريد القرار النقابي من الغرف المغلقة والفردية في الإدارة، كما أن هذا التحول المؤسسي لن يكتب له النجاح دون الشجاعة في فتح أبواب الأطر النقابية أمام الكفاءات والطاقات الشبابية والكوادر النسوية المهشمة، وضمان التداول الدوري للسلطة النقابية، ليتحول العمل النقابي من ساحة للاحتكار الفئوي ولبعض الاشخاص إلى حاضنة ديمقراطية تضخ دماء جديدة وتصنع قيادات الغد.
ولضمان عدم ارتداد هذه الإصلاحات أو ارتهاِنها للأهواء الفردية مجدداً، تقضي الضرورة التأسيس لإطار مساند ورقابي مستقل يُعنى بالحكامة والرقابة الشاملة، وحيث يتشكل هذا الإطار بالتوافق الوطني والنقابي العريض من شخصيات وازنة ومشهود لها بالنزاهة، وممثلين عن القواعد الجماهيرية، وخبراء قانونيين ممن هم خارج دائرة المصالح والصراع الداخلي؛ لضمان استقلاليتها وعدم تحولها لأداة إقصاء جديدة، وتتلخص مهام هذا الإطار في رصد الالتزام اللائحي بمراقبة مدى انضباط الهيئات القيادية بالأنظمة الأساسية، وتحقيق الشفافية المالية والإدارية بالتدقيق الدائم في الموارد والمصروفات، فضلاً عن فحص الشكاوى والتظلمات بكل استقلالية، وانشاء صندوق للشكاوي النقابية والنظر بها قبل أن تكون مؤسسات مكافحة الفساد هي الحكم في أي تجاوزات قد تهدد مستقبل الأجسام النقابية بسبب تجاهل القانون، وإن وجود مثل هذا الإطار يمثل صمام الأمان لتفعيل مبدأ المحاسبة الشاملة والتقييم الدوري القائم على النتائج الملموسة.
كما أن بناء رؤية وحدوية جامعة لا يمكن أن يتحقق على أرضية توزيع المكتسبات والمحاصصة بين المتصارعين، بل بالعودة الصادقة إلى القضايا الجماهيرية والنقابية الأصلية التي أُنشئت من أجلها هذه الاتحادات والنقابات، فلا قيمة لأي إصلاح هيكلي لا ينعكس مباشرة على واقع العمال والمهنيين في الميدان؛ إذ يجب أن تتوازى معركة الإصلاح اللائحي مع خوض معارك صلبة لتوفير الحماية الاجتماعية، وتحسين بيئة العمل، والدفاع عن الأعضاء وتطوير سياسات الأجور، وصون كرامة الموظف والمهني والعامل في مواجهة الاستغلال والبطالة المستشرية، كما وإن فتح باب المصالحة الشاملة على قاعدة أن الجميع شركاء في البناء وتحت طائلة القانون، وإدارة العمل تكون بالتركيز على خدمة الأعضاء ميدانياً، فهو السبيل الوحيد لاستعادة ثقة القواعد الجماهيرية وتلاحمها من جديد.
أخيراً: إن كتابة هذه السطور تتجاوز حدود النقد الإداري؛ إنها نداء واجب يهدف بالأساس إلى حماية الإرث التاريخي المجيد لنقاباتنا واتحاداتنا الشعبية والجماهيرية، وصون استقلاليتها، والارتقاء بدورها لتبقى خادمةً لأعضائها وحصناً منيعاً للارتقاء والحفاظ على مجتمعنا المدني، لإن مجتمعنا يخوض اليوم معركة وجودية أمام مخططات ومؤامرات تسعى لتفتيت نسيجه الوطني، ومأسسة الفصل الجغرافي، وخلق كيانات ممسوخة أو إدارات هشة تُسقط المشروع الوطني الجامع، وفي مواجهة هذه المخاطر، لا تملك الاتحادات والنقابات رفاهية الصمت أو الانتظار؛ إذ يجب عليها أن تلعب دور الصدّ المنيع والدرع الوقائي الحاسم، متى ما استعادت عافيتها المؤسسية، وكانت قادرة على صهر جهودها، وتوحيد مواقفها الوطنية، والوقوف بصفه صلبة خلف قطاعاتها التمثيلية لحماية القرار الوطني والمستقبل النقابي الحُر.