أسباب تراجع التنظيم العمالي وتفكك الجبهة النقابية الفلسطينية


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 16:22
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

حين تواجه الطبقة العاملة أعنف هجمات التدمير الوجودي والاقتصادي، يكون السلاح الأشد إمضاءً في مواجهة هذه المخاطر هو وحدة الصف التنظيمي والصلابة النقابية، وقدرتها على مواجهة التحديات وتبني مواقف العمال، وغير أن المتأمل في واقع الحركة العمالية الفلسطينية يكتشف بمرارة حجماً هائلاً من التراجع في كفاءة وفعالية الأطر التنظيمية والنقابية المدافعة عن حقوق العمال في القطاعات العمالية المتنوعة، وهذا الضعف لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلة تراكمات معقدة ومتشابكة؛ تداخلت فيها الضغوط الخارجية، ومحاولات فرض أجندات حزبية، والسياسات الاحتلالية الممنهجة التي استهدفت تقويض أي بنية مؤسسية مستقلة، مع أزمات داخلية تتعلق ببنية وهياكل التنظيمات النقابية ذاتها، والتي باتت في كثير من الأحيان عاجزة عن مواكبة التحولات العميقة والمتسارعة في عالم العمل وسوقه المتآكل.
لقد عانت البنية النقابية التقليدية لسنوات طويلة من ترهل مؤسسي وضعف في المشاركة الديمقراطية للقواعد العمالية؛ حيث غابت عنها آليات التجديد والتداول السليم للقيادات، وانكفأت عن تمثيل القطاعات الواسعة من العمال المهمشين والعاملين في الاقتصاد غير المنظم والمستتر، وفي ظل حالة الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي التي عصفت بالساحة الفلسطينية، انشطرت الحركة العمالية وتوزعت ولاءاتها، مما أدى إلى تشتت الجبهة النقابية وإضعاف وزنها النوعي وتأثيرها التفاوضي في رسم السياسات العامة، وهذا التشرذم حرم العمال من مظلة وطنية موحدة وقوية قادرة على رفع صوتهم والدفاع عن مصالحهم الحيوية أمام الجهات الرسمية وأصحاب العمل، وحوّل النقابات في كثير من الأحيان إلى هياكل شكلية بعيدة عن نبض العمال الحقيقي وهمومهم اليومية.
وإلى جانب هذه الأزمات الهيكلية المتراكمة، فرضت الحرب بعد السابع من أكتوبر 2023 مزيداً من مآسي العمال وتشردهم ونزوحهم، مترافقة مع ظروف بطالة مقيتة وفقدان تام للأمان الوظيفي؛ حيث أدى التدمير الشامل للبنية التحتية والورش والمصانع إلى فقدان مئات الآلاف من العمال لمصادر رزقهم في قطاع غزة والضفة الغربية، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، فضلاً عن إلغاء تصاريح عمل عشرات الآلاف داخل الخط الأخضر. هذا الواقع المأزوم فرض طوقاً قسرياً على حرية التعبير والتنظيم النقابي؛ فالعامل المهدد في لقمة عيش أطفاله، والباحث بيأس عن أي فرصة عمل يومية للبقاء في ظل اقتصاد النزوح، يجد نفسه مجرداً من القدرة على الاحتجاج أو الانتساب الفاعل للنقابات، خوفاً من الاستبعاد أو الملاحقة في سوق عمل طارد ومأزوم، مما أدى إلى تراجع الوعي النقابي والطبقي وإضعاف التضامن الجماعي، ليترك الانسان العامل وحيداً في مواجهة شروط استغلال قاسية بلا حماية قانونية أو سند مؤسسي.
إن استعادة قوة العمل الفلسطينية وفعاليتها تبدأ حتماً من عملية نقد ذاتي شجاعة وجريئة لبنية العمل النقابي، وإعادة بنائه على أسس ديمقراطية ومستقلة ومهنية خالصة تضع مصلحة العامل فوق كل اعتبار فصائلي أو حزبي ضيق، وإن توحيد الصف العمالي وتفعيل دور النقابات العمالية ليس مطلباً فئويًا، بل هو شرط أساسي وضرورة وطنية لإصلاح الخلل البنيوي في سوق العمل، وضمان أن يكون للطبقة العاملة صوت مسموع وقوي يشارك بفاعلية في صياغة سياسات التعافي والبناء المستقبلي، ولتطوير ذلك، يجب العمل على خارطة طريق عملية تتضمن استراتيجيات متكاملة لإعادة بناء الحركة النقابية الفلسطينية وتوحيد أطرها على قاعدة الحماية والعدالة الاجتماعية؛ إذ تفرض التحديات الجسام الراهنة الانتقال المباشر من مربع التوصيف والتحليل إلى مربع الفعل وصياغة البدائل الوطنية الشاملة.
وتبدأ أولى خطوات هذه الخارطة من إقرار استراتيجية وطنية موحدة لإصلاح وتجديد البنية الداخلية للنقابات العمالية، تقوم على ترسيخ الممارسة الديمقراطية والتداول الدوري للقيادات، وفتح الأبواب واسعة أمام الشباب والمرأة العمالية للمشاركة في صناعة القرار النقابي. كما يُعد ضمان استقلالية العمل النقابي عن التجاذبات الفصائلية والنفوذ الحزبي والسياسي حجر الزاوية في بناء تنظيم نقابي صلب يعيد بناء الثقة المفقودة بين العمال وممثليهم عبر الشفافية والمحاسبة والانتخابات الدورية من القاعدة إلى القمة.
ولأن واقع سوق العمل الفلسطيني يتسم ببروز قطاعات غير منظمة وعمالة طارئة اقتضتها ظروف النزوح ومراكز الإيواء، يتوجب على الحركة النقابية توسيع مظلتها التنظيمية لتشمل كافة فئات العمال المهمشين والعاملين في الاقتصاد الموازي، وذلك عبر ابتكار صيغ تنظيمية مرنة، كإقامة "لجان الحماية والتضامن العمالي" داخل مخيمات ومراكز الإيواء للحصر والتنظيم والدفاع عن الأجور والحق في العمل اللائق؛ يرافق ذلك إحداث نقلة نوعية في أدوات العمل النقابي من خلال الاستفادة الواعية من التكنولوجيا والمنصات الرقمية بإنشاء شبكة نقابية رقمية موحدة تتيح الانتساب الإلكتروني، والتواصل المباشر، وتوثيق الانتهاكات بسرعة، وإيصال صوت العمال الفلسطينيين إلى المحافل والنقابات الدولية لبناء شبكات تضامن عابرة للحدود.
أخيراً، يجب التأكيد على أن إعادة بناء الحركة العمالية الفلسطينية وتوحيد جبهتها النقابية ليس مجرد مطلب نقابي فئوي، بل هو واجب وطني واستحقاق مجتمعي لا يقبل التأجيل؛ فالطبقة العاملة التي تشكل العمود الفقري لصمود المجتمع الفلسطيني وقدرته على البقاء، تستحق جبهة نقابية حرة، مستقلة، وديمقراطية، قادرة على حماية حقوقها، ومتمكنة من فرض حضورها كشريك أساسي وفاعل في صياغة سياسات التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وبناء المستقبل الوطني الحر والمستقل.