من دولة الاستثناء إلى دولة المواطنة: رؤية لإعادة بناء الدولة السورية


معتز حيسو
الحوار المتمدن - العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 23:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

بقلم: معتز حيسو
إذا كانت دولة الاستثناء قد قامت على احتكار السلطة للقرار، وإخضاع المجتمع لمنظومة من القواعد والمؤسسات التي تعيد إنتاج الهيمنة، فإن تجاوزها لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع مواقع القوة. فالانتقال الحقيقي يقتضي تفكيك البنية التي أنتجت الاستثناء، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وإطلاق المجتمع من الخوف والتبعية إلى فضاء المشاركة والحرية.
وفي الحالة السورية، تزداد هذه المهمة تعقيداً بفعل سنوات الحرب، والتفكك المؤسسي، وتعدد مراكز القوة، والتهجير، والانقسامات الاجتماعية والاقتصادية. لذلك لا ينبغي النظر إلى الانتقال باعتباره مجرد انتقال من سلطة إلى سلطة، وإنما باعتباره عملية تاريخية لإعادة بناء الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما.

من تغيير السلطة إلى إعادة بناء الدولة
تكمن إحدى أخطر مشكلات المراحل الانتقالية في التعامل مع الدولة باعتبارها مجموعة من الأشخاص والمؤسسات التي يمكن استبدالها، بينما تكمن المشكلة الأعمق في البنية التي حكمت العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي القواعد والممارسات التي سمحت بإعادة إنتاج الهيمنة.
ولهذا فإن الانتقال الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف هذه العلاقة. فالمواطن لا ينبغي أن يكون موضوعاً لسياسات الدولة أو تابعاً لها، بل شريكاً في صياغة المجال العام ومصدراً للشرعية السياسية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى عقد اجتماعي وطني جديد، لا يكون مجرد تفاهم بين القوى الأكثر نفوذاً، وإنما حواراً تأسيسياً يشارك فيه السوريون بمختلف مكوناتهم ومناطقهم واتجاهاتهم، ويتناول شكل الدولة ونظام الحكم والدستور، والعلاقة بين المركز والمناطق، والحقوق والحريات، والاقتصاد، والعدالة الانتقالية، واحتكار الدولة للقوة.
الغاية ليست إنتاج توافق سياسي مؤقت، وإنما الانتقال من منطق الأحادية والتبعية إلى منطق التعددية والمواطنة.

المواطنة أساس الدولة
ينبغي أن تكون المواطنة المتساوية أساس الدولة الجديدة. فلا تتحدد حقوق المواطن على أساس الدين أو الطائفة أو القومية أو المنطقة أو الموقف السياسي، ولا تكون الدولة ملكاً للأغلبية، كما لا تتحول حماية أي مكون إلى مبرر لإقامة سلطة موازية للدولة.
إن التنوع السوري ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، بل حقيقة اجتماعية وثقافية ينبغي تنظيمها داخل إطار دولة واحدة تكفل المساواة أمام القانون، وحرية الاعتقاد، والحقوق الثقافية واللغوية، والمشاركة السياسية، وتجريم التمييز.
ولا تعني الدولة المدنية إقصاء الدين من المجتمع أو منع المتدينين من المشاركة السياسية، وإنما تعني منع تحويل الدين إلى أداة لاحتكار السلطة أو إنتاج تفاوت في الحقوق بين المواطنين،
وحماية المجال الديني نفسه من التوظيف السياسي.
وفي هذا السياق، لا تتعارض اللامركزية مع وحدة الدولة. فالحفاظ على وحدة سوريا لا يستلزم العودة إلى مركزية شديدة، كما أن توسيع صلاحيات الإدارات المحلية لا يعني التقسيم. المطلوب دولة واحدة ذات سيادة، مع تمكين المناطق من إدارة شؤونها التنموية والخدمية والثقافية ضمن إطار دستوري يضمن وحدة الدولة وتكافؤ المواطنين.
وهكذا تصبح الوحدة الوطنية قائمة على الحقوق والمشاركة، لا على الإكراه.

إعادة بناء المؤسسات واحتكار القوة
لا يكفي إخراج الاستبداد من السلطة؛ بل ينبغي إخراج منطقه من مؤسسات الدولة نفسها.
وهذا يتطلب إصلاح القضاء وضمان استقلاله، وإعادة تنظيم الإدارة العامة على أساس الكفاءة، ومنع تسييس الوظيفة العامة، وإخضاع الأجهزة الأمنية للقانون والرقابة المدنية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس وطني، وإنشاء آليات مستقلة للرقابة والمساءلة.
كما لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. لكن استعادة احتكار الدولة للسلاح ينبغي ألا تتحول إلى عملية أمنية محضة، بل إلى مسار سياسي وقانوني واجتماعي يهدف إلى وضع القوة المسلحة تحت سلطة القانون والمؤسسات المدنية.
ويشمل ذلك دمج من تنطبق عليهم الشروط في المؤسسات الرسمية، وتأهيل وتسريح من لا يمكن دمجهم، وتوفير بدائل اقتصادية واجتماعية للمقاتلين السابقين، ومعالجة آثار اقتصاد الحرب في المناطق التي ارتبطت مصالحها بالسلاح.
فالاحتكار المشروع للقوة لا يعني احتكار العنف لصالح السلطة، وإنما يعني أن تكون القوة المسلحة خاضعة للقانون، وأن تكون الدولة مسؤولة عن حماية المواطنين لا عن إخضاعهم.
ومن هنا ينبغي توسيع مفهوم الأمن من الأمن العسكري إلى الأمن الإنساني؛ أي أمن المواطن من الاعتقال التعسفي والخطف والعنف والتمييز والخوف والفقر وانعدام الأمان الاجتماعي.

العدالة الانتقالية والمصالحة
لا يمكن بناء مستقبل مستقر على إنكار الماضي، لكن العدالة الانتقالية ينبغي ألا تتحول إلى عدالة المنتصر أو إلى انتقام جماعي.
فالعدالة المطلوبة تقوم على المسؤولية الفردية، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، ومعرفة مصير المفقودين، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
كما ينبغي أن ترتبط العدالة الانتقالية بالعدالة الاجتماعية؛ لأن الحرب والاستبداد لم ينتجا القتل والاعتقال والتهجير فحسب، بل أنتجا أيضاً شبكات امتياز واحتكاراً للموارد، ومصادرة للممتلكات، وتفاوتاً اجتماعياً واقتصادياً.
لذلك ينبغي أن تشمل عملية العدالة قضايا الملكية والسكن والأراضي والمصادرة والتهجير
والاستيلاء على الممتلكات، وأن تتم معالجة هذه الملفات على أساس القانون والمسؤولية الفردية، بما يمنع تحول استرداد الحقوق إلى موجة جديدة من الانتقام.
فالعدالة التي لا تشمل الضحايا تفقد معناها، والعدالة التي تتحول إلى انتقام تفقد قدرتها على بناء السلام.

جبر الضرر وإعادة الإعمار
يمكن التفكير في إنشاء صندوق وطني مستقل لجبر الضرر وإعادة الإعمار الاجتماعي، تكون موارده من الدولة والمساهمات الدولية والأموال المستردة بصورة قانونية وغيرها من الموارد المشروعة.
ويوجَّه بصورة خاصة إلى أسر الضحايا والمفقودين، والمصابين وذوي الإعاقة، والمهجرين والنازحين، والمناطق الأكثر تضرراً، وإعادة بناء المدارس والمراكز الصحية والبنية الأساسية.
لكن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تتحول إلى مشروع عقاري أو مالي تستفيد منه النخب وشبكات رأس المال وحدها. فإعادة بناء المدن لا تكفي إذا لم تُستعد حياة المجتمع وحقوقه.
لذلك ينبغي أن تكون إعادة الإعمار مشروعاً اجتماعياً وطنياً يضع الإنسان في مركزه، ويعطي الأولوية للسكن والتعليم والصحة والمياه والكهرباء والبنية التحتية وخلق فرص العمل، ويمنع إعادة إنتاج التفاوتات والامتيازات التي أسهمت في الأزمة. وبهذا تصبح إعادة الإعمار جزءاً من عملية إنصاف المجتمع، لا مجرد فرصة استثمارية.

اقتصاد الإنتاج والعدالة الاجتماعية
لا يمكن بناء دولة المواطنة في ظل اقتصاد ينتج التهميش والتبعية. لذلك ينبغي الانتقال من اقتصاد الحرب والاحتكار والامتياز إلى اقتصاد إنتاجي يقوم على الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم العمل المنتج، وتوسيع فرص العمل، والاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية.
ويحتاج ذلك إلى نظام ضريبي أكثر عدالة، وسياسات للحماية الاجتماعية، ومكافحة الاحتكار والفساد، وتوسيع فرص الوصول إلى الموارد والعمل.
فالعدالة الاجتماعية ليست نتيجة ثانوية للاستقرار السياسي، وإنما أحد شروطه. كما أن الحق في العمل يتجاوز كونه حقاً اقتصادياً؛ فالمواطن الذي يمتلك استقلالاً اقتصادياً يكون أكثر قدرة على ممارسة حريته السياسية وأقل تعرضاً للتبعية للسلطة أو لشبكات النفوذ.
ومن هنا يصبح الاقتصاد جزءاً من مشروع بناء المواطن، وليس مجرد ملف تقني منفصل عن السياسة.

العودة إلى المواطنة وإطلاق الحياة العامة
لا يمكن بناء دولة وطنية بينما يبقى ملايين السوريين خارج مناطقهم أو خارج البلاد. لكن العودة لا ينبغي أن تكون مجرد عودة جغرافية، وإنما عودة إلى الحقوق.
وتحتاج العودة إلى ضمان الأمن، واستعادة الوثائق، وحل قضايا الملكية، وإعادة الخدمات، ومنع الانتقام، وتأمين فرص العمل، وضمان المشاركة السياسية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إطلاق الحياة السياسية والمدنية من خلال ضمان حرية التعبير والتنظيم والاجتماع، وإطلاق العمل الحزبي والنقابي، وتمكين المجتمع المدني، وضمان استقلال الجامعات والإعلام.
فالمجتمع القادر على تنظيم نفسه وممارسة حقوقه يصبح شريكاً في إدارة الشأن العام، وتتراجع الحاجة إلى السلطة الاستثنائية.
ولا تعني الديمقراطية الانتخابات وحدها، وإنما بناء منظومة تسمح للمواطن بالمشاركة والمساءلة والتأثير، واختيار ممثليه وتغييرهم، والوصول إلى المعلومات، والاعتراض على السياسات، والتنظيم مع الآخرين.

بناء الإنسان والذاكرة الوطنية
لا يمكن بناء دولة جديدة من دون بناء ثقافة سياسية جديدة. ولهذا ينبغي أن يتجاوز إصلاح التعليم تحديث الكتب والمناهج إلى بناء إنسان قادر على السؤال والتفكير والنقد والمشاركة.
وينبغي أن تتضمن العملية التعليمية مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والتفكير النقدي والتعددية وقبول الاختلاف والتاريخ المتعدد الروايات، بما ينقل المجتمع من ثقافة التلقين والطاعة إلى ثقافة المسؤولية والمشاركة.
كما ينبغي وضع الشباب والنساء في قلب عملية إعادة البناء، عبر توفير التعليم والتأهيل والعمل والمشاركة السياسية والاقتصادية، وإعادة تأهيل الشباب الذين عاشوا سنوات الحرب أو انخرطوا في التنظيمات المسلحة، وتمكين النساء اللواتي تحملن أعباء استثنائية خلال الحرب والنزوح.
ولا تقل أهمية ذلك عن بناء ذاكرة وطنية مشتركة. ويمكن إنشاء هيئة مستقلة للذاكرة والتوثيق تجمع الشهادات والوثائق المتعلقة بالاستبداد والحرب والانتهاكات وتحفظها للأجيال المقبلة.
ولا ينبغي أن تكون مهمتها كتابة «تاريخ رسمي»، وإنما منع احتكار الذاكرة والاعتراف بحق كل ضحية في أن تُسمع روايتها وأن يُعترف بمعاناتها. فالمصالحة لا تتطلب توحيد الروايات، وإنما الاعتراف المتبادل بالمعاناة والحقوق.

إعادة القرار إلى المواطن
تختصر هذه النقطة جوهر عملية الانتقال كلها. فالدولة الاستثنائية تبدأ عندما يُنتزع القرار من المجتمع ويصبح محصوراً في يد فرد أو نخبة أو حزب أو مؤسسة أمنية أو جماعة مسلحة. أما دولة المواطنة فتبدأ عندما يعود القرار إلى المواطن.
لكن إعادة القرار لا تعني الانتخابات وحدها، بل تعني بناء مؤسسات وقواعد تتيح المشاركة والمساءلة، وتحمي الحقوق والحريات، وتمنح المواطن القدرة على التأثير في السياسات العامة والوصول إلى المعلومات وتنظيم نفسه مع الآخرين. فالمواطن ليس موضوعاً للسياسة، وإنما شريك في صنعها ومصدر للشرعية السياسية.

نحو انتقال متكامل
إن هذه المسارات لا يمكن أن تعمل منفردة. فلا يمكن تحقيق العدالة الانتقالية من دون إصلاح المؤسسات، ولا المصالحة من دون الاعتراف بالضحايا، ولا الاستقرار من دون اقتصاد أكثر عدالة، ولا الديمقراطية في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة، ولا المواطنة المتساوية في ظل التمييز.
ولهذا فإن الانتقال السوري يحتاج إلى خمسة تحولات مترابطة:
من دولة السلطة إلى دولة المواطنة.
من اقتصاد الامتياز والحرب إلى اقتصاد الإنتاج والعدالة الاجتماعية.
من مجتمع الخوف إلى مجتمع الحرية والتنظيم المدني.
من عدالة الانتقام إلى العدالة الانتقالية والمصالحة.
من تعدد مراكز القوة إلى دولة واحدة يحكمها القانون وتخضع فيها القوة للمؤسسات المدنية.
إن نجاح الانتقال لن يقاس فقط بسقوط النظام القديم أو بتشكيل مؤسسات جديدة، وإنما بمدى قدرة الدولة على حماية حقوق المواطن، وتأمين شروط حياة كريمة له، وإشراكه في صناعة القرار.
فالدولة لا تصبح وطنية لأنها ترفع شعار الوحدة، ولا تصبح ديمقراطية لأنها تجري انتخابات، ولا تصبح عادلة لأنها تحاكم بعض المسؤولين. إنها تصبح وطنية عندما يشعر المواطن أن وطنه يحميه، وديمقراطية عندما يستطيع المشاركة والمساءلة وتغيير ممثليه، وعادلة عندما لا تتوقف حقوقه على هويته أو موقعه الاجتماعي أو السياسي.
ومن هنا فإن الانتقال الحقيقي في سوريا لا ينبغي أن يكون انتقالاً من سلطة إلى سلطة، وإنما انتقالاً من منطق الاستثناء إلى منطق الدولة، ومن منطق الرعية إلى منطق المواطنة، ومن احتكار القرار إلى المشاركة في صنعه.
فالغاية النهائية ليست إعادة توزيع السلطة بين النخب، وإنما إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تصبح المواطنة أساس الحقوق، والقانون مرجعاً للسلطة، والتعددية قاعدة للحياة العامة، والدولة مؤسسة جامعة لكل السوريين.
كاتب وباحث سوري