سورية بين وهم الكانتونات وضرورات الدولة الوطنية الجامعة


معتز حيسو
الحوار المتمدن - العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 00:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

سورية بين وهم كانتونات وضرورات الدولة الوطنية الجامعة
بقلم معتز حيسو
9/ 2026
في المشهد الشمالي، يبرز خيار تفكيك المنظومة العسكرية لـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وإعادة دمج مقاتليها في جيش وطني موحد كضرورة بنيوية لإنهاء حالة الارتهان للخارج، وسحب الذرائع الإقليمية التي تستبيح الجغرافيا السورية. إن الجدوى الاستراتيجية لهذه الخطوة لا تكمن في إجراء"مصالحات أمنية" فوقية تعيد إنتاج آليات القمع السابقة، بل في تحويل هذا التفكيك إلى مدخل نسقي لبناء دولة المواطنة المتساوية، واستعادة الموارد الوطنية الحيوية، وضخها في شرايين الاقتصاد الوطني الجامع. كما أن إخضاع هذه القوى لعقيدة عسكرية احترافية تحت مظلة مؤسسات مدنية ودستورية، هو الكفيل بتجاوز"اللامركزية العسكرية الخطرة" التي تهدد بإنشاء جيوش موازية داخل الدولة، فضلاً عما تحققه هذه الخطوة من قطع الطريق على تحويل التنوع القومي(الكردي ـ العربي) إلى كانتونات مأزومة ومستقلة وظيفياً.
وبالانتقال إلى الجنوب، وتحديداً محافظة السويداء، يتجلى بعدٌ آخر لخطورة الفراغ السيادي وتفكك العقد الاجتماعي المتوارث؛ حيث تراوح العلاقة الراهنة بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية في دمشق بين محاولات الاحتواء الخدمي الهش والصدام الأمني الفعلي، مما يدفع المنطقة قسراً نحو نمط من الانفصال بحكم الأمر الواقع. وتصل هذه المخاطر ذروتها مع التوظيف السياسي الخبيث الذي تمارسه إسرائيل، عبر استغلال ذريعة"حماية الأقليات" لفرض منطقة عازلة وتثبيت توغلاتها العسكرية في الجنوب السوري تحت يافطة حماية أمنها الداخلي. ويمثل هذا السلوك الإسرائيلي ذروة الخطر؛ كونه يقوم على توظيف التعدد الثقافي والمذهبي كسلاح تدميري يهدف إلى عزل السويداء، وتحويلها إلى كانتون وظيفي يرتهن لسياسات تل أبيب، في مسار تتجاوز أبعاده التفكيكية حدود تقسيمات" سايكس بيكو" التقليدية.
إن معالجة هذه التحولات البنيوية تقتضي امتلاك السوريين لزمام أمرهم الوطني. وفي المقابل، فإن تهميش القوى السياسية والهيئات المدنية، وتحويل البلاد إلى ملعب مفتوح تتحكم في إدارته أطراف إقليمية ودولية تتباين في توجهاتها ومصالحها، يفتح المجال أمام تشظي الدولة السورية بكل معانيها الحضارية، ويجعلها رهينة لتناقضات عابرة للحدود. يسهم هذا التدويل الإقصائي في تجديد الصراع على أسس ومقدمات تستند إلى خطوط استنزاف جديدة، مدفوعة بتداخل أطراف النزاع وتغذيتها بتناقضات محمولة على عوامل دينية وإثنية. وما يفاقم هذه المعضلة هو إعادة ترسيم الخرائط الجيوسياسية بمعزل عن الإرادة الوطنية، وفي ظل تجاهل تام للإجماع السوري الذي يحتاج تظهيره إلى مناخات سياسية مستقرة، يستطيع فيها السوريون التعبير عن إرادتهم بشكل حر ومستقل. فالمجتمع السوري يتمتع بتنوع فكري وثقافي ثري، وبمقدار ما يحمل هذا التنوع من مزايا إيجابية في ظل أوضاع سياسية واجتماعية ديمقراطية تعددية، فإنه يتحوّل إلى أحد أكثر المصادر خطورة في حال توظيفه سياسياً لخدمة مشاريع التجزئة.
وفي هذا السياق يبرز نموذج"حكم الطوائف" كبوابة لتمكين المحاصصة، وتكريس هيمنة زعماء المكونات الفرعية والطغم المالية، فضلاً عن تعميقه للارتهان السياسي والتبعية الاقتصادية. إن النظام الطائفي، بآليات اشتغاله، يتجاوز حدود التمثيل السياسي للطوائف إلى إجهاض أي تحوّل سياسي وطني ديمقراطي تعددي؛ كونه يحتجز الفئات الاجتماعية وقواها الحية ضمن أطر دون وطنية(طائفية وإثنية). وفي المقابل يمثل النموذج السياسي الوطني الديمقراطي التعددي البديل الحتمي؛ نظراً لتركيبته المنفتحة على المجتمع، وقدرته على تجاوز الولاءات الضيقة، وتأسيسه لتوحيد القوى المجتمعية وتحويلها إلى رافعة سياسية فاعلة قادرة على صون الهوية الوطنية الجامعة. واليوم، يتضح عمل أطراف متعددة داخلية وإقليمية، على تفكيك بنية الدولة الوطنية المركزية، وتحويلها إلى كانتونات مشوهة، وظيفية مأزومة، مضطربة ومتناحرة، تُعيق الانتقال الديمقراطي والتطور المجتمعي، وتحد من إمكانية أي أفق ديمقراطي مستقبلي، وهي مخاطر تضاعفها آليات عمل تكفيرية منفلتة تهدد الاستقرار والسلم الأهلي والعيش المشترك.
وبناءً على ما تقدم، فإن اختبار نجاح السوريين في استعادة زمام أمورهم لا يتوقف عند حدود الرفض النظري لمشاريع الفدرلة، بل يتعاده إجرائياً إلى كيفية تفكيك الظواهر العسكرية والسياسية الناشئة عن تدويل الصراع، وفي مقدمتها نموذج "قوات سوريا الديمقراطية" في الشمال، ومأزق التحلل السيادي الموجّه إقليمياً في الجنوب.
إن إنقاذ سورية وإعادتها لأهلها يثبت بالدليل القاطع ضرورة التخلي عن الحلول الجزئية والأمنية، كونها تنتج مزيداً من التوتر، وتدفع المجتمع للانكفاء داخل الهويات الفرعية، مما يفاقم من حالة الاغتراب وفقدان المعنى الوجودي، ويقضي على أمل بناء هوية وطنية جامعة. ومن هنا، تبرز الضرورة القصوى لإطلاق حوار وطني تأسيسي يجمع القوى السياسية والمدنية السورية؛ بهدف صياغة نموذج وطني تعددي ديمقراطي يتجاوز الأطر الطائفية والإثنية، ويجعل من المواطنة المتساوية الركيزة الوحيدة لحفظ وحدة الجغرافيا وتماسك المجتمع.
كاتب وباحث سوري