أناهو الآخر
معتز حيسو
الحوار المتمدن
-
العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 02:53
المحور:
الادب والفن
أنــــا هـــــــــــــــو الآخــــــــــر؟!.
كاتب وباحث سوري
تكشف تجليات الأنا الفردية والجمعية عن إشكالية ذات بعد تاريخي وحضاري. فهي بهذا المعنى ليست وليدة اللحظة الراهنة، بل استمرار تجدد وإنتاج الماضي بكونه أيديولوجية سائدة (الحروب الدينية/ التغول الاستعماري، طبيعة النظم الحاكمة، بنية التفكير والعقليات السائدة.) وأي نقاش لا يعدو عن كونه مدخلاً لحوار أولي لا يغطي بالمطلق مساحات وتداخلات الفكرة المطروحة؟.
ثمة علاقة جدلية ومتراكبة تربط أنوات المجتمع الفردية، وأيضاً مكوناته البنيوية. ويعزز من الترابط الاجتماعي، أو يفاقم من تفككه وانحلاله، عوامل متعددة منها: طبيعة العلاقات الاقتصادية،السياسية والاجتماعية، إضافة للعقليات السائدة ومستوى الوعي وأشكاله.
من المعلوم، أن التداخل والتراكب والتفاعل الذي يميز طبيعة العلاقة بين الأنا والأخر في مرحلة الاستقرار الاجتماعي وأيضاً السياسي، يمكن أن ينقلب رأساً على عقب، لحظة دخول المجتمع مرحلة انتقالية. ولذلك علاقة مباشرة كما أسلفنا بطبيعة الوعي الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية البينية الفردية والكتلية، وأيضاً السياسية، إضافة لطبيعة التغيير وأدواته وحوامله.
فإذا كانت سيرورة المرحلة الانتقالية تندرج في سياق التغيير السلمي التراكمي. فإن طبيعة العلاقة على المستوى الفردي، وبين مكونات المجتمع، تبقى في إطار التفاعل والتناقض المضبوط. ما يعني استمرار إمكانية المحافظة على الروابط المجتمعية، وأيضاً البناء على ما هو قائم، والانتقال به إلى مراحل وأشكال أكثر تطوراً.
أما في حال كان السياق الانتقالي محمولاً على وسائل عنفية، فإنه يدفع في سياقاته المتغيرة إلى ظهور أشكال من التناقض المجتمعي تصل بلحظات معينة لدرجة المواجهة المباشرة، ويساهم أيضاً بتذرر مكونات المجتمع وانقسامه عل ذاته. وتتفاقم مخاطر تلك التداعيات بفعل ارتفاع مستوى العنف والعنف المضاد، وتداخل تناقضاته البينية مع الأوضاع الدولية. وهذا ما يشهده حتى اللحظة غير بلد عربي مثل العراق، لبنان، ليبيا، اليمن، سوريا... . إن المرحلة الانتقالية سلمية كانت أو غير ذلك فإن مقدماتها وسيرورتها ومآلاتها ترتبط بجملة من العوامل الذاتية والداخلية والدولية......
في السياق ذاته فإن طبيعة العلاقات المجتمعية البينية، تنكشف على جملة من التحولات تبدأ من رفض الآخر، مناصبته العداء، هدر فكره وتجريمه والنظر إليه بكونه عدو لا يمتلك مشروعية الوجود، وبالتالي إباحة هدر دمه، وتبرير القضاء عليه رمزياً، ومن ثم وجودياً. ويتلازم ذلك مع إيجاد المبررات والذرائع التي تبيح للأنا قتل الآخر الذي هو أنا من موقع مختلف. بهذا المستوى يصبح شكل العلاقة بين الأنا والأخر قائماً على التناقض الجبهي التناحري. ما يعني أن وجود الأنا يتعين بفناء الآخر أو إفناءه. فيضيق الحيز المكاني على مكونات المجتمع، ويتحول إلى مجال للصراع المفتوح. إن وصول المجتمع إلى الحالة المذكورة، يضع مكوناته على عتبة التدمير الكياني الذاتي. فيتحول الاختلاف إلى خلاف، والتباين إلى تناقض، والتناقض إلى صراع، والصراع إلى تدمير للذات. بهذا المنطق يصبح المجتمع بكليته مهدد بالدمار والإفناء المتبادل.
نشير في السياق المذكور إلى أن الخروج من دائرة إنكار الآخر وإلغاءه، يحتاج إلى آليات تفكير تمكّن الانفتاح على الآخر المختلف عني، والدفاع عن حقه بالوجود. فحق الاختلاف من القضايا الطبيعية. وذلك يعني أنه لا يحق لأحد أن يصادره. فوجودي كأنا ذاتية يعني وجود الأخر، والعكس صحيح.
تأسيساً على ما سبق يمكننا القول أن لحظة اغتيال العقل العقلاني المتمثل بلغة الحوار الموضوعي، والتفاعل البنّاء المنفتح على التطور والتحول والانتقال والارتقاء، واعتماد أشكال تفكير أحادية إقصائية تعتمد لغة الرفض واستعداء الآخر وتجريمه. هي ذات اللحظة التي يدخل فيها المجتمع دهاليز الإفناء المتبادل.
ما يعني أن تجاوز لحظة انقطاع لغة التواصل، وهيمنة لغة العنف والقتل المتبادل. يحتاج من الجميع أفراد وجماعات وكيانات، استبدال منهج إنكار الآخر وإفناءه، بمنهج آخر يقوم على التواصل والتفاعل والتنسيق المشترك. أي أننا بحاجة إلى بناء مجتمع مفتوح يكون فيه المجال العام متاحاً للجميع، وأن أنظر كأنا فردية أو جمعية للأخر بكونه أناي، وأن ينظر بدوره إليّ بكوني أناه. ولا يعني ذلك أننا ننظر للمجتمع من منظور التماهي والتطابق. لكن للتأكيد على أن وجودي متلازم مع حق الأخر بالوجود. ووجود الأخر يرتبط بوجودي. والوجود بالمعنى المذكور لا ينحصر بحدود الوجود البيولوجي، لكنه يمتدد إلى مستويات أخرى تتمثل بالتفكير والاعتقاد وأشكال الحياة اليومية والممارسة السياسية والمدنية.
لكن في حال استمرار التعامل مع الأخر بكونه آخر متخارج عني. وتعامل معي بكوني آخر متخارج عنه، فإننا سنبقى ندور ضمن دائرة الطحن الذاتي المتبادل. وذلك يناقض الكينونة البشرية القائمة على التنوع والتفاعل والتباين، وأيضاً التطور القائم على التشارك والتكامل.
لقد (عجزنا) بمختلف مراحل تحولات مجتمعاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية عن إحداث تغيير ملحوظ في وضع الفرد، وبطبيعة العلاقة بين الأفراد والمكونات المجتمعية. ما يعني أننا أمام استحقاق مفتوح الآفاق والمآلات، فهل نحن قادرون على وضع اللبنة الأولى للتفكير في تغيير أوضاع الفرد والمكونات الجمعية بحيث أكون فيها أنت، وأنت أنا. دون أن نكون متطابقين. تحديداً في سياق الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا، والتي كان لها دور واضح في ارتكاس أوضاعنا وأشكال تفكيرنا وطبيعة علاقتنا بذواتنا ومع الآخرين.