مقدمات أولية للحوار عن إشكاليات الأيديولوجيات الكبرى
معتز حيسو
الحوار المتمدن
-
العدد: 8439 - 2025 / 8 / 19 - 02:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بعد مائة عام ونيف من اتفاق «سايكس بيكو» يبدو أن أوضاع غير دولة عربية سيكون أسوء مما كان سابقاً. ودلالات ذلك ما نشهده من تجليات وتحولات يكشف عنها صراع تديره وتشرف عليه قوى دولية وإقليمية. ويرتبط ما تمر به بلدان الربيع العربي إضافة للعراق، بسياسات أنظمة حكم شمولية اتسمت بالتناقض مع شعارات أيديولوجية روجت لها. ما أفضى إلى أشكال حداثوية محمولة على تخلف اجتماعي واستبداد السياسي.
فيما يتعلق بعجز تيارات القومية العربية عن إنجاز أهدافها، فإنه يرتبط بعوامل متعددة منها: طبيعة وبنية الأنظمة القومية الأيديولوجية الشمولية والسلطوية الأحادية والإلغائية للآخر، واشتغالها على مزاوجة منظومتها الفكرية مع أفكار اشتراكية تم الاشتغال على توظيفها بشكل مجتزأ عن سياق تطورها المعرفي والتاريخي. ما أفضى إلى ظهور تشوهات في بنية منظومة التفكير القومي المعرفية وأشكال تجلياتها السياسية الحزبية وتمظهرات الوعي بنيوياً. ثانياً: بغضِّ النظر عن الإنجازات التي حققها التأميم في مصر وسوريا والعراق، لكنَّ ارتباطها بسلطات أحادية وشمولية، أسهم في تكريس نمط «رأسمالية دولة مشوه» أدى إلى تقليص دور الطبقة الوسطى وإجهاض مشروعها الصناعي الوطني. تزامن ذلك مع قمعها للأحزاب السياسية وحل عدد كبير منها، وتحجيم فاعلية مؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى هيمنة السلطة على النقابات ومؤسسات الدولة كافة، وتحويلها إلى أجهزة وأدوات سلطوية. ثالثاً: اعتماد سياسات اقتصادية هجينة من نتائجها إفقار غالبية الشرائح الاجتماعية. الأسباب المذكورة وعوامل أخرى متعددة ومختلفة ساهم في إفشال المشاريع التنموي وتعميق الارتهان السياسي والتبعية الاقتصادية. ومن المعلوم إن تمكين الأوضاع المذكورة كان يحتاج على الدوام إلى تحويل الجيش وأجهزة الأمن إلى أذرع لسلطات سيطرت على الثروات الوطنية، ومفاصل الحياة السياسية، وآليات عمل المؤسسات القضائية والتعليمية والثقافية والإعلامية. أسس ذلك إلى تمكين نموذج «دولة أمنية» تتناقض سياساتها اليومية مع شعار الحرية الذي تم الترويج له لعقود خلت. ما فاقم من عزلة مجتمعاتنا، وزيادة منسوب العداء للسلطة الحاكمة.
ومن نافل القول إن الرصيد الجماهيري للتيارات القومية، ارتبط بموقف الأنظمة القومية من النفوذ الأجنبي ووحدة الأرض واللغة والثقافة العربية والتاريخ المشترك، إضافة إلى تبنِّيها خطاب (وحدوي) حاولت على أساسه شكلياً تجاوز عوامل التجزئة التي اعتبروها قضايا طارئة ومصطنعة. لكنَّ جميعها لم يبدد الالتباس الذي اكتنف مفهومها لمشروع «الدولة القومية العربية». وتجلى ذلك بعجز تلك الأنظمة عن وضع المقدمات والآليات المنهجية للتأسيس للوحدة العربية كحد أقصى، أو للتكامل العربي كحد أدنى. خصوصاً بعد هزيمة حزيران 1967. وكانت مآلات ذلك المحافظة على عوامل التجزئة، تذرير المجتمع وتفتيته، هدر الطاقات البشرية والموارد الاقتصادية، تعميم آليات الفساد والإفساد، واعتماد سياسيات تناقض توجهات المواطن العربي ومصالحه.
فيما يتعلق بالأحزاب«الشيوعية الرسمية»فإن فشلها يتحدد بعوامل موضوعية تتعلق بالمناخ الاجتماعي والسياسي، إضافة إلى تركيبة الطبقة العاملة وطبيعتها،التداخل بين أشكال من أنماط اقتصادية متعددة، أسباب ذاتية تتعلق ببنية تلك الأحزاب،طبيعة خطابها السياسي وارتهانه للرؤية السوفيتية بنسختها الستالينية،شكل علاقتها الداخلية القائمة على نزعة التوريث وتقديس الفرد(الأمين العام). وجميعها عوامل أسست في سياق الممارسة السياسية إلى تمكين وعي أيديولوجي يدعي أصحابه امتلاك الحقيقة المطلقة،لكن في حقيقة الأمر كان متداخلاً بطبيعته وتركيبته مع الوعي السائد ومتماهياً مع بنية وأشكال تفكير السلطة الحاكمة.
ورغم نبل مقاصد المفكرون الاشتراكيون العرب، لكن آليات اشتغالهم السياسية وطبيعة الأنظمة المسيطرة، ساهم في عزلتهم عن المجتمع وتشكيلاته الرئيسية، بالتالي عجزهم عن تحميل معتقداتهم على قوى اجتماعية فاعلة. إضافة لذلك، فقد شكَّل انهيار التجربة السوفيتية، مدخلاً إلى تصدع وانهيار كثير من الأحزاب الشيوعية، وتخلى بعضها عن هويته السياسية في سياق تأزم علاقته بالأيديولوجية الماركسية التي هي بالأساس إشكالية على مستوى التطبيق عربياً، وتجلى ذلك في سياق إعادة بناء ذاتها على أسس ليبرالية مشوه.
من جانب آخر، فإن دعاة الخطاب الراديكالي، وآليات اشتغال فصائله وتياراته المعارضة «غير الرسمية» ومنها الشيوعية، جعلها هدفاً مباشراً للملاحقة والاعتقال. فلجأ بعضاً منها في سياق عجزه عن تحقيق التغيير السياسي بقواه الذاتية إلى الاعتماد على مفاعيل خارجية أولاً وعلى لغة سياسية ثأرية وانتقامية ثانياً. ما أسهم في تراجع تأثيرها الاجتماعي ومصداقيتها السياسية أمام كثير من الشرائح المجتمعية، وعزوف فئات اجتماعية واسعة عن العمل السياسي. واتضح ذلك جلياً في سوريا.
أما التيار الليبرالي فإنه انحصر في إطار بعض النخب الفكرية والسياسية والاقتصادية. وأسباب ذلك تعود إلى تركيزها على الحريات السياسية وتجاهل موضوعة العدالة الاجتماعية التي تطالب بتحقيقها شرائح اجتماعية واسعة. إضافة إلى تمسُّك فئات اجتماعية متنوعة بالموروث الثقافي التقليدي. وإذا تجاهلت تلك النخب لدواعي سياسية تأثيرات الليبرالية الاقتصادية. فإن السلطات السياسية ومنها القومية زاوجت بين سياسات ليبرالية تحقق مصالح الطغم المالية والسياسية الحاكمة، وبين محاربة الحريات السياسية.
لقد تزامن فشل التيارات المذكورة، مع استنقاع الفكر الديني نتيجة إغلاق أبواب الاجتهاد أمام أصحاب النزعة التنويرية. وأيضا بفعل استخدام الدين وتوظيفه من قبل حركات إسلاموية دعوية وأخرى جهادية إقصائية لتمكين مشروع سياسي يرتكز على إحكام سطوتها على اللحظة الراهنة ومصادرة التنوع ومحاربة الاعتدال الديني وإغلاق آفاق التطور المستقبلي بشكله المدني الديمقراطي. واتضح ذلك جلياً في دول الربيع العربي إضافة للعراق. في السياق شهدت مجتمعاتنا ظهور أجيال من الأئمة والفقهاء الذين يدينون بالولاء للحكام، وساهم هؤلاء في تبرير وشرعنة ممارسات رجال السلطة الفاسدين، وأيضاً تضليل فئات اجتماعية واسعة.
لقد شكَّل فشل التيارات الأيديولوجية الكبرى، واشتغال حكومات غربية على الهيمنة على قرار معظم السلطات العربي، وتحويلهم لموضوعة الديمقراطية السياسية الشكلانية والإشكالية بآن إلى (هدف مركزي ورئيسي). لكن واقعياً فإن مآلات الربيع العربي بحكم بنية الدولة والمجتمع وهيمنة حكومات غربية ذات مصالح متعارضة، فإن مجتمعات دول الربيع العربي دخلت مرحلة جديدة عنوانها تفاقم حدة الاستقطاب والصراعات البينية الداخلية والدمار الشامل والعميق لبنية المجتمع الذاتية داخلياً وأيضاً لبنية الدولة وقرارها السيادي سياسياً واقتصادياً وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، وجميعها محكوم بترابط بنيوي عام وشامل.
لقد شكلت العوامل المذكورة مدخلاً إلى تساؤلات بالغة الخطورة تتعلق أولاً: بمصير المجتمعات العربية، وحقوقها المشروعة التي يتم انتهاكها، وأخرى بقدرة المجتمع وتنظيماته السياسية والمدنية على مواجهة أنظمة القمع والفساد وأيضاً التحولات والتصدعات التناحرية المجتمعية الراهنة.
ثانياً: كيفية الربط بين تمكين الحريات السياسية والعامة ومبدأ المواطنة المتساوية وبين مواجهة سياسات التحرير الاقتصادي المتناقضة مع السياسات التنموية الاجتماعية الوطنية.
ثالثاً: معالجة سطوة المشايخ الغارقين في اجترار التأويلات السلفية للدين واعتمادهم التأويل الجهادي العابر للهوية الوطنية والقومية، ما يفضي كما نلحظ في اللحظة الراهنة إلى تفاقم مظاهر احتراب ديني وطائفي وإثني من أهدافه تغييب الهوية الوطنية الجامعة مقابل تمكين هوية دينية ومذهبية عابرة للحدود والقوميات.
رابعاً: الموقف من التيارات الليبرالية المحكومة بالتبعية لجهات غربية تتناقض مصالحها مع مصالح شعوبنا وآفاق تطوره من منظور تنموي سيادي.
خامساً: تجاوز واقع حال اليسار واغتراب تشكيلاته وعزلتها عن واقع المواطن والتحولات المجتمعية والسياسية والاقتصادية.
أخيراً:إمكانية البنى المجتمعية والفعاليات السياسية والمدنية والأهلية على مواجهة المشاريع التفتيتية التقسيمية التي تتعرض لها منطقتنا على مستوى الجغرافيا السياسية والبنى المجتمعية.