إشكالية العمل السياسي في سوريا: بين السلطة والمجتمع.
معتز حيسو
الحوار المتمدن
-
العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 18:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إشكالية العمل السياسي في سوريا:
بين السلطة والمجتمع
ثمة مقولة شائعة مفادها أن سوريا مرت بمرحلة "تصحر سياسي". والتصحر كما هو معلوم، اصطلاح بيئي يدلل على الموات وانعدام الحياة أو تلاشي مظاهرها. إذا قاربنا هذا الاصطلاح مع الوضع السياسي السوري على مدار عقود سابقة، فهل نستنتج أننا كنا نعاني مواتاً سياسياً، أو انعداماً للحياة السياسية، أو لمظاهرها؟.
خمسةُ عقودٍ ونيفٌ، مضت عانى فيها السوريون، بشكل خاص الناشطين السياسيين وأصحاب الرأي، من تغول أمني على الدولة والسياسة والمجتمع. ورغم ذلك، لم تستطع منظومة الأسد انتزاع جذوة الحياة والتوق الكامن للحرية. ويدلل على ذلك استمرار العمل السياسي بأشكال وسويات متعددة ومتباينة، سريةٍ منها وأخرى علنيةٍ؛ ففي بداية العشرية الأولى من هذا القرن شهدت سوريا انتعاشاً سياسياً ومدنياً واسعاً وشاملاً، انقضت عليه أدوات الأسد الأمنية لانتزاع جذوره والقضاء عليه. لكنها عجزت عن قتل النزوع السياسي الكامن داخل الذات السورية. ظهر ذلك جلياً مع انطلاق الثورة السورية لإسقاط سلطة الأسد التي اشتغلت مجدداً للقضاء عليها بالقوة العارية. ونُذكّر باشتغال الأسد الأب على احتكار السياسة ومصادرتها، وأيضاً زرع الخوف والرعب بين السوريين. لكنه لم يستطع أبداً القضاء على الفكر السياسي. وكما يعلم الجميع، كانت سوريا تحتضن عشرات الأحزاب والتجمعات السياسية. وبعد إسقاط سلطة الأسد لاحظنا مجدداً انتعاش الحياة السياسية الكامنة داخل كل سوري مؤمن بحقه في الحرية والتعددية والديمقراطية والعدالة...
إذاً، لم يشهد السوريون قحطاً سياسياً أو تصحراً، لكنهم افتقدوا المناخ المناسب للعمل السياسي العلني. مما أدى لظهور تشوهات في نمط التفكير السياسي، وآليات الممارسة السياسية. وبعد تغيُّر المشهد السياسي، يُنتظر من الأحزاب السياسية والنخب الثقافية أن تعمل على تجاوز تناقضاتها الذاتية والموضوعية في سياق التوافق على ديناميات منفتحة على التطور تمكّنها من تحليل متغيرات اللحظة الراهنة، وتأثيرها في آليات تفكير شرائح واسعة من السوريين، يتقاطع هذا مع مسألة مهمة تتمثل في تجاوز انقسام المجتمع السوري على ذاته أيديولوجياً وسياسياً ومناطقياً. ومن المهم الإشارة إلى أنه لم يتم حتى اللحظة وضع الأطر القانونية الناظمة للحياة السياسية. فيما تعمل السلطة على تمكين آليات سيطرتها السياسية والأيديولوجية والأمنية والاقتصادية. علماً أنها "أي السلطة" تفتقد إلى عوامل الهيمنة. ما يفترض بداهة اشتغال السوريين وبشكل خاص الناشطين السياسيين والمدنيين على تشكيل أطر سياسية تستند إلى حوامل وروافع مادية حقيقية "شعبية". إذ بات واضحاً أن السلطة لها موقف مختلف من العمل السياسي ومن الأحزاب. ونؤكد على أن العمل السياسي حق مشروع، وتمكينه يحتاج إلى إطلاق حرية تأسيس أحزاب وتجمعات سياسية مستقلة عن السلطة، وهذا ليس ترفاً سياسياً، بل هو حاجة وطنية يفترضها بناء الدولة والمجتمع من منظور تشاركي، يَحُد من احتكار السلطة وانحيازها الأيديولوجي.
في السياق ذاته، نرى أنه من الضروري والمهم أن تتمتع الأحزاب السياسية بالموضوعية السياسية والابتعاد عن النزوع الرغبوي والأجندات الجاهزة، وعدم النظر إلى المسألة السورية من منظور محددات قبلية جاهزة. فالواقع المتغير يفترض آليات تفكير واشتغال تقطع مع السائد الأيديولوجي الموروث ذي الميول الأحادية، والتركيزِ على استنباط أشكال تفكير تُعبر عن متغيرات الواقع ومتطلبات اللحظة الراهنة من منظور بنائي استراتيجي يتجاوز أشكال الوعي السائدة. واستناداً إلى ما ذكرناه، نرى أنه من الأهمية بمكان أن يبادر السوريون إلى تشكيل أُطرٌ سياسيةٌ وهيئات مدنية مستقلة. تقطع مع كل ما هو دون وطني, ويتشاركون على محددات سياسية مرحلية وإستراتيجية من منظور واقعي وموضوعي يعمق علاقة التنسيق والتعاون المشترك بين القوى السياسية، ويجسر الهوة بينها وبين السوريين. وتحقيق ذلك يفترض بداهة تجاوز الأنا المتضخمة والأحادية المرتكزة على امتلاك الحقيقة. ونشير هنا إلى ضرورة إطلاق حوار تأسيسي منفتح وغير المؤطر أيديولوجياً وعقائدياً، ومفتوح على الزمان والمكان. يتعارف فيه السوريون ويفكرون بصوت مسموع للتوافق على أسس بناء الدولة والمجتمع من منظور مواطنة متساوية تقطع مع إرث استبداد شمولي احتكر السياسة والاقتصاد، وهيمن على الدولة والمجتمع، وتكبح أية ميول تؤسس إلى نشوء استبداد جديد.
وإذا كنا نرى أن الوقت ليس عاملاً حيادياً، فكذلك هي السلطة؛ فهي تعمل على إقامة مشروعها، ما يعني أن على القوى السياسية، التوافقُ ـ أحزاباً وتجمعاتٍ ـ على مخارج عقلانية وموضوعية تستجيب لمتطلبات اللحظة الراهنة، وتؤسس إلى مستقبل يتجاوز إشكاليات اللحظة الراهنة، ويقطع مع أحمال الماضي المغلقة على ذاتها. ونشير هنا إلى أن تقاطع فشل السلطة في وضع أسس التعايش المشترك على قاعدة الهوية الوطنية الجامعة، مع التدخلات الخارجية، أدى إلى نزاعات وصراعات تحمل أبعاداً خطيرة، منها انتعاش الهويات الصغرى والتمسك بها دفاعاً عن الذات. ما يضع على عاتقنا جميعاً مهمة إرساء دعائم التعايش السلمي التشاركي، والحفاظ على خصوصية الهويات الصغرى، وحرية الانتماء والاعتقاد. وذلك في سياق تجذير الحريات العامة. فسوريا للجميع، وعلى الجميع المشاركة في بنائها دون إقصاء أو إلغاء أو تكفير.
إن صون الحريات السياسية والعامة هو حق للسوريين، ومن المهام الراهنة للسلطة. وبناءً على ذلك، فإن إصدار قانون أحزاب يشكّل أحد ضرورات اللحظة الراهنة، وذلك بغض النظر عن موقف السلطة، وميولها الأيديولوجية؛ فمن حق السوريين تشكيل أحزاب سياسية، وهيئات مدنية مستقلة عن السلطة، لضمان التداول السلمي للسلطة، المشاركة السياسية، المراقبة والتصويب، والتوازن والاستقرار السياسي. فحاجة السوريين للسياسة ليست ترفاً، بل هي مقياس مسؤوليتهم في بناء وطنهم ومجتمعهم. ونعيد التأكيد على ضرورة قراءة المشهد السوري وطنياً، ووضع المهام في حدود الممكن السياسي المنسجم مع معطيات اللحظة الراهنة، وإمكانيات القوى السياسية.
كاتب وباحث سوري