الثقافة السورية: من تفكيك إرث الاستبداد إلى بناء دولة المواطنة
معتز حيسو
الحوار المتمدن
-
العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 23:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بقلم: معتز حيسو
دخلت سوريا، منذ سقوط سلطة بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، مرحلة تاريخية مفتوحة على احتمالات متعددة. فالتحول الجاري لا يُختزل في انتقال السلطة من يد إلى أخرى، ولا في إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، وإنما يضع المجتمع السوري أمام سؤال تاريخي يتصل بطبيعة الدولة التي يريد بناءها، وبالعلاقة التي ينبغي أن تقوم بين السلطة والمجتمع، وبين الفرد والدولة، وبين الهويات المتعددة والهوية الوطنية الجامعة.
قطعت المرحلة الانتقالية أشواطاً في بناء مؤسسات جديدة وإطلاق مسار دستوري وتشريعي، فيما انعقدت مؤسسات تشريعية انتقالية خلال عام 2026، وتواصلت محاولات دمج القوى والمناطق الخارجة عن السيطرة المركزية ضمن مؤسسات الدولة. إلا أن الانتقال لا يزال محاطاً بتحديات أمنية وسياسية ومجتمعية، وبآثار العنف الذي طال مكونات دينية وقومية، وبمسائل لم تُحسم نهائياً تتعلق بشكل الدولة، واحتكارها للسلاح، والعدالة الانتقالية، والتمثيل السياسي، وضمان الحقوق والحريات.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الثقافة باعتبارها شأناً ثانوياً مؤجلاً إلى ما بعد استقرار السياسة. فالاستبداد لم يكن نظاماً سياسياً وأمنياً فحسب، بل كان منظومة لإعادة تشكيل الوعي، إخضاع التعليم والإعلام والثقافة، تطويع المجال العام، وإنتاج علاقة تقوم على الخوف والطاعة واحتكار الحقيقة. لذلك فإن الخروج من إرثه لا يتحقق بمجرد تفكيك مؤسساته، وإنما يحتاج إلى تفكيك البنية الثقافية والذهنية التي أتاحت له الاستمرار.
ـ من سقوط السلطة إلى تفكيك ثقافة الاستبداد
أحد أخطر الأوهام التي يمكن أن تقع فيها المجتمعات الخارجة من الاستبداد هو الاعتقاد بأن سقوط السلطة يعني تلقائياً سقوط ثقافتها. فالاستبداد يترك وراءه مفاهيم وعادات ذهنية وسلوكيات سياسية تتجاوز عمر السلطة التي أنتجتها. يترك الخوف، الحذر، الشك، احتقار الاختلاف، النظر إلى الدولة باعتبارها قوة فوق المجتمع، إلى السياسة باعتبارها امتيازاً للنخب، وإلى المواطن باعتباره متلقياً لا شريكاً. لهذا فإن المعركة الأساسية في المرحلة الراهنة ليست فقط ضد بقايا الأجهزة والمؤسسات التي أنتجت الاستبداد، وإنما ضد منطق الاستبداد نفسه: احتكار الحقيقة، تقديس السلطة، غياب المساءلة، ربط الوطنية بالولاء، تحويل المختلف إلى خصم، واستخدام الأمن ذريعة لإغلاق المجال العام. لكن تفكيك هذه الثقافة لا يعني استبدالها بثقافة أخرى تقوم على الإقصاء أو الانتقام أو احتكار الحقيقة باسم الثورة أو الدين أو القومية أو الأغلبية. فالخروج من الاستبداد لا يكون باستبداد جديد، مهما اختلفت لغته وشعاراته.
إن المعيار الحقيقي للتحول هو قدرة المجتمع على الانتقال من ثقافة السلطة إلى ثقافة الدولة، من ثقافة التبعية إلى ثقافة المواطنة، ومن احتكار الحقيقة إلى إدارة الاختلاف.
ـ الثقافة أمام تحديات اللحظة الانتقالية
تواجه سوريا اليوم مفارقة تاريخية. فمن جهة، انفتح المجال العام بصورة لم تكن ممكنة في ظل السلطة السابقة، وظهرت فرص أوسع للعمل المدني والثقافي، وتزايدت إمكانات التنظيم والتعبير. من جهة أخرى، لا تزال هناك قيود قانونية وإدارية على بعض أشكال النشاط العام، كما أن قضايا حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والمساءلة ما زالت شديدة الحساسية سياسياً.
وفي الوقت نفسه، فإن ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة والسلاح، والتوترات الطائفية والقومية والمناطقية، يمكن أن يحول المجال المفتوح إلى مجال للصراع إذا لم تواكبه ثقافة سياسية جديدة. فالحرية وحدها لا تكفي لبناء الديمقراطية. والتعدد وحده لا يكفي لبناء الوحدة الوطنية. والانتخابات وحدها لا تنتج المواطنة. وإسقاط السلطة القديمة لا يمنع ظهور سلطات جديدة إذا لم تتغير العلاقة بين المجتمع والسلطة.
من هنا تكتسب الثقافة دوراً تأسيسياً في المرحلة الانتقالية؛ لأنها المجال الذي يمكن من خلاله تحويل التحول السياسي من مجرد تبدل في موازين القوة إلى تحول في طريقة التفكير بالدولة والمجتمع والإنسان.
ـ من الرواية الواحدة إلى الذاكرة الوطنية المتعددة
ربما كانت الذاكرة واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية في سوريا. فالمجتمع الخارج من الحرب يحمل ذاكرات متعددة: ذاكرة المعتقل، ذاكرة المفقود، ذاكرة المهجر، ذاكرة الضحية، ذاكرة من عاش الخوف، ذاكرة من فقد بيته وأرضه، ذاكرة من عاش الحرب من موقع مختلف، وذاكرة الجماعات التي شعرت بالتهديد أو الإقصاء. لذلك لا يمكن بناء سوريا جديدة من خلال إلغاء هذه الذاكرات أو فرض رواية رسمية واحدة عليها. فالعدالة الانتقالية تحتاج إلى الحقيقة، والحقيقة تحتاج إلى الذاكرة، والذاكرة تحتاج إلى حرية التعبير عنها. ومن هنا ينبغي للثقافة أن تؤدي دوراً أساسياً في حفظ الشهادات، وتوثيق التجارب، وإنتاج الأعمال الأدبية والفنية والسينمائية التي تجعل من الذاكرة مادة للفهم لا وقوداً للثأر.
لقد بدأ مسار العدالة الانتقالية في سوريا يأخذ شكلاً مؤسسياً من خلال العمل على أطر تشريعية تتناول كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. لكن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، بل ينبغي أن تتحول إلى عدالة جماعية. فالمسؤولية يجب أن تكون فردية، والجريمة يجب أن تحاسب بوصفها فعلاً ارتكبه أشخاص أو مؤسسات محددة، لا بوصفها ذنباً موروثاً لطائفة أو قومية أو منطقة. وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الثقافة: تحويل الذاكرة من أداة للصراع إلى معرفة تمنع تكرار الصراع.
ـ المواطنة بوصفها مشروعاً ثقافياً
لا يمكن لدولة المواطنة أن تُبنى بالقوانين وحدها. فالمواطنة تحتاج إلى ثقافة تؤمن بالمساواة، إلى تربية تعلم احترام المختلف، إلى إعلام لا يحول الهوية إلى أداة للكراهية، إلى فضاء
عام يسمح بالنقاش، وإلى مؤسسات تجعل الدولة ملكاً لجميع مواطنيها. ولهذا فإن الهوية الوطنية السورية لا ينبغي أن تقوم على محو الهويات الثقافية والقومية والدينية، وإنما على بناء إطار سياسي وقانوني يجعلها متساوية في الحقوق والكرامة. فالسوري لا يصبح مواطناً لأنه ينتمي إلى الأكثرية، ولا يفقد مواطنته لأنه ينتمي إلى أقلية. والدولة التي تريد أن تكون دولة مواطنة ينبغي أن تكون محايدة تجاه الانتماءات الدينية والمذهبية، وأن تحمي حرية الاعتقاد والممارسة، من دون أن تسمح بتحويل الدين إلى وسيلة لاحتكار السلطة أو الحقوق. إن وحدة سوريا لا تحتاج إلى التجانس، وإنما إلى المساواة. ولا تحتاج إلى تطابق الهويات، وإنما إلى إطار وطني جامع.
ـ الثقافة في مواجهة عودة الاستبداد
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو أن نخرج من استبداد قديم إلى استبداد جديد. وقد لا يأتي الاستبداد الجديد بالضرورة من الأجهزة نفسها أو بالشعارات نفسها. يمكن أن يأتي عبر تقديس القائد، أو الجماعة، أو الأيديولوجيا، أو الدين، أو الأغلبية، أو حتى عبر خطاب يبرر التضييق باسم حماية المرحلة الانتقالية. لذلك فإن وظيفة الثقافة ليست التصفيق للتحول السياسي، وإنما مراقبته ونقده وحمايته من الانحراف. فالمثقف الذي يبرر الخطأ لأن السلطة التي ارتكبته جديدة، يعيد إنتاج منطق المثقف الذي برر أخطاء السلطة القديمة. والاستقلال الفكري لا يقاس بمدى قرب المثقف أو بعده عن الحاكم، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بحريته النقدية أمام السلطة أياً كان اسمها ومشروعها.
ـ المثقف: من الشاهد على التحول إلى الفاعل فيه
في هذه اللحظة لا يحتاج المجتمع السوري إلى مثقف فوق المجتمع، ولا إلى مثقف يتحدث باسمه، وإنما إلى مثقف ينخرط في المجتمع ويستمع إليه، ويفتح المجال أمام أصواته المتعددة.
فالمثقف مطالب بأن ينتقل من موقع العارف الذي يشرح إلى موقع الشريك الذي يحاور. أن يستمع إلى الشباب والنساء والعمال والطلاب والمهجرين والناجين والمكونات المختلفة. أن يذهب إلى المناطق التي ظلت خارج خرائط النقاش الثقافي. أن يحول الجامعة والمركز الثقافي والصحيفة والمسرح والمنتدى والمنصة الرقمية إلى مساحات لإعادة بناء المجال العام.
إن المجتمع الذي لا يتعلم الاختلاف في الحياة اليومية لن يستطيع ممارسة الديمقراطية في السياسة.
ـ المثقف والسياسة: استقلال لا عزلة
لا يعني استقلال المثقف عن السلطة ابتعاده عن السياسة.على العكس، إن اللحظة الانتقالية تتطلب انخراطاً ثقافياً وسياسياً واسعاً، لكن انخراطاً يحافظ على الاستقلال النقدي.
يمكن للمثقف أن يدافع عن الدستور، العدالة الانتقالية، التعددية، حقوق الإنسان، احتكار الدولة للسلاح، استقلال القضاء، العدالة الاجتماعية، حرية الصحافة، واستقلال الجامعة والثقافة. ويمكنه أن يشارك في الحوار الوطني، وفي صياغة الرؤى والسياسات، وفي المبادرات المدنية، وفي إنتاج المعرفة التي تحتاجها مؤسسات الدولة. لكن عليه في الوقت نفسه أن يرفض أن يتحول إلى موظف أيديولوجي لدى السلطة. إن السياسة التي تحتاج إلى المثقف ليست سياسة التبرير، وإنما سياسة توسيع أفق الممكن الإنساني والاجتماعي.
ـ الثقافة والعدالة الاجتماعية
لا يمكن فصل الثقافة عن الاقتصاد. فالمواطن الذي يعيش الفقر والبطالة والتهميش، والذي لا يستطيع الوصول إلى التعليم أو الصحة أو السكن والعمل، يصبح أكثر عرضة للتبعية لمراكز القوة السياسية والمناطقية والطائفية. ولهذا فإن العدالة الاجتماعية ليست مطلباً اقتصادياً منفصلاً عن الثقافة، وإنما شرط من شروط المواطنة. وينبغي أن يساهم المثقف في فتح النقاش حول شكل الاقتصاد السوري المقبل، عدالة توزيع الموارد، إعادة الإعمار، محاربة الاحتكار والفساد، إعادة بناء الخدمات العامة، وتوفير فرص العمل. فالانتقال السياسي الذي لا يرافقه انتقال اجتماعي واقتصادي قد ينجح في تغيير السلطة، لكنه يفشل في تغيير شروط حياة المواطن.
ـ التعليم نقطة البداية
إذا كان المطلوب بناء إنسان سوري جديد، فإن البداية لا بد أن تكون من المدرسة. لا يمكن بناء الديمقراطية بعقل تربوي يقوم على التلقين والخوف والطاعة. ولا يمكن بناء المواطنة بمناهج تنتج صورة واحدة للمجتمع والتاريخ.
المطلوب تعليم يقوم على التفكير النقدي، احترام الاختلاف، البحث، الحوار، الاعتراف بالتعدد، وإعادة قراءة التاريخ السوري بعيداً عن التقديس والأدلجة. فالطفل الذي يتعلم أن السؤال حق، أن الاختلاف ليس جريمة، أن السلطة قابلة للنقد، سيكون أكثر قدرة على بناء مجتمع ديمقراطي.
أما إذا بقيت التربية قائمة على الطاعة، فإن تغيير الدستور أو الحكومة لن يكون كافياً لمنع إعادة إنتاج الاستبداد.
ـ المثقف في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية
لا تستطيع سوريا أن تعيش خارج محيطها الإقليمي والدولي. فالمرحلة الراهنة تجري في منطقة
مضطربة، تتداخل فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، فيما لا تزال السيادة السورية تواجه تحديات أمنية وعسكرية، خصوصاً في الجنوب، إلى جانب استمرار مخاطر الإرهاب والعنف المسلح. وقد حذرت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2026 من أن بعض العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا قد ترقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي.
وفي المقابل، شهدت سوريا انفتاحاً دولياً واقتصادياً مهماً، إذ ألغت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية الشاملة، ثم ألغت في آب/أغسطس 2026 تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، مع بقاء عقوبات محددة على شخصيات وجهات مرتبطة بالسلطة السابقة أو بانتهاكات وتهديدات
أخرى. هذه التحولات تفتح إمكانات لإعادة الإعمار والاندماج الاقتصادي، لكنها تفرض في الوقت نفسه سؤالاً سياسياً وثقافياً حول كيفية حماية القرار الوطني من الارتهان للخارج.
وهنا ينبغي للمثقف أن يرفض طرفي المعادلة السهلة: لا اختزال كل شيء في المؤامرة الخارجية، ولا تحويل الخارج إلى مصدر خلاص.
المطلوب هو وعي سياسي قادر على فهم مصالح الدول وتوازنات القوى، مع الحفاظ على أولوية المصلحة الوطنية السورية. فالاستقلال لا يعني الانعزال عن العالم، وإنما امتلاك القدرة على إدارة العلاقة معه من موقع الدولة والمصلحة الوطنية.
ـ من الثقافة الرسمية إلى المجتمع الثقافي
إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة في المجال الثقافي. فالدولة مطالبة بدعم الثقافة، تمويل المؤسسات، حماية التراث، توفير البنية التحتية، وضمان حرية التعبير؛ لكنها ليست مطالبة بإنتاج الثقافة أو تحديد ما ينبغي للمثقف أن يقوله. وهذا يعني بناء مؤسسات ثقافية مستقلة، جامعات حرة، مراكز بحث، دور نشر، صحافة مستقلة، ومساحات فنية ومدنية، قادرة على العمل بعيداً عن الوصاية السياسية.
إن الثقافة السورية ليست فقط أدباً وفناً وفكراً؛ إنها أيضاً تراث مادي وغير مادي مهدد بفعل
الحرب والإهمال والتغيرات الاقتصادية. وما تزال مواقع مثل تدمر ودمشق القديمة على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، فيما تتواصل مشاريع دولية لإعادة تأهيل المؤسسات والتراث الثقافي السوري. لكن حماية التراث لا ينبغي أن تعني تجميده في الماضي، بل جعله جزءاً من حياة المجتمع واقتصاده ومستقبله.
ـ نحو عقد ثقافي سوري جديد
ربما تحتاج سوريا اليوم، إلى جانب العقد الدستوري والسياسي، إلى ما يمكن تسميته عقداً ثقافياً جديداً يقوم على مبادئ واضحة:
- حرية التفكير والتعبير والبحث.
- استقلال الثقافة والتعليم والجامعة عن السلطة السياسية.
- المساواة الكاملة بين المواطنين.
- احترام التعدد الديني والقومي والثقافي.
- حياد الدولة تجاه الانتماءات الدينية والمذهبية.
- رفض خطاب الكراهية والتحريض والانتقام الجماعي.
- الاعتراف بتعدد الذاكرة السورية.
- ربط العدالة الانتقالية بالحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.
- تحويل الثقافة إلى مجال لإعادة بناء الثقة بين السوريين.
- جعل التعليم والتفكير النقدي أساساً لبناء المواطن.
- حماية المجال العام من عودة الوصاية والاستبداد.
- ربط الحرية السياسية بالعدالة الاجتماعية.
- إشراك الشباب في إنتاج الثقافة والسياسة والمعرفة.
- الاستفادة من السوريين في الداخل والمهجر بوصفهم جزءاً من رأس المال الوطني.
- الانفتاح على العالم من موقع الاستقلال والمصلحة الوطنية.
ـ خاتمة: لا دولة مواطنة بلا ثقافة مواطنة
إن سوريا لا تواجه اليوم مهمة إعادة بناء الدولة فقط، وإنما مهمة إعادة بناء الإنسان الذي تقوم عليه الدولة. وقد يكون من السهل نسبياً إعادة تشكيل الوزارات والمؤسسات والهياكل القانونية، لكن الأصعب هو تغيير العلاقة العميقة بين المواطن والسلطة، بين الإنسان وذاته، وبين الجماعة والجماعة الأخرى. لهذا فإن المعركة الثقافية ليست هامشاً للانتقال السياسي، وإنما هي أحد شروط نجاحه. فإذا بقي الخوف، يمكن أن يعود الاستبداد. إذا بقي احتكار الحقيقة، يمكن أن تتغير السلطة ويبقى منطقها. إذا بقيت الذاكرة أسيرة الانتقام، يمكن أن تعود الحرب بأشكال أخرى. إذا بقيت الهوية بديلاً عن المواطنة، ستظل الدولة معرضة للتشظي. وإذا بقي الفقر والتهميش، ستبقى الديمقراطية ناقصة وقابلة للارتداد.
من هنا تتحدد مسؤولية المثقف السوري في هذه اللحظة: أن يكون جزءاً من المجتمع لا وصياً عليه، ناقداً للسلطة لا تابعاً لها، حارساً للذاكرة لا موظفاً في تزويرها، ومدافعاً عن الحرية لا أداة لفرض أيديولوجيا جديدة. إن وظيفة المثقف ليست أن يقدم إجابات نهائية عن المستقبل، وإنما أن يمنع إغلاق المستقبل باسم الماضي. وعليه أن يساعد السوريين على الانتقال من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحكم، ولصالح من، وتحت أي قانون، وبأي حدود، وتحت أي رقابة؟ عندها فقط يصبح الانتقال السياسي انتقالاً تاريخياً حقيقياً؛ وعندها تتحول الثقافة من أداة لإعادة إنتاج السلطة إلى قوة لبناء المجتمع، ومن ذاكرة للصراع إلى ذاكرة للمصالحة، ومن فضاء للخوف إلى فضاء للحرية. فالدولة التي نريدها لن تُبنى بالقانون وحده، والمواطنة لن تُنتج بالنصوص وحدها، والديمقراطية لن تعيش بالمؤسسات وحدها. إنها تحتاج إلى ثقافة تحرسها، ومواطنين يؤمنون بها، ومثقفين يملكون الشجاعة لمساءلتها ومساءلة السلطة التي تحكم باسمها.
سوريا، في هذه اللحظة المصيرية، لا تحتاج إلى إعادة إنتاج ماضيها بلغة جديدة، وإنما إلى امتلاك الشجاعة التاريخية لبناء مستقبل لا يكون فيه الإنسان تابعاً للسلطة، ولا للدين، ولا للطائفة، ولا للقائد، ولا للأيديولوجيا؛ بل تكون الدولة، بكل مؤسساتها، في خدمة الإنسان وكرامته وحريته وحقه في أن يكون مواطناً متساوياً.
كاتب وباحث سوري