لا تحتقر أمة لا تعرف أخلاقها وطباعها


صباح ابراهيم
الحوار المتمدن - العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 23:56
المحور: المجتمع المدني     

أنصحك أن تسافر يومًا إلى الشرق البعيد أو إلى
الغرب، لا كسائح عابر، بل كإنسان يريد أن يكتشف كيف تعيش الأمم الأخرى، وكيف تفكر،
وكيف تتعامل مع الإنسان والحياة. عندها فقط ستدرك أن كثيرًا من الأفكار التي زُرعت
في عقولنا عن الشعوب الأخرى لم تكن سوى صور مشوهة صنعتها العصبيات الدينية
والثقافية.
لقد تربت أجيال كاملة على فكرة أنها “خير أمة
أخرجت للناس”، وأن بقية الشعوب تعيش في الضلال والكفر والانحلال الأخلاقي، بينما
نحن وحدنا أصحاب الحقيقة والفضيلة. وغُرست في عقول الناس تقسيمات قديمة من نوع
“دار الإسلام” و“دار الحرب”، حتى أصبح المختلف دينيًا أو ثقافيًا يُنظر إليه
باعتباره خصمًا أو إنسانًا أقل قيمة.
لكن السفر والاحتكاك المباشر بالشعوب يغيّر
الكثير من القناعات المسبقة. ستكتشف أن العالم لا يعرف شيئًا عن أبطالنا
التاريخيين الذين نمجّدهم ليل نهار، وأن أممًا كاملة لا تهتم بسير الحروب والغزوات
التي نعتبرها نحن قمم البطولة والمجد.
وستدرك أن التقدم الحقيقي لا يُقاس بالشعارات
الدينية أو بالأمجاد القديمة، بل بما تقدمه الشعوب للبشرية من علم ومعرفة واحترام
للإنسان. الأمم المتقدمة اليوم تصنع التكنولوجيا والدواء والطائرات والجامعات
ومراكز الأبحاث، بينما لا تزال مجتمعاتنا تستهلك ما ينتجه الآخرون ثم تهاجمهم
بخطابات الكراهية والمؤامرة.
في اوربا وامريكا واليابان لآ احد يعرف او قد سمع
بإسم خالد بن الوليد او عقبة بن نافع وصلاح الدين الأيوبي . لكنه شعوب تلك الدول
حتما ويقينا قد سمعت وقرأت عن البرت اينشتاين وسمعوا عن العبقري تيسلا وتوماس
أديسون صاحب الألف اختراع . لأنهم رجالٌ خدموا البشرية بعلمهم. اما خالد بن الوليد
فهو قائد سفاح قتل مئات الآلاف من البشر الأبرياء لأنهم لم يقتنعوا بما يؤمن هو به،
و لكي يجبر غيرهم بالرعب و التهديد وعلى دخول دينه الذي رفضوه . وهو من
فصيلة خير امة اخرجت للناس !
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ما تزال أبسط القضايا الخلافية، مثل تحديد بداية الأعياد أو رؤية الهلال.
تثير انقسامات بين الناس رغم أنهم يعيشون في المدينة نفسها ويراقبون السماء ذاتها. وهذا يعكس حجم الانقسام الفكري والديني الذي تعيشه مجتمعاتنا.
وعندما تقارن سلوك الإنسان في كثير من الدول
المتقدمة بسلوك الإنسان في مجتمعاتنا، ستلاحظ فرقًا كبيرًا في احترام القانون
والنظام والذوق العام. ستندهش من التزام الناس بالطابور، واحترامهم لوقت الآخرين،
ونظافة الشوارع، وحرصهم على الممتلكات العامة، والتزامهم بالقوانين حتى في غياب
الرقابة.
وقد تتفاجأ من بساطة المسؤولين هناك، و من طريقة
تعاملهم مع المواطنين. رئيس وزراء بريطانيا كان يذهب لمكتبه يوميا راكبا دراجته
الهوائية، أو وزير قد يتحرك دون مواكب ضخمة أو حراسات مدججة بالسلاح، بينما يتحول
المسؤول في بلداننا إلى ما يشبه الحاكم العسكري الذي تُغلق الشوارع من أجله وتُعطل
مصالح الناس لعبوره. حتى لو كان محافظ مدينة صغيرة. في بلادنا نائب في
البرلمان مفترض انه منتخب من الشعب، يركب سيارة مدرعة ضد الرصاص، يتبعه موكب من
عشرة سيارات للحماية، لماذا ومن أي شئ ، لا نعرف ! عالم نووي يحمل شهادة دكتوراه في
علوم الذرة ، راتبه لا يتعدى 2 مليون دينار، بينما نائب في البرلمان راتبه مع
المخصصات يصل الى أكثر من عشرة مليون دينار !

في الدول المتقدمة حضاريا، تلاحظ أن الإنسان هناك يُحترم بوصفه إنسانًا، لا بحسب دينه أو عشيرته أو مذهبه أو قربه من مسؤول نافذ.
فالناس لا يسألونك من أي طائفة أنت، ولا يهتمون باسم عشيرتك أو خلفيتك الدينية، بل يتعاملون معك على أساس السلوك والاحترام المتبادل.
ومن خلال الاحتكاك بهذه المجتمعات، سيكتشف كثيرون
أن بعض التصرفات التي اعتدنا عليها في بلداننا، مثل تجاوز الطوابير، أو رمي
القمامة في الشارع، أو دفع الرشوة، أو استغلال النفوذ والعلاقات الشخصية، ليست
أمورًا طبيعية كما تصورنا، بل مظاهر تخلف تضر بالمجتمع كله.
كما سيلاحظ الإنسان العربي أو الشرقي كيف تُدار
مؤسسات الدولة في الدول المتقدمة وفق القانون والكفاءة، لا وفق المحاصصة العشائرية
أو الحزبية أو الطائفية. فهناك تُبنى الدولة لخدمة المواطن، بينما يشعر المواطن في
كثير من بلداننا أن الدولة تحولت إلى وسيلة لخدمة الأحزاب والمتنفذين.
في السويد وجدتُ دولة تدير دوائرها النساء بعدد يزيد عن عدد الرجال .
ولا يدخن أي إنسان في بيته او تحت سقف أي مكان كان، إلا في الهواء الطلق ، وينطبق هذا على كل الشعب هناك.
مع مرور السنوات في بلدان المهجر، يبدأ المهاجر
اكتساب قيم جديدة تتعلق بالحرية واحترام الفرد والمساواة وسيادة القانون. وعندما
يعود لزيارة وطنه بعد تجربة طويلة في الخارج، يصدمه حجم الفوضى والعنف والتعصب
والانقسامات الاجتماعية التي كانت تبدو له يومًا أمورًا اعتيادية.
ولهذا لا ينبغي أن نتسرع في إدانة من غادر وطنه
بحثًا عن حياة أفضل أو كرامة إنسانية أو فرصة حقيقية للعيش بحرية وأمان. فلو كانت
أوطاننا توفر للإنسان العدالة والكرامة والاستقرار والفرص المتكافئة، لما اضطر
الملايين إلى الهجرة وترك أهلهم وذكرياتهم خلفهم.
الخلاصة
إن التعرف على ثقافات الأمم الأخرى لا ينتقص من
هوية الإنسان أو دينه، بل يوسع أفقه ويجعله أكثر قدرة على فهم العالم واحترام
التنوع الإنساني.
الحضارة لا تُقاس بالشعارات، بل بما تقدمه الشعوب من قيم إنسانية وعدالة وعلم واحترام للإنسان.
ومن يسافر ويتعلم ويحتك بالشعوب المختلفة، يدرك
أن احتقار الآخرين بسبب اختلاف الدين أو الثقافة ليس دليل قوة أو تفوق، بل علامة
على الجهل والانغلاق. أما الأمم المتحضرة حقًا فهي التي تتعامل مع الإنسان بوصفه
إنسانًا، بغض النظر عن دينه أو قوميته أو خلفيته الثقافية.