نوري المالكي والعودة إلى السلطة


صباح ابراهيم
الحوار المتمدن - العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 09:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

حين تتحوّل الذاكرة إلى تهمة
ليس من المبالغة القول إن السياسة في العراق لا تُقاس بالبرامج وحدها، بل بما تركته من آثار في حياة الناس. ومن هذا المنطلق، لا يمكن مناقشة طموح نوري المالكي للعودة إلى رئاسة الحكومة بمعزل عن حصيلة مرحلة ما زالت تُعدّ من أكثر المراحل إثارة للجدل والانقسام.
السؤال الجوهري ليس: هل يحق له الترشّح؟
بل: هل يحق للتجربة نفسها أن تُعاد دون محاسبة أو مراجعة؟
دولة تُدار بلا احتكار للقوة
خلال سنوات حكم المالكي، تراجعت فكرة احتكار الدولة للسلاح، وهو مبدأ لا تقوم دولة حديثة من دونه. توسّع نفوذ الجماعات المسلحة، وتداخل السياسي بالأمني، وجرى التطبيع مع واقع السلاح الموازي، في وقت كانت فيه الحكومة تمتلك صلاحيات دستورية واسعة.
هذا الواقع لم يكن سرًا، بل تناولته تقارير صحفية عربية ودولية، وناقشته مراكز دراسات معروفة، بوصفه أحد أخطر أسباب هشاشة الدولة العراقية لاحقًا.
سبايكر والموصل: مسؤولية لا تسقط بالصمت
مجزرة سبايكر وسقوط الموصل وما تبعهما من انهيار أمني في الأنبار وصلاح الدين وأطراف بغداد، شكّلت صدمة وطنية كبرى. ورغم تعدد التفسيرات، بقيت حقيقة واحدة ثابتة: لم تُجرَ محاسبة سياسية حقيقية للمسؤول التنفيذي الأعلى في تلك المرحلة.
إن تحميل المسؤولية السياسية لا يعني إصدار حكم قضائي، لكنه واجب أخلاقي في أي نظام يدّعي الديمقراطية. فالديمقراطية لا تُقاس بالانتخابات فقط، بل بالمساءلة بعدها.
السياسة في ظل الميليشيا
العلاقات العلنية والمتداولة إعلاميًا بين المالكي وقادة فصائل مسلحة موالية لإيران تثير قلقًا مشروعًا. هذه الفصائل، التي تنشط خارج الإطار التقليدي للدولة، أدرجت بعض أجنحتها على لوائح الإرهاب في دول غربية، وهو أمر تناولته وسائل إعلام دولية معروفة.
السؤال هنا ليس شخصيًا، بل بنيويًا:
كيف يمكن الحديث عن سيادة دولة بينما تُدار التوازنات السياسية عبر قادة الميليشيات المسلحة والخاضعة لدولة اجنبية يديرها الحرس الثوري الإيراني ؟
إيران والعراق: أين تقف المصلحة الوطنية؟
لا يختلف اثنان على أن لإيران نفوذًا واسعًا في العراق، لكن الخلاف الحقيقي يتمحور حول دور السياسي العراقي في تكريس هذا النفوذ أو مقاومته. وقد رأى كثير من العراقيين أن سياسات المالكي لم تعمل على تحصين القرار الوطني، بل ساهمت في تعميق الارتهان الإقليمي، وهو ما ناقشته تحليلات سياسية في صحف عربية وأجنبية على حد سواء.
الفساد: ملفات مفتوحة وذاكرة مثقلة
فترة حكم المالكي ارتبطت بملفات فساد كبرى، لا سيما في صفقات السلاح وإدارة المال العام. ورغم أن كثيرًا من هذه الملفات لم يُحسم قضائيًا، إلا أنها شكّلت قناعة عامة لدى شريحة واسعة من العراقيين بأن الفساد لم يكن استثناءً، بل ظاهرة بلا محاسبة قانونية .
هذه القناعة لم تتكوّن من فراغ، بل من تقارير ديوان الرقابة المالية، وتسريبات إعلامية، وتحقيقات صحفية نُشرت في وسائل معروفة.
لماذا الإصرار على العودة؟
الإصرار على العودة إلى السلطة دون:
• اعتراف صريح بالأخطاء
• أو اعتذار سياسي
• أو دعم فعلي لمسار المحاسبة
لا يُفهم بوصفه طموحًا ديمقراطيًا، بل إصرارًا على إنكار التجربة ونتائجها.
العراقيون لا يطلبون الانتقام، بل العدالة. ولا يرفضون الأشخاص بقدر ما يرفضون إعادة إنتاج الفشل.
خاتمة
نقد نوري المالكي ليس حملة شخصية، بل دفاع عن مفهوم الدولة.
وتذكير العراقيين بالماضي ليس نبشًا للكراهية، بل حماية للمستقبل.
فالسلطة الفاشلة التي لا تُحاسَب، تعود دائمًا…
لكن الأوطان التي تنسى، تدفع الثمن مرتين.