عندما تكذب الأمم على نفسها: من سفر النبي هوشع 9 إلى دولة الملالي


صباح ابراهيم
الحوار المتمدن - العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 19:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

ليس من الضروري أن يكون القارئ مؤمنًا بأسفار العهد القديم حتى يدرك القيمة الفكرية العميقة للإصحاح التاسع من سفر هوشع من الكتاب المقدس. فهذا النص، المكتوب في القرن الثامن قبل الميلاد، لا يقدّم لاهوتًا بقدر ما يقدّم تشخيصًا مبكرًا لانهيار الدول عندما يتحول الدين إلى أداة شرعنة للسلطة بدل أن يكون معيارًا للأخلاق.
كُتب هوشع في زمن كانت فيه مملكة إسرائيل الشمالية تعيش حالة رخاء اقتصادي مصحوب بتديّن كثيف وطقوس صاخبة، بينما في العمق كانت العدالة تتآكل، والفساد يتغلغل في بنية الحكم والدين معًا. في الإصحاح التاسع تحديدًا، يهاجم هوشع نبي إسرائيل وهم “الفرح القومي” الذي يخيّم على مجتمع يظن أن ازدهاره دليل رضا إلهي، بينما هو في الحقيقة يسير نحو الانهيار .
ينتقد النص بشدة الفكرة القائلة إن كثرة الشعائر الدينية علامة على الاستقامة، موضحًا أن السلطة الدينية ربطت البركة بالطاعة الشكلية لا بالعدالة. وهكذا تحوّل الدين من قوة محاسبة أخلاقية إلى أداة تبرير سياسي. وحين حاول الأنبياء كشف هذا الخلل، وُصفوا بالمجانين والمخرّبين، لأنهم هددوا البنية التي تقوم عليها السلطة.
يستخدم هوشع أيضًا رموز عديدة منها رمز “العقم” وفقدان الأبناء ليعبّر عن انهيار المستقبل. فالأمة التي تفسد أخلاقيًا تفقد قدرتها على إنتاج جيل يحمل مشروعًا حضاريًا، حتى لو استمرت مؤسساتها في العمل. ثم يختم الإصحاح بفكرة “الطرد من الأرض” والمنفى، ليس بوصفه عقوبة سماوية، بل نتيجة سياسية لتفكك الداخل وفقدان الشرعية.
في هوشع 9، يصبح النبي “مجنونًا” في نظر السلطة لأنه يجرؤ على فضح الخلل. وهذا ما نراه في إيران، حيث يُوصم الصحفي والمفكر والناشط بأنهم عملاء أو مفسدون، لا لأنهم خطر أمني، بل لأنهم يهددون الرواية المقدسة التي يستند إليها النظام.
ويتحدث النص أيضًا عن فقدان المستقبل من خلال رمز “العقم”، وهو ما يتجلى اليوم في هجرة الشباب الإيراني، وانهيار الثقة، وتحوّل الوطن إلى مساحة خانقة بلا أفق. فالأمة لا تموت حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج أمل.
أما “المنفى” في هوشع فهو ليس عقوبة غيبية، بل نتيجة سياسية: الدولة التي تفقد شرعيتها الداخلية تفقد سيادتها الخارجية. وهذا ما تعيشه إيران اليوم، حيث العزلة والعقوبات ليست سبب الأزمة، بل نتيجتها.
هوشع لا يقول إن الإله ينتقم، بل إن المجتمعات التي تكذب على نفسها، وتستبدل الحقيقة بالطقس، وتستخدم المقدّس لقمع الإنسان، تصنع سقوطها بأيديها.
سلطات ايران تُستخدم السماء لقمع الأرض: إيران بين القهر الديني ونهب المستقبل
هذا النموذج القديم لا يخص إسرائيل وحدها، بل يتكرر في كل نظام ديني شمولي، ويمكن أن نرى انعكاسه بوضوح في إيران اليوم. فدولة الملالي تمتلك واحدة من أكثر البنى الدينية حضورًا في الفضاء العام: حجاب إجباري، شعائر رسمية، خطب، ومسيرات. لكن كثافة المظاهر الدينية لا تعني وجود العدالة، كما يذكّرنا هوشع. إسرائيل القديمة كانت متدينة في شكلها، لكنها كانت فاسدة في مضمونها، وهذا هو جوهر النقد.
ليست أزمة إيران اليوم أزمة عقوبات أو صراعات خارجية بقدر ما هي أزمة نظام حوّل الدين من قيمة روحية إلى جهاز ضبط اجتماعي وقمع سياسي. فالسلطة التي تزعم تمثيل “حكم الله” لم تستخدم هذا الادعاء لرفع الظلم، بل لتثبيت بنية استبدادية تحكم المجتمع بالخوف والقمع والإعدامات لا بالرضا والديمقراطية .
أوضح تجليات هذا القهر هو فرض الحجاب بالقوة. فالدولة لا تكتفي بالدعوة الأخلاقية، بل تستخدم الشرطة والمحاكم والسجون لإجبار النساء على نمط لباس واحد. المرأة في إيران لا تُعامل كمواطنة، بل كرمز أيديولوجي، ويُستخدم جسدها كساحة صراع بين السلطة والمجتمع. هذا ليس دينًا، بل سياسة مراقبة.
في الوقت نفسه، يعيش الشعب الإيراني تحت ضغط اقتصادي خانق: انهيار متواصل في قيمة العملة، تضخم، بطالة، وهجرة للكفاءات. لكن بدل أن تُوجَّه موارد الدولة لإصلاح الاقتصاد أو دعم الفقراء، تُضخّ المليارات في مشاريع عسكرية نووية وصاروخية لا تخدم أمن المواطن، بل تخدم طموحات النخبة الحاكمة في التوسع الإقليمي وابتزاز العالم.
تُنفق أموال الإيرانيين على تسليح ميليشيات خارج الحدود: حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق وسوريا. هذه ليست “مقاومة”، بل شبكة نفوذ تُموَّل من جيوب شعب يعاني من الغلاء والحرمان. فبينما يكافح الإيراني لتأمين الخبز والدواء، تُرسل ثرواته لتغذية حروب لا تخدم مستقبله.
وهنا يظهر التناقض الأخلاقي الفاضح:
نظام يزعم الدفاع عن “المستضعفين”، بينما يستضعف شعبه.
ونظام يتحدث عن “الكرامة الإسلامية”، بينما يهين المرأة ويصادر حريتها.
الاحتجاجات الشعبية التي تهز إيران منذ سنوات ليست مؤامرة خارجية، بل صرخة داخلية ضد هذا التناقض. الشباب والنساء والطبقة الوسطى لا يثورون ضد الدين، بل ضد استخدامه كسوط. هم يطالبون بدولة تحترم الإنسان قبل أن تفرض عليه الطقوس.
إن أخطر ما يواجه سلطة الملالي ليس العقوبات ولا إسرائيل ولا الغرب، بل انكشافها أمام شعبها. فالأنظمة العقائدية يمكنها أن تقمع الأصوات، لكنها لا تستطيع إلى الأبد قمع الحقيقة: أن دولة تُنفق على الصواريخ أكثر مما تنفق على البشر، هي دولة فقدت بوصلتها الأخلاقية.
وهنا، كما في هوشع القديم، يبدأ السقوط من الداخل.