احتكار الفضيلة… عندما يتحول الخطاب الديني إلى أداة إنكار


صباح ابراهيم
الحوار المتمدن - العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 17:21
المحور: المجتمع المدني     

مع كل فضيحة أخلاقية تظهر في الغرب، يتكرر مشهد مألوف في الفضاء الإعلامي العربي. ترتفع أصوات حادة من بعض المنابر الدينية والسياسية، تُدين “انحلال الغرب” وتقدّم الحدث باعتباره دليلًا على فساد حضاري شامل، مقابل صورة مثالية لمجتمعاتنا بوصفها أكثر التزامًا وطهارة.
وفي قضية جيفري إبستين تحديدًا، كان اللافت أن أشد الخطابات إدانة لم تصدر فقط من إعلام تقليدي، بل من تيارات وجماعات ذات خطاب ديني أو أخلاقي سياسي، قدمت الفضيحة باعتبارها برهانًا إضافيًا على تفوقها القيمي.
لكن المشكلة لا تكمن في إدانة الفساد، فذلك موقف طبيعي ومطلوب، بل في ما يكشفه هذا الخطاب من احتكار للفضيلة، ومن تصور ضمني بأن الانحراف ظاهرة تخص الآخرين فقط.
هذا النوع من الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية:
الفساد المرتبط بالسلطة والمال واستغلال النفوذ ظاهرة إنسانية عامة، تظهر في كل مجتمع تغيب فيه الشفافية والمساءلة، بغض النظر عن مستوى التدين أو كثافة الشعارات الأخلاقية.
المفارقة أن بعض البيئات التي يعلو فيها الخطاب الديني العام، تعاني في الوقت نفسه من صمت واسع عندما يتعلق الأمر بتجاوزات النخب المحلية.
إدانة مستمرة لما يحدث في الخارج، مقابل تجاهل أو تبرير لما يحدث في الداخل.
حساسية عالية تجاه أخطاء الآخرين، مقابل تساهل واضح مع أخطاء “أبناء المجتمع”.
وهنا يتحول الخطاب الأخلاقي من منظومة قيم إلى أداة هوية وصراع.
بدل أن يكون معيارًا للمحاسبة الشاملة، يصبح وسيلة للمقارنة الحضارية، ولتعزيز شعور جماعي بالتفوق.
وبدل أن يطالب بالشفافية للجميع، يتحول إلى خطاب انتقائي يسلّط الضوء حيث يريد، ويتجاهل حيث لا يريد.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب غالبًا ما يتجنب طرح السؤال الحقيقي:
هل تمتلك مجتمعاتنا آليات لكشف فساد أصحاب النفوذ؟
هل يستطيع الإعلام التحقيق بحرية؟
هل يخضع رجال السلطة والمال للمساءلة الفعلية؟
وهل يُسمح أصلًا بفتح هذه الملفات؟
في غياب هذه الآليات، لا يختفي الفساد… بل يختفي فقط من النقاش العام.
قضية إبستين، بهذا المعنى، لم تكشف فقط عن انحرافات داخل عالم النخب الغربية، بل كشفت أيضًا عن أزمة أعمق في الخطاب العام في منطقتنا: الميل إلى استخدام أخطاء الآخرين كوسيلة للهروب من مواجهة الواقع الداخلي.
فالهجوم على الخارج أسهل من نقد الداخل.
والحديث عن “فساد الحضارات الأخرى” أقل كلفة من المطالبة بالشفافية داخل المجتمع.
لكن الأخلاق الحقيقية لا تُقاس بحدة الخطاب، ولا بعدد المواعظ، ولا بدرجة الإدانة للآخرين.
الأخلاق تُقاس بقدرة المجتمع على محاسبة الأقوياء، وعلى الاعتراف بأن الفساد ليس غريبًا عنه.
المجتمع الواثق من قيمه لا يحتاج إلى احتكار الفضيلة،
ولا يخاف من النقد،
ولا يرى نفسه استثناءً أخلاقيًا.
أما حين تتحول الأخلاق إلى شعار سياسي أو ديني يُستخدم لإدانة الآخرين فقط، فإنها تفقد معناها الحقيقي، وتصبح جزءًا من مشكلة أكبر:
مشكلة إنكار الواقع.
وقضية إبستين تذكرنا بحقيقة بسيطة لكنها غير مريحة:
الخطر الحقيقي ليس في فساد الآخرين،
بل في الخطاب الذي يقنعنا بأن الفساد لا يمكن أن يوجد بيننا.