العراق يستورد الأزمات والإرهابيين


صباح ابراهيم
الحوار المتمدن - العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 21:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

هل يحتاج العراق إلى أزمات جديدة حتى يستورد بنفسه أزمات أخرى تزعزع كيانه، وتجلب إليه المخاطر، وتدمّر اقتصاده، وتحطّم أمل شعبه في حياة حرّة كريمة ويستورد اراهبيين ولغوا بدماء ابناء العراق ؟

هل استطاعت حكومة أحزاب الإطار الميليشياوي أن تحلّ أزمة جفاف مياه دجلة والفرات، وملوحة مياه شط العرب؟

هل نجحت حكومة الولاء الإيراني في حلّ أزمة الكهرباء، وقطعت تبعيتها لاستيراد الغاز والطاقة من الجارة “العزيزة”، التي امتصّت خيرات العراق وثرواته ودولاراته، ثم تركته يعاني من أزمة مالية خانقة تهدّد برواتب موظفيه ومتقاعديه؟

إن ثمن هذه الأزمات لا يدفعه الساسة ولا قادة الميليشيات، بل يدفعه المواطن البسيط من صحته وتعليمه وكرامته ومستقبل أولاده.
يدفعه من انقطاع الكهرباء في حرّ الصيف، ومن ملوحة الماء في بيته، ومن خوفه الدائم على رزقه وأمنه، بينما ينعم الفاسدون بحصانتهم وأموالهم في الداخل والخارج.

هل عالجت حكومة الطوائف المتناحرة انفلات السلاح بيد الميليشيات الولائية الخارجة عن القانون، تلك التي تدين بالولاء لمرجعية أجنبية ليست عراقية ولا عربية، بل لدولة لها تاريخ طويل في محاربة العراق واستعباد شعبه، منذ زمن الإمبراطور كورش الذي احتلّ بلاد الرافدين وأسس فيها عرش مملكته في مدينة المدائن، جنوبي بغداد، والتي لا تزال آثارها قائمة فيما يُسمّى بطاق كسرى الفارسي؟

وكيف يمكن لدولةٍ فقدت قرارها السيادي أن تحمي شعبها من الكوارث، وهي عاجزة عن حماية حدودها وقرارها السياسي؟
فحين تصبح القرارات المصيرية تُتخذ خارج بغداد، وحين تتحول الحكومة إلى واجهة شكلية لإرادات خارجية، فإن استيراد الأزمات لا يعود خطأً عارضًا، بل يصبح سياسة ممنهجة تُدار بوعي وإصرار.

وهل نسي العراقيون أن جانبًا كبيرًا من هذا الخراب كان ثمرة مباشرة لحكم رجلٍ واحد، اسمه نوري المالكي؟
ذلك الذي حكم العراق لولايتين متتاليتين، فسلّم الدولة للطائفية، وفتح أبوابها للفساد المنظّم، ومهّد بسياسته الإقصائية الطريق لسقوط الموصل واحتلال داعش لثلث العراق بلا مقاومة تُذكر.
رجل لم يُحاسَب على ضياع الجيش، ولا على نهب المال العام، ولا على تحويل مؤسسات الدولة إلى مزارع حزبية وميليشياوية، بل يُراد اليوم أن يُعاد إلى رئاسة الوزراء للمرة الثالثة، وكأن العراق حقل تجارب للفشل المتكرر.

إن عودة المالكي ليست مجرد خيار سياسي خاطئ، بل جريمة سياسية مكتملة الأركان بحق شعبٍ دفع ملايين الضحايا ثمناً لحكمه.
فمن يطالب بإعادته لا يخطئ التقدير فحسب، بل يشارك بوعي في إعادة إنتاج الخراب، وتسليم العراق مرة أخرى لمن ثبت فشله وفساده وارتهانه لإرادةٍ خارجية لا تريد لهذا البلد أن ينهض.

هل انتهت أزمات إيجاد رئيس وزراء حكيم وعادل وذو تاريخ وطني غير ملوّث، ورئيس جمهورية غير خاضع للمحاصصة، في وطنٍ منهوب المال، منقوص السيادة، مشهور بفساده وفاسديه، وبسلاح عشائره المنفلت، حتى نستورد له أزمات جديدة؟

هل استعادت حكومة الإطار، برئاسة السوداني، مليارات الدولارات التي سرقها ونقلها خارج الحدود أكبر محتال عرفه التاريخ العراقي، نور زهير، ومن سانده من المسؤولين، كي نضيف لصوصًا وفاسدين جددًا إلى حكّام بلاد الرافدين، التي أصبحت جافة حتى من مياهها؟

وأخطر من كل ذلك، تلك الجريمة السياسية التي يُراد ارتكابها تحت عنوان “استيراد” سبعة آلاف من أخطر مجرمي تنظيم داعش من سجون سوريا إلى داخل العراق.
ففي بلد لم تجفّ بعد دماء ضحاياه، ولم تُغلق فيه بعد ملفات المقابر الجماعية، ولم تُجتثّ فيه خلايا الإرهاب النائمة في الجبال والصحارى والضواحي، يُراد للحكومة أن تفتح الأبواب لاستقبال قتلة الأمس، وضيافتهم على أرضٍ ما زالت تنزف.
أي عقلٍ هذا الذي يرى في العراق سجنًا بديلًا لإرهابيي العالم؟
وأي خيانةٍ هذه التي تحوّل الوطن من دولةٍ تبحث عن الأمن إلى مكبّ لنفايات الإرهاب الدولية؟
إن استيراد الدواعش ليس إجراءً إنسانيًا ولا حلًا أمنيًا، بل مشروع فوضى مدروس، يُراد به إعادة تدوير الإرهاب، وإبقاء العراق ساحة مفتوحة للدم، خدمةً لأجنداتٍ خارجية لا ترى في هذا البلد سوى ساحة صراع دائمة.

إن الدول التي تحترم شعوبها تبدأ بحل أزماتها قبل أن تفكّر في صناعة أزمات جديدة.
أما الدول التي تعجز عن إصلاح الداخل، ثم تتجرأ على استيراد الكوارث من الخارج، فإنها لا تخطئ الطريق فحسب، بل تقود شعوبها عمدًا إلى المجهول.

ويبقى السؤال الكبير، الذي لا يريد أحد أن يجيب عنه:
إلى متى يُترك العراق رهينة للفاشلين، وللفاسدين، ولمن جرّبهم الشعب فعرفهم، ثم يُراد فرضهم عليه مرة أخرى باسم السياسة؟