موجز بحث تجليات الآخر في تراث الجاحظ
صبري فوزي أبوحسين
الحوار المتمدن
-
العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 01:44
المحور:
الادب والفن
تجليات الآخر في تراث الجاحظ مقاربة استكشافية:
----------------
يذهب بعض الباحثين في الدراسات الإنسانية عامة، وفي تخصص الأدب والنقد خاصة، إلى نسبة مصطلح (الآخَر) إلى الغرب، وذلك في تعريفاتهم العديدة له، ويتغافلون البحث عن جذوره في تراثنا العربي، وتأصيل مفهومه في مدوناتنا العتيقة معجميًّا، ودينيًّا، وفكريًّا!
ومن ثم كانت فكرة هذا المؤتمر: (صورة الآخَر في التراث العربي قراءة استكشافية) جيدة في زمنها وغايتها ومحاورها، والذي يقام بإشراف معهد إحياء المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، ومركز دراسات الحضارات واللغات والآداب الأجنبية التابع لجامعة (ليل) بفرنسا، فليس التراث العربي أنانيًّا فردانيًّا متجاهلاً أو متجاوزًا الآخر، وليس نرجسيًّا يتكبر عليه ويُلغيه أو ينفيه، بل هو تراث عامر بالاجتماعيات والبَشَريات والإنسانيات والتفاعل مع الآخَرين والآخَريات، إنه تراث تناصَّ مع السابقين وأثَّر في المعاصرين واللاحقين، قرأ ما قبله وهضمه فأفاد منه وأعاد إنتاجه وأضاف إليه، وسلمه إلى الآخرين مهذبًا مشذبًا، ومطالعة أي مدونة تراثية عربية كفيلة بإعطائنا دليلا أو أدلة على تلك المُسلَّمة في إرثنا العربي الكِتابي العتيق.
ولعل هذه القراءة الاستكشافية عن صورة الآخر في تراث أديب عربي فذٍّ بَذٍّ ضُلَعة طُلَعة، كالجاحظ(نحو-161255هـ)؛ فقد عاش خمسة وتسعين عامًا تقريبًا، كان فيها كالنحلة في قراءة كل ما قبله وما حوله، وقراءاته لا تحصر، وتستعصي على التصنيف الدقيق! وكذا نجد في آثاره روح الباحث المفكر والجاد في تفقه الحياة وتبيُّن الأحياء الآخرين، ورصد العجائب والغرائب وتسجيلها وتصويرها ونقدها...
إن هذا البحث ذاتية خاصة، تحاول أن تقف على أدلة نصية من هذه الحقيقة الحضارية العربية المائزة، إنه الجاحظ المَعْلمة والموسوعة والمكتبة البشرية المتنقلة بين الأفانين والأشتات، وما أدراك من الجاحظ؟! إنه ذلكم الموسوعي، الذي وصفه ثابت بن قرة-زعيم الصابئين المتكلمين- بأنه: "خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين، ومِدْره المتقدمين والمتأخرين، إن تكلم حكى سَحْبانَ في البلاغة، وإن ناظر ضارع النظَّام في الجدال، وإن جَدَّ خرج في مَسْك عامر عبد بني قيس، وإن هزل زاد على مُزَبِّد، حبيب القلوب، ومراح الأرواح وشيخ الأدب ولسان العرب، كتبُه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه آنفًا، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء، الخلفاء تعرفه والأمراء تصفه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم" [معجم الأدباء5/2112-2114، وراجع مزيدًا من تقاريظ العلماء للجاحظ كتاب الجاحظ في مرآة أبي حيان ص81-111، د/إبراهيم صبري راشد، طبع درة الغواص سنة 2024م]. كما أنه أديب عروبي، وعالم معتزلي، ومؤرخ منهجي حيادي موضوعي، ونظرًا لهذه الروح المتفردة عقليًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا كان اختيار تراث الجاحظ ليكون دليلاً على حضور الآخر وتنوع أنماطه في الإبداع العربي العتيق الفاعل! إذ يكاد يكون التراث الجاحظي مبنيا على جدلية الأنا والآخر، أو (نحن وهم).
وهذا ولابد لي من الإشارة إلى أنه توجد دراستان سابقتان في هذا الموضوع، هما:
-صورة الآخر في التراث: الجاحظ نموذجا، أ. ماجدة محمد حمود، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، س١، ع٢، ص١١٤١٤١، سنة ٢٠١٠م.
-التمثيل الثقافي للآخر في كتابات الجاحظ، أ. حارش نسيمة، جامعة الجلفة، ع١٠، ص٢٦٠٢٧١، سنة ٢٠١٨م. وهما دراستان موجزتان، وليس منهجهما كمنهجي، ولا نتائجهما مثل نتائجي، والمادة العلمية من كتابات الجاحظ عندهما قليلة جدًّا، فبحثي قائم على مقاربة استكشافية لمدونات الجاحظ؛ فقد قمت بإحصائها ومطالعتها كلها والإفادة منها، كما أن تحديدي لصور حضور الآخر في تراث الجاحظ فيه جدة!
وأود أن أسجل في هذه المقدمة أن إدراك تراث الجاحظ كله وقراءته القراءة الاستكشافية أمر صعب على فرد، يقدم بحثًا علميًّا في مؤتمر. إنه أمر يحتاج إلى فريق علمي بحثي متفرغ لهذه الغاية؛ نظرًا لطبيعته الموسوعية، وأسلوبه الاستطرادي والتكراري، ولوجود شك وانتحال في نسبة بعض آثاره إليه؛ فقراءة أدب الجاحظ تحتاج نفسًا طويلاً، وصبرًا جميلاً، وعمرًا نبيلاً؛ حتى نحيط بآثاره، ونصفها ونحللها ونستنطقها في مجال فلسفي كبير هو الموقف من الآخر.
وهذه القراءة الاستكشافية لصورة الآخر في تراث الجاحظ تنطلق من التعامل مع هذا الآخر بطريقة موضوعية، غير انتقاصية ولا إقصائية، ولا ذائبة ولا مستلبة، بل تعامل مع الآخرين –على تنوع مشاربهم وأماكنهم وأزمانهم ومجالهم وأعراقهم ولغاتهم-بأسلوب واع فاعل منتج، إنها مقاربة تعطينا دلالة ثقافية على مدى تعامل العرب الإيجابي والحضاري والإنساني مع الآخر: عالمًا فاعلاً، والآخر أديبًا مبدعًا، والآخر متمردًا منبوذًا.
وإن بيان الجاحظ وتراثه كان عنوانًا مشيرًا وعتبة دالة على الحالة الحياتية في عصره؛ فهو بلا ريب ابن العصر العباسي(132هـ - 656هـ) وخلاصته ومرآته، ذلك العهد الذهبي للحضارة الإسلامية، وقد كانت حياة الجاحظ خلال حكم اثني عشر خليفة، أربعة كبار ينتمون إلى أهل السنة وما عليه السلف الصالح من فهم للقرآن الكريم والسنة النبوية، ويرفضون المتكلمين والمعتزلة ويحاربونهم، وهم: (المهدي١٥٨١٦٩ه،)، و(الهادي١٦٩١٧٠هـــــ)، و(الرشيد ١٧٠١٩٣هــــــــ)، والأمين(١٩٣١٩٨ه)، ثم بدأ تأثير المعتزلة في عهد ثلاثة هم (المأمون ١٩٨٢١٨هـ)، و(المعتصم ٢١٨٢٢٧ه)، وابنه الواثق(٢٢٧٢٣٢هــــ) ثم كان التغيُّر على المعتزلة في عهد الخليفة المتوكل(٢٣٢٢٤٧ه) ثم ابنه (المنتصر٢٤٧٢٤٨هـــــ)، ثم جاء الخلفاء الضِّعاف الذين كانوا أُلعوبة بأيدي الوزراء والقُوَّاد الأعاجم والأتراك، وهم : المستعين(٢٤٨٢٥٢هـ)، والمعتز (٢٥٢٢٥٥هـ)، والمهتدي (٢٥٥٢٥٦هـ)، ومن ثم نرى الجاحظ قد عاش عصرًا حفل بالتقلبات السياسية والتغيرات الاجتماعية والتطورات الفكرية العجيبة، وانعكس تأثيرها عليه فكان في فترته الأولى معتزليًّا بارزًا، ثم لما تبدلت الاوضاع تحول إلى(آخر معتزلي) لكنه كان مجدودًا محظوظًا فاحتيج إليه من قبل السلطة القائمة، مما دفعه إلى التغيير، من قناعاته الاعتزالية، كما أثرت هذه الحالة على الحياة الأدبية والفكرية عبر قرون خمسة مثلت حقبة زمنية طويلة لحكم الخلافة العباسية، وقد برزت في الجانب السياسي في هذا العصر غلبة الطابع الفارسي، ثم حدث تحول خطير عندما ضعف العصر الفارسي، وحل محله العصر التركي، مما أدى إلى تفكك الخلافة ونشوء الدويلات!
فالآخر (سياسيًّا) هو ذلك الجنس الأعجمي فارسيًّا ثم تركيًّا! وفي الحالة الاجتماعية نجد (الآخَرِية) تتمثل في تيارات أعجمية مثل: الشعوبية، والمجون، والزندقة، وفي موقف خاص من بعض الفئات المجتمعية مثل المعلمين والمغنين والنساء. وقد ظهر أثر هذه الآخَرِية في تراث الجاحظ وإبداعه وتفاعله مع إبداع معاصريه ورؤاهم!
وهذه القراءة الاستكشافية التثاقفية ستنجز-بمشيئة الله وتوفيقه- في مدخل وأربعة محاور، وخاتمة، على النحو الآتي:
المدخل: الآخر مفهومًا.
المحور الأول: ثنائية الأنا والآخر في تراث الجاحظ.
المحور الثاني: الآخر عالمًا فاعلاً في تراث الجاحظ.
المحور الثالث: الآخر أديبًا ساحرًا في تراث الجاحظ.
المحور الرابع: الآخر متمردًا في تراث الجاحظ.
الخاتمة: وفيها أهم نتائج الورقة البحثية وأطاريحها!