تزوير فكري مُشَوِّه لقضية عروبة القدس


صبري فوزي أبوحسين
الحوار المتمدن - العدد: 8061 - 2024 / 8 / 6 - 13:36
المحور: الادب والفن     

تزوير فكري مُشَوِّه لقضية عروبة القدس:
من مظاهر التزوير في الشعر العربي ظاهرة الانتحال التي أصابت الشعر العربي في الجاهلية، فكتب الأدب القديم مليئة بشواهد لأسماء قصائد منتحلة، ُوضعت على ألسنة شعراء جاهليين، وأسماء من انتحل ذلك الشعر. ولم يكن انتحال ذلك الشعر عملاً سهلاً، إذ لا بد له من قدرة وعلم ومعرفة بأساليب شعر الماضين! وأخطر ما في هذه القضية افتراء شعر للشاعر اليهودي السموأل بن غريض بن عادياء، والاستدلال به على عروبة القدس! فقد ورد في منشور فيسي تحت عنوان (اسم القدس في الشعر الجاهلي) ما نصه: "حين نعود إلى أدب العرب قبل الإسلام ماذا نجد؟ نجد أن الشاعر الجاهلي (السموأل بن عادياء)، اليهودي، المضروب بوفائه المَثَل، صاحب حِصن (الأبلق الفَرد)، في (تيماء)- وقد قيل إنه من نسل (هارون بن عمران) أخي (موسى)- قد سمَّى تلك المدينة الفلسطينيَّة باسمها: «القُدْس»، في قصيدة منسوبة إليه، منها:
أأَلَسنا بَني (القُدْسِ) الَّذي نُصِبَت لَهُم غَمامٌ تَقيهِمْ في جَميعِ المَراحِـلِ؟
أَلَسنا بَني السَّلْوَى مَعَ المَنِّ والَّذي لَهُم فَجَّرَ الصَّوَّانُ عَذْبَ المَناهِلِ؟
أَلَسنا بَني (الطُّوْرِ) المُقَدَّسِ والَّذي تَدَخـدَخَ لِلجَـبَّـارِ يَـومَ الزَّلازِلِ؟
فقائل هذه الأبيات (عربيّ، جاهليّ، يهوديّ)، ينطق بثقافةٍ سائدةٍ في زمنه، تمتح من ماضٍ سحيق، لا يصحّ الاستخفاف بما تحمله من إشارات تاريخيَّة"!
والحق أن هذه القصيدة ليست في ديوان السموأل المخطوط، الذي نشره لويس شيخو في مجلة المشرق، ع3 تاريخ الإصدار الأول من مارس سنة 1909م، السنة الثانية عشرة ص163-178، صنعة أبي عبدالله بن نفطويه، والذي يرجع تاريخ كتابته إلى سنة 649هـ؛ فأصل هذه اللامية يرجع إلى المستشرق الألماني (هرشفلد)، الذي يعد أوّل من نشر هذه القصيدة في مجلّة «المشرق، 9: 482»؛ إذ وجدها في مخطوطات مكتوبة بالعِبريَّة. ثمَّ نشرها بالعربيَّة المستشرق الإنجليزي (مرجليوث) في «المجلَّة الآسيويَّة، نيسان 1906، ص363»، ونقلها عنه (الأب لويس شيخو)، في «المشرق، 9: 674». وعُثِرَ منها على نُسخٍ أخرى، منسوبة إلى (السموأل القُرَظي)! يقول الدكتور جواد علي في كتابه(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) معلقًا على هذه القصيدة: وهي قصيدة تختلف في أسلوب نظمها وفي العرض العام عن طرق النظم المألوفة في الشعر قبل الإسلام، والشعر المنسوب إلى السموأل. وقد وردت فيه كلمة "رحمانهم" وأشير فيها إلى قصة إبراهيم الخليل، والذبيح ابنه، وإلى تسميته بإسرائيل، ثم إلى الأسباط. وقصة بني إسرائيل مع فرعون مصر. وقد أغرق الله فرعون في البحر. وإلى القدس والطور، وأمثال ذلك. والحوادث المذكورة في هذه القصيدة، والاستشهادات التي استشهد بها الشاعر، وإن كانت مما هو مذكور في "الكتاب المقدس" بجزأيه، تدل على أن ناظمها قد استعان في نظم المصطلحات التي استعملها وطريقة تعبيره عن الحوادث بالقرآن الكريم، وبالقصص الوارد في كتب سير الرسل والأنبياء، وأن الغاية من نظمها هو إثبات مجيء المسيح، وقد جاء. وشهادة شاعر يهودي مفيدة ولا شك في هذا الباب. ولم ترد هذه القصة في ديوان ولا في كتب الأدب القديمة. وعدم ورودها في تلك الموارد، دليل على أنها مما وضع بعد تدوين شعر السموأل في الديوان المنسوب إليه وفي كتب الأدب القديمة، وأن هذه القصيدة هي من الشعر المصنوع المتأخرة بالنسبة إلى بقية ما نسب إليه. ولا يجوز لنا الاستدلال بها على عروبة القدس وغيرها من الأماكن المذكورة في هذه القصيدة المُزَوَّرة المُنتَحلة المُفتَراة!