في أصول البحث الأدبي: حاشية على عقل العلامة محمود توفيق سعد


صبري فوزي أبوحسين
الحوار المتمدن - العدد: 8524 - 2025 / 11 / 12 - 03:27
المحور: الادب والفن     

في أصول البحث الأدبي:
حاشية على عقل العلامة محمود توفيق سعد
أ.د صبري فوزي أبوحسين
أستاذ الأدب والنقد
ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات بجامعة الأزهر
-----------------------------------
من فيوضات سيدنا الأستاذ الدكتور محمود توفيق سعد-رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه وأرضاه-علي شخصي، أنني كلفت بإعداد محاضرة عملية بعنوان(أصول البحث الأدبي) لإلقائها في الدورة التدريبية لطلاب الأدب والنقد في مرحلة تمهيدي التخصص"الماجستير" بكلية العلوم الإسلامية والعربية للطلاب الوافدين بجامعة الأزهر يوم الاثنين٢٠/ ١١ / ٢٠٢٥م، فما وجدت من كتب في هذا العنوان إلا أستاذنا محمود توفيق سعد في سلسلة محاضرات له في قسم البلاغة والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة، بعنوان(أصول البحث البلاغـي وضوابطه)، فهضمتها هضما، وطورتها لتكون مناسبة لطلاب الأدب والنقد؛ فالقسمان شقيقان، ولا يمكن الفصل بينهما، ولا يمكن استغناء أحدهما عن الآخر، فالبلاغي محتاج لدارس الأدب، ودارس الأدب محتاج إلى البلاغي، والنقد الأدبي قاسم مشترك بين البلاغة والأدب، وإن قلت: إنه همزة الوصل بينهما كنت مصيبا كل صواب! ولا بارك الله فيمن يفصل بينهما.
وأقصد بأصول البحث الأدبي: تلك الثوابت التي ينبغي للباحث أن يلتزم بها حتى يكون بحثه صحيحا فاعلا مؤثرا.
وهي ثوابت تشمل جميع عناصر عملية البحث الأدبي، والتي تتمثل في العناصر الآتية:
١الباحث:
----------
هو ذلك الإنسان الذواقة العاشق للآداب والراغب في البحث والدرس والنقد، القائم به والممارس له.
ولابد فيه من مواصفات نفسية وسلوكية خاصة، ومؤهلات علمية دقيقة، تجعله قادرا على إنجاز عمليات البحث الأدبي.
وهذا ما عبر عنه أستاذنا محمود توفيق سعد بقوله: "
لا بد أن يكون الباحث مُهيَّأً للبحث من جوانب ثلاثة:
• أ ـ تهيئة نفسية بأن يكون لديه علو همة، فلا يرضى بما يُجاز.
• ب ـ تهيئة عقلية بتدريب الباحثين على مهارات التفكير العلمي.
• جـ ـ تهيئة لسانية بأن يتسم بيان الباحث بالصدق، والأمانة، والفتوة (قوة التأثير).
و الطالب الباحث السؤول نعمة من الله على أستاذه، وقبل اختيار التخصص الدقيق لا بد من معرفة الإمكانات؛ لأن كل تخصص يحتاج إلى مهارة معينة.
٢المبحوث عنه:
------------------
هو المشكلة أو الفكرة الغائبة التي يراد بالبحث إيجادها، وتبيينها، وتقديم حلول لها. ويؤكد العلامة محمود توفيق أنه" ما من كتاب من كتب العلماء إلا وبه حقيقة غائبة أو مشكلة أو سؤال، وأن الكتاب الجيد يجيب عن أسئلة ويفجر أسئلة أضعاف ما أجاب ليتركك تجيب عنها. وأن الوظيفة الرئيسة لعلم البلاغة-وكذا كل العلوم الإنسانية-هي صناعة الإنسان، بأن ينقلك من طور عبادي إلى طور عبادي أعلى؛ حتى تترقى من مقام فإنه يراك إلى مقام كأنك تراه".
٣المبحوث فيه:
-----------------
وعرفه أستاذي، محمود توفيق بأنه (الموضوع)، وأنه "قضية علمية محددة المعالم والملامح، قابلة للإثبات أو النفي، يُظَن أنَّ فيها حقيقة تحتاج إلى كشف، ووظيفة الباحث هي الإتيان بالأدلة التي تثبت أو تنفي".
وأراه: المجال العلمي الخاص في دنيا الأدب والنقد، حيث دراسة الفنون أو الأجناس الأدبية أو دراسة الأدباء، أو دراسة القضايا الأدبية والنقدية، أو دراسة المصادر، أو تحقيق النصوص المخطوطات، أو الدراسة الأدبية المقارنة...
ويرشد علامتنا محمود توفيق سعد الباحثين في عنصر(المبحوث فيه) بالآتي:
• أولى خطوات التوفيق للباحث اختياره للموضوع، ثم اختياره لأستاذه.
• اختيار الموضوع يتوقف على وجود معلومات مستخرجة من مصادر رئيسة.
• الأصالة والجدة شرطان أساسيان لجودة الموضوع.
• الباحث إذا كتب في موضوع من اختيار غيره؛ فهو يربِّي ابن غيره.
• لا يوجد موضوع كزٌّ أو بخيل، وإنما الباحث هو الذي يجعله كزًّا أو بخيلا.
• روافد علم البلاغة - وكذا علوم الأدب والنقد أربعة: علم أصول العقيدة ـ علم أصول فقه الشريعة ـ علم أصول فقه الإحسان ـ علم أصول اللغة (خصائص الإبانة باللغة العربية). وأضيف إلى هذه الأربع، أن يلم الباحث بأبرز مصطلحات ومعلومات العلوم الإنسانية كعلم الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التاريخ، وعلم الإنسان...
• اكتفاء الباحث في علم البلاغة بقراءة كتب البلاغة فحسب؛ يصيب عقله بالضعف العلمي". وكذا شأن الباحث في الأدب والنقد لابد أن يأخذ من كل علم وفن بطرف.
• ويفتح علامتنا محمود توفيق سعد مجال البحث أمام طلاب البلاغة والأدب والنقد، فيشير إلى ضرورة العناية بالبحث في الوحيين: القرإن الكريم والسنة النبوية الشريفة فيقرر أنه:
• ما من سورة قرآنية أو نص أدبي إلا وبه حقيقة غائبة تحتاج إلى كشف.
• لا يخرج بيان بليغ عن هذين البيانين: كلمة وحي، أو كلمة إنسان.
• عندما تتخصص في بيان الوحي لا بد أن تمر ببيان الإنسان، وذلك خدمة للقرآن؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن تقرأ آية وأنت لا تعرف منهج العربي في الإبانة.
٤المبحوث به:
-----------------
وهو المنهج العلمي المختار من قبل الباحث للالتزام به في إجراءات البحث وأجزائه.
ويقول أستاذنا محمود توفيق سعد عن المنهج:" يتم اختيار المنهج بناء على إمكانات الباحث، وطبيعة الموضوع، والحقيقة الغائبة. وأغلب ما يُذكر في البحوث هو منهج قراءة وليس منهج بحث، وهناك أناس نقرؤهم لا لنحمل عنهم علمًا، وإنما لنحمل عنهم مناهج إبانة، و مهما أبدعت في تحليل شعر شاعر[أو أدب أديب، أو نقد ناقد] فلن تصل إلى شيء إلا برسم صورة دقيقة للشاعر[للأديب أو الناقد] من خلال بيان خصائصه، وأن ما يتحكم في تأويل البيان [النص الأدبي] ثلاثة أمور: نظم العبارة، سياقها، المغزى، وكل ما يتعلق بالسياق ملكية خاصة لقسم البلاغة".
وأرى أن السياق مطلب مهم في بقية تخصصات اللغة العربية حيث علم اللغة وفقهها وتحليلها الأدبي، وللباحث في التفسير وأصول الفقه أن يعنيا بالسياق ويطبقانه في أبحاثهم.
٥لغة البحث الأدبي:
------------------
لابد أن تكون سليمة دقيقة واضحة، مهذبة، ليس فيها حدة أو عنف، كألفاظ التكفير، والتفسيق، والتبديع، وعبارات التعييب، والسخرية، والهمز، واللمز والتنابز، حتى لا يقع الباحث فيما أسميه (التنمر النقدي)!
فالأدب اللغوي شرط رئيس في باحث تخصص الأدب والنقد، فكم عانى أدباء كبار من الباحثين المتشددين الإرهابيين، الذين يحكمون على النصوص الأدبية وأصحابها من خلال معايير مذهبية متعصبة متشنجة!
ويذكرنا أستاذنا محمود توفيق سعد بأن من شروط كتابة البحث: عدم استعمال المجاز، وعدم الإكثار من المحسنات البديعية، وعدم الإكثار من المؤكدات.وأن البلاغة نوعان: بلاغة إفهامية بأن تُنشئ ما لم يكن، وبلاغة فَهْمية بأن تُفهِم ما كان" وكذا في مجال الأدب والنقد لابد من (التبين) و(البيان)، و(الإبانة) عن الحكم النقدي جودة أورداءة.
٦جهة الإرشاد والتقييم:
--------------------
وتتمثل في المجالس واللجان العلمية، مثل لجنة الدراسات العليا، و لجنة الإشراف والتوجيه، ثم لجنة المناقشة والحكم. ولابد أن تكون هذه الجهة أمينة وحازمة في متابعتها للأبحاث والباحثين.
ولا ريب في أن التناغم بين هذه العناصر المكونة للبحث الأدبي، والمسهمة في إنتاجه وإنجازه، والتلاحم بينهما يفرز بحثا أدبيا سليما ومقبولا، ويخرج باحثا متخصصا في مجال الأدب والنقد، قادرا على البناء والإصلاح والتعمير.
وما زال هذا الموضوع(أصول البحث الأدبي) محتاجا إلى مزيد وقفات وإضاءات!