الليبرالية المتشددة وتفكيك بنيات الرأسمالية.


أحمد زوبدي
الحوار المتمدن - العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 16:37
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر     

لم أنشر هذه التغطية البحثية النقدية وقتها للندوة الدولية في نسختها السابعة "الفلسفة والاقتصاد" التي نظمتها جامعة رينس ( université de Reims) الفرنسية, أيام 29، 30 و 31 ماي 2024 والتي شاركت فيها بالنقاش الذي أعرضه، بشكل مقتضب، في هذه البطاقة. للتذكير، الأفكار الواردة هنا قمت بشرحها ونقد المداخلات في دراسة بالفرنسية من فئة 20 صفحة في انتظار نشرها كدراسة بحثية في مجلة أو كتاب.
موضوع الندوة تمحور حول علاقة الفلسفة و الإقتصاد في ظل الرأسمالية القائمة بالفعل منتقدا الليبرالية المتنورة. انطلق جل المتدخلون من أطروحات كل فون هاييك وفون ميزس وكارل بوبر( V. Hayek, V. Mises, K. Poper) و غيرهم من الليبراليين المتطرفين الذين يدعون للتخلص من الدولة ومن المؤسسات الموازية وإعطاء مؤسسة السوق الدور الريادي في تسيير وضبط الاقتصاد من ذاته وبعفوية ( marché spontané) ومعه المجتمع، بما في ذلك طبعا الديموقراطية. الديموقراطية هي السوق والسوق هي الديموقراطية. للتذكير فقد أسس هؤلاء الثلاثة وآخرون مؤسسة مونت-بيلوراه( Mont-Pèlerin ) في أربعينيات القرن الماضي بهدف الدعاية للأيديولوجية الليبرالية المتشددة ( L ultra-libéralisme). ينضاف إليهم الجيل الجديد الذي خلفهم كميراي روتهبارد وسالا مارتان وروبير بارو ( M.Rothbard, S. Martin, R. Barro)، إلخ.
بالنسبة لليبراليين المتطرفين تنحصر مهمة الدولة في الدفاع عن حقوق الملكية الخاصة.
أما جون مانيير كينز وجوزيف ألوا شومبتير وبييرو سرافا ( J.M. Keynes, J.Schumpeter, P. Sraffa)، الصديق الكبير لغرامشي ( حيث خصص حسابا بنكيا من ماله الخاص لصالحه حين كان في السجن. مما سبب له مشاكل مع محيطه وتم إقصاؤه من جائزة نوبل للاقتصاد)، و الكثير من الليبراليين المتنورين الكبار اللذين يدق قلبهم يسارا كليون فالراس (L. Walras)، مؤسس اقتصاد السوق بامتياز وجوان روبينسون (J. Robinson )، تلميذة كينز التي انتقدته بشكل غير مسبوق وتم اقصاؤها هي كذلك من جائزة نوبل للاقتصاد، كل هؤلاء قد تم تغييبهم بشكل تام من هذه الندوة على أساس أنهم أفرطوا في إعطاء الدولة دورا رياديا على حساب مؤسسة السوق. وهو ما تسبب للرأسمالية في كساد وركود غير مسبوق ومنها أزمات التضخم الركودي(Stagflation) وانهيار الإنتاجية. مما يقتضي قلب المعادلة، حسب أطروحات الإقتصاديين المتشددين عبر تراجع الدولة بشكل مطلق لصالح السوق حيث ينحصر دورها في التدبير كآلية تابعة لهذه الأخيرة. يقول ريمي هيريرا (Rémy Herrera)" إن المسألة تتجاوز أكثر من ذلك، فالأمر يتعلق بإلغاء الأسس التي ينبني عليها حتى وجود الدولة وذلك باسم مبدأ سامي أي حقوق الملكية الخاصة، كما تدعو لذلك الليبرالية المتشددة لميراي روثبارد، الوجه البارز بمعهد ليدويغ فون ميزس، ومعه الرأسماليون الفوضويون"( انظر كتابه أوهام إصلاح الرأسمالية، ترجمة أحمد زوبدي ). فالأمر يتعلق بخصخصة كل المرافق والمؤسسات منها الشرطة والجيش وهو ما يشكل تهديدا خطيرا للرأسمالية التي سترى نفسها في طريق تفكيك وانهيار البنيات التي على أساسها رأت النور وتطورت.
الهدف، في رأي هاييك ومناصريه، من إلغاء الدولة من الصف الأمامي وتقليص دورها كمنفذ لسياسة السوق هو توظيف مأزق الرأسمالية اليوم التي تهالكت لأجل إعطاء نفس جديد لأيديولوجية أطروحة "نهاية التاريخ " ( ولو أن فوكوياما تراجع عن هذا المفهوم !) على أن أفق الإنسانية لا يمكن أن يتجاوز هذا النظام الإجتماعي الأبدي.
أدام سميث ( A. Smith) لم ينج بدوره من هذا التوظيف البئيس لكبار الليبرالية الإجتماعية. أقصى مرجعية فيها رائحة "التنوير" قدمت في هذه الندوة هو توظيف إيمانويل كانط(E. Kant) كرائد للسلم الدائم ( paix perpétuelle) من خلال مد جسور منظومة أخلاقية تعمل على ردع انحرافات الرأسمالية وبالتالي تسمح لهذا النظام السياسي والاقتصادي ليربط بين الديموقراطية والسوق للوصول إلى المستوى الأمثل (optimum) من خلال تطوير التجارة كمصدر للثروة.
لقد خفي على أصحاب أيديولوجية " كل السوق" ( Le tout marché) أن مؤسسة السوق ليست هي التي تحدد الأثمان بل الطبقة المسيطرة هي التي تفرض سياساتها الإقتصادية التي تخدم أجندتها أي مصالحها موظفة السلطة أي السياسة، التشريع البرلماني والظهائر الوزارية وغيرها، نموذجا.
الرأسمالية قامت بتسليع كل مناحي حياة البشر لأجل الربح السريع وقامت بتهميش وإقصاء الطبقات الشعبية وحولت أغلبيتها إلى طبقات رثة ومبلترة.
الرأسمالية اليوم في طريق التفكك وهو ما يفرض تجاوزها لأجل بديل يوفر بناء مجتمع إنساني عادل وديموقراطي.