الزيادات في الأجور: -عيش بِالْمْنَى يا كمون-


جيلاني الهمامي
الحوار المتمدن - العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 00:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

على معنى هذا المثل الشعبي التونسي يمكن التعليق، وكأحسن ما يكون التعليق، على موضوع الزيادات في الأجور. يجدر هنا أن نذكر بالحملة الدعائية للسلطة وأتباعها (خاصة ميليشيات الفايسبوك الشعبوية) التي صدعت رؤوسنا على امتداد أشهر ديسمبر وجانفي وفيفري الماضية بالحديث عن "بشرى" صرف زيادات هامة في الأجور. وقد استندت هذه الحملة فيما استندت إلى ما جاء في الفصل 15 من قانون المالية "يتم الترفيع في الأجور والمرتبات في القطاعين العام والخاص بعنوان سنوات 2026 و2027 و2028. ينسحب الترفيع على جرايات المتقاعدين. يتم ضبط الترفيع في الأجور والمرتبات بمقتضى أمر".

ومعلوم أن قرار الترفيع هذا جاء بقرار أحادي الجانب من طرف الحكومة دون علم أو التشاور مع الأطراف الاجتماعية كما جرت العادة ووفق ما تنص عليه التشريعات. فعلاقة المنظمة النقابية بالحكومة قد دخلت منذ سنوات في حالة قطيعة تامة تقريبا، واستغلت السلطة هذا الوضع لتلتفّ على العديد من قواعد العمل في المجال الاجتماعي. ويندرج ذلك ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى القضاء على الاتحاد وإبطال العمل بالعديد من التقاليد في السياسات الاجتماعية منها المفاوضات الجماعية والحق النقابي والتشاور في كل ما يهم حقوق العمال المادية (منح وأجور وحقوق عينية) ومهنية (مراجعة القوانين الأساسية والاتفاقيات المشتركة الخ...). وفعلا تمكنت السلطة في ما بين 2020 وتاريخ صدور قانون المالية الأخير (12 ديسمبر 2025) من إصدار سلسلة من المناشير (عدد 20 و21) تم بمقتضاه إبطال العمل بالمفاوضات بين الادارات والمؤسسات العمومية والنقابات وإنهاء العمل بالتفرغات والرخص النقابية. وتلا ذلك سلسلة أخرى من الإجراءات والقرارات التي تضرب في الصميم قواعد السياسة الاجتماعية مثل إعلان زيادات دون مفاوضات في الاجر الأدنى الصناعي والفلاحي وتنقيح أحكام مجلة الشغل دون استشارة المنظمة النقابية (بما في ذلك تغييبها عن الاعمال التحضيرية للجنة البرلمان المختصة).

وجاء قرار الحكومة الذي صادق عليه البرلمان بإعلان الزيادة في الأجور دون مفاوضات اجتماعية كما جاء نصه في الفصل 15 من قانون المالية المذكور أعلاه.

وفضلا عن الطريقة اللاقانونية وغير المنطقية التي تم بها إقرار "الزيادة في الأجور والمرتبات" فإن الصيغة الواردة في الفصل المشار إليه لم تتضمن لا نسب ولا مواعيد صرفها وتركت للحكومة حرية التصرف في ذلك بما أن هذا الترفيع يضبط بأمر، أي بأمر حكومي.

الانتظار .. الانتظار
بعد ثلاثة أشهر من العام الجديد تم صرف الأجور والمرتبات دون أن يصدر الامر الحكومي الموعود وبالتالي دون أن ينتفع الاجراء، عمالا وموظفين، بالزيادات المنتظرة. ومن باب المستبعد، إن لم نقل من باب المستحيل، أن يكون السبب في عدم صدور الأمر الحكومي مجرد سهو أو تعطيل إداري روتيني. فالمسألة أعمق من ذلك ووراءها حسابات سياسية ومالية معقدة بحجم للتعقيدات التي تعرفها المالية العمومية بالنظر للازمة التي تعيشها منذ سنوات ومعقدة أيضا تبعا للتطورات الجيوسياسية الأخيرة والتقلبات التي تشهدها الأوضاع الدولية والتي في جانب منها لها انعكاسات مباشرة على الاقتصاد التونسي والمالية العمومية. ومعروف أنه في مثل هذه التطورات عامة ما يدفع الشعب الكريم الفاتورة.

لقد وضعت الحكومة ضمن أهدافها، منذ سنوات، التخفيض من حجم كتلة الأجور ونتيجة لذلك كان لا بد من غلق باب الانتدابات وعدم الزيادة في الأجور والتحكم في مصاريف التسيير والتخفيض في اعتمادات الاستثمار كل ذلك، وفي ظل محدودية الموارد، من أجل مجابهة ما يسمى بالمصاريف الضرورية وخاصة منها خلاص خدمات الدين. الآن وبعد أن أُعْلِنَ عن الزيادات في قانون المالية ماذا عسى الحكومة أن تفعل وهي تواجه انعكاسات حادة لأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب على إيران هذه الازمة التي ستعمق عجز الميزان الطاقي التونسي والميزان التجاري ككل. هذا مع العلم وأن الميزانية الحالية وضعت على أساس مجموعة من المؤشرات منها معدل سعر برميل النفط 63 دولار في حين بلغ سعره الان أكثر من 100 دولار بحيث تتكبد الميزانية خسارة يومية تقدر بتسعة ملايين دينار نتيجة هذا الفارق. أكثر من ذلك أن أسعار الكثير من المواد الأخرى التي توردها بلادنا بكميات هامة مثل الحبوب (القمح) والسكر عرفت أسعارها هي الأخرى هذه الأيام ارتفاعا هاما بسبب استمرار الحرب. بعبارة أخرى فإن المالية العمومية مرشحة لاختلالات إضافية ستحمل معها ضغوطا أكبر على الالتزامات الاجتماعية للدولة ومنها الزيادات في الأجور.

وقد تكون هذه المصاعب وراء تأجيل إصدار الحكومة النصوص التطبيقية المتصلة بصرف الزيادات في انتظار أيام أفضل. فالتأجيل من شأنه أن يمنحها فرصة ربما للالتفاف على مبدأ المفعول الرجعي للزيادات من جهة وتحديد النسبة اعتمادا على نتائج استخلاص الموارد المالية (الجباية وبعض القروض وبعض المداخيل غير الجبائية على قلتها) من جهة ثانية.

لقد تركت الحكومة لنفسها مجالا واسعا للتصرف والاجتهاد حينما ضمنت قرار الزيادة في قانون المالية على تلك الصيغة واليوم تجد أمامها المجال مفتوحا على مصراعيه لضبط نسبة الزيادة. وقد روجت الدعاية الفايسبوكية لأنصار الشعبوية طوال المدة الفائتة لزيادة تتراوح بين 3.9 و7 %. وهي نسبة غير مؤكدة بل الأرجح أن تكون أقل من ذلك بكثير للأسباب الاقتصادية والمالية المذكورة. وفي غياب الطرف الاجتماعي الذي يلعب في العادة دورا مؤثرا – مهما كان محدودا– في سبيل الحصول على نسبة زيادة تخفف من وطأة تدهور المقدرة الشرائية. ومما لا شك فيه أن الاعتمادات التي برمجتها الحكومة للزيادة في أجور حوالي 670 ألف عون في الوظيفة العمومية والقطاع العام (لتكون كتلة الأجور لسنة 2026 في حدود 25.4 مليار دينار مقابل 24.4 مليار لسنة 2025) لن تسمح حسابيا بنسبة زيادة لأكثر من 3 % وهي نسبة لا تغطي إلا بشكل جزئي وجزئي جدا التدهور الكبير الذي لحق بالمقدرة الشرائية للشغالين ولعموم جماهير الشعب.

البطالة والفقر وغلاء المعيشة ثالوث البؤس الدائم
البطالة هي آفة تنخر المجتمع التونسي منذ عشرات السنين وتصل نسبتها بالأرقام الرسمية 16% وتصل إلى معدلات مرعبة في الواقع (أكثر من 30 %). ويمثل الشباب ضحيتها الأولى. والبطالة تعني انعدام مدخول قار وبالتالي العجز التام عن تلبية الحاجات الحياتية الدنيا. هذه الآفة امتدت إلى شرائح كانت سابقا غير معنية بها وهي شريحة الشباب أصحاب الشهادات العليا التي تصل إلى أكثر من 40 %.

البطالة والعمل الهش ومحدودية الدخل تجتمع في نسبة عالية من الشعب التونسي، الشرائح الفقيرة في المدن والارياف. وقد قدرت الأرقام الرسمية أن 17 % أي حوالي مليونين من التونسيين يعانون الفقر منهم 3 % يعانون الفقر المدقع. ورغم أن هذه الارقان لا تعكس الحقيقة بالمرة فإنها تعطي فكرة عن الأوضاع البائسة التي يعيشها سدس الشعب التونسي.

أما تدهور المقدرة الشرائية فهي ظاهرة جديرة بأن تفرد بدراسة خاصة وفي غياب أرقام رسمية نزيهة وموضوعية يصعب تقدير نسبة التدهور بشكل عام وبالنسبة لبعض الفئات الاجتماعية بالتدقيق. لكن الأكيد أن ما تراكم من عجز في المقدرة الشرائية لعموم المستهلكين على امتداد عشرات السنين بلغ الأن حدا لم يسبق أن سجل في تونس. ويزداد الامر خطورة في ضوء فقدان المواد الأساسية من السوق وارتفاع الأسعار وتفاقم نسبة التضخم وتدهور قيمة العملة وارتفاع معاليم الجباية وتردي نوعية الخدمات العمومية وخصخصة أهمّها (الصحّة والنّقل والتّربية والتّعليم الخ...) كلّ ذلك أدّى الى فجوة رهيبة في المقدرة الشّرائية لا يمكن ردْمُها فقط بشعارات رنّانة وبحملات دعاية حوْلَ زيادة في الأجُور لا تأتي أو بزيادة بنسب هزيلة لا تغطّي حتى النّزر القليل ممّا حصل.

حذارِ فَتَحْتَ الرّماد اللّهيب
إنّ استمرار هذه الأوضاع البائسة في أجواء انغلاق تامّ وغياب كلّ عوامل التّنفيس الاجتماعي (مفاوضات اجتماعية الخ...) لا يمكن أن تؤدّي إلاّ إلى انفجارات فجئية ومؤلمة.