اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثالث
جيلاني الهمامي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 02:47
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
اتّحاد الشّغل: أزمة تخفي أخرى
الجزء الأخير
أغلق العام 2025 حساباته بكلّ قسوة فاسحا المجال للعام الجديد كي ينطلق كل شيء من الصفر تقريبا عدا ركام الخراب الذي تكدّس بنسق سريع وجنوني خلال أيام شهر كانون الأول (ديسمبر) الذي على خلاف ما يوحي به اسمه كان شهر تدمير ما تبقّى من عناصر الحياة في منظمة كانت تحتفل فيه بذكرى اغتيال زعيمها المؤسّس وهي تستعدّ – نظريا – للاحتفال بذكرى ميلادها الذي قد يكون هذا العام تاريخ اغتيالها، ليس على يد "اليد الحمراء" وإنما على أيدي أبنائها الذين كم أطعمتهم من جوع وكم أعلت من شأنهم.
"اللّفّة" الأخيرة في مضمار الهرولة إلى انهيار البيت
لم يعد فشل الهيئة الإدارية في الاتفاق حول "موقف" موحد سواء بخصوص "الاضراب العام" أو المؤتمر الوطني مهما كان موعده، هذه السنة أم السنة القادمة، ما عاد لذلك من أهمية أمام الخطوات الجديدة التي انتقلت بالموضوع من "نقاش ما هو ممكن" إلى استحالة الاتفاق بعد الآن وبداية تشكل ملامح الاجسام النقابية الجديدة التي علينا العودة للحديث عنها بعد سنة من الآن بخطاب جديد وفي مناخات أخري مغايرة تماما.
بعد الهيئة الإدارية دوّت استقالة الأمين العام كطلقة نار في الهواء لم تخلّف جرحى ولكنها أيقظت الجميع ووضعتهم أمام الحقيقة المرة التي كان الجميع تقريبا يتهرب من تصديقها.
حبتان من العقد قد سقطتا فانفرط وبلا رجعة وبدأ العد النازلي لانهيار سقف البيت الذي بلغ اليوم من عمره 80 سنة كاملة.
الأمين العام وضع خط التحدي ضدّ خصومه عاليا وأعلن بكل إصرار أنه لن يتراجع عن استقالته إلاّ بموافقة جماعة التسعة على المؤتمر في شهر مارس القادم كما سبق وقرّرته الهيئة الإدارية منذ ماي الماضي. والواضح أنه لا أمل له في فرض شرطه هذا وعليه يمكن القول انتهى الطبوبي كأمين عام للاتحاد.
في المقابل من ذلك ولئن بدا بحوزة جماعة التسعة أكثر عناصر للمناورة فإنهم لم يكونوا بأفضل حال. فسرعان ما تلاشت سيناريوهات الصراع حول "تحصين المؤتمر" و"تشكيل لجنة الاستشارة القانونية" وعاد الجميع حول المحور الرئيس في "المعركة" إذا جاز التعبير عنها هكذا. تمحورت "المعركة" حول استقالة الأمين العام ومن سيمضي على الإضراب العام في ظل تناقضات الضغط الزمني: اقتراب موعد إصدار البلاغ القانوني بخصوص الإضراب، وما تتطلبه الإجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي لتفعيل الاستقالة أو للحسم فيها في هذا الاتجاه أو ذاك.
ما بين هذا وذاك ينبغي أن نعترف أنّ ما لم يجرؤوا على قوله بخصوص الإضراب العام قد افتضح من تلقاء نفسه.
لقد اتّخذ قرارا الإضراب العام (وللتذكير منذ سبتمبر 2024) لكي لا ينفّذ. لقد كان مجرد أداة لتبادل الضغط وتعديل موازين القوة في كل الاتجاهات.
أما اليوم فقد أفلت قرار "إلغاء القرار" من يد كل الأطراف وافتقد الجميع هذا السلاح الذي بسقوطه نال قيس سعيد أغلى وأثمن هدية بمناسبة حلول العام الجديد.
ماذا بقي إذن بيد هؤلاء وأولئك؟
مازال بيدهم "إدارة" شوط جديد من العبث والإجرام في حقّ منظمة حشاد التي وكما سبق قوله نأسف حقا أن يقترن عيد ميلادها الثمانين هذه السنة بهرولة نحو إمكانيّة كتابة شهادة وفاتها.
المعارك الجديدة: معارك البيانات ومعارك التفاصيل
تلك هي مقتضيات المرحلة، فبعد كل الذي حصل لم يبق لكلا الطرفين في البيروقراطية عدا البحث عمّا يمكن اعتماده للتبرير "ديمقراطيا" و"قانونيا" و"هيكليا" للحروب القادمة والتي سيكون مدارها أحكام النظام الداخلي المتصلة بالاستقالة والشغور وسبل تسديده. وفي هذا الغرض صدرت من هذا الجانب ومن ذاك بيانات كلّ ينسب لنفسه الشرعية والجدارة. ولكنها ليست غير مقدمة لمسار سيأخذ حيزا زمنيا أولا سينتهي بعد فوات أجل "الإضراب العام". بعد ذلك سيكون كلام آخر يتصل رأسا بأجل مارس 2026 أي الموعد النظري للمؤتمر الوطني الذي تقرر هو الآخر كي لا يقع تماما مثله مثل قرار "الإضراب العام".
لقد انطلق هذا الصراع بعد. ومع اقتراب أجل "حضور الأمين العام المستقيل لدى لجنة النظام" تكاثرت التأويلات حول ماذا لو "قاطع" الأمين العام لجنة النظام ولم يحضر سواء لإعلان تراجعه عن استقالته أو تمسكه بها. وبموازاة مع ذلك قفز إلى صدارة الاهتمامات موضوع "تسديد الشغور" فيما يُفهم منه أنّ أمر الاستقالة قد بات من الماضي. والحقيقة أنّ الشغور يتجاوز منصب الأمين العام ليشمل منصبين شاغرين إثر وفاة عضو المكتب التنفيذي السابق منعم عميرة واستقالة أنور بن قدور.
لقد باتت أمام الطامعين في الأمانة العامة سواء لخاصة نفسه بالنسبة إلى البعض أو لفائدة أحد المقرّبين أو إحدى المقربات فرصة جدية لتحقيق حلمهم ولكن ضمن كومة الخراب الذي خلفته مسارات العبث والفضائح والجرائم في حق الاتحاد.
من مفارقات هذا الزمن البائس أن يستمر ذات الصراع من أجل المواقع والمناصب حتى والاتحاد في أسوأ حالاته طريح فراش المرض يكاد يلفظ أنفاسه. ولا غرابة في الأمر فمن قضى حياته يتسلق المواقع والمسؤوليات لا يمكنه أن يتعفف عن الطمع في هذا المركز القيادي حتى ولو بشكل ظرفي وفي ظل أزمة خانقة.
الحلول الأخرى، هل تنجح؟
لا يبدو من السهل الخروج من هذه الأزمة، وليس هنالك طرف ما يتوفر على حلّ مقنع ووجيه سواء من داخل الاتحاد أو من خارجه. وحتى ما قدمته المعارضة النقابية إثر ندوتها الأخيرة (وهو مجرد نسخة من شعارات طرحت في السابق) لا يرتقي إلى حل قابل للتنفيذ ويمكن أن يحمل المنظمة خارج منطقة الزوابع. وبعيدا عن التقييمات الذاتية فإنّ مكونات "المعارضة النقابية" نفسها ليست على النقاوة التي تدّعيها. وكما يقال "تاريخ الناس عند الناس". لذلك سيتأكد مع مرور الزمن أنّ الحل من جهة "المعارضة النقابية" لن يحظى بقبول غالبية النقابيين وإن قُدّر له أن يكون فسيكون عامل انقسام جديد أكثر من عامل تجاوز وتقدّم.
من مفارقات الزمن أيضا أن يكون مرة أخرى الحل بيد الذين كانوا سببا في الأزمة ولو من مواقع مختلفة. ولا أقصد هنا المكتب التنفيذي المنقسم على نفسه والذي يتحمّل أولا وأخيرا مسؤولية الزجّ بالاتحاد في هذا المسار الكارثي. القصد هو أنّ الهيئة الإدارية الوطنية الإطار الأكثر أهلية من زاوية القانون ومنطق الأشياء الآن تحمل هي أيضا كفريق وكأفراد مسؤولية التصفيق للطبوبي ومن معه في القيادة طيلة سنوات وهي التي أضفت على انقلاب سوسة وصفاقس "المصداقية والشرعية".
نحن حيال منظومة بيروقراطية منظمة ومتوارثة تشتغل ضمن نواميس وقواعد عمل بصرف النظر عن الأمين العام سواء كان السحباني أو عبد السلام جراد أو حسين العباسي أو الطبوبي. وتمثل الهيئة الإدارية الوطنية إحدى أقوى أجهزة البيروقراطية. فهي الدعامة الأولى للمكتب التنفيذي وهي غرفة طبخ كل المؤامرات وأداة تمريرها وتحويلها إلى "قرارات ديمقراطية" بالطريقة التي يراها الأمين العام والمكتب التنفيذي.
البيروقراطية النقابية في تونس خط نقابي قديم رعته دولة الاستعمار الجديد واعتمدت عليه البرجوازية التونسية العميلة كواحدة من مرتكزاتها الطبقية. وقد طوّرت على مرّ عقود من الزمن جهازها التنظيمي ونظام عملها الذي لا يمكن اختزاله في المكتب التنفيذي المركزي. هي جهاز متعدّد الفروع والآليات تحتل فيه الهيئة الإدارية الوطنية مكانة "مرموقة".
ورغم كل ذلك ليس هنالك اليوم من يمكن أن يلعب دورا فعالا في الخروج من الأزمة. لا أحد غير أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية لهم القدرة – بعد أن تمّ تحييد دور القواعد تماما – على كسر شوكة "التسعة" و"الخمسة" وإجبارهم على احترام قراراتها في دوراتها الأخيرة في سنة 2025 المنصرمة.
فإمّا أن تتحمل مسؤوليتها في فرض احترام قراراتها بصفتها الهيئة القيادية الأبرز في غياب المجلس الوطني وإمّا أن تجد نفسها شاءت أم أبت في موقع التّواطؤ.