ونقترب رويدا رويدا من الفاجعة
جيلاني الهمامي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 02:49
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
نقترب رويدا رويدا من الفاجعة، هذا هو الإحساس الذي ينتاب أوساطا واسعة من النقابيين والعمال ومن عموم المهتمين بالشأن العام. إحساس يصحبه في ذات الوقت شعور بالعجز أمام سير الاتحاد بشكل حثيث نحو الانهيار التام. ولا يأتي هذا الإحساس من فراغ فكل ما يحصل في الاتحاد العام التونسي للشغل هذه الأيام وكل ما تروج من أخبار حول الصراع الجاري داخله يدفع بقوة إلى نوع من اليقين بأنّ عجلة الأزمة قد انتقلت إلى نسق أعلى وأنّ إمكانية العودة إلى الوراء باتت من باب المستحيلات.
ذهبت هياكل .. وجاءت هياكل
ليس سرا أنّ المكتب التنفيذي للاتحاد لم يجتمع منذ مدة بحضور كامل أعضائه أو قل بحضور شقيه. ومنذ أن استقال الأمين العام "انحلّ" المكتب التنفيذي ولم يعد له وجود فعلي في الواقع. وترتّب عن ذلك أن أصبح المكتب التنفيذي الوطني مكتبين اثنين واحد لمجموعة التسعة التي اجتمعت هذا الأسبوع دون أن توجّه الدعوة إلى البقية حسبما يروج في الساحة والآخر لمجموعة الأربعة الذين عقدوا هم أيضا اجتماعا بمن يواليهم من الكتاب العامين للاتحاد الجهوي والقطاعات. ويعتبر غياب المكتب التنفيذي عن الوجود كهيكل خطوة متقدمة في إحلال الفراغ تدريجيا في هياكل المنظمة. ومعلوم أنّ توسع حالة الفراغ واستدامتها، نهايتها ستكون بالضرورة انحلال المنظمة ككل.
لكن وفي الانتظار فإنّ غياب المكتب التنفيذي عن الوجود قد خلق مصاعب كانت لها تداعيات وستكون لها آثار أشدّ في المستقبل، من ذلك مثلا أنه لم يتسنّ حتى الآن الاتفاق على صيغة للتعامل مع موضوع "الإضراب العام". إنها الفضيحة الكبرى في تاريخ المنظمة.
يعيش الاتحاد من مدة حالة من الحصار والاستهداف بأشكال كثيرة ومتنوعة من قبل منظومة الحكم الشعبوية. وقد تعددت في السنة الماضية مثلا الإجراءات التي كان يفترض أن تكون سببا في مواجهة قوية بين الاتحاد والحكومة مثل إلغاء نظام التفرغات والرخص النقابية واستصدار مناشير حكومية بإبطال المفاوضات الاجتماعية وتنقيح مجلة الشغل والزيادة في الأجر الأدنى الصناعي والفلاحي من جانب واحد وبإقصاء الاتحاد وأخيرا غلق باب المفاوضات الاجتماعية للزيادة في الأجور هذا علاوة على تعطيل الحوار الاجتماعي وما جاء في قانونه الأساسي من مقوّمات في العلاقات الشغلية بشكل عام.
هذه الوضعية كانت تستدعي من الاتحاد أن ينهض لمهامه وواجباته وحقوقه وأن يتحرك من أجل إيقاف هذا المسار الخطير الذي لا يستهدف بعض المكتسبات العمالية والنقابية وإنما يستهدف وجود المنظمة والعمل النقابي ككل. غير أنّ القيادة النقابية التي كانت غارقة في تحصين مواقعها في قيادة المنظمة وترسيخ منافعها ومصالحها دخلت في طريق التردد إلى أن استقرت على قرار "دعه يفعل دعه يمرّ". الأمر الذي منح قيس سعيد وحكوماته الفرصة كي يتمادى في تنفيذ خطته إلى أن أعلن أتباعه في الصائفة الماضية الهجوم على دار الاتحاد والمطالبة بـ"حلّ الاتحاد".
اليوم يجد الاتحاد نفسه مجبرا على التخلي من تلقاء نفسه عن قرار كبير وخطير هو قرار الإضراب العام في ظل تجاهل تام من قبل السلطة. لقد برهن الاتحاد، بصرف النظر عن ملابسات التخلي عن الإضراب العام، أنه لم يعد يملك أبسط أدوات الدفاع عن نفسه وعن منظوريه وبات بالتالي غير جدير بذرّة تقدير وثقة من قبل العمال وعموم مناصريه في الساحة السياسية والاجتماعية.
وفي غياب المكتب التنفيذي كاد أن ينشب خلاف فرعي جديد حول من يرأس مؤتمر الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس لولا تهديد الجهة بردّ قويّ وموجّه بشكل مباشر إلى مجموعة التسعة الذين أرادوا تكليف واحد منهم (محسن اليوسفي) بالإشراف على المؤتمر فيما كانت الجهة قد اتفقت مع صلاح الدين السالمي (عضو المكتب التنفيذي من مجموعة الأربعة).
ومعلوم أنّ الانقسام الحاد الذي يعيشه المكتب التنفيذي حال دون أن يقع تكليف من يعوّض العضو الراحل منعم عميرة على رأس قسم المالية. وقد جرى جدل وصراع على درجة من الابتذال (الفصل بين المالية والشؤون الإدارية) يعكس حقيقة انشغالات أعضاء القيادة في ظروف تعيش فيها المنظمة على حافة الانهيار. ففي مثل هذه الظروف الصعبة لا يهتم أعضاء المكتب التنفيذي إلا بما يتعلق بالتحكم في الأمور المالية لتمويل المناورات وشراء الذمم والإنفاق على الأنصار والحملات الانتخابية الخ...
ما هذه إلاّ بعض الأدلة على انحلال هياكل الاتحاد القيادية. وإذا بات من المسلّم به تقريبا استحالة عقد مجلس وطني أو هيئة إدارية فقد انضاف إلى ذلك هذه الأيام استحالة اجتماع المكتب التنفيذي بشقّيه والتعاطي مع متطلبات إدارة شؤون المنظمة وأوضاع الأزمة في الحد الأدنى المطلوب. إنها قمة الاستهتار والعبث الذي يراد أن يقع تعويضه باجتماعات تلتئم على أساس الولاءات والارتباطات المبنيّة على المصالح.
وتبقى الأنظار مشدودة إلى ما يمكن أن يترتب عن الاجتماع الذي سيلتئم على هامش مؤتمر صفاقس هذا الأحد والذي قد يضم (على غرار اجتماعهم السابق) حوالي 40 عضوا من أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية (الرباعي وأكثر من 10 جهات وأكثر من 22 قطاعا حسب الأخبار الجاري تداولها في الساحة النقابية).
هل تنعقد الهيئة الإدارية؟
مع مرور الوقت ينخفض سقف انتظارات النقابيين فيما يتعلق باتخاذ قرارات حاسمة في نقاط الخلاف الأساسية التي ما انفكت تتسبب في تعطّل الحياة النقابية الداخلية. فبعد أن كان المطلوب انعقاد المجلس الوطني لحسم موضوع "المؤتمر الوطني" وتوفير المؤيدات القانونية لانعقاده في شهر مارس القادم أصبح المطلب الآن عقد الهيئة الإدارية التي أصبحت هي الأخرى بعد اجتماعها الأخير (4 ديسمبر الماضي) وبعد استقالة الأمين العام وانقسام المكتب التنفيذي بشكل واضح وغير قابل للترميم، من غير الوارد أن تلتئم وأن تحسم هذا الخلاف المتواصل بخصوص موعد المؤتمر الوطني القادم.
من سمات الوضع الداخلي المتعفن هو حدة الخلافات حول جميع القضايا والمسائل. وكما تُرك للأيام شأن الحسم في أمر "الإضراب العام" سيترك لها أيضا شأن الحسم في أمر "المؤتمر الوطني" في تاريخه الذي ضبطته الهيئة الإدارية الوطنية منذ شهر ماي من السنة الماضية.
والأقرب إلى الظنّ أن يتحصن كل من الشقين (التسعة والأربعة) بـ"هيئته الإدارية" الخاصة. وليس معلوما بعد ما إذا سيسمح ميزان القوى بين الطرفين بفرض توجه سيذعن له الطرف الآخر، وإن بدت موازين القوى الداخلية تتبدل تدريجيا، في ظل التعنت الذي يبقى هو "العقيدة النقابية" الطاغية لدى "زعامات هذا العصر".
وعلى هذا الأساس يبدو أنّ الأمور تسير باتجاه عدم انعقاد المؤتمر الوطني (بصرف النظر عن صفته كمؤتمر عادي أم استثنائي) في شهر مارس القادم. فالمسار العام الذي دخل فيه الاتحاد العام منذ ما قبل المجلس الوطني (سبتمبر 2024) هو مسار العجز عن إنجاز أيّ استحقاق نقابي من أجل إنقاذ المنظمة. كل التطورات الحاصلة والتي ستحصل تصبّ مزيدا من الماء في طاحونة الأزمة باتجاه تفتيت وتفكيك وتعطيل ما تبقّى من الهياكل وتهميش المنظمة وتقريبها أكثر فأكثر من ساعة الانهيار.
ومع ذلك يبقى الأمل معقودا على مساعي نقابيي الجهات والقطاعات وعلى الضغوط التي يمكن أن تمارسها القواعد النقابية من أجل شقّ طريق خارج إرادة الذين يقفون حجر عثرة في وجه المؤتمر. بإمكان كل هؤلاء أن يخلقوا مزاجا نقابيا جديدا ينتصر بفعالية وبقوة لعقد المؤتمر في مارس القادم ليس حبا في المؤتمر في حدّ ذاته وإنما بصفته الآلية التنظيمية والعملية لإنهاء حالة الفراغ التي هي بصدد التوسع وإبعاد العناصر البيروقراطية التي تسبّبت في الأزمة والتي تستمرّ في مزيد تأجيجها غير عابئين بما يتربص بالاتحاد من مخاطر.
إنّ الاتّحاد في حاجة ملحّة لإنقاذه من أزمته
هنالك فرصة قاعدية تتكاتف فيها مجهودات الهياكل والقواعد (رغم حالة الإحباط العام) كي تلوي العصا في يد البيروقراطية المخرّبة التي لم يسجّل لها التاريخ غير الزجّ بالاتحاد في أزمة تنبئ بإمكانية انهياره وتفكّكه التام. وتبدو الفرصة في المتناول إذا تمّ التعاطي مع استحقاقات المرحلة بإرادة التجاوز على قاعدة مهمات وأهداف أساسية:
- التشبث بمؤتمر مارس القادم ودعوة الهيئة الإدارية الوطنية إلى الانعقاد لتثبيت هذا القرار.
- اعتبار كل من يعارض هذا المسار إنما يريد تأبيد الأزمة ووجب تحميله مسؤولية ذلك واتخاذ الإجراءات الممكنة ضدّه عند الاقتضاء.
- تفعيل الهيئات الإدارية الجهوية والقطاعية وتنشيط ندوات الإطارات وتشريك القواعد في بلورة توصيات للمؤتمر الوطني القادم تتضمن رؤى نقابية جديدة تقطع مع سياسات التخريب البيروقراطي وتعيد تأسيس خط النضال النقابي المستقل والديمقراطي والمناضل.
إنّ مزيد الانتظار من شأنه أن يعمّق مشاعر الإحباط ويساعد المخرّبين على فرض إرادتهم وتعسير طريق الحل.
فهل تكون الذكرى الثمانون لتأسيس الاتحاد يوم 20 جانفي القادم مناسبة للانطلاق في طريق الإنقاذ. إنّ الاتحاد في حاجة ملحة لإنقاذه من أزمته.