اختراع اللغة العبرية


رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن - العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 16:14
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات     

إيتامار بن آفي (1882–1943) يُعدّ شخصية فريدة في التاريخ اللغوي الحديث، إذ يُنسب إليه أنه أول إنسان في العصر الحديث يتخذ العبرية لغةً أمًّا منذ طفولته، بعد قرون طويلة كانت فيها هذه اللغة محصورة في نطاق الشعائر الدينية والنصوص المقدسة. قبل ظهوره، لم تكن العبرية لغة تواصل يومي بين الناس، إذ كانت تُستخدم أساسًا في الصلاة والدراسة الدينية، بينما كان اليهود في مختلف أنحاء العالم يتحدثون لغات أخرى بحسب بيئاتهم، مثل اليديشية في شرق أوروبا، أو الروسية، أو البولندية، أو العربية في البلاد العربية.
والد إيتامار، إليعيزر بن يهودا (1858–1922)، هو الشخصية المحورية في هذا التحول اللغوي الكبير. نشأ بن يهودا في بيئة يهودية تقليدية، وكانت اليديشية لغته الأولى، وهي لهجة ذات جذور ألمانية امتزجت بعناصر عبرية وسلافية. منذ صغره درس العبرية التوراتية، لكنه لم يتعامل معها كلغة حية، لكن كلغة نصوص دينية. كما تعلّم لغات أوروبية أخرى مثل الفرنسية والألمانية، وهو ما أتاح له الاطلاع على الثقافات الحديثة وأفكار القوميات الأوروبية.
في شبابه، وأثناء إقامته في باريس، حدثت اللحظة الفارقة في حياته: التقى بيهودي آخر يعرف العبرية التوراتية، فتحدثا بها بدلًا من الفرنسية. كانت تلك التجربة غريبة لكنها ملهمة؛ إذ أدرك بن يهودا أن العبرية يمكن أن تُستخدم في الحياة اليومية، لا أن تبقى حبيسة الكتب والمعابد. من هنا تولدت لديه فكرة جذرية: لماذا لا يُعيد اليهود إحياء العبرية كلغة قومية موحدة، بدلًا من التشتت اللغوي الذي يعكس تشتتهم الجغرافي؟
ارتبطت هذه الفكرة بصعود الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، وقد عاصر بن يهودا مؤتمراتها الأولى وأيّد في مرحلة ما فكرة إقامة وطن قومي لليهود في أوغندا، قبل أن يستقر في فلسطين العثمانية، حيث بدأ مشروعه العملي لإحياء العبرية.
لكن التحدي كان هائلًا. فالعبرية التوراتية، كما وردت في النصوص الدينية، لم تكن تحتوي على مفردات تلائم الحياة الحديثة. لم تكن فيها كلمات تشير إلى مفاهيم مثل “مركز” أو “رسمي” أو “هجرة” أو “اقتصاد” أو غيرها من مصطلحات العصر. لذلك وجد بن يهودا نفسه أمام مهمة لغوية معقدة: كيف يمكن خلق لغة حديثة من لغة قديمة؟
اعتمد في ذلك على عدة مصادر، وكان من أبرزها اللغة العربية، نظرًا للقرابة العميقة بين اللغتين بوصفهما من اللغات السامية. هذه القرابة تظهر في الجذور الثلاثية، وأنماط التصريف، وكثير من المفردات المشتركة. لذا استلهم بن يهودا من العربية جذورًا وأوزانًا لتوليد كلمات جديدة في العبرية، مستفيدًا من ثراء العربية ومرونتها الاشتقاقية.
كما أن العلاقة بين العربية والعبرية لم تكن جديدة؛ فخلال العصور الإسلامية، خاصة في الأندلس، تأثرت العبرية تأثرًا كبيرًا بالعربية، سواء في المفردات أو في الأساليب الأدبية والعلمية. ويمكن العثور على العديد من الكلمات ذات الأصل العربي في القواميس العبرية، سواء كانت مشتركة سامية قديمة، أو كلمات انتقلت إلى العبرية عبر التفاعل الثقافي، مثل مصطلحات علمية وفلسفية كـ “تاريخ” و”هندسة” و”أفق”.
ورغم ذلك، لم يكتفِ بن يهودا بالتراث اللغوي القديم، حيث واصل توليد مفردات جديدة لتغطية حاجات الحياة اليومية. ومع مرور الزمن، خاصة في فلسطين، دخلت إلى العبرية الحديثة أيضًا كلمات من اللهجة العربية الفلسطينية، نتيجة الاحتكاك المباشر بين السكان، مثل: “يلّا”، “والله”، “يعني”، “دير بالك”، وغيرها من التعبيرات الدارجة، إضافة إلى أسماء أطعمة مثل “فلافل” و”حمص” و”شكشوكة”.
أما التجربة الأكثر راديكالية في مشروعه، فكانت تطبيق فكرته داخل أسرته. فقد قرر أن يكون ابنه إيتامار أول طفل ينشأ على العبرية كلغة أم. فرض عليه عزلة لغوية صارمة، فلم يسمح له بسماع أي لغة أخرى، حتى أنه منع والدته من الغناء له بلغات غير العبرية. نشأ الطفل في بيئة لغوية مصطنعة لكنها متماسكة، وأصبح بالفعل أول متحدث أصلي بالعبرية الحديثة.
واجه بن يهودا معارضة شديدة من بعض الأوساط الدينية، التي رأت في مشروعه “تدنيسًا” للغة مقدسة لا يجوز استخدامها في الأمور اليومية أو تحديثها بمفردات جديدة. ومع ذلك، واصل عمله بإصرار، وبدأ في تأليف معجم شامل للعبرية الحديثة، واضعًا أسسها كلغة قابلة للحياة.
توفي بن يهودا عام 1922، لكنه كان قد زرع بذور مشروعه في المجتمع اليهودي في فلسطين، حيث بدأت العبرية تنتشر تدريجيًا كلغة تعليم وإدارة وحياة يومية. وبعد عقود، أصبحت العبرية اللغة الرسمية لدولة إسرائيل، ويتحدث بها الملايين.
وقد لخّص الكاتب دانيال بن سعدون هذه الظاهرة بقوله في صحيفة “جيروزالم بوست”: لا يوجد في التاريخ مثال آخر للغة دينية مقدسة تعود لتصبح لغة قومية حية يتحدث بها شعب بأكمله. هذه التجربة تبقى واحدة من أكثر المشاريع اللغوية جرأة ونجاحًا في التاريخ الحديث، حيث تحولت لغة “ميتة” إلى لغة نابضة بالحياة في غضون جيلين فقط " .