اسمي رياض
رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 16:53
المحور:
سيرة ذاتية
بمناسبة الحديث الدائر حول مسلسل اسمي حسن – والذي لم أتابعه كاملًا، حيث اكتفيت ببعض المقاطع المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي – عادت إلى ذاكرتي مشاهد من حياتي الشخصية، تعود إلى سنوات المواجهة مع النظام البعثي في العراق، بكل ما حملته من خوفٍ وارتباكٍ وأحلامٍ مكسورة.
● ربيع الخوف – 1991 :
في عام 1991، كنت في الثامنة عشرة من عمري، شابًا مشحونًا بالحماس، لا يملك من الدنيا سوى اندفاعه وبعض الشعارات التي كانت تملأ رأسه. انطلقتُ مع مجموعة من شباب محلة الجمهورية، سرنا عبر طريق إعدادية الصناعة، ثم عبر البساتين التي كانت تمتد هناك آنذاك، وصولًا إلى منطقة كازينو لبنان. لم يكن معنا سلاح، ولا خطة واضحة، لكن مجرد غضبٍ عام ورغبةٍ في التغيير.
كان برفقتي صديقي عبد الرحمن، الذي سيصبح بعد سنوات شيخًا معمّمًا، وتلك حكاية أخرى لها سياقها وتحولاتها. حين وصلنا إلى الشارع المقابل للكازينو، وجدنا مجموعة من الشباب تحاصر المكان. وتناقلنا أنباءً سريعة مفادها أن صبيح محكمة ومعه جماعته يحاصرون علي حسن المجيد. لم تمضِ لحظات حتى انطلق الرصاص باتجاهنا. كان الصوت مباغتًا، كثيفًا، لا يشبه شيئًا مما تخيّلناه في أحاديثنا الحماسية.
سقط عدد من الشباب بين جريحٍ وشهيد، وتحول المشهد إلى فوضى من الصراخ والركض والغبار. انسحبنا ونحن نرتجف، وقد اصفرّت وجوهنا من الخوف. لم يكن في الأمر بطولة، إنما صدمة مباشرة بحقيقة العنف. بعد فترة علمت أن صديقي محمد قد استُشهد. حينها فقط أدركت أن الشعارات شيء، والموت شيء آخر تمامًا.
● فرزٌ على أساس الجغرافيا :
بعد تخرّجي من السادس الإعدادي، التحقت بكلية الشرطة في بغداد. جُمِعنا في جملون كبير، قرابة مائتي شاب، كل واحد منا يحمل طموحه الخاص، أو ربما يبحث عن فرصة للنجاة في بلدٍ يضيق بأبنائه. دخل علينا ضابط برتبة مقدم، ممتلئ الجسد، بصوت جهوري يحمل نبرة تهديد أكثر مما يحمل نبرة تعليم.
أمرنا أن نقف صفّين: من كان من محافظات الجنوب يقف إلى اليسار، ومن كان من صلاح الدين والأنبار وديالى ونينوى يقف إلى اليمين. لم نفهم المغزى في البداية، لكننا امتثلنا. ثم توجه إلينا – نحن الذين وقفنا إلى اليسار – وصرخ بحدة: "أنتم خونة، ولا علاج لكم إلا القتل. اخرجوا الآن!"
خرجنا مرة أخرى بوجوه صفراء من رعبٍ صامت. في تلك اللحظة شعرت بأن الهوية الجغرافية يمكن أن تتحول إلى تهمة، وأن الإنسان قد يُدان لا بما فعل، بل من أين جاء.
● الطحين أم الزعيم؟:
أما المواجهة الثالثة فكانت في الجامعة. حين قرر الحزب الحاكم إخراج الطلبة في مظاهرات احتجاجًا على قرار “النفط مقابل الغذاء”، كان الشعار المرفوع: "لا نريد تمن وطحين نريد صدام حسين". كنت جالسًا في حديقة كلية الآداب مع زميلة لي، نحاول أن نعيش لحظة عادية في زمنٍ غير عادي.
جاء مسؤول الطلبة وسألني بحدة: لماذا لم تخرج في المظاهرة؟ أجبته ببساطة: "أنا أريد طحينًا". كانت إجابة عفوية، لكنها في ذلك الزمن تُعدّ تحديًا. غضب بشدة، وأمسكني من ملابسي، وجرّني إلى غرفة الاتحاد. لولا تدخل ضابط أمن الجامعة، لربما اختفيت "وراء الشمس"، كما كان يُقال آنذاك عن مصير من يتجاوز الخطوط الحمراء.
●صمتٌ تحت فوهة السلطة:
كنتُ أخدم في الفوج الأول، اللواء 47، الفرقة الثالثة، وكان تمركزنا آنذاك في أهوار الجبايش، تلك الأرض التي كانت يومًا نابضة بالحياة قبل أن تُجفَّف بسياسات النظام البعثي، فتتحول إلى مساحة قاسية تختلط فيها العزلة بالقهر.
في تلك الأجواء جاءنا ضابط برتبة ملازم، من أهالي الأنبار. لم تكن المشكلة في منطقته أو خلفيته، لكن في النزعة الطائفية الحادة التي كان يحملها، حتى بدت كأنها عدسة ينظر بها إلى كل شيء. كان يُظهر كراهية صريحة لكل ما هو شيعي، لا يتورع عن إطلاق العبارات الجارحة أو السخرية المستفزة. فإذا كان اسم أحد الجنود “علي”، تعمّد أن يناديه “عليوي” بنبرة تهكم، وكأن في الاسم ما يستحق الانتقاص.
بلغ التوتر ذروته في يوم عاشوراء، حين تفوّه بكلام قاسٍ ومسيء، تجاوز حدود المزاح أو الاستفزاز العابر. في تلك اللحظة اشتعل داخلي غضب مكتوم، وشعرت بإهانة شخصية وجماعية في آنٍ واحد. غير أنني كنت جنديًا عاديًا، وهو ضابط ينتمي إلى بنية عسكرية متحالفة مع السلطة، في زمنٍ كان الاعتراض فيه قد يُفسَّر تمرّدًا، والرد قد يُكلّف صاحبه حياته.
ترددتُ بين الرغبة في الدفاع عن كرامتي وبين إدراكي العميق لعواقب أي كلمة قد تُحسب عليّ. كان ميزان القوة مختلًا تمامًا، والواقع يقول إن كلمة واحدة قد تضعني أمام تهمة جاهزة وعقوبة لا رجعة فيها. فاخترت الصمت ، صمت اضطرار. صمت من يعرف أن النجاة أحيانًا تكون في كظم الغيظ.
لكن ذلك الصمت لم يكن بلا ثمن. بقي الغضب حبيسًا في الداخل، يتحول إلى توتر دائم. ومنذ ذلك اليوم بدأت معاناتي مع ارتفاع ضغط الدم، وكأن الجسد قرر أن يعبّر عمّا عجز اللسان عن قوله. أدركت لاحقًا أن القهر حين لا يجد منفذًا مشروعًا، يبحث عن طريقه في الجسد.
هذه الحادثة تجربة مكثفة تختصر طبيعة تلك المرحلة: اختلال السلطة، تغلغل الطائفية، وانسداد الأفق أمام كلمة الحق. كان الصمت وسيلة للبقاء، لكنه ترك أثرًا لا يُمحى، يذكّرني دومًا بأن كلفة القهر لا تُقاس فقط بما يُفعل بالإنسان، لكن أيضًا بما يُجبر على كتمانه.
-------------------------------
لا أدّعي البطولة، ولا أزعم أنني كنت قائدًا أو مناضلًا استثنائيًا. ما حدث أنني كنت متأثرًا ببعض الأفكار اليسارية الثورية التي كانت تمنحنا شعورًا أخلاقيًا بالتفوق، وربما شيئًا من الوهم بأننا نقف في صف التاريخ الصحيح. لكن التجربة علّمتني أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن الثمن غالبًا ما يدفعه البسطاء.
إلى كل من يحنّ إلى ذلك الزمن ويصفه بالجميل، أقول: ربما لم تكتوِ بناره كما اكتوى غيرك. لم تعش سنوات الجوع التي تلت، ولم ترَ كيف تحوّل الحصار إلى أسلوب حياة، وكيف أنهك الناس، وبدّل طباعهم، وجرّدهم من أبسط مقومات العيش الكريم. لقد جاع العراقيون عشر سنوات لأن نظامًا أصرّ على أن يربط مصير شعبٍ كامل بمصيره هو.
تلك شذرات من ذاكرة جيلٍ تربّى على الخوف، وتعلّم مبكرًا أن الكلمة قد تكلّف صاحبها الكثير، وأن النجاة أحيانًا تكون مجرد صدفة.