رأي في الشعر الشعبي


رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن - العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 04:53
المحور: الادب والفن     

شاهدتُ لقاءً مع الشاعر الكبير طالب عبد العزيز ، ولفت انتباهي فيه موقفه من الشعر الشعبي. وبالرغم من إعجابي الكبير بتجربته الشعرية، وما أكنّه له من احترام بوصفه أحد الأصوات المهمة في الشعر العراقي المعاصر، فإنني وجدت نفسي غير متفق مع هذا الموقف. فالاختلاف مع شاعر كبير لا ينتقص من قيمته الإبداعية، لكنه يفتح بابًا للحوار حول قضية ثقافية وجمالية ظلت محل جدل طويل بين أنصار الشعر الفصيح والمدافعين عن الشعر الشعبي.

أعتقد أن الشعر الشعبي هو في جوهره صوت الجماعات الإنسانية التي تبحث عمن ينطق بآلامها وأحلامها وهمومها اليومية. إنه شعر الناس البسطاء الذين لا يجدون أنفسهم دائمًا في النصوص النخبوية أو في التجارب الشعرية المغلقة على دوائر محدودة من القراء. ومن هنا جاءت قوة الشعر الشعبي وقدرته على البقاء والانتشار، لأنه نشأ من قلب الحياة اليومية، ومن تفاصيل الإنسان العادي، ومن معاناته وفرحه وحزنه وانتظاره الطويل للخلاص.

ولو تأملنا تجارب شعراء كبار مثل الكرخي، أو مظفر النواب، أو عريان السيد خلف، أو كاظم إسماعيل الكاطع، لوجدنا أننا أمام تجارب شعرية بالغة الثراء، استطاعت أن تخلق صورًا واستعارات ومشاهد شعرية مدهشة، لا تقل جمالًا وعمقًا عن كثير من نصوص الشعر الفصيح، وإن بعضها يمتلك قدرة استثنائية على ملامسة الوجدان الجمعي والتعبير عن المشاعر الإنسانية بلغة قريبة من الناس ومفهومة لديهم.
وأرى أن معيار القيمة الأدبية لا ينبغي أن يكون اللغة التي كُتب بها النص، فصيحة كانت أم عامية، وإنما مقدار ما يحققه النص من تأثير جمالي وفكري وإنساني. فالأدب الحقيقي هو الأدب الذي ينجح في إقامة علاقة حية مع الإنسان، والذي يستطيع أن يجد مكانه في الذاكرة الشعبية والوجدان العام. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الشعبية الواسعة التي حظي بها الشعر الشعبي في العراق وفي غيره من البلدان العربية، إذ لم يكن مجرد وسيلة للتسلية أو التعبير العابر، إذ أصبح سجلًا للمشاعر الجمعية وللتحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها الشعوب.

وفي المقابل، فإن الشعر الفصيح، ولا سيما في تجلياته الحداثية وما بعد الحداثية، اتجه في كثير من الأحيان إلى مخاطبة النخبة الثقافية أكثر من مخاطبة الجمهور العام. وقد أدى ذلك إلى ظهور نصوص شديدة التعقيد، تعتمد على الإحالات الثقافية الكثيفة والرموز المغلقة والبنى اللغوية المركبة، حتى غدا فهمها يحتاج أحيانًا إلى قارئ متخصص أو إلى خلفية معرفية واسعة. ولهذا السبب لم يعد الشعر الحديث شعرًا منبريًا بالمعنى التقليدي، حيث أصبح شعرًا يُقرأ أكثر مما يُسمع، ويُحلَّل أكثر مما يُتذوَّق بصورة مباشرة.

أما الشعر الشعبي، فعلى الرغم من احتوائه هو الآخر على مستويات من الرمز والانزياح والغموض، فإنه غالبًا ما يحافظ على خيط من التواصل مع المتلقي. فالغموض فيه لا يتحول إلى حاجز يفصل النص عن جمهوره، إذ يصبح جزءًا من متعة القراءة والاكتشاف. ولعل تجربة مظفر النواب تقدم مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ تجمع قصائده بين العمق الفني والبعد الرمزي من جهة، وبين القدرة على الوصول إلى وجدان المتلقي الشعبي من جهة أخرى. ولهذا استطاعت أن تعيش في الذاكرة الجمعية لعقود طويلة.

وليس جديدًا عليّ أن أسمع مثل هذه المواقف المتحفظة تجاه الشعر الشعبي. فقد سبق أن استمعت إلى رأي مشابه من الشاعر قاسم محمد علي ، الذي عبّر في أحد لقاءاتي معه عن عدم إعجابه بهذا اللون من الشعر. ولو أن موقفه جاء بوصفه ذائقة شخصية أو تفضيلًا فنيًا خاصًا لتقبلته بكل رحابة، لأن الذائقة مسألة فردية لا تخضع لمعايير ثابتة، ولكل قارئ أو شاعر الحق في أن ينجذب إلى شكل أدبي دون آخر. لكن المشكلة تكمن حين يتحول الحكم الذوقي إلى حكم عام يشمل تجربة كاملة ومتنوعة وغنية مثل الشعر الشعبي، وكأنها كتلة واحدة يمكن رفضها أو قبولها دفعة واحدة.

إن الشعر الشعبي، كغيره من أشكال الإبداع، يضم نصوصًا عظيمة وأخرى متواضعة، تمامًا كما هو الحال في الشعر الفصيح. لذلك فإن تقييمه ينبغي أن يتم من خلال نماذجه وتجارب رواده ومنجزه الفني، لا من خلال أحكام مسبقة تتعلق باللغة أو الشكل. فالتاريخ الأدبي يخلد النصوص بسبب قدرتها على التعبير عن الإنسان وإضافة شيء جديد إلى تجربته الجمالية والوجدانية.

ولهذا أرى أن الشعر الشعبي ليس منافسًا للشعر الفصيح ولا بديلًا عنه، هو أحد تجليات الإبداع العربي، وصوت ثقافي واجتماعي وجمالي لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. إنه جزء من ذاكرة الناس، ومن تاريخهم الشفاهي، ومن قدرتهم على تحويل الألم والأمل والحياة اليومية إلى فن قادر على البقاء.