من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات


رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن - العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 13:43
المحور: قضايا ثقافية     

تراجع فكرة “الإنسان المركز” نتيجة تراكم طويل من التحولات المعرفية والنقدية التي بدأت ملامحها تتشكل منذ القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد قامت فلسفات الحداثة، منذ رينيه ديكارت وامتدادًا إلى إيمانويل كانط، على افتراض أن الإنسان هو أصل المعنى ومنبع المعرفة، وأن الذات العاقلة قادرة—من حيث المبدأ—على فهم العالم وتأسيس قيمه. غير أن هذا التصور بدأ يتآكل تدريجيًا تحت ضغط تحليلات كشفت أن الإنسان ليس ذلك الكائن الشفاف لنفسه، ولا السيد المطلق لأفعاله.

ويمكن النظر إلى الماركسية والتحليل النفسي كلحظتين مفصليتين في زعزعة هذا التصور، إذ عملا—كل من زاويته—على تقويض مركزية الإنسان، عبر إظهار أن ما يبدو “ذاتيًا” أو “حُرًا” ليس في الحقيقة سوى نتاج لبنى أعمق، سواء كانت اجتماعية-تاريخية أو نفسية-لاشعورية.

فحين صاغ كارل ماركس مشروعه النقدي كان يعيد تعريف الإنسان داخل شبكة من العلاقات المادية. فقد رفض التصور المثالي الذي يجعل الوعي أصلًا للواقع، وذهب إلى أن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي، لا العكس. هذه الفكرة، التي عبّر عنها بوضوح في “مقدمة نقد الاقتصاد السياسي” (1859)، تمثل نقطة تحول حاسمة في فهم الذات الإنسانية.

الإنسان، وفق هذا منغمس في علاقات إنتاج تحدد موقعه الطبقي، وتشكل إدراكه لذاته ولغيره. إن ما نعدّه أفكارًا أو قناعات شخصية ليس إلا تعبيرًا—واعٍ أو غير واعٍ—عن موقعنا داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية. وهنا يتحول الإنسان من فاعل حر إلى “حامل” لعلاقات موضوعية تعمل من خلاله.
غير أن هذا التصور لم يكن ثابتًا في كل مراحل فكر ماركس. فقد نبّه لويس ألتوسير، في قراءته البنيوية لماركس، إلى وجود ما سماه “قطيعة إبستمولوجية” تفصل بين مرحلتين: مرحلة مبكرة ذات نزعة إنسانية، وأخرى ناضجة ذات طابع علمي-بنيوي. ففي “المخطوطات الاقتصادية والفلسفية” (1844)، يظهر ماركس منشغلًا بمفهوم الاغتراب، حيث يُفهم الإنسان بوصفه كائنًا يفقد جوهره في ظل علاقات إنتاج مشوهة. أما في “رأس المال” (1867)، فإن التحليل ينتقل من الإنسان إلى البنية، ومن الجوهر إلى العلاقات، ومن الذات إلى النظام.
ويرفض ألتوسير فكرة “الإنسان” بإعتباره مفهومًا نظريًا مركزيًا، ويعتبر أن التمسك به يعيد إنتاج وهم فلسفي قديم. فالأفراد هم مواقع داخل أجهزة أيديولوجية (كالمدرسة، والدين، والإعلام) تقوم “باستدعائهم” وتشكيلهم كذوات. بهذا المعنى، فالإنسان البنية يُنتَج داخل البنية.

إذا كانت الماركسية قد كشفت أن الإنسان ليس سيدًا في عالمه الاجتماعي، فإن التحليل النفسي أظهر أنه ليس سيدًا حتى في ذاته. فقد أحدث سيغموند فرويد قطيعة حاسمة مع التصور العقلاني للإنسان، حين بيّن أن الوعي ليس إلا جزءًا محدودًا من جهاز نفسي أوسع، تحكمه قوى لاشعورية.
إن مفهوم “اللاشعور”، الذي بلوره فرويد منذ أواخر القرن التاسع عشر كان إعادة صياغة جذرية لفهم الذات. فالأفكار والرغبات التي نظن أننا نتحكم بها، قد تكون في الحقيقة نتيجة عمليات نفسية خفية، تتجاوز إدراكنا الواعي. الأحلام، والهفوات، والأعراض العصابية، كلها—في التحليل الفرويدي—تعبيرات مشفّرة عن رغبات مكبوتة.
وقد قدّم فرويد لاحقًا، في أعماله مثل “الأنا والهو” (1923)، نموذجًا بنيويًا للنفس، يتكوّن من ثلاث قوى: الهو، والأنا، والأنا الأعلى. هذا النموذج يصف صراعًا دائمًا بين مطالب الغريزة، وضغوط الواقع، ومعايير المجتمع. وهنا يتفكك تصور الذات كوحدة متماسكة، ليحل محله تصور ديناميكي، يرى الإنسان كساحة توتر مستمر.
فالحرية لم تعد تعني السيطرة الكاملة على الأفعال، ولا الوعي يعني الشفافية. فالإنسان، حتى في أكثر لحظاته “عقلانية”، يظل محكومًا بدوافع لا يدركها بالكامل. إنه، بتعبير فرويدي، “ليس سيدًا في بيته”.

ما يميز هذين المسارين هو أنهما، رغم اختلاف منطلقاتهما، يلتقيان في نتيجة واحدة: نزع الامتياز عن الإنسان بوصفه مركزًا للمعنى. فالماركسية تُخضعه لحتميات التاريخ والاقتصاد، والتحليل النفسي يُخضعه لديناميات اللاشعور. في الحالتين، يتراجع الإنسان من موقع السيادة إلى موقع “العقدة” داخل شبكة من القوى.
هذا التلاقي فتح المجال أمام تحولات أعمق في الفكر المعاصر، خاصة مع بروز تيارات البنيوية وما بعدها. وقد عبّر ميشيل فوكو عن هذا التحول حين أعلن أن “الإنسان اختراع حديث”، ظهر مع أنظمة معرفية معينة، وقد يختفي بزوالها. هذه الفكرة، التي طرحها في “الكلمات والأشياء” (1966) تعني نهاية صورة الإنسان بإعتباره مركزًا للمعرفة.
في تحليلات فوكو، لا تُفهم الذات إلا ضمن شبكات السلطة والمعرفة التي تنتجها. فالخطابات العلمية، والمؤسسات الاجتماعية، والممارسات اليومية، كلها تسهم في تشكيل ما نعتبره “ذاتًا”. فالإنسان أثر من آثار الخطاب.
إن ما تكشفه هذه المسارات الفكرية هو تفكيك لبنية مفهوم الإنسان ذاته. لم يعد الإنسان جوهرًا ثابتًا، ولا ذاتًا مكتفية، ولا مرجعًا نهائيًا للمعنى. لكنه أصبح كائنًا متشظيًا، يتحدد عبر تداخل معقد بين الاقتصاد، والتاريخ، واللغة، والرغبة، والسلطة.

تحولت الماركسية والتحليل النفسي إلى لحظتين تأسيسيتين في مسار طويل من نقد الحداثة. ومن خلالهما، انفتح الأفق أمام تفكير جديد لا ينطلق من الإنسان بوصفه مركزًا، لكنه يتعامل معه بوصفه نتيجة—أو أثرًا—لبنى تتجاوزه، وتعمل فيه بقدر ما تعمل من خلاله.