متابعة وتعليق على سيرتي الذاتية


كاظم فنجان الحمامي
الحوار المتمدن - العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 13:13
المحور: سيرة ذاتية     

تعقيبا على مقالتي المنشورة هنا بعنوان: (محطات مؤلمة في قطار عمري) بالعدد 8591 بتاريخ 18 / 1 / 2026. كتب الاستاذ رياض عبدالواحد السعد هذا التعقيب الجميل. الذي قال فيه:
ليس هذا نصّ شكوى، بل شهادة عمرٍ كُتبت بمداد الصبر. وهو - بعد هذا - ليس سردَ وقائىىعٍ فحسب، بل تأريخٌ داخليّ لإنسانٍ عبرَ سبعين عامًا من التحوّلات القاسية، وظلّ على الرغم من ذلك محتفظا بوعيه، وبقدرته على تسمية الأشياء بأسمائها من دون أن يفقد اتزانه الأخلاقي.
في هذا المقال لا يتكلم رجلٌ أنهكته السنون، بل يتكلم ضميرٌ جُرِّب في مختبر الألم.
من سجون الثمانينيات، إلى تصنيفاتٍ سلطويةٍ تُحوّل البشر إلى ملفات، إلى خيانةٍ ترتدي عباءة التديّن، إلى مطاردةٍ سياسيةٍ في خريف العمر… كلها محطاتٌ لا تصنع إنسانًا مكسورًا، بل تصنع شاهدًا على هشاشة القيم حين تُختطف، وعلى قدرة الروح حين تصمد.
إن أقسى ما في التجربة ليس الفقر، ولا السجن، ولا المداهمة الليلية، بل ذلك التحوّل الرمزي من (ذوي المجرمين) إلى (المجرمين)، ومن (رجلٍ في منتصف العمر) إلى (حجي) يُعامَل بوصفه مرحلةً منتهية. هنا يكمن الألم الحقيقي: في اختزال الإنسان إلى توصيفٍ إداريّ، أو لقبٍ اجتماعيّ، أو تهمةٍ جاهزة.
ومع ذلك، لم يسقط الكاتب في هاوية المرارة المطلقة. بقي يحتفظ بمسافةٍ نقديةٍ رفيعة بينه وبين العالم. حين قال:
(الإنسان يأكلك ويدعي أنه أكلك في سبيل الله)
لم يكن يجلد البشر، بل كان يفضح آلية التبرير التي تجعل الشرّ فضيلةً مزعومة. هذه جملة لا تصدر عن روحٍ حاقدة، بل عن عقلٍ خبر التزييف ورآه من الداخل.
أما لحظة المطار، بعكازٍ وقبعة، فهي مشهدٌ رمزيّ بالغ الكثافة: شيخٌ يعود ليلاً، يحمل عمره على كتفيه، يُنادى بـ(حجي) لا توقيرًا بل طلبًا لإكرامية. هنا يتجلى اختصار السبعين عامًا في صورةٍ واحدة: وقارُ الشيخوخة يقابله استسهالُ العالم.
وقوله: (أنا لست مجنونًا… أنا فقط متعب من عقلٍ لم يجد في هذا العالم مكانًا للراحة)
هي ذروة النص. إنها ليست دفاعًا عن النفس، بل إدانةٌ لعالمٍ يخلط بين الحساسية الأخلاقية والجنون، وبين الاستقامة والسذاجة.
هذا الإنسان لا يحتاج تعاطفًا عابرًا، بل يحتاج اعترافًا بمكانته كشاهدٍ على زمنٍ مضطرب. هو لم يطلب بطولة، ولم يعلن نفسه ضحية، بل كتب ليحفظ كرامته من النسيان. وهذه أرفع درجات القوة: أن تكتب الألم من دون أن تستجدي الشفقة.
إن نصيحته الأخيرة بالعزلة ليست هروبًا، بل اختيارُ نقاء. ليست قطيعةً مع البشر، بل تحررٌ من أقنعتهم.
تحيةٌ لرجلٍ لم تكسره المحطات المؤلمة، بل صقلته.
تحيةٌ لعقلٍ ظلّ يقظًا وسط العواصف.
وتحيةٌ لروحٍ تجاوزت السبعين، وما تزال تملك شجاعة الاعتراف… من دون أن تتنازل عن كرامتها.