رأس المال: الفصل الثالث عشر (61) 8) دور الصناعة الكبرى في تثوير المانيفاکتورة والحرفة اليدوية والعمل المنزلي


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6631 - 2020 / 7 / 30 - 10:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



الآلات والصناعة الكبرى




8) دور الصناعة الكبرى في تثوير المانيفاکتورة والحرفة اليدوية والعمل المنزلي
ج) المانيفاکتورة الحديثة
أقدم الآن بضعة أمثلة توضح الملاحظات الواردة أعلاه. الواقع أن القارئ قد اطلع على أمثلة وفيرة مما أوردناه في الفصل المتعلق بيوم العمل. فمانيفاکتورات معالجة المعادن في برمنغهام وضواحيها تستخدم في الأعمال المرهقة بغالبيتها نحو 30,000 طفل وحدث إلى جانب 10,000 امرأة. ونجد هؤلاء يعملون هنا في المواضع الضارة بالصحة کمسابك النحاس ومعامل الأزرار وفي أشغال الطلاء بالمينا أو الزنك والصقل (1). وبسبب العمل المفرط للكبار والصغار استحقت مختلف مطابع الصحف والكتب في لندن تسمية المسالخ عن جدارة (2). ونجد في مؤسسات التجليد مثل هذا العمل المفرط أيضا الذي تقع النساء والفتيات والأطفال ضحية له. وإن عمل الصغار في مشاغل الحبال، والعمل الليلي في ورش الملح ومانيفاکتورات الشموع والمانيفاکتورات الكيميائية الأخرى مرهق تماما، وكذلك استخدام الأحداث من أجل تدوير أنوال النسيج في مشاغل الحرير التي لا تستخدم قوة ميكانيكية محركة مرهق هو الآخر (3). ويعتبر فرز الأسمال وتصنيفها من أشد الأعمال قرفاً وقذارة وأسوأها أجوراً، حيث تعطى الأولوية لاستخدام الفتيات والنساء. وتعتبر بريطانيا العظمى، كما هو معروف، مرکزاً عالمياً لتجارة الأسمال، ناهيك عن الحجم الضخم لأسمالها بالذات. وتتدفق عليها الأسمال من اليابان وأنأی بلدان أميركا الجنوبية ومن جزر الكناري. لكن المصادر الرئيسية للأسمال التي تجلب إلى بريطانيا العظمى هي ألمانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا ومصر وتركيا وبلجيكا وهولندا. وتستخدم الأسمال لصنع الأسمدة ولإنتاج الحشوات (لفرش النوم والوسائد) والصوف الاصطناعي (shoddy)، وكمادة خام لإنتاج الورق. وإن الإناث العاملات في فرز الأسمال يصبحن وسائط لنشر الجدري وغيره من الأمراض المعدية التي يقعن أولى ضحاياها (4). وفضلا عن مناجم الفحم والمعادن، تصلح معامل القرميد والآجر، التي لا تستخدم فيها بصورة عرضية حتى الآن في إنكلترا (عام 1866) الآلات المخترعة حديثة، لأن تكون مثالا كلاسيكياً على العمل المفرط والكد المضني وغير الملائم. وما يرتبط بذلك من توحش العمال المستهلكين منذ نعومة أظفارهم. يستمر العمل هاهنا من أيار/ مايو وحتى أيلول/سبتمبر من الخامسة صباحا وحتى الثامنة مساء، أما إذا كان تجفيف الآجر يجري في الهواء الطلق فإن العمل يتواصل في الغالب من الرابعة صباحا وحتى التاسعة مساء. ويعتبر يوم العمل من الخامسة صباحا وحتى السابعة مساء “مقلّصاً” و “معتدلاً”. ويقبل الأطفال من كلا الجنسين على العمل ابتداء من سن السادسة بل حتى من سن الرابعة. ويعمل الصغار عددا مماثلا من الساعات کالكبار، وغالبا أكثر من الكبار. والعمل مضن، أما قيظ الصيف فيمعن في الإنهاك. وعلى سبيل المثال كانت فتاة في الرابعة والعشرين تصنع في معمل للآجر في موسلي 2000 آجرة في اليوم، تساعدها

فتاتان صغيرتان كانتا تحملان الطين وترتبان الآجر. وكانت هاتان الفتاتان تحملان يوميا ما زنته 10 أطنان من الطين على الجدران الزلقة للحفرة من عمق 30 قدما وتنقلانه المسافة 210 أقدام.

“يستحيل على أي طفل أن يجتاز مطهر معمل الآجر من دون أن ينحط أخلاقياً … فاللغة البذيئة التي يسمعونها منذ نعومة أظفارهم، والعادات السيئة، الفاحشة، المتهتكة التي يتربون عليها، جاهلین، شبه متوحشين، تحولهم طيلة حياتهم اللاحقة إلى فالتين، منبوذين، داعرين… وإن نمط عيشهم منبع مخيف للإنحطاط الأخلاقي. فكل صانع آجر (moulder) أي العامل الماهر ورئيس زمرة من العمال يقدم لزمرته المؤلفة من 7 أشخاص السكن والطعام في كوخه أو بيته. وينام الرجال والفتيان والصبايا في هذا الكوخ بغض النظر عما إذا كانوا ينتسبون إلى أسرة صانع الآجر أم لا. ويتألف الكوخ عادة من غرفتين، وفي حالات نادرة من ثلاث غرف تقع في القبو، وبالتالي رديئة التهوية. وتخور قوى هؤلاء بعد يوم من العمل المضني إلى درجة لا مجال فيها حتى للتفكير بمراعاة القواعد الصحية وقواعد النظافة واللياقة أيا كانت. وتصلح هذه الأكواخ لأن تكون نماذج حقيقية للفوضى والأوساخ والطين… وإن أعظم شرور هذا النظام الذي يستخدم فتيات في ريعان الصبا في أعمال من هذا النوع إنما يكمن في أنه يربطهن ربطاً وثيقاً منذ الطفولة المبكرة وطيلة الحياة برعاع منبوذين. وقبل أن تنبئهن الطبيعة بأنهن نساء، يتحولن إلى صبية أجلاف بذيئي اللسان. فهن يرتدين أسمالاً مهلهلة قذرة، ويبدين عاريات السيقان إلى ما فوق الركبة بكثير، ويغطي الطين شعورهن ووجوههن، ويعتدن على الاستهتار بكل مشاعر الحشمة والحياء. وفي وقت الغداء يستلقين بكامل طولهن على الأرض أو يسترقن النظر إلى الفتيان الذين يستحمون في القناة المجاورة. وعقب الانتهاء من يوم العمل المهلك يرتدين ثيابا أفضل ويرافقن الرجال إلى الحانات”.
ولا عجب أن يسود السكر والعربدة هذه الطبقة بأسرها، منذ اليفاعة.

“الأنكى من ذلك أن صانعي الآجر ييأسون من حالهم. وقد قال واحد من أفضلهم لكاهن من حقول ساوثهول: خير لكم يا سيدي، أن تربوا الشيطان وتصلحوه ليغدو صانع آجر!” (5).

ويجد المرء في التقرير الرابع العام (1861) والتقرير السادس لعام (1864) للصحة العامة معطيات رسمية وفيرة فيما يتعلق بالتوفير الرأسمالي في شروط العمل في المانيفاکتورة الحديثة (التي يقصد بها هنا كافة الورش الكبيرة باستثناء المصانع الكبرى بالمعنى الدقيق للكلمة). وإن وصف «ورش العمل» (workshops)، لا سيما وضع عمال الطباعة والخياطة في لندن، ليفوق أبغض خيالات كتّابنا الروائيين. ويتضح التأثير على صحة العمال من تلقاء ذاته. ويقول الدكتور سایمون، وهو كبير المفتشين الطبيين لـ “المجلس السري” (Privy Council) والمحرر الرسمي لتقارير الصحة العامة ما نصه:

“بینت في تقريري الرابع”، (عام 1861) «أنه يستحيل على العمال في واقع الأمر نيل حقهم الصحي الأول، وأعني بذلك أنه، مهما تكن الأعمال التي يجمعهم رب العمل من أجلها، فيجب أن تكون خالية، ما دام ذلك يتوقف عليه، من كل الظروف الضارة بالصحة والتي يمكن إزالتها. وبرهنت على أنه في حين أن العمال عاجزون عملياً بقواهم الخاصة عن انتزاع هذه العدالة الصحية، فإنهم عاجزون أيضا عن الحصول على مساندة فعالة من موظفي بوليس الصحة مدفوعي الأجر… وإن حياة عشرات الآلاف من العمال والعاملات تُعذّب وتختزل اليوم عبثا بتلك الآلام الجسدية اللامتناهية الناشئة عن مزاولة مهنة لا أكثر»(6).
ويورد الدكتور سایمون الجدول التالي لنسبة الوفيات بغية توضيح تأثير ورش العمل على صحة العمال (7):

عدد المشتغلين في الفروع الصناعية المعنية من مختلف الأعمار مقارنة بين الصناعات من ناحية تأثيرها على الصحة عدد الوفيات لكل 10,000 نسمة في الفروع المعنية (حسب الأعمار)
25 – 35 سنة 35 – 45 سنة 45 – 55 سنة
958,265 الزراعة في إنكلترا وويلز 743 805 1145
22,301 من الذكور
12,377 من الإناث

عمال الخياطة في لندن 958 1262 2093
13,803 عمال الطباعة في لندن 894 1747 2367
______________________

(1) بل إن الأطفال يعملون في سَنّ المبارد في شفیلد!
(2) لجنة استخدام الأطفال، التقرير الخامس، 1866، ص3، رقم 24؛ ص6 رقم 55-56، ص7 رقم 59-60.
(3) المرجع السابق، ص 114-115، العددان 6 – 7. ويشير عضو اللجنة بصورة محقة إلى أنه إذا كانت الآلة تحل محل الإنسان عادة، فإن اليانع يحل هنا محل الآلة بالمعنى الحرفي للكلمة.
(4) أنظر: التقرير الخاص عن تجارة الأسمال والايضاحات العديدة في تقارير الصحة العامة، التقرير الثامن، 1866، لندن، الملحق، ص 196-208.
(5) لجنة استخدام الأطفال، التقرير الخامس 1866، ص16-18، رقم 86-97، ص130-131، رقم 39-71. قارن كذلك: التقرير الثالث، 1864، ص 48، 56.
(6) تقرير الصحة العامة السادس، 1864، لندن، ص 29-31.
(7) المرجع نفسه، ص 30. يشير الدكتور سایمون إلى أن نسبة الوفيات بين عمال الخياطة والطباعة في لندن ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و35 سنة هي في الواقع أعلى بكثير، نظرا لأن رجال الأعمال اللندنيين يقبلون من الريف عددا كبيرة من الشباب دون سن الثلاثين، بصفة مبتدئين ومتدربين improvers (أي من يرغبون في تطوير المهارة). وإذ يردون في الإحصاءات بوصفهم من سكان لندن فإنهم يزيدون بصورة مصطنعة ذلك العدد من السكان الذي تحسب الوفيات في لندن على أساسه، أما عدد الوفيات بين هؤلاء فهي أقل بالقياس إلى ذلك. ويعود قسم كبير منهم إلى الريف ولا سيما عند الإصابة بأمراض خطيرة (المرجع نفسه).