جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 02:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في تصريح كشف عن الوجه الحقيقي للمشروع الاستعماري في المنطقة، صرّح السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، مايك هاكابي، بتأييده لتوسع إسرائيل ليشمل أراضي عربية تمتد من النيل إلى الفرات بناءً على ما أسماه "الحق التوراتي". لا تُقرأ هذا التصريح، في سياق التحليل السياسي المناهض للإمبريالية، كزلة لسان أو شطحة دينية تعبّر عن تيار الصهيونية المسيحية فحسب، بل بصفته انعكاسا صريحا للبنية الاستعمارية العميقة التي تحكم العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب. إنّ هذا الخطاب الأيديولوجي ليس سوى الغطاء النظري لما يجري تطبيقه عملياً وبالنار في قطاع غزة، حيث يُستخدم العدوان الوحشي وسياسة الأرض المحروقة كـ"بلدوزر" يُمهد الأرض لهذا التوسع الجغرافي. فحرب الإبادة هذه، وما يرافقها من تدمير ممنهج للبنية التحتية، ليست سوى محاولة يائسة لتصفية القضية وإلغاء حق الشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير، وهو الحق الأصيل الذي يمثل العقبة الجوهرية أمام مشاريع الهيمنة الاستعمارية الساعية لفرض السيادة الإسرائيلية المطلقة كأمر واقع لا رجعة فيه.
وضمن هذه الهندسة الإقليمية، يأتي الحديث المتجدد عن "خطة ترامب" وما يُسمى بـ"مجلس السلام" كأداة سياسية لتثبيت نتائج الحرب العسكرية. إنّ هذا الطرح لا علاقة له بالسلام، بل هو محاولة لفرض استسلام هيكلي نيوليبرالي، يقوم على مقايضة الحقوق السياسية والسيادية بوعود استثمارية واقتصادية وهمية. فالهدف الحقيقي من هذا المجلس هو تشكيل حلف عسكري إقليمي ذي واجهة عربية وقيادة إسرائيلية، وظيفته حماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، ودمج الكيان الصهيوني كقائد فعلي للمنطقة، وتوجيه فوهات البنادق العربية نحو "العدو المصطنع" بدلاً من المركز الاستعماري الحقيقي.
وبموازاة هذا التدمير الممنهج في غزة والفة الغربية ومحاولات التطويق السياسي، يتسارع الحشد العسكري الأمريكي ضد إيران في استعراض فج للقوة، حيث يتم الدفع بحاملات الطائرات، والغواصات النووية، وأسراب القاذفات الاستراتيجية لتطويق المنطقة. ولا ينفصل هذا التحشيد أبداً عن مشاريع الضم والتوسع؛ فالمركز الإمبريالي يدرك تماماً أنه لا يمكنه التفرغ لتمرير "خطة ترامب" وتأمين التوسع الإسرائيلي طالما أنّ هناك قوى ممانعة فاعلة في الإقليم. فالأهداف الأمريكية من استهداف إيران لم تعد تقتصر على ذريعة كبح برنامجها النووي، الذي طالما استُخدم كفزاعة لابتزاز دول المنطقة، بل تطال جوهر القدرة الردعية الإيرانية المتمثلة في ترسانة الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة. هذه الترسانة، بمدياتها التي تتجاوز ألفي كيلومتر وقدرتها التدميرية الدقيقة، باتت قادرة على ضرب أي نقطة تمركز للقواعد الأمريكية أو البنى التحتية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، مما يكسر بشكل قاطع احتكار الغرب للقوة المفرطة. إلى جانب ذلك، تسعى الآلة العسكرية الأمريكية لتقليم أظافر طهران الإقليمية وتفكيك حلفائها الاستراتيجيين في "محور المقاومة" الممتد من صنعاء إلى بيروت وبغداد، لضمان خلو الساحة بالكامل وتأمين الداخل الإسرائيلي من أي جبهات مساندة قد تستنزف قواه أو تعيق تقدم المشروع الصهيوني.
ولا يمكن قراءة هذه التحركات والتصريحات التوسعية بمعزل عن موجهات وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، والتي تُمثل في جوهرها "مانيفستو" إمبريالي لإعادة تأكيد الهيمنة في حقبة تتسم بتوفر فرص أفضل لتجاوز الأحادية القطبية الأمريكية. فهذه الوثيقة الاستراتيجية تضع أمن إسرائيل وتفوقها العسكري المطلق كمرتكز أساسي لحماية المصالح الرأسمالية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتنظر إلى إيران وقوى الممانعة كتهديد مباشر ليس فقط لحلفاء واشنطن، بل للبنية التحتية للهيمنة الأمريكية نفسها. إن تصريحات هاكابي وحشد الأساطيل ليسا سوى الترجمة الميدانية والعملياتية لبنود هذه الوثيقة؛ حيث يُراد هندسة المنطقة ديموغرافياً وجغرافياً لتكون درعاً متقدماً في وجه النفوذ الصيني والروسي المتصاعد، مما يجعل سحق أي تطلعات سيادية شرطاً مسبقاً لضمان استمرار تدفق رأس المال وإحكام القبضة على ممرات التجارة والطاقة العالمية.
وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، تتباين مواقف القوى الإقليمية والدولية بشكل يعكس تعقيدات الاقتصاد السياسي العالمي وتقاطع المصالح. فدول الخليج العربي تجد نفسها اليوم في مأزق مركّب وخطير؛ فبينما ترتبط أنظمتها السياسية والاقتصادية تاريخياً بالمظلة الأمنية للولايات المتحدة، إلا أنها تخشى بشدة من اندلاع حرب إقليمية شاملة ومفتوحة. وتدرك هذه العواصم أنّ أي تصعيد عسكري غير محسوب تقوده واشنطن انطلاقاً من أراضيها أو أجوائها، سيجعل من اقتصاداتها الريعية وبنيتها التحتية النفطية ومحطات تحلية المياه أهدافاً مشروعة ومباشرة لردود الفعل الإيرانية. ويهدد هذا السيناريو استقرارها الداخلي، وينسف رؤاها الاقتصادية ومشاريعها الاستثمارية التي تعتمد كلياً على بيئة إقليمية آمنة لجذب رأس المال الأجنبي.
أما على الصعيد الدولي، فتراقب روسيا والصين هذا التصعيد من منظور الصراع الأوسع لكسر الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة. بكين، التي تعتمد بشكل حيوي على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج لضمان استمرار صعودها الاقتصادي ونجاح مشروعها الاستراتيجي "الحزام والطريق"، ترفض العسكرة الأمريكية وتدفع نحو توازن إقليمي يحمي استثماراتها وشراكاتها الاستراتيجية مع طهران والرياض على حد سواء. في حين ترى موسكو في صمود إيران أمام الضغوط الأمريكية استنزافاً استراتيجياً لواشنطن يخدم معركتها الخاصة ضد توسع حلف الناتو في أوكرانيا، وتعتبر طهران حليفاً عسكرياً واقتصادياً ضرورياً في كسر طوق العقوبات الغربية وبناء نظام مالي موازٍ. من جهتها، تمارس تركيا براغماتية حذرة؛ فهي ورغم عضويتها في حلف الناتو وتنافسها الجيوسياسي والتاريخي مع إيران في ساحات كالقوقاز وسوريا والعراق، تدرك جيداً أنّ انهيار جارتها أو اشتعال الإقليم سيغرق المنطقة في فوضى أمنية وموجات لجوء غير مسبوقة، مما سيطال ارتداداته السلبية أمنها القومي بشكل مباشر ويفاقم أزماتها الاقتصادية الداخلية.
ولفهم هذا السعار التوسعي والعسكري الحالي، لا بد من العودة إلى ارتدادات "حرب الـ 12 يوماً" التي اندلعت في حزيران/يونيو 2025. في التحليل الجيوسياسي، مثّلت تلك المواجهة المباشرة زلزالاً كسر "الخطوط الحمراء" وقواعد الاشتباك التقليدية؛ إذ أثبتت أنّ استراتيجية "الحروب بالوكالة" قد استُنفدت، وأنّ المركز الإمبريالي وذراعه الإسرائيلي لم يعودا قادرين على توجيه ضربات أحادية دون تلقي ردود موجعة تخلط أوراق المنطقة. لقد أدركت واشنطن وتل أبيب بعد تلك الأيام الاثني عشر، رغم ما تخللها من وقف مؤقت لإطلاق النار، أنّ توجيه ضربات تكتيكية أو محدودة لا يكفي لإنهاء التهديد الذي يعيق مشروع الهيمنة المطلقة. وما نشهده اليوم من تحشيد غير مسبوق للأساطيل واستعداد أمريكي لشن حرب أوسع، ليس سوى استكمال مؤجل لتلك الحرب، ومحاولة لتدارك الفشل الاستراتيجي في إخضاع طهران، بعد أنْ ثبت أنّ سياسة "الردع المقنن" لا تجلب استسلاماً.
بناءً على ما سبق، نخلص إلى أنّ هذا المشروع الأمريكي-الصهيوني بمكوناته الثلاثة: الإبادة المستمرة في غزة، ومحاولات الضم الجغرافي من النيل للفرات وفق تصريحات هاكابي، والتلويح العسكري المباشر بضرب إيران، لا ينطلق من موقع قوة واستقرار، بل يعبر عن "أزمة هيمنة" عميقة. إنه "هروب إمبريالي إلى الأمام"؛ فكلما عجز الكيان عن حسم معاركه العسكرية وحماية عمقه الداخلي، لجأ إلى رفع سقف أطماعه التوسعية والارتماء الكلي في حضن الآلة العسكرية الأمريكية لحمايته. ورغم قسوة الضريبة الدموية المدفوعة، فإن الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح المرتكز الهيكلي الذي تُبنى عليه أي مواجهة حقيقية لمنع سقوط المنطقة. إنّ المشاريع التوسعية ووثائق الأمن القومي لن تنجح في إلغاء الجغرافيا أو تزييف التاريخ، فالعرب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع لاستعمار متجدد يبدأ بتصفية غزة وينتهي باستعباد الإقليم سيادياً واقتصادياً، وإما الانخراط في مسار تحرري شامل يفكك هذه الهيمنة من جذورها ويمنع ابتلاع المنطقة عبر تفعيل أوراق القوة المادية العربية كأدوات ضغط حقيقية لفرملة هذا التوحش.
#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)
Jihad_Hamdan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟