أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - المنصور جعفر - الأزمة العالمية و الأزمة السودانية في دارفور















المزيد.....



الأزمة العالمية و الأزمة السودانية في دارفور


المنصور جعفر
الحوار المتمدن-العدد: 1940 - 2007 / 6 / 8 - 12:17
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


مقدمـة:

يحاول هذا المقال بشكل عام تيبين بعض نقاط وعناصر الأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور هادفاً بهذا التبيين والتحديد البسيط إلى توفير إمكانات نظرية وعملية أكثر لحل هذه الأزمة المعقدة التي تشمل عدداً كبيراً من موضوعات الإجتماع والإقتصاد والبيئة والسياسة والحقوق والقانون والشؤون والعلاقات الدولية وموضوعات الإدارة العامة المركزية منها واللامركزية والشؤون الإنسانية حيث يحاول المقال البعد بهذه الموضوعات جملةً وبهذه الأزمة المواشجة لها عن النظرات والتناولات الأحدية وعن الإصلاحات والحلول الجزئية التي تقود كل منهما الأخرى إلى جوانب محدودة من الأزمة مهملةً تفاقم العناصر الرئيسة فيها والظروف المحيطة المولدة لها.

ووسط لجج العواصف والأعاصير الإعلامية العامدة إلى تصوير الأزمة بعنصر واحد أو عنصرين من عناصرها فإن هذا المقال يحاول تبيين شمولية هذه الأزمة وشمولية الحلول الموضوعية اللازمة لحلها وذلك بإلتزامه نهج الطبيعة وسنن تطور الأشياء والأوضاع الإجتماعية والإقتصادية السياسية والثقافية فيها من البسيط إلى المعقد وتغيرها بالتراكم ووحدة وصراع عناصرها وتحولها عن حالاتها الأزوم وضيقها إلى حال موجب ينشأ بطرح الصراع الإجتماعي والطبقي لسلبيات مرحلته التاريخية، وتهيئة الظروف بهذا الصراع لنمو وإزدهار العناصر الفاعلة في معيشة المجتمع.

فتبيين هذا المقال للعناصر العامة للأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور فبإخراجه لها من سياقات التناول الجزئي وبوضعه إياها جملة واحدة للقرآءة في السياق العام لتطور تاريخ العالم وحركة مجتمعاته وطبقاتها وتحررها الوئيد والعنيف من الأشكال المعيقة لنموها وإزدهارها وهو تحرر ضد للمصالح والآليات القامعة هذا النمو والمستغلة إياه أو المهمشة لضروراته وهي المصالح والآليات التي تكرس فوائظ هذا القمع وتحققها في رغد طبقات وتشكيلات إجتماعية أخرى كالطبقة الحاكمة للسودان أو الإمبريالية الحاكمة للعالم المتملكة بالظلم والعدوان جل موارده.



ملامح من تاريـخ دارفـور:

لم تك نشأت دارفور في الحياة السياسية الدولية بغتةً أو فطرةً بل نشأت دارفور عظيمة مهابة في القرن السابع عشر في غرب السودان الحالي كسلطنة شاسعة ومستقلة نبتت أصولها من تراث الممالك الغرب أفريقية القديمة التي أنبتت حضارات العالم القديم وإستوت شجرتها من نهايات تلك الممالك بالسلطنات (العربية) الإسلامية في غرب أفريقيا ووشائجها الفاطمية والسنية الدقيقة. وسوى خلافات ونزاعات بدوية وبدوية-حضرية في تلك المناطق الممتدة ألاف الأميال عرضاَ من تخوم بحيرة تشاد غرباً إلى تخوم وادي النيل شرقاً وطولاً من بحرالغزال في الجنوب إلى مناطق وادي النطرون شمال السودان الغربي فقد إتسم حكم تلك السلطنة الشاسعة بهدوء وإستقرار فريد.

وبإقتصادها التجاري والزراعي-الرعوي الكبير الذي كان ولم تزل تسرح فيه من قطعان الإبل والماشية والأنعام ملايين الرؤوس أضحت سلطنة دارفور ذات مآثر عددا آنذاك الزمان الشحيح فقد كانت مهجتها -وفق ثقافة ذاك الزمان- تتمثل في كسوة الكعبة ومحمل الحج ومبرة كبرى سقى بنهلها و إرتفق بجودها ملايين الحجاج كما كانت تلك السلطنة ذات بعوث طلابية وديبلوماسية وحربية عددا حفظت بها كيانها المعنوي وكيانها المادي لقرون عددا.

وقد إستمر هدوء ذلك الإستقرار ونبضه الكريم في ذلك الزمان الضعيف الإعلام والتأريخ حتى هاجمها السوداني الزبير باشا ود رحمة بقوة صاعقة وألحقها بحكم الخلافة الإسلامية العثمانية وفرعها المصري حيث كان أبناء محمد علي باشا يديرون مصر كإقطاع لهم من آل عثمان ولكن ضد حكم الزبير باشا والخلافة الإسلامية ذاك تبلورت ثورات دارفور لأجل عزتها وكرامتها رافضة أشكال القهر الماثلة في جباية الضرائب الباهظة وحملات التجنيد ومايرافق تلك الحملات من عسف وتنكيل إنطفأت به مآثر تلك السلطنة لسنوات قلائل.

ومن جديد برزت دارفور بقوة في سجل التاريخ كقاعدة إمداد بشري وترسيخ للثورة الإسلامية المهدية في السودان ونصرها على حكم الخلافة الإسلامية العثمانية وإبادة تلك الثورة السودانية لجحافل الجيوش التركية التي صلت دول آسيا وشمال إفريقيا العذاب ضعفين إذ نجحت تلك الثورة الشماء في تحرير السودان من حكم الخلافة الإسلامية حرية كبرى.

وبعدذاك التحرير إتصل ذكر دارفور بتفاقم الخلاف الشهير في السودان بين الكينونة الحربية الجهادية للدولة وسطوة بعض أبناء الغرب فيها الرامين إلى مواصلة الغزو والفتوح، والكينونة المعاشية للدول القبيلية لأبناءالنيل القاعدين لتهذيب وثقف عيش قبائلهم وحماية عروضها من أهوال البداوة التي أضحت عليها بلاد السودان بعدما دمرت حضاراته وممالكها الفرعونية القديمة فبعدما قاومت الممالك الفرعونية الغزوات القادمة من ليبيا وغرب أفريقيا ومن شمالها ومن روما كسرتها الغزوات القادمة من الشرق، وبعدها قاومت بقاياها الغزوات البدوية الأفريقية والغزوات البدوية العربية الحربية والتجارية-الدينية حتى إندثر ما بقى من تلك الممالك وقٌتلت آواخرها في أوآئل القرن السادس عشر الميلادي، فإذ كنفت المقاتل والغزوات قبل قيام الدولة المهدية تحدد حياة الناس في سهول شمال السودان الأوسط بعيداً عن سلطنته الجنوبية الشرقية في سنار وبعيداً عن سلطنة دارفور في الغرب وعن سلطنة المسبعات في شمال كردفان وبالطبع عن مملكة تقلي في جبال النوبا فكذلك إستمر نضوح التهديد البدوي وعنفوانه لحياة القبائل العربية في زمن الدولة المهدية وجعل الكينونة المعاشية للقبيلة ونساءها وأطفالها أهم عند رجالها من الكينونة السياسية العسكرية لمعاش الدولة وسؤدد حكمها ورجاله .


وبعد وفاة زعيم الدولة الجديدة الإمام المهدي محمد أحمد بن عبدالله في يونيو 1885 أول سنة لحكمه وعهد دولته، تواصل في عهد خليفته القائد عبدالله (التعايشي) الخلاف البدوي القديم الذي حملت قسماته شيئاً من عنصريات وشوفينيات (البداوة و الحضر) وإشكالاتها السودانية القديمة الأفريقية والعربية (التي دمرت حضارة سبأ و دمرت حضارة الأندلس) حيث إحتدم ذاك الخلاف القديم من جديد بشكل عنصري وإن كان في حقيقته خلافاً سياسياً بين كينونة الدولة وكينونات القبائل قامت فيه الدولة بمحق كينونة القبيلة بما فيها قبائل دارفور كاسرة أساليب عيشها وحكمها هادمة بذلك المحق والكسر أسس التراتب القبيلي وموازينه للأمور في المدينيات الشمالية النيلية الغضة والبوادي الشرقية الضروس، حتى قام عدد من زعامات القبائل المقهورة بتلك الدولة لنداء حكم الخلافة الإسلامية العثمانية مستنجدين بحكومتها وجيشـ(ها) في مصر التي كانت رغم عثمانيتها رازحة أيضاً تحت الإحتلال الإنجليزي المتطلع بنهم للسيطرة على المنطقة كلها وبذا كانت نداءات السودانيين اللائذين من عسف الخلافة الإسلامية السودانية وإستنجادهم منها بجيوش الخلافة الإسلامية العثمانية أشبه حالاً بحالة المستجير من الرمضاء بالنار.

فعلى جثث عشرات آلاف السودانيين الذين أتوا من كافة أنحاء السودان وقبائله لصد الإستعمار بسط البريطانيون منذ سنة 1899 سلطانهم بالحديد والنار والدم على السودان لستة وخمسون سنة لم يهن السودان خلالها في بذل دماءه، ولكن البريطان وطدوا قواعدهم ومدوا سلطانهم في طول البلاد وعرضها في إمتداد كانت مساحته من مساحة ذلك الخلاف الموضوعي الذي شملت تضاريسه البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى كردفانها، إلا دارفور بقيت من جل السودان عزيزة عن ذلك الإستعمار حرة ونبيـلة حيث فيها أو في أجزاء كبرى منها على أقل تقدير قبض السلطان الهصور علي دينار قبضة شديدة على سؤدد ملكها وعزته مانعاً القوات الإنجليزية من التقدم داخل دارفور مثلما أعجز القوات الفرنسية عن إقتحام دارفور في جهة حدودها الغربية .

وإن كانت سطوة السلطان المعظم علي دينار وحديدية سلطانه الوافر فلت حديد فرقان دارفور وعربانها وألزمتهم جابر الأمن والنظام ومنعت عن تلك الديار البراح غائلة الإستعمار فإن جريان سطوة ذاك السلطان المهيب في فيافي تلك السلطنة جرح شموخ كثير من سادة فرقانها وعربانها، وخلال تلك الجروح دخل الإنجليز شعاب تلك المنطقة سنة 1916 وقتلوا سلطانها وأغلقوا تواصل كثير من أجزائها مع بقية السودان بحواجز إدارية وأمنية، وإعتمدوا بعد ذلك ميزانيات وإقتصاديات تهمشها تعتمد على إستثمار سهول السودان ذات الأنهار باسطين ومكاثرين فيها المشروعات الإنتاجية والخدمية بينما أوكلوا إلى دارفور دور مزرعة الحيوان في المجتمع الرأسمالي الحديث يهلك البشر فيها لأجل رعاية الحيوان وشربه وحفظ تكاثره لتقدمه آليات التجارة الرأسمالية بعدذاك لحماً طازجاً بخساً رخيصاً في موائد المدن التي تغالي فيها مؤسسات الطبقة الحاكمة في أسعار النسيج وأسعار المزروعات وأسعار أدوات العيش وأسعار الطب والعلاج وتكيل الضرائب من بعدذلك على الكادحين عامة وأهل دارفور أضعفهم أكيالاً وأكيالاً.

فبتبخيس قوى المركز لقيم الإنتاج الزراعي والحيواني في دارفور وإغلاء حاجات أهلها من سلع وبضائع وفرض الضرائب الباهظة عليهم مثل حالة بقية أهل السودان الكادحين فإن أهل دارفور لم يجدوا مع هذا الظلم المستطير في بلادهم حقوقاًأو معانى مفيدة لإستقلال السودان أو للبقاء فيه، ولكنهم صبروا على الأذى ولم يطلبوا إلا ما طلبه الناس لأقاليمهم من معالجات لامركزية لأمور الحكم والإدارة وتوزيع قاسط متوازن حسب الضرورات للموارد والجهود والثمرات في السودان ولكن الحالة البائسة إستمرت فيهم ونمت حتى تحولت المقاتل القبيلية البدوية الحضرية المألوفة إلى حملات إنتقام واسعة تشنها مليشيات القبائل العريية الرعوية المطرودة من تشاد ثم تفاقمت وتحولت إلى حملات تطهير عرقي سافر قامت الدولة بدعمه سواء بالإهمال أو بغض النظر أو بالمساندة بالمؤن والإمدادات والتسهيلات العسكرية أو بمحاربة المدافعين عن أهلهم وقراهم حتى غدت الأمور واضحة بينة فوفقاً لوصفة صندوق النقد الدولي وأليات حرية التجارة والنشاط )الإقتصادي الإسلامي) حيث صار المال فيها دولة للأغنياء والموت والشقاء دولة للمستضعفين فيها - قاتلهم ومقتولهم- وحول الإثنين تتربص دوائر الإستعمار والإمبريالية الأمريكية والبريطانية


وبمواشجة الفقرة السابقة لملامح التاريخ التي واشجت دارفور يمكن بتفصيل أكثر أن نتبين في الفقرات التالية العناصر الرئيسة للأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور :


1- طبيعة النظام الرأسـمالي العالمي:
إفشال النظام الرأسمالي العالمي القديم القيام بأية جهود وطنية لتنمية الإقليم بقيامه بمركزة المشاريع والمعونات في وسط السودان، وفي الزمان الحاضر فشلت آليات الرأسمالية العالمية الجديدة لمركزة الموارد المالية وصرفها في تحقيق هذه التنمية.

ومن الفشلين الرأسماليين العالميين يبدو مشروع هيئة الأمم المتحدة لتنمية غرب السافنا نموذجا لفشل (التنمية الدولية) إذ غدا التنظيم الدولي المفرد والمبهول لهذاالمشروع معرقلاً لإمكانات قيام تنمية حقيقية في الإقليم.

كذلك فالمؤسسات المالية الدولية وشروطها المجحفة للتمويل بما فيها خفض قيمة العملة الوطنية وفرض ضرائب باهظة وإلغاء دعم المجتمع لمنتجيه وفتح أبواب الإستيراد تحدد بشكل مباشر السياسةالرأسمالية للتجارةالدولية بالموارد وتبخيسهاالخامات المصدرة من هذا الإقليم (وغيره)، بل ومحافظتها على إستمرارالإنتاج بشكل خام، وفرضها أسعاراً بخسةً لجملة إنتاج المنطقة الزراعي والحيواني، بحيث لا يستطيع المنتج الفرد -وهو أساس الإنتاج في المنطقة- تجديد قدرته المستقلة على الإنتاج إلا بوقوعه في مغبة السلفيات والديون والمتاجرة في السلع الهامشية وممارسة الجريمة الإقتصادية خاصة مع رفع الدولة أسعار لوازم الإنتاج وفرضهاالضرائب الباهظة على المجتمع الوطني والمحلي بشروط المؤسسات المالية الدولية.

كذلك فإن السياسة العامة للتعامل الرأسمالي العالمي في - نطاق كل دولة- مع مجتمعات الإقاليم والأرياف بإعتبارها هامشاَ (ضرورياً) لنمو قطاعات الإنتاج المدينية ومدها بالأعمال والمنتجات الرخيصة تفاقمت وتحولت إلى ضدها بترييفها المدن وتعطيلها إنسيابية الخدمات فيها وتهديدها إستقرار وأمن النظام الرأسمالي في مراكزها. فطيلة مآئة عام وأكثر أثبتت ألرأسمالية العالمية فشلها في تنمية إقليم دارفور الذي كان سلطنة وافرة.



2- أزمة النظام الحـاكم وطبيعته:

كانت المركزية هي السمة العامة للحكم في السودان أي مركزية القرار الإداري العام وتقريره لتوزيع الموارد والجهود والثمرات وكانت المركزية ولم تزل سمة عامة على إختلاف أشكال سياسةالحكم علمانيةأو دينيةالتيوقراطية منها أوالديمقراطية أوالبيلوقراطيةأوالأتوقراطية فكلها أشكال سياسةكانت ذات إرتباط كثيف بمركز السلطة ومدن الوسط سواء في ناحية المنابت أو ناحية المنافع مما حرم الأقاليم البعيدة عن مركز الإدارة من التمتع بمواردها وحصر إمكانات إستثمارها وقيد جهودها وفتت مكاسبها بل وسلبت حتى أضحت أحوال الأقاليم بل والعاصمة نفسها شاهدة على بؤس الحكم المركزي في بلاد واسعة متعددة ومتنوعة كالسودان.

فبهذا الشكل المركزي من الحكم لم تعد الأقاليم تنبت سوى التشتت أوالدمار مما تبينه المصروفات الباهظة على شؤون الأمن وعلى أمور (حفظ النظام) التي توضح الخسارة الجسيمة التي يحققها لإقتصاد السودان أسلوب الحكم المركزي بما في ذلك ملايين الدولارات التي كانت تصرف يومياً لإخضاع الجنوب وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ومناطق الأنقسنا وشرق السودان إبان الإنتفاضة الشعبية المسلحة في تلك المناطق طيلة عقدين من السنوات بين سنة 1983 وسنة 2003 تاريخ بداية إتفاقات السلام.

وكما بينت المركزية المالية التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية على السودان عجزها عن تحقيق التنمية المتوازنة في أقاليمه وتوليدها للتفاوت في التطور والإختلاف المريع في حظوظ التنمية فإن التشويهات المركزية إمتدت وطالت حتى بناء الحكم الشعبي المحلي ممركزة حتى الكيان اللامركزي لبناء ديمقراطية السودان الشعبية إذ إستلبت سلطة الخرطوم هذه الأشكال وغربتها عن طبيعتها كما تغرب الرأسمالية العامل عن إنتاجه، وحولت الدولة بهيلها وهيلمانها مشروع الحكومات الشعبية المحلية إلى خراب تام حسب ما كشفه مؤتمر الحكم الشعبي المحلي الأخير في مايو 2007 وحسب ما يقدمه حاضر هذه المؤسسات.

فتخريب بنى الإدارة الشعبية ماثل في عمليات زيادة الظل الإداري بدلاً عن تقصيره بخلق إدارات ووظائف خدمية أكثر من خلق مشاريع منتجة مما يوضح أهمية سيطرة الجماهير في المدن وفي الأرياف على مؤسسات الإدارة الشعبية وإخضاع هياكلها وآلياتها لمصالحهم، إلا إن حال خراب الإدارة الشعبية المحلية لايمكن عزله عن إستبداد ومركزية المؤسسات المالية الدولية وشروطها للتمويل ولا عن إستبداد مركزية الدولة حيث تقوم المركزيتان بإستهلاك آليات الحكم اللامركزي ومنافعه خاصة بعدما أكلت السلطة العامة في الخرطوم مواثيقه ومضامينه وأتلفت محركاته لأجل ضمان فرض سيطرتها التامة على كافة موارد وخيرات الأقاليم.

ولفهم الطبيعة المركزية لأسلوب حكم النخبة لأقاليم السودان الشاسعة من الخرطوم يمكن أخذ دارفور كنموذج: فمقارنة مئآت الملايين من الدولارات التي تدخلها دارفور إلى خزينة حكومة السودان من عائدات تصديرالإبل والماشية ومئآت الملايين من الدولارات من عوائد تصدير الصمغ العربي ومئآت ملايين الدولارات من عوائد إنتاج وتصدير الحبوب والزيوت والعسل ومئآت الملايين من عوائد الجمارك والضرائب والعشور والجبايات الأخرى ومقارنة جملة هذه العوائد المالية الضخمة التي تدخلها دارفور صافية إلى خزانة الحكومة بالمبلغ الضئيل التافه الذي لايزيد عن بضعة ملايين من الدولارات تصرفه الحكومةالمركزية جملة لكل الإقليم أكثره مرتبات وإمتيازات للنخبة الحاكمة التابعة لها، فهل هناك ظلم أبلغ من هذا لتوضيح الأسباب الإدارية لأزمة دارفور أو بالأصح الأسباب المركزية الإدارية لأزمة السودان في دارفور؟



3- أزمة البداوة ورئاساتها القبيـلية، وأزمة المدينيـة والحضارة ورئاساتها المالية:

يمثل النظام القبيلي الرعوي وحدة طبيعية من وحدات نشوء وتطورالمجتمعات البشرية ويقوم هذا النظام بتواشج علاقات القرابة والدم وتضافرها حول عملية محددة هي رعي الحيوانات وقيام هذه المجتمعات البشرية بمبادلة إنتاجها مع المجتمعات البشريةالأخرى في البوادي والحضر

وقد تأزم النظام الرعوي لعدد من العوامل يذكر منها تصحر البيئة وتدهورالكثافة الصحية لعملية الرعي نفسها إذ تضخمت أعداد الماشية وزادت على مساحة المراعي المتوفرة مما قلل قدرة المراعي على تجديد نفسها بل وأضعف نوعية الحيوان والإقتصاد القائم عليه. وفي ظل التدهور العام في أسعار وشروط إنتاج المواد الخام وزيادة التصحر وضعف الكيان الرعوي وتدهور شروط الإنتاج الزراعي تهيأ المناخ في تلك المناطق الضيقة التنمية للتصادم بين قوى الإنتاج التقليدي على فتات الموارد الطبيعية الباقية لهم.

ويبين هنا الوضع بنية الفقر والفقر البنيوي في دارفور ويظهر علات الجفاف التنموي وعجز البداوة فيه برئاساتها القبيلية عن تجاوز نطقها الضيقة القائمة على الولاء العائلي والرئاسة الفخيمة لأمور الحرب والسلم والقضاء والشرطة والضرائب معاً في حدود العشيرة وجيرانها والنفاذ من هذا الضيق الذي زادته قطعان الماشية الزائدة والصحارى الزاحفة إلى تحقيق عملية تنمية متوازنة متعددة الموارد والجهود والمنافع في عموم المجتمع الذي تعيش فيه القبيلة وهو أمر مناطه للدولة.

ولكن إن كان من المفهوم عجز النظم القبيلية القديمة عن القيام بمهمات التنمية الحديثة بما تتطلبه من كينونة دولة وترسية لأسس القرارالإجتماعي كتوفير المياه النظيفة السهلة والكهرباء والخدمات ومناهج التفهيم والتعليم والتعلم، وتنظيم المشافي والعلاجات والحملات الصحية والمشاف والعلاجات البيطرية وغرس وصيانة ثقافة التبادل السلعي بأمنها وآمانها، فمن الممكن بقراءة تاريخية لوقائع تكون الدولة الحديثة في السودان فهم عجز المدينية السودانية ونخبتها بكل إرثها الإنجليزي عن تجاوز مفاهيم الإقتصاد الرأسمالي الأحدية وتركزاته في مشروع الجزيرة ومشاريع الزراعة الريفية وحفاظ هذه النخبة على الميزان الرأسمالي الطفيف للتجارة الدولية الذي يصدر القطن والماشية والحبوب والزيوت بأبخس الأسعار مقابل إستيراد كل شيء تقريباً ولكن بأغلى الأسعار! فبهذا الميزان التجاري البخس الذي قبلت به النخب السودانية تربعت على رؤوس كادحي السودان في المدن والأقاليم مع الضرائب الباهظة كثرة من رؤوس الأموال المحلية والدولية النازفة موارد البلاد دون أن تقدم لبنيها شيئاً حقيقياً راسخاً من ثمارت مواردهم أو منافعهم.

إضافة إلى ما سبق في جانب خلل الأمور المدينية والرئاسات المالية القابضة على تشكل الحياة المدينية فإن الأزمة العالمية والأزمة السودانية في دافور تتصل أيضاً بطريقة نشوء الدول والطبيعة المزعنةلإلتزام قادتها قبيل الإستقلال بإحترام المعاهدات والمواثيق والقوانين الدولية: فبمقتضى الجوانب الإقتصادية والمالية لتلك القوانين والإلتزامات يحدد النظام الرأسمالي العالمي لكل دولة ضمانات وتأمنيات إصدارها عملة مستقلة لتضمن مؤسسات ذلك النظام للدولةالطالبة للإستقلال إعتماد البنوك والمؤسسات المالية لقيمة العملة (الوطنية) الجديدة المصدرة وتعهدهم بتحويل قيمتها إلى عملات أخرى والعكس في كل الحالات الإدارية والمالية التي تطلبها الدولة، حيث يشمل ذلك الضمان والتأمين قيام الدولة الجديدة بوضع عدد معين من الأرصدة الذهبية والنقودية بتصرف النظام الرأسمالي المالي العالمي سواء اكان الوضع بالأصالة أو بإفادة الدولة بالتسهيلات والقروض الإكرامية المقدمة لها كدولة جديدة لتضع نفسها في هذا النظام الوخيم.

وعادة ما تظهر الدول الجديدة بما في ذلك السودان حين إستقلاله في دائرة المجتمع الدولي كدولة مستقلة شكلاً ولكنها خاوية الوفاض بل ومدينة، وماهي إلا سنة مالية واحدة حتى تأخذ المؤسسات الرأسمالية الدولية في فرض شروطها الإقتصادية والمالية عليها محددة طبيعة إقتصادها وتوزيع مواردها وجهودها وثمراتها متحكمة في نموها وحياتها، وعادة ما كانت شرائح الطبقة الحاكمة ولم تزل تفضل البقاء في هذا الوضع السياسي الظلوم على حساب إستنزاف الريف حفظاً لإمتيازاتها.



4- أزمة الإلتزام بحرية السـوق وإهمال ضرورات التنميـة وتنظيم المـوارد والجهـود:

تتصل الأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور بنشوء الدولة السودانية المستقلة شكلاً بطبيعة إقتصادية تابعة للرأسمالية العالمية كما تتصل من هذه الناحية بالتكوينة النخبوية لقيادة الدولة وإنفصالها حياة النخبة فيها عن الطبيعة البائسة للحياة المواطنين الكادحين اليومية، وإندغام وعي هذه النخبة أو بالأصح عماء هذا الوعي وغيابه بأساليب الإنتاج والمعيشة الرأسمالية التي شهدوا بذخها إبان دراستهم في أوربا وأمريكا دون أن يمعنوا النظر في ما خلف هذا البذخ من جهود وآليات نقابية وجهود آليات ثورية نشأت ضد الإقطاع والقبيلية السياسية جمعاء لأجل تكوين الدولة [الرأسمالية] الحديثة، ودون أن تتمعن هذه النخبة في الآليات الإستعمارية المحلية والدولية لتكوين ثروات هذه الدول القليلة الضخمة التأثير في التنظيم الرأسمالي العالمي لإقتصادات دول المستعمرة (سابقاً) الدائرة إلى الآن في فلك الإستعمار الحديث وإقتصاداته بقيادة هذه النخب بزعم حرية السوق وطبيعيتها.

فبهذا العماء والغباء الأيديولوجي كان إختيار كثير من شرائح النخبة في الحكم أو المعارضة لمظاهر التفكير الليبرالي وقشوره في حرية النقاش العام أو حرية الحياة التجارية أو الإثنين معاً دون أن يمعنوا الإجتهاد في غرس الجذور النقابية والثورية لهذه الحرية في الحياة العملية للناس التي لم تزل القبيلية تضرب فيهم إذ أكتفى أكثر هذه النخبة بهذه أو تلك من قشور الليبرالية مهملين ضرورة التنمية المتوازنة لحياة المجتمع ومهملين ضرورات ولوازم هذه التنمية الماثلة في القيام بتنظيم الموارد والجهود والمنافع وقسطاسها.

وبإهمال هذه الضرورات أضحى النظام الليبرالي سيداً في الحياة الإقتصادية السودانية وتجارتها الداخلية والخارجية يستورد الكمالات والنفائس بالعملات الصعبة لإتراف سادته وخدامهم بينما الجماهير مسحوقة بالأسعارالبخسة للإنتاج وبالضرائب الباهظة تفتقد توفر لوازم الإنتاج وضرورات العيش والأدوية بصورة تناسب الدخول الفتات التي يمنحها لهم هذا النظام الليبرالي.

وإلى جانب حرية التجارة التي تعتمدها النخبة الحاكمة للسودان بشكل ضد لحرية الإتحادات والنقابات في تنظيم شؤون (تجارتها) بأعمال منتسبيها وسعيها لتحسين أسعار وشروط بيعهم لقوة عملهم، وأداءهم له في ظروف كريمة، فإن النخبة الحاكمة تعتقد بهذه الإيمان الأعور بالليبرالية إن إشتراك جميع السودانيين في حكم وإدارة مواردهم وجهودهم إشتراكية فعالة هو أمر يخالف طبيعة الشعب السوداني: لكأنما الشعب السوداني أضحيى كيان طبقي واحد ذي مصلحة واحدة، ولكأنما هناك طبيعة رأسمالية واحدة لكل مجتمعات السودان بينما لم تقر هذه النخب الحاكمة مرة واحدة لمجتمعات هذا الشعب حتى بحقوقه الرأسمالية في هذه الشركة الكبرى للموارد والجهود والأعمال التي تٌسمى السودان.

فأن كانت الليبرالية حرية رأي فقد كان الأولى بها النقابات والقوى الشعبية في هيئاتها ومجالسها الشعبية المحلية والإقليمية، وإن كانت الليبرالية حرية تجارة فالنقابات والعمال والزراع الحقيقين أولى بتجارة أعمالهم وبخصخصة المشاريع وبالتسهيلات الإئتمانية والسلفيات، وفي كلا الحالين كانت دارفور وبقية أقاليم السودان ولم تزل، بهذه الليبرالية اقاليماً محرومة من خيرات مجتمعها ومن خيرات الدولة الضامة لها مع بقية أنحاء السودان. فأي ليبرالية هذه التي تبيح للعالم أو للدولة قتل النمو والحياة في مجتمعاتها.



5- أزمة مواشجة قوى الحريـة في الارياف والمدن:

يرتبط إستمرارالأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور بعجز القوى الثورية في أرياف السودان والقوى الثورية في مدنه عن إقامة تنسيق شامل بين جهودهما وذلك لأسباب عدداً تعلقت في ماضي السودان بإنفصال نسبي لأسلوب حياة المدينة عن حياة الريف قبل أن تقوم نتائج شروط المؤسسات المالية الدولية بتوحيد المهجرين البوساء والكادحين في المدن في هموم المعاش وعسر الخدمات العامة وضنك الحياة وفقرها -رغم الموارد الضخمة لتصدير البترول- حتى صارت المياه سلعة تحملها الدواب للسكان في عاصمة البلاد!

فبإتساع الهجرة من الريف إلى المدن ونشوء الأحياء الريفية في المدن الكبرى وتغلغلها صار بالأمكان تسهيل هذا التنسيق. ولكن هذا التنسيق يتطلب تعديلاً مصطنعاً في التركيبة المجتمعية الثقافية لقوى الثورة في المدن وبخاصة في قيادة الحزب الشيوعي السوداني وذلك لتتلائم التركيبة المجتمعية الثقافية لهيئة قيادته مع تركيبة السودان المجتمعية، ولتسري فيه الكيمياء الحيوية للعمال والكادحين والنساء والشباب المهجرين الذين سيقررون بمعدل توالدهم العالي إن توفر لهم عنصر الوعي الثوري، مصير السياسية السودانية إن بقيت دولة السودان أو تفتت، وإلا فإن السياسة السودانية التي لم تزل مرتبطة بالمدن ونخبتها ستواصل مع إستمرارالنشاط الرأسمالي المدمر مشاهدة إن لم نقل الإشتراك في تنفيذ الإعدام البطئي فيهم وذلك تحت سمع الحزب ونظره.

إن عدم الربط بين سياسات وعمليات التحرير في ريف السودان وسياسات التحرير الطبقي ونشاطاته في المدن لم تحفظ للحزب الشيوعي مكانته في المدن بل أضحى بعض الشباب يستغربون في الحزب همه الجديد بقضايا الليبرالية الإقتصادية وحرص بعض نقاشاته على تبجيلها بينما البلد طلعت روحها بهذه الليبرالية، وأضحت حركات التحرير في الأقاليم مشتتة بالضغوط الدولية والضغوط العاصمية وفي حاجة إلى كوبانية نظرية وعملية تواشج نضالاتهاالمختلفة بنضالات الطبقة العاملة في المدن وتٌقسِم نشاطها جميعاً في ثورة شاملة منظومة تقضي على الأسس والأشكال الطبقية الإستغلالية والتهميشية التي بلورت الأزمة السودانية في دارفور .



6- أزمة التناولات العنـصرية:
منذ عقد إتفاق البقط آواخر القرن السابع وهو عقد إكراه محرم في شريعة الإسلام، بين قيادة جحافل الغزاة العرب وقيادة الممالك النوبية إضطرد التغيير الطبقي لممالك السودان القديم وإستمر إندياح البداوة فيه منذ ذلك الزمان حتى إنتهى لمواشجة حلف بعض القبائل العربية لمهمشي تلك الممالك ونشاطهم جماعة واحدة لتخريب آخر مملكة نوبية وهي مملكة علوة وتأسيسهم وتوطيدهم سلطنة جديدة في مناطق سنار سنة 1504 وما زامن ذلك الإتفاق وهذا الإندياح والتوطد من إنتشار نشاط الإسترقاق وتجارة الرقيق التي أثرت بعد إندثار الحضارة النوبية على طبيعة وصدقية تكوين ممالك السودان كدول (عربية) رغم كل ما يقال عن قلة عدد القائمين بتلك التجارة بالنسبة إلى جملة السكان والمستوطنين، لذا فمن الأنجع عند تحديد بعض عناصرالأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور الإقرار بوجود تماسات بل وتضاربات ثقافية في عقليات السودانين على مختلف مشاربها ونواحيها بين مسآئل السيادة الطبقية والدولة ومسآئل الكرامة البشرية.

وهو ضرب لم تزيله كل نظم العمل إذ تعد العلاقة المألوفة في العالم بين الرئيس والمرؤوس مسألة معقدة وصعبة في السودان حتى إن نهج تكوين السلك الإداري في السودان الحديث كان متصلاً بتدريب عسكري لشحذ الدقة والإنضباط ولإكساب المرونة وتليين الرؤوس الناشفة، وقد عبرت هذه العقلية الحجرالكريمة عن شممها في وصفها التراتب الطبقي والمهني في العمل بإصطلاحات شعبية تداولها الناس دالة على الظلم الطبقي والسخرية من الإستبداد مثل "زندية" و"تركية" و"مهدية" فبتلك الإصطلاحات تمثلت المقاومة الشعبية لكل عمل يشبه السخرة ثم تحول الإحتجاج الشعبي على الظلم الطبقي في عهود الدولةالرأسمالية التابعة الحديثة إلى إحتجاج نقابي وسياسي منظوم ثم عاد الأمر من جديد (زمن الكيزان) ففي هذا الزمان الذي تتطابق فيه المصالح الرأسمالية الدولية والمحلية وترزح فيه أقاليم السودان في مغبات الإستغلال والتهميش وتأكل فيه حرية السوق عافية السودان وسيادته الشعبية والرسمية كثيراً ما يتبادل الطرفان الحاكم الظالم والمحكوم الظلوم الإتهامات بالعنصرية، وهي إتهامات صحيحة في جملتها:

فحتى المكابر من النخبة الحاكمة لا ينكر العنصرية الضاربة في تشكيل مراكز الدولة القيادية في السودان وإنحصار الشكل النفعي لأعمالها في نخبة من تركيبة قبائلية معينة تمتع أبناءها بحظ وافر عن غيرهم من سكان السودان الأخرين في التعليم والخدمات العامة والوظائف العليا لأسباب يتعلق بعضها بسهولة طبيعة مناطقهم والحياة التجارية لمجتمعاتهم والأسلوب الإنفتاحي لتعاملها وإن كانت جريرتهم الوطنية إنهم لم يحاولوا بجدية الخروج بهذا الحظ التنموي حتى إلى رحاب الأقاليم التي قدموا منها وتنتهي إليها أروماتهم داخل السودان دعك عن خروجهم إلى الأقاليم المهمشة الأخرى مثل دارفور وقد شكلت هذه النخبة "قبيلة المصلحة" وهي القبيلة التي إن لم تكن عربية فقد كانت ذي أرومات عروبية نشماء لا ترضى بغيرها لغةً أوحسباً أونسباً.

أما في الجهة الضد المحكومة المظلومة فقد كانت كثرة من جموع السكان في أرياف السودان المهمشة والمنتفضة على مظالمه ذات أرومات سودانية أفريقية نشماء لاترضى في دنياها بمكانة مواطن الدرجة الثانية أو الثالثة في دولة أو هيئة تحمل إسمها السوداني لمجرد كونها من عنصر مختلف عن عنصر حكامها بينما تعتز هي بعنصرها الأفريقي في هذه المحنة التي أطبقتها عليها قرون التاريخ إعتزازاً متنوع الأشكال.

وإزاء ذلك الوضع يجد القاض العدل في عنصرية الحكام شأناً سلباً للكرامة الإنسانية، ويجد في إعتزاز الثوار بسودانيتهم أو حتى بعنصريتهم في نضالهم لأجل نيل حقيقي لحقوق المواطنة أمراً موجباً بررته الشرائع القانونية الدولية وأفردت له إصطلاحاً خاصاً سمت فيه إجراءات الحرص العام على العنصر الإجتماعي – الثقافي المهدد بالتذويب أو بالحط من قدره في المجتمع والدولة بإصطلاح فريد هو "التمييز العنصري الموجب" وهو الذي يضمن للمجموعات المهمشة حقوقاً أكثر وعناية ورعاية وتيسيرات في الحياة لم يتحها لهم الوضع العنصري السابق.

والنظرة السياسية للمجتمع السوداني بإعتباره مجموعة مواطنين نظرة خرقاء، ففي حقيقة الأمر وحكمه نجد في السودان مجموعات مختلفة في الحظو بحقوق مُواطَنتها، فإذ تأخذ ميزانية الحكومة حوالى 80% من عائداتها المالية من الريف السوداني نجدها تصرف على هذا الريف أو بالأصح على موظفيها فيه حوالى 20% فقط من جملة صرفها العام وأما أكثر صرف الدولة ففي جهة النخبة الإدارية والعسكرية الحاكمة، بسماتها القبيلية المعروفة وهو وضع يوجد ما يشبهه في قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وفي أوربا الشمالية وأوربا الجنوبية وفي الدول (الولايات) المتحدة حيث سيطرة البيض الأنجلوساكسونزالبروتستانت"الواسب"White Anglo-Saxon Protestant على مفاتيح الدولة وشؤونها، وإن أبقت تلك النخبة الحاكمة باب التمييز الإيجابي مشرعاً في صورة فعالة في بعض الأحيان فلأغراض مثل إستخدام البهار في الطعام وإن أبقت مزاياه في القاعدة الإجتماعية بعد إبادة الهنود الحمر وإستنفاذ إستعباد ملايين الأفارقة فبفضل الموارد الكبرى لرأس المال العالمي التي يقوم بنهبها من أقاليم العالم المهمشة.

وإزاء هذين الشكلين للتعامل مع أزمات العنصرية فإن الأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور تفرض علينا ضرورة النظر بواقعية إلى الشأن العنصري في السودان وضرورة التعامل معه بمعايير التمييز الموجب لا من منطلق المنح والعطايا من حاكم إلى محكوم بل من منطلق أعدل هو: ردالحقوق إلى أهلها، فأهل هذه الحقوق ومجتمعاتهم أولى بمواردهم وجهودهم وبالمنافع التي ينتجونها من تقديرات نخبة العاصمة ومنافع سادتها. وإن فشلت ولزمن طويل جداً نظرة الإستعلاء الفوقية لأزمات السودان وعنصرياته في إيجاد حل لهذه الأزمات فلابد لنا في هذه المرة من إحترام أسلوب المعالجة القاعدية لهذه الأزمة معالجة نجيعة في جذور الحياة العملية اليومية وطبيعة إنتاج وتبادل مجتمعاتها للخيرات في السودان وفي إقليم دارفور حتى لا يتكرر الوضع الفوقي القديم الذي سمح بتصدير الذرة والحبوب السودانية إلى أوربا لإعلاف مزارعها وصناعة البيرة بينما تقوم الإغاثة الأمريكية والأوربية المجانية بتدمير الزراع في السودان وفي دارفور .




7- أزمة التوافق بين القيم السـياسية والآليات والمشاريع السـياسية:

في الأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور ثمة تباينات وتعارضات بين القيم السياسية والآليات السياسية فبإسم الأمن والنظام تحدث فظاعات كبرى في دارفور، وبمقتضى هذه الفظاعات فإن دعاوى إنفاذ القانون الدولي وإسباغ الحماية الدولية على دارفور خاصة أو على السودان مشوبة بالتناقض فحسب نقاش مجلس اللوردات البريطاني في تاريخ 5 يونيو 2007 لا يمكن لأسباب (لوجستية) تتعلق بوفرة الجنود والإمدادات أن تقوم قوى إحتلال العراق وأفغانستان بكل مهام هذه الحماية وإذ يمكن حتى لقوى خارقة للقوانين الدولية في بلد ما أن تحاول فرض القانون الدولي على بلد أخر فإن شعار الآلية الدولية لحماية (المدنيين) في دارفور لا يعدو في مضمونه أن يكون شعاراً سياسياً حمال أوجه مثل شعار حماية البوسنة أو حماية كسوفو الذي أيدته حكومة السودان وتنظيماتها الإسلامية أو شعار حماية العراقيين من خطر صدام الذي إنسلت به القوى الإمبريالية إلى داخل العراق متملكة ثرواته وعاثت فيه فتنةً وفساداً بإسماءها الأصيلة وأسماءها المستعارة، وهو أمر لا يمكن لأحد القطع بعدم حدوثه في دارفور.

فأمام عنجهية وصلف وتعنت الحكم القائم في الخرطوم وبطشه تتبلور أحد وجوه الأزمة العالمية في دارفور فالقوى الدولية الأمريكية والبريطانية التي إستغلت وهمشت وجود الكثير من دول العالم وعرقلت تطورها الوطني الديمقراطي ولم تزل تمارس ضد شعوب ومصالح تلك الدول أبشع صور الإستغلال والتهميش هي نفسها القوى التي فرضت من خلال المؤسسات المالية الدولية على حكومات السودان ونخبه أن تهمش حاجات وجهود أقاليمه بما فيها دارفور. وإذ نجدهاالآن تهب متاخرة أكثر من عشرة سنوات لإنقاذ ضحايا تفاقم هذا التهميش الذي كرسته (يفلق ويداوي)، فلا يمكن لأحد جمع كثير من المنظمات الإنسانية في العالم الرأسمالي بالكثير من الحكومات الرأسمالية في سلة واحدة، ولا يمكن لأحد مجادلة من يحاول تصحيح خطأه.


ولكن في خضم التشويش بين ما هو خير إنساني وما هو إستعماري هل يمكن أن نطلق أمنية لحكومة السودان -في رجاء أخير- أن تظهر الهمة والنشاط في إصلاح أخطاءها في ذلك الإقليم ؟
أجواب مفيد من الحكومة يرتجى جهة هذاالسؤال؟ لا فحكومات السودان لأكثر من مآئة سنة لا تأبه للأراء والأسئلة وقد تعودتالحكومات تقييد حرية التعبير وحقوقه ضد كل رأي يخالف مزاج قادتها.

ولما كانت الأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور لا تتطلب حروباً جديدة في العالم ولا تتطلب من حكومةالسودان تعنتاً بل تطلب منها حلاً شاملاً متعدد العناصر ففي الغالب من الأمور إن حكومة السودان بحكم ممارساتها المتصلة وتورط قادتها ووزرائها في مخالفة جملة من القوانين المدنية والعسكرية الوطنية والدولية ستواصل تعنتها وتسويفهاإن لم تقابل مثل هذاالحل الشامل بالرفض القاطع والهجوم.

وبما إنه لا يمكن تحقيق حل متناسق للأزمة بعملية سياسية محمولة بالطائرات والمصفحات الأجنبية يضحى من الضرورة تحقيق حل الأزمة بالإرادة السودانية الثورية الخلاقة في أشكالها المدنية وأشكالها العسكرية، فبهذه الإرادة الوطنية الديمقراطية وبدعم الأسرة الدولية لها، يمكن حل هذه الأزمة بصورة متناسقة لاتعارض فيها بين طبيعة الفاعل وطبيعة الفعل، وإزاء هذا فإن كافة قوى الثورة في السودان تبدو أمام مهام تاريخية هائلة سواء في مجال الحرية من النظام الحاكم أو في مجال الحرية مستقبلاً من قوى الوصاية الدولية.



الخلاصـة:
إن الأزمة العالمية والأزمة السودانية في دارفور هي أزمة شاملة ومعقدة يتصل حلها إضافة إلى التنظير والتسطير العلمي لكل ما ينفع الناس بقيام قواه النضالية بتكوين تنظيم ثوري وطني ديمقراطي لقوى النضال في الأرياف والمدن لحمته وسداه إشتراك الناس بتنمية موارد وجهود إنتاجهم وفي توزيع ثمراتها، إشتراكيةً خلاقة لإمكانات البناء المادي والمعنوي للسودان الجديد.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,047,711,253
- أهمية العملية الثورية في تكريب القيادة وأهمية القيادة في تكر ...
- مشارق الأنوار... نقاط عن الحركة الإسماعيلية وجماعات إخوان ال ...
- ثلاثة أسئلة
- الماركسية الجديدة وصناعة تجميد الإشتراكية في القالب الفطير ل ...
- مشروع دراسة: -نقاط في تاريخ أمريكا الجنوبية وبعض المعالم الس ...
- بعد إعدام صدام، أهناك سبيل لقيام جبهة وطنية بين أحزاب الكورد ...
- الحزب الشيوعي العراقي والنضال المسلح ضد الإحتلال الأمريكي ال ...
- الحوار المسلح
- في رحاب الأنفال الصليبية .....له الجلال ... قائدنا القتيل مي ...
- نقد عقلية -جرِب حظك- في تقويم وجود الحزب وافكاره
- نقاط في التاريخ الثوري للسوفيتات والعوامل الإصلاحية والرأسما ...
- مقدمات تلخيص ستالين للفلسفة المادية التاريخية ونتائج الهجوم ...
- العولمة والخصخصة في تأثيل الفكر التنموي
- ما بعد الإيمان
- نقاط في علاقة المعرفة والمنطق والفلسفة والعلم والسياسة
- المنصور جعفر
- عزل الوضع السياسي عن المصالح الإجتماعية قاد إلى النفوذ الأجن ...
- محجوب شريف
- خزريات بابل ينشدن الزنج والقرامطة
- هوية الأزمة في موضوع أزمة الهوية: عناصر أولية


المزيد.....




- البرازيل: الرئيس السابق لولا دا سيلفا يخرج من السجن للمرة ال ...
- ممثل أمريكا بسوريا يوضح الوضع القائم الآن: 5 قوات خارجية وخط ...
- لقاء عابر بين بوتين وبينس في سنغافورة
- مصادر: التحالف بقيادة السعودية يأمر بوقف الحملة العسكرية في ...
- مبعوث أمريكي: نهاية قريبة للقتال ضد داعش في سوريا لكننا سنبق ...
- مجوهرات لماري أنطوانيت وقطع ملكية أخرى تباع بقيمة 53 مليون د ...
- مصادر: التحالف بقيادة السعودية يأمر بوقف الحملة العسكرية في ...
- مبعوث أمريكي: نهاية قريبة للقتال ضد داعش في سوريا لكننا سنبق ...
- الكعب العالي اضطهاد يومي.. هذا ما تقوله الملكات
- باحثة أميركية: الولايات المتحدة تنافق السعودية


المزيد.....

- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - المنصور جعفر - الأزمة العالمية و الأزمة السودانية في دارفور