أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سهر العامري - عرب الأهوار ، الضيف والشاهد 15















المزيد.....

عرب الأهوار ، الضيف والشاهد 15


سهر العامري

الحوار المتمدن-العدد: 1922 - 2007 / 5 / 21 - 11:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



إنّ فرضية ثيسجر في الانقراض الحتمي للمضيف أملتها عليه بعض مشاهداته لبيوت قليلة شيدت من الطابوق في الأهوار، حيث حلّت ما يعرف بـ ( الديوانية ) محلة المضيف كغرفة متقدمة لاستقبال الضيوف فيها ، فثيسجر لم يتصور أبدا أنّ العراق سيحظى بحاكم ، وفي الحدود الزمنية التي عينها لموت المضيف ، يقوم بسحب الماء من الأهوار ، وعندها يموت القصب الذي يمثل مادة البناء الوحيدة لهذا المبنى الجميل ، لا بل لجميع أشكال البيوت المشادة من هذه المادة في الأهوار ، وفي ظل الحصار الاقتصادي الذي يمرّ فيه العراق يكون من الصعب على سكان الأهوار الحصول على المال اللازم من أجل بناء بيوت من الطابوق ، وبذلك حرمهم صدام من مادة بناء كانت لا تكلفهم في أغلب الأحوال شيئاً يذكر.

وحين يردّ ثيسجر هندسة بناء الكاتدرائيات والأبنية الاغريقية الى هندسة المضيف في جنوب العراق، فقد لاحظت أنا، وبعد قيام ثورة 14تموز، كيف أنّ المهندس العراقي وضع نصب عينيه تراثه الحضاري هذا تصميما ومادة بناء، ففي مطلع الستينيات من هذا القرن، وفي مدينة الناصرية، صعد بناء ضخم من مادة الأسمنت والحديد ، وعلى شاكلة تصميم المضيف سمي بـ ( البهو) ، كما انّ المهندسين العراقيين انتفعوا من مادة القصب في سقوف الدور التي شيدت من الطابوق في الأحياء التي قامت في أغلب محافظات العراق ، والتي عرفت بالاسكانات بعد قيام تلك الثورة.

لقد غمرني شعور بالفرح والأسى معاً، وانا أحطّ قدمي في أول محطة قطار أشاهدها في السويد ، وهي محطة قطار مدينة: يونشوبنك الجنوبية ، حيث وجدت نفسي وسط مضيف حُمل فكرة من أهوار جنوب العراق ، وشيد محطة قطار في جنوب السويد ، وبدلا من أن تكون أقواس المضيف " الشِباب " من مادة القصب كانت في المحطة من مادة الخشب المصقول بلون القصب، وبدلاّ من حصران القصب ” البواري“ التي تفترش أرض المضيف افترشت أرض المحطة حصران من خشب وبتصاميم حصران القصب.

لقد استخدم السويديون الخشب كمادة بناء لأكواخ تخلو من فن الصنعة والتكوين قبيل بداية القرن السادس عشر الميلادي، وذلك لكثرة ما في بلدهم من غابات بذلوا جهودا جمة من أجل ديمومتها والحفاظ عليها، حتى ليكاد الخشب اليوم أن يكون من المواد المهمة التي تدخل في بناء البيوت ومؤسسات الدولة، لا بل قد يكون المادة الرئيسة لطراز من طرز البيوت. ومن الصور الأخرى التي تستحق التعليق عليها هي صورة الزورق " المشحوف "، وسفن أخرى كالبلم والمهيلة وغيرهما، فقد عرف سكان الأهوار صناعة هذه السفن منذ عهود سحيقة ، تمتد الى أكثر من خمسة آلاف سنة خلت ، ويبدو أنّ حاجة السكان الى التنقل في مياه الأهوار ، لانجاز أعمالهم أو السفر من مكان الى آخر، كذلك توفر نبات القصب والبردي ، كمادة خام استخدمت في هذه الصناعة أول الأمر، هما عاملان مهمان في ظهور هذه الصناعة، وإذا كان الاله " ايا " الذي نصح " أتونابشتم " ملك مدينة شورباك ببناء سفينة تتكون من سبعة طوابق، ثم طليها بالقار في قصة الطوفان المعروفة فإنّ هذه الصناعة ، وفي مناطق الأهوار ، لم يصبها تطور إلا في استبدال مادة الخام تلك بمادة الخشب، فهذا جيفين يقول: ( وقد شيد السومريون زوارقهم قبل 5000 سنة من خشب التوت وأخشاب استوردوها من ماليزيا واندونيسيا) (1) أما ثيسجر، وكما لاحظ ذلك عيناً، فيقول: ( لا يوجد خشب مناسب لضناعة الزوارق في جنوب العراق ، ويفضل بناة الزوارق خشب التوت القادم من كردستان لأضلاع الزورق ، أما الألواح التي تغطيها فتستورد من الخارج.)( 3)
في حين عرف سكان الأهوار مادة القار الذي يسمونه بـ " الجير "، والذي شاهده الرحالة الايطالي بيترو ديللافال في مطلع القرن السابع عشر ميلادي حين زار المناطق المحاذية للأهوار.(4) إذ المعروف أنّ القار مادة ملازمة للنفط ، وللنفط مكامن كثيرة في الأهوار وجوارها، وقد كان السومريون يستخدمونه كمادة بناء لشدّ طابوق جدار المبنى بعضه لبعض، ويبدو أنّ هذه المادة هي التي ساعدت على صمود المباني السومرية في أور، وغيرها من مدن العراق القديمة طوال هذا الدهر العتيّ.

لقد ظلت صناعة السفن منذ ذلك الحين على حالها دون أن تخطو خطوات أخرى، سواء أكان ذلك في بنائها أم في مواد خامها ، فأرباب هذه الحرف فقراء ليس لديهم المال الكافي كي يطوروا وسائل انتاجها ، كما انّ الحكومات العراقية المتعاقبة لم تمدّ يد المساعدة، ليس لهذه الحرفة وحسب ، وإنما لأغلب الحرف الأخرى ، إن لم أقل كلّها، فقد ظلت هذه الحكومات، ولدوافع مختلفة ، مبهورة بما يستورد من الغرب ، حيث ساهم ذلك بالخنق المتعمد لتطور هذه الحرف على طول العراق وعرضه.

إنّ الصور التي خصّ بها ثيسجر السفن والزوارق هي التي تحمل الأرقام:9،31،41،57، 85 ، وتعود في أغلبها الى السنوات الأولى التي أمضاها هو في الأهوار ، أما زورقه فيظهر في الصور: 9، 57، 58 ، والذي أطلق عليه لفظ " طراد "، وهو اللفظ العام الذي يطلقه عرب الأهوار على أنواع متباينة من الزوارق ، منها ما هو صغير الحجم ويسمى " الجليكة "، ومنها ما هو متوسط الحجم ويدعى " المشحوف " ومنها كبير الحجم ويدعونه بـ " البركش " وكان زورق ثيسجر من الصنف الأخير، ومن مميزات هذا الصنف ، بالإضافة الى كبر حجمه ، وهو جود مسامير كبيرة القرص، وبأكثر من نسق واحد على جميع أضلاع الطراد تقريبا ، وفي الحافات العليا من باطنه. لكن الغريب في الأمر هنا هو أنّ ثيسجر لم يأتِ على ذكر هذا الاسم " بركش " في كتابه عرب الأهوار ، وكلمة بركش من الفصيح وتعني الزخرفة التي تلحق الطراد من تلك المسامير ، وهذا النوع هو الأفضل والأغلى من بقية الزوارق الأخرى.

لقد رأيت أنا الزورق هذا حين خرجت مع المودعين لثيسجر بعد ضيافة أمضاها عندنا ، وكان زورقه يرسو عند شواطئ قريتينا في الصورة 84، وهو على ما يبدو ذات الزورق الذي قدمه له فالح بن مجيد الخليفة سنة 1951م، ( إذ يبلغ طوله 36 قدماً، وعرض في الوسط 3٫5 قدم فقط ، ويرتفع في النهايات عن سطح الماء الى علوّ 5 أقدام( 4)
إنّ صورة الزورق هذه ظلت تطارد ثيسجر حتى بعد أن غادر العراق، وبعد أن مرت أكثر من سنة على ذلك فلنستمع إليه يقول: ( بعد سنوات وفي أوسلو شاهدت سفن القراصنة محفوظة هناك ، وفي الحال تذكرت الزوارق في الأهوار، فكلا الطرازين لمركب له نفس البساطة الجميلة ومن أصل واحد.) (5) ويقصد ثيسجر بالأصل الواحد هنا هو الأصل السومري ، حيث ظهرت صناعة الزوارق في جنوب العراق ، ولهذا أشار جيفين بقوله: ( لقد اكتشف ليونارد وولي قاربا سومريا من الفضة يبلغ طوله قدمين أثناء تنقيباته في مدينة أور الأثرية التي تبعد أربعين ميلا عن مركز الأهوار ، والقارب معروض الآن في المتحف العراقي ، وهناك نموذجان لقارب سومري معروضان في المتحف البريطاني ، والقاربان مصنوعان من القصب والقار .... والزوارق التي يصنعها المعدان اليوم، تشبه الى حدّ بعيد نماذج الزوارق التي استخدمها السومريون.( 6)
والنوع الثاني من الزوارق هو الزوارق البدائية، والتي تظهر في الصور من رقم: 46 وحتى الرقم: 49، ومادة هذه الزوارق هي القصب والبردي أو كلاهما، وكذلك الحبال التي تصنع من خوص سعف النخيل ، ويمكن للإنسان من عرب الأهوار، سواء أكان كبيراً أم صغيرا، السفر فيها لمسافات طويلة داخل الهور، أو انجاز عمل داخل مياهه ، ولكن لابدّ من إخراج هذا الزورق البدائي ، والذي يسمى بـ" الشاشة"، من الماء بعد كلّ رحلة فيه، وإيقافه بشكل مائل على اليابسة حتى ينزل أو يتبخر كلّ ما فيه من ماء، وذلك استعدادا لرحلة أخرى، ويبدو أن الفرصة لم تسنح لثيسجر أن يصور ما يصنعه الكبار من هذا الصنف ، والذي يظهر بصورة أبهى وأجمل مما يصنعه الأطفال ، لكنه صوّر زورقا صغيرا في الفرات وقرب سوق الشيوخ يدعى" الزيمة"، وقد كان هذا الزورق مصنوعا من القصب، ومطليا بالقار، ورقم صورة هذا الزورق هو 45، كما أنّ ثيسجر حرص على الاستماع لشرح عن الكيفية التي يتمّ بها صنع هذا الزورق (7)

أما الصنف الثالث والأخير فهو السفن الكبيرة الحجم ، والتي تستخدم لنقل حمولات كبيرة، وتدعى الواحدة من بعضها " المهيلة "، وقد ظهرت صورتان لهذا الصنف في كتاب عرب الأهوار برقم: 105و 108، الأولى محملة بحصران القصب " البواري" التي تصنع في الأهوار، وتسوق الى خارجها، حيث المدن العراقية ، ومنها العاصمة بغداد ، والثانية تحمل عمالاّ موسميين في طريقهم للحصاد على ضفاف الغراف الأعلى ، وكلتا السفينتين متوجهتان من الجبايش. وهذا الصنف من السفن يعتمد في صناعته على الخشب دون القار ، وبدلا عنه يُستخدم القطن على شكل فتائل طويلة ، تُبلّ بالنفط الأسود الخفيف، بعدها تُحشا بها الفراغات الضيقة التي تمتد على طول التقاء لوحين من الألواح التي تشكل البناء الذي يضمّ أضلاع السفين، وبهذه الطريقة يُمنع الماء من النفاذ الى باطن السفينة، والسبب في عدم استخدام القار في هذا الصنف من السفن يرد الى كبر حجمه الذي يتطلب مقدارا كبيرا من القار، وبذلك تصبح السفينة ثقيلة ، وعندئذ يتعذر دفعها ، ويصيب التباطؤ حركتها.
ولم يفت ثيسجر أن يصور الورش التي تصنع فيها هذه الزوارق وهذه السفن التي هي عبارة عن أرض وفضاء، وفي أحسن الأحوال هي كوخ مهلهل ، بالإضافة الى الوسائل البسيطة الأخرى مثل الفأس والمزرف ، وهي أدوات جاءت منذ عهود بعيدة ، وأرقام هذه الصور هي من 71 والى 75
 ، ومن الجدير بالملاحظة هنا هو أنّ خبيرا نرويجيا يدعى : ثور هيير داهل قام ببناء سفينة من البردي والقصب في منتصف السبعينيات، وبمساعدة عمال عراقيين، وأمريكيين جنوبيين، وقد أطلق أسم " دجلة " على هذه السفينة ، وكان هدف المورخ هذا هو إثبات الصلة التي قامت بين الحضارة العراقية القديمة وبين الحضارة القديمة في القارة الأمريكية ، لما بينهما من تشابه كبير، لكنه لم يصغِ الى نصيحة الاله "انا" التي قدمها الى اتونابشتم ملك شورباك حين أمره ببناء سفينة الطوفان وطلائها بالقار. فلقد وقف هذا المؤرخ أمام هذه المسألة متسائلاً أكثر منه مجيبا ، فيقول : ( هل طلى السومريون سفنهم من البردي بالاسفلت حتى تقاوم الماء، وتزداد قدرتها على الطفو ؟ فقد كان لديهم أمكانية الحصول على الاسفلت الطبيعي الذي كان يتدفق من عيون الاسفلت المفتوحة خارج مدينة أور، وفي أماكن الى الأعلى منها بمحاذاة النهر، وهم قد استخدموا الاسفلت من أجل جعل سطوح منازلهم وأوعية الخزن أكثر مقاومة للماء.
فعلى رفوف المتحف * توجد نماذج زوارق قصب كانت مطلاة بطبقة اسفلتية كثيفة منذ خمسة آلاف سنة، ولكن المعروف أنّ الاسفلت ثقيل، ولهذا وبدلاً منه أُعتقد أنهم طلوا سفنهم الكبيرة بزيت سمك القرش، مثلما هو معروف بين الصيادين في الخليج، والذين لازالوا يطلون الخشب في زوارقهم الحديثة بهذا الزيت. وتوجد ألواح طينية كثيرة تحدثت عن بطل مشهور ** خلط ستة مقادير من القير، وثلاثة أخرى من الاسفلت ، مع ثلاثة مقادير من الزيت حين بنى سفينة كبيرة ، أكان هذا الخليط معتمداً كمادة طلاء..؟ 
والإمكانية الوحيدة من اجل الحصول على جواب عن هذه الاسئلة يكون في التطبيق العملي، ولهذا قررت أن أنجز مشروعي هذا.) (8)

لقد قرر هذا المؤرخ أن يبني سفينه من البردي أخيرا ، من دون ان يطليها بالقار الذي كان السومريون يطلون سفنهم به ، مثلما تشير الى ذلك المدونات الطينية القديمة، وذلك لأنه لم يهتدِ الى الكيفية التي تتمّ بها عملية الطلاء هذه، ولهذا أًصيبت سفينته بتلف التعفن مما حدا به الى إحراقها عند شواطئ جيبوتي. (9)
وإذا كان لهذه النظرية من أساس فلا بدّ من أنّ العراقيين القدامى كانوا قد طلوا سفنهم بالقير حين نزلوا بها الشواطئ الأمريكية ، ولابدّ من أن تكون شقة المياه بين القارة الأفريقية والأمريكية ليست بهذه السعة ، أو هناك طرق أخرى لدى السومريين في تسير سفنهم نحن مازلنا على جهل بها.

وخلاصة القول هي أنّ حاجة سكان الأهوار في التنقل ساعدت كثيرا على بقاء هذه الحرفة وديمومتها، فالطرق في الأهوار هي طرق مائية ، ولم تعرف الأهوار الطرق البرية إلا بعد قيام ثورة 14 تموز.
وإذا كان ثيسجر قد حمل معه تلك الصور التي أزان بها حديثه عن عرب الأهوار ، وتلك الاضمامة من الذكريات التي سطرها بين دفتي كتابه عنهم ، فإنّه حمل معه كذلك لغتهم التي تجسد الكثير منها في لغة الكتاب الانجليزية ، حتى ليشعر القارئ أحيانا أن ثيسجر يكتب بلغة عربية ، رغم أنّ الحرف كان لاتينيا ، فقد نقل هو عن عرب الأهوار اسلوبهم في السرد القصصي الشعبي ، والذي يسيطر عليه ما تعارف على تسميته باسلوب الاستطراد، هذا الاسلوب الذي أُعيب على سالكيه ما يولده من سأم لدى قارئهم، لكنّ ثيسجر أعاد هذا الاسلوب الى الحياة، وجعل القارئ يتنقل معه في فيض ملون من سحر الكلام، تداخل فيه قديم التاريخ بحديثه، وبعيد المكان بقريبه، فكأني به ذلك الرجل " المسولفجي"*** ، المتحدث في هدأة من ليل لحضور قد استولى عليهم اسلوبه في الاستطراد عن ملك فقد سلطانه بعد حياة رغد وترف، ثمّ يتركه تائها ليتحدث عن خادم له قد استولى على هذا السلطان، لكنه في الحقيقة كان ابناً للملك من زوجة أخرى هجرها منذ عدة سنوات.
مثل هذه القصص الشعبية وغيرها تجد من هو متخصص فيها بين عرب الأهوار، ويتساوى في ذلك
الرجال والنساء ، وقد يعجب المرء من سعة الخيال، ومن كثرة ما يحفظه هؤلاء القصاصون من قصص يسرح فيها عقل الإنسان، وكأنه يشاهد شريطا سينمائيا أحكم تصويره ، وتماسكت عقده وحبكته. 
هكذا تحدث ثيسجر عن الملك " الهور"، مائه وسمائه، طيوره وشطآنه، تحدث عن نباته من قصب وبردي، حيث يلقي بأعناقه نحو السماء، عن صيادي أسماكه، حيث يدفعون بصدورهم تعب الحياة، وقساوة العيش، تحدث عن تاريخ أهله، عن عاداتهم، عن حسناتهم وسيئاتهم، فوقف بذلك على الكثير، وما فاته إلا القليل، وحين تكون الأحداث طراداً، وحين تكون الصور شتى، لم يبقَ أمام ثتسجر غير اسلوب الاستطراد الذي أحكم صنعته حيث كانت الأهوار نصب عينيه ، وهو يدون كتابه في لندن غبّ سنوات من رحيلة عنها، لقد كتب عنها بكلّ شعثها الذي لمّه بقلمه المستطرد من ألفه وحتى يائه. 
وهو بعد ذلك قد أستمع لبعض من تلك الحكايات، وحرص على نقلها في كتابه عن بعض من هؤلاء المتحدثين، فعن صحين رئيس عشيرة الفريجات ينقل : ( حدثنا صحين إنّه قبل سنوات قليلة زار ثلاثة من معدان الجبور، وهم أهل قرية على مقربة من عشيرتهم، مدينة البصرة ، وكانوا شبابا ، ولم يكن أحد منهم قد غادر الأهوار من قبل، ساروا في الشارع الرئيس من المدينة مذهولين ، مرعبين ، فهم لا يعرفون أحدا فيها ، وقد كانوا جياعا يفتشون عن مضيف ، فجأة صاح رجل مرح ، ذو بطن كبيرة وسمينة ، كان يقف خارج بيت في زقاق : مرحبا ، ألف مرحب ، تعالوا، من هنا الطريق ، ثمّ قادهم الى غرفة كبيرة حيث كان عدد من الناس جالسين على الكراسي ، ويأكلون على طاولات صغيرة.

:- احسبوا أنفسكم في بيوتكم ! ماذا تريدون أن أقدم لكم ؟ مرق، خضار، سمك، لحم، حلويات ؟ أتريدون شربتا ؟ قولوا فقط ، وسأجلب لكم ايّ شيء تأمرون به ! مرحباً، مرحبا ! 
لقد أعتقد الشبان الثلاثة أنّ هذه طريقة في تصرف غريب، فمن كان قد سمع مضيفاً يسأل ضيوفه عمّا يريدون من أكل ؟ إنّه ودود، وهذا يدلّ بوضوح كيف يتصرف الناس المتمدنون.
:
- نحن نريد كلّ ما ذكرت.

- حسناً ، حسنا، مرق، وسمك، وخضار، ودجاج ، أهذا فقط ؟ وطبعاً حلويات وشربت كشراب ، دقيقة بالتمام إن سمحتم.

واحد من المعدان التفت للآخرين قائلا : واللّه إنّ رجال المدن طيبون، أين تجدون مثل هذه الضيافة في الأهوار ؟ ماذا كان آباؤنا يقصدون حين يحذروننا من أن رجال المدن أرذال.
عاد مضيفهم حاملاً عددا من صحون الطعام التي غطت الطاولة بعد ذلك، ثمّ جلب الماء لغسل أيديهم ،
 لكنهم لم يسمحوا له بسكب الماء على أيديهم، بعدها قال : هيا، تفضلوا، كلوا، احسبوا أنفسكم في بيوتكم ، أبداً، لم يكونوا قد تناولوا مثل هذه الوجبة من الطعام. لقد أكلوا ثم أكلوا.

:- دعوني أجلب لكم مزيدا من المرق ، مزيدا من الدجاج !

:- شكراً لك ، شكرا لك ، أيّ رجل هذا ؟ إنّه يقدم الكثير من الأكل.
وأخيراً أقنعوه بأنهم شبعوا، وبعد أن غسلوا أيديهم جلب لهم القهوة والشاي، بعدها نهضوا منصرفين، قائلين للرجل : اللّه يجازيك.

:- قفوا، انتظروا دقيقة، أللّه يجازيكم أنتم ، أين فلوسي ؟ ديناران ذلك هو حقي.

:- ماذا تقصد ؟ هل لديك فلوس عندنا ؟ هذا هو مضيفك، وأنت دعوتنا للدخول إليه، حين كنا مارين به.

:- كلاب، أعطوني مالي، معدان، كلاب، لصوص، انتظروا حتى أخبر الشرطة.
لقد أجبروا على دفع دينار ونصف في نهاية الأمر، ولم يتبقَ لديهم من المال ما يركبون به السيارة، ولذا عادوا سيرا على الأقدام حتى مدينة القرنة.

من هنا يمكن للقارئ أن يلمس مدى استقرار معنى هذه الحكاية التي تشيع بين عرب الأهوار في ذهن ثيسجر ، مثلما يتلمس روح هذه الحكاية العربية من خلال الألفاظ الانجليزية التي دونت بها.

= = = = = = = = = = = = =
1- العودة الى الأهوار ص19.
2- عرب الأهوار ص 127.
3- راجع العودة الى الأهوارص44.
4- راجع العودة الى الأهوار ص190.
5- عرب الأهوار ص 34.
6- العودة الى الأهوار ص19.
7- راجع عرب الإهوار ص128.
* المتحف هو المتحف العراقي .
** الألواح الطينية هي ملحمة جلجامش ، والبطل هو أتونابشتم أو نوح كما يُعتقد .
8- دجلة ص17-18.
9- لدي شريط فديو منقول عن القناة التلفزيونية السويدية الاولى يصور السفينة دجلة منذ بداية بنائها، وحتى لحظة احراقها.

*** المسولفجي في لهجة أهل العراق هو ذلك الرجل الذي يجيد سرد القصص الشعبية شفاهة. والسالفة صفة أقيمت مقام موصوف هو قصة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,516,805,096
- عن المعارك الدائرة في مدينة الناصرية !
- العراق فی تقرير للمخابرات العسكرية الدنماركية !
- الكلب المسعور يطوف في المنطقة العربية !
- عرب الأهوار ، الضيف والشاهد 14
- عرب الأهوار الضيف والشاهد 13
- الفشل يلاحق المشروع الأمريكي في العراق!
- الغزال 3
- العلم العراقي وهج الوطنية ، وجامع القلوب !
- غوار الطوشي في النجف !
- الشيوعية: تلكم الكلمة ، وذلك الآمل !
- عرب الأهوار ، الضيف والشاهد 12
- حزب الفضيلة والخطوة الاستباقية !
- عرب الأهوار ، الضيف والشاهد 11
- الحقيقة التي يجب أن لا تغيب !
- الغزال 2
- عرب الأهوار ، الضيف والشاهد 10
- الهلع يستولي على عملاء إيران في العراق!
- الدب القطبي يسبح في مياه الخليج الدافئة !
- المتعة ومرض الأيدز يجتاحان المدن العراقية !
- عرب الأهوار ، الضيف والشاهد . 9


المزيد.....




- انتخابات إسرائيل.. مصير نتنياهو السياسي
- واشنطن تدرج 16 شركة و3 أفراد بقائمة العقوبات على فنزويلا
- الحوثيون: العمليات المقبلة أشد إيلاما
- إسبانيا تعود إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر بعد فشل مشاورات ت ...
- لماذا تعادي السعودية الفلسطينيين؟
- ماذا يفعل الشاي لدماغك؟
- النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية… تحالف -أزرق أبيض- يح ...
- بالفيديو… ثعلبان نادران يركضان بمدينة لندن
- -بكل صبر وحكمة-... قرقاش يعلق على تعامل السعودية في أزمة -هج ...
- ليبرمان يدعو لتشكيل حكومة وحدة في إسرائيل


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سهر العامري - عرب الأهوار ، الضيف والشاهد 15