أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2 : المصالحة والتعايش في مجتمعات الصراع العراق نموذجا - علي الأسدي - الدولة والتنمية















المزيد.....



الدولة والتنمية


علي الأسدي
الحوار المتمدن-العدد: 1883 - 2007 / 4 / 12 - 11:56
المحور: الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2 : المصالحة والتعايش في مجتمعات الصراع العراق نموذجا
    


شهد عقد الستينيات من القرن الماضي انتشار استخدام مفهوم التنمية الأقتصادية والأجتماعية بشكل واسع. وقد اقترن هذا المفهوم بحركة التحرر والأستقلال السياسي والأقتصادي, التي بلغت ذروتها خلال تلك الفترة الهامة من حياة بلدان عديدة في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية.ان حركة التحررالوطني جاهدت بقوه واصرار لألغاء عهد الهيمنة السياسية للدول الأستعمارية،وانقاذ ماتبقى من ثرواتها التى نهب اكثرها من قبل الشركات ألأستغلالية متعددة الجنسية. وليس هذا فحسب بل كانت تطمح لأعادة بناء أقنصادها على اسس سليمة ووضعه على طريق التنمية المتواصلة.
ومع ان الحركة التحررية قد نجحت في الوصول الى الحكم في البعض من تلك الأقطار، حيث شكلت حكومات وطنية باشرت بتنفيذ سياسات اقتصادية تنموية وطنية مستقلة، غير ان ألكثير منها خسرت معركتهامع المستعمرين السابقين، فلم تفلح في ما بدأت به لتحرير اقتصادها وشعوبها، من سطوه واستغلال الشركات متعددة الجنسية. وشهدت الحركة التحر رية والحكومات الوطنية في الثمانينات من القرن الماضي انتكاسة اخرى، تسببت في انحسار محبط لأمال الشعوب المهضومة، التي انتظرت طويلآ لتشهد عهد أنتصارها، ومباشرة بناء حياتها والتمتع بخيرات بلادها. فقد ادى أنتصار النظام الرأسمالي في حربه الباردة ضد النظام الأشتراكي،الى توقف الدعم المهم والمؤثرلعملية التنمية الأقتصادية التي كانت قد بدأت خطواتها الأولى.
خلال الخمسين عامآ المنصرمة من تأريخ حافل بأحداث بعضها دامية،لم تفلح اغلب دول افريقيا واسيا واميركا اللاتينية ان تواصل تطويرأقتصادها وتقلل من معانات شعوبها. وعلى ما يظهر، فالفقر والتسول والجهل وعدم ألأستقرارالسياسي وألأجتماعي وصمة عارالمستعمرين في القرون الماضية، ستلاحق الأكثرية المغلوبة في القرن الحادي والعشرين ايضآ. فنهب خيرات شعوب البلدان النامية، يجري على قدم وساق.
وقد شهد الربع ألأخير من القرن المنصرم تدميرآ مستمرآ للبيئة ، حيث يجري ازالة غابات بأكملها في مناطق عديدة في جنوب غرب وشرق أسيا، وفي أفريقيا وأمريكا اللآتينية لأغراض تجارة ألأخشاب أو لزراعة محاصيل زراعية مكانها.

وتتحول مياه العديد من الأنهاروالبحيرات والمسطحات المائية الى مواقع لنفايات النشاطات الصناعية لشركات تنتمي لدول العالم الصناعية.
كمايجري تشجيع الحروب ألأهلية وتهريب السلاح للأطراف المتنافسة لأدامة عدم ألأستقرارألأجتماعي و الفساد السياسي والمالي كوسيلة لنهب ما تبقى من ثروات تلك الشعوب المغلوبة على امرها وافقارهااكثرواكثر.
ان دارسي ألأقتصاد والمهتمين بأحوال ما أطلق عليه في الأدبيات ألأقتصادية في خمسينيات القرن الماضي(البلدان المتخلفة أقتصاديآ)، لن يجدوا تعريفآ آخرأنسب لها اليوم، مع كل ما كتب وقيل عن معونات أقتصادية قدمت لها من الدول الغنية .
لقد بلغت مساعدات الولايات المتحدة ألأمريكية للدول الفقيرة في عام 2004 حوالي 0.16% واوربا0.7 %من ناتجها القومي. فيما مواطني نصف سكان افريقيا يحيى بنصف دولارامريكي في اليوم. أن هذا يدلل على أن تغييرآ أساسيآ الى الأفضل لم يحصل، في المؤشرات ألأقتصادية وألأجتماعية لتطورها، منذ خمسينيات القرن الماضي ولحد اليوم .
لقد حققت الدول الصناعية خلال الفترة 1950-1973نموآ أقتصاديا متسارعآ، في وقت تراجع النمو ألأقتصادي في اكثر البلدان النامية خلال نفس الفترة،
وتراجع أكثر خلال العقدين األأخيرين من القرن الماضي.
لقد أثارت هذه الحقائق، مخاوف ألأمم المتحدة من تنامي عدم المساوات، واتساع الفجوة بين الدول النامية والدول المتقدمة. فقد تراجع اكثر فأكثر متوسط الدخل الفردي في الدول النامية في العقود الثلاثة الماضية، في وقت كانت الدول المتقدمة تحقق تحسنآ مضطردآ في دخل مواطنيها.
لقد حصل هذا بشكل أساسي نتيجة الفشل في العملية التنموية في بلدان كثيرة في العالم، وليس بسبب ان دولآ حققت نموآ أسرع من ألأخرى ، ولو كان ذلك هو الذي حصل فعلآ لكان الكل قد أستفاد من النمو ألأقتصادي.
ففي الوقت الذي تحقق البلدان ذات النمو السريع المزيد من النجاحات في سوق السلع وراس المال، تواجه البدان النامية الشحة في راس المال والسلع.(1)
وتفيد منظمة الغذاء والزراعة FAOفي تقريرها لشهر أكتوبر2006، بان اربعين دولة في العالم تواجه نقصآ في الغذاء، وتحتاج الى مساعدة خارجية لتعويض النقص في منتجاتها الزراعية. وسيزيد الحالة سوء، التوقعات المتشائمة عن وضع ألأنتاج الزراعي في اكبر الدول المصدرة للحبوب، وبالأخص استراليا وألأرجنتين والبرازيل وجنوب أسيا،بسبب الحرارة والجفاف الذي أصاب هذه الدول في الموسم الحالي.
لقد قدرت المنظمة أنتاج الحبوب في العالم لعام 2006 بحدود 2.013مليارد طن،ويقل هذا الرقم بحوالي 800 مليون طن عن تقديرات شهر أب من نفس العام، وبنسبة 1.6% عن أنتاج 2005.(2)
ان اسباب تردي قطاع الزراعة الذي هو القطاع ألأنتاجي المهيمن في أقتصادها عديدة، وفي مقدمتها ألأستخدام المحدود والبطيئ للتقدم العلمي والتكنولوجي في ألأنتاج،و في تغيير الهياكل ألأنتاجية لتحسين مستوى ألأنتاجية وزيادة ألأنتاج.
أن هذه ألأسباب وغيرها، هي الأن اقوى من ذي قبل في قدرتها على كبح قوى التغيير،والأبقاء على اقتصادها الواهن ومجتمعاتها الفقيرة، تصارع الجوع والمرض والحرمان، شاغلها الرئيس السعي الدائم لتدبير لقمة العيش ولا شيئ آخر.
ويدفع هذا الواقع المحبط بقوى العمل الفتية بما فيها من كفاءات نادرة للهجرة بحثآ عن مصدر رزق خارج بلدانها، وغالبآ ما يحط بها الترحال في الدول ألأوربية وامريكا الشمالية والقارة ألأسترالية وغيرها من الدول التي تتيح لهم امكانية الحصول على فرص للعمل.
ورغم ألأمال والتطلعات العريضة، التي تلوح بها حكومات ومسؤولون، عما ستأتي به العولمة من خلال حرية التجارة وألغاء القيود والحدود امام الرأسمال ألأجنبي ، فأن واقع الحال لم يكن الا نتيجة مباشرة لممارسة مماثلة للراسمال ألأجنبي والتجارة الحرة، التي استنزفت ثروات بلدانهم ولم تجلب سوى الفقر والحرمان من التعليم والتقدم العلمي.
ان حكومة البلد النامي اذا ما شائت ان تنتهج سياسة انمائية جادة، سيتطلب منها البحث في سبل معالجة المظاهرألأقتصادية وألأجتماعية التالية:
1-الأمية الواسعة وهبوط مستويات التعليم بين السكان..
تتفشى ألأمية بدرجة يصعب معها تنفيذ برامج التأهيل والتدريب لأشاعة العلوم و التقنيات الجديدة واستيعبها من قبل أبناء المجتمع في أغلب البلدان النامية.
و قد تتعدى نسبة غير القادرين على القراءة والكتابة في الغالبية من هذه الدول ال - 50%بين الذكور، واكثرمن 90% بين الأناث، وتزداد هذه النسب الى اكثرمن ذلك بكثير في المجتمعات الزراعية والنائية.
ويعود ذلك الى اسباب أهمها سياسة الأهمال الطويلة، التي انتهجها المستعمرون السابقون عندماكانوا الحكام المطلقي النفوذ في تلك البلدان. كما ان السلطات الوطنية التي استلمت الحكم ابان مرحلة ألأستقلال, واجهت صعوبات جدية في توفير الموارد اللازمة لتنفيذ السياسات التعليمية الضرورية بين أوسع فئات المجتمع،أضافة الى الفساد السياسي والمالي الذي رافق رجالات الحكم في العديد منها، قد عرقل هو ألأخر أتباع سياسة تحد من تزايد الأمية بين ألأجيال الجديدة من مواطنيها.
وبحسب منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة فان مجموعة دول أميركا اللاتينية تعتبر ألأفضل من بين الدول النامية في عدد ألأطفال الذين يلتحقون في التعليم ما قبل المرحلة الأبتدائية ومن أعمار 3-5 سنوات،حيث تصل نسبتهم الى62% من المجموع الكلي للأطفال من نفس المجموعة العمرية.
وتبلغ النسبة في بلدان شرقي أسياوالباسفيك الى 35%، وفي جنوب وغرب اسيا الى 32%،فيما تبلغ في البلدان العربية16%، اما في العراق فتهبط النسبة الى 5.7%. ويبلغ عدد ألأطفال الذين لم تتح لهم فرص التعليم ألأبتدائي في البلدان ذاتها في عام2004 77 مليون طفل، 23مليون منهم في باكستان ونيجريا واثيوبيا والهند، حيث أناث ألأطفال تشكل النسبة ألأعلى من مجموع المحرومين من فرص التعليم. وتبلغ نسبة ألأمية بين الكبار في الغالبية من هذه البلدان الحوالي 70%. (3)
وأذا لم يجري تغيير هذا الواقع بزيادة مخصصات التعليم في ميزانيات الدول المعنية،وزيادة المعونات من الدول الغنية، فأن اي تحسن محتمل في ألأداء ألأقتصادي من خلال تبني التقنية والمعارف الجديدة في النشاطات ألأنتاجية والخدمية لزيادة ألأنتاج وألأنتاجية سيكون متعذرآ.

2- ظاهرة ألأقتصاد الذاتي في المجتمع.
تعتمد غالبية سكان البلدان النامية على النشاط المزرعي الصغير، حيث تسود المزارع الصغيرة التي تعمل فيها وتعتاش على منتجاتها المحدوة كل أفراد العائلة. ومع تزايد عدد أفراد العائلات المالكة لهذه المزارع، فان حصة الفرد الواحد من المحاصيل تتناقص وقدراته الشرائية لشراء سلع اخرى من السوق تتضائل وربما تنعدم كليآ تبعآ لذلك.
في وقت لا يشكل النشاط ألأنتاجي الواسع للسوق الا حيزآ ضئيلآ في الناتج المحلي. ان القدرة الشرائية الضعيفة للمواطنين تؤثر سلبآ على الرغبة في توسيع الأنتاج لأغراض ألسوق .
ان هذا الواقع يكمن الى جانب اسباب اخرى، خلف ظاهرة البطالة بكل اصنافها والبطالة المقنعة في الريف بشكل خاص.
ولا يشجع هذا الوضع كذلك على استقطاب الأستثمارات الأجنبية لمباشرة النشاطات التي تشغل الموارد ألأقتصادية وتتيح المزيد من فرص العمل في ألأقتصاد الوطن

3-ارتفاع معدلات نمو السكان.
بلغ معدل النموالسنوي للسكان في اغلب البلدان النامية في2004--2005 حوالي نسبة 2.2% ، في الوقت الذي تراوح معدل النموالسنوي للناتج القومي ألأجمالي بين -17%% و 4.5 %. ففي دول امريكا اللاتينية والكاريبي (42) دولة، بلغ متوسط النمو السنوي للناتج القومي ألأجمالي في عام 2003
- 6. 2 %.
و في حين يبلغ متوسط دخل الفرد لشعوب جنوب ووسط اسيا 700دولارآ امريكيآ في الفترة 2000-2005 ،فأن امكانية تحقيق تراكمآ رأسماليآ يسمح بالأستثمار في مشاريع التنمية ألأقتصادية وزيادة معدل نمو الدخل القومي يكون صعبآ للغاية، مما يجعل مهمات الحكومات الوطنية وتطلعاتها لأحداث تغيير حقيقي في مستوى معيشة شعوبها أمرآ اكثر صعوبة.(4)

4- الأداء الأقتصادي السيئ.
توالى تغيير الحكومات التي أضطلعت بمسؤلية تنفيذ السياسات ألأقتصادية، سواء عن طريق ألأنقلابات العسكرية اوصناديق ألأنتخاب، ألا ان معظمها فشل وبعضها قاد البلاد الى أوضاع اشد سوء.
وترجع اسباب ذلك الى عدم النجاح في ترجمة الوعود التي جائت بهم الى الحكم الى أفعال ، والى عدم تبني سياسات انمائية مدروسة جيدآ، ولأن ألآليات التي رافقت تلك السياسات لم تذهب بعيدآ بما فيه الكفاية لحشد الموارد البشرية وألأقتصادية ألأخرى للعملية التنموية في البلاد.
أن اخفاق تلك السياسات في تحقيق التنوع المطلوب في هياكلها ألأنتاجية وز يادة ألأنتاج من السلع والخدمات، أضطرها لطلب القروض من ألمؤسسات المالية الدولية لتمويل مستورداتها من ألأسواق ألخارجية لتعويض النقص في المنتوج الوطني من السلع الضرورية وخاصة الأغذية.
لقد حولها اللهاث نحو ألأقتراض من الخارج الى فريسة للدائنين الأجانب، مما كبل أقتصاد بلدانهم بمزيد من الألتزامات المالية والسياسية لعشرات من السنين في المستقبل.
وتحولت المديونية الى معوق اضافي للجهود الأنمائية حاليآ وفي المستقبل. حيث شكلت اعباء اضافية على الأقتصادالوطني لما يترتب عليها من فوائد، وفوائد أضافية فيما أذا لم تسدد ألأقساط في المواعيد المحددة.
ان النتائج المباشرة لعدم انتهاج و لأخفاق السياسات ألأقتصادية التنموية في البلاد، يدفع باعداد أضافية من قوة العمل الى جيش العاطلين عن العمل، والى مزيد من التدني في نصيب الفرد من الدخل الوطني، والى انخفاض المستوى المعيشي للغالبية من المواطنين.
5- الجهل والثقافات البدائية
تهيمن على تصرفات افراد المجتمع ومواقفهم من تغيير نمط الحياة والعمل المثابر والمبدع ثقافات بالية من مخلفات عهود بعيدة لم تعد تتلائم مع العصر الحاضر. حيث يستشري التشبث الشديد بالقديم والأستخفاف والتردد والحذرمن كل جديد في التقنيات والعلوم المهمة والضرورية، التي لها اهميتها وتأثيرها المباشرعلى تحسين اساليب الحياة والأنتاج وزيادة انتاجية العمل في الأقتصاد الوطني.
ومما يعزز هذا الواقع الردئ ويمنحه صفة الديمومة، يأس ألأجيال الجديدة من الشباب من حصول التغيير في الواقع ألأقتصادي، وانكفائها عن الكفاح من أجل اسقاط الحكومات الفاسدة والمجيئ بالسلطة السياسية التي تتعهد ببرنامجها للأصلاح ألأقتصادي و تحسين المستوى المعيشي لأبناء الشعب المقهورين.

هذا أضافة الى الدورالدولي الضعيف، في الضغط على حكومات الدول التي تعاني شعوبها من الجهل والتخلف الثقافي، والعجز في تقديم المساعدات المادية والفنية لها، لأشاعة ورفع مستوى التعليم الأساسي في صفوف مجتمعاتها، لمساعدتها في تجاوزالثقافات البالية واستيعاب المعارف الجديدة والمفيدة.

6- تردي مستوى الخدمات الصحية .
المستوى الصحي العام الهابط لمجتمعات البلدان النامية، هو ألأخر نتاج اهمال الحكومات غير الكفوءة والفاسدة، التي لم تعمل بجدية اوحرص لصالح مواطنيها.
لقد اد ت المخصصات الضئيلة الموجهة للخدمات الصحية في الميزانيات الحكومية عبرعشرات السنين، الى تعرض السكان الى مختلف الأمراض والى نسبة عالية للوفيات بين الأطفال دون الخامسة من العمر.

وحسب أحصائيات الأمم المتحدة لعام 2006 فان حوالي عشرة ملايين طفل دون الخامسة يموتون بسبب أمراض يمكن تجنبها(5)
. و بسبب مرض الملاريا وحدها يفقد مليون طفل حياته سنويآ أغلبيتهم في البلدان الفقيرة.
و تبلغ حصة الفرد من النفقات الحكومية على الأدوية أقل من عشرة دولارات سنويآ. وفي العراق البلد المصدر للنفط منذ عشرينيات القرن الماضي، بلغ ألأنفاق الحكومي على الصحة العامة 2.7% من الناتج القومي ألأجمالي، ليكون نصيب الفرد من النفقات الحكومية على الصحة في 2003 حوالي 64 دولارآ.

وليس غريبآ ان يتراوح متوسط العمر المتوقع للحياة للفرد العراقي في حدود 49 عامآ، وعدد وفيات ألأطفال قبل الخامسة من العمر بين 120—130 طفل في ألألف من السكان. (6)
بينما يزيد نصيب الفرد على الصحة في الدول المتقدمةأقتصاديآ عن الف دولار سنويآ.
أن عدم توفر الرعاية الصحية الكافية والضرورية في البدان ألأفقر أقتصاديآ، جعل المتوسط العمرى للحياة ينخفض ليصل الى حدود الثلاين عامآ. ولهذه الظاهرة آثارها السلبية البالغة الخطورة على العمر الأتتاجي لقوة العمل، وعلى أنتاجية الفرد الواحد منها.

7- أنخفاض معدلات نمو و حجم التراكم الرأسمالي وسوء أستخداماته.
مع ان عددآ من البلدان المذكورة، توفرلها بعض مقومات التنمية،مثل: نسبة عالية للتراكم الرأسمالي،وامكانات ادارية وفنية ملائمة نسبيا لمباشرة عملية التنمية، ألا ان تفشي ظاهرة الفساد الأداري والمالي,في قمة السلطات الحاكمة فيها،وغياب الحياة البرلمانية والرقابة الجماهيرية، أعاق في الواقع تحقيق تقدم ملموس في المسيرة التنموية.
ان دولآ مثل العراق ونيجريا والجزائر وفنزويلا، مصنفة كونها من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز في العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي،لم تتبنى استراتيجية واضحة في توجيه موارد صادراتها من النفط والغازلصالح تنمية اقتصادية متوازنة ومتواصلة.
في العراق مثلآ عوملت الموارد المتأتية من صادرات النفط وكأنها عائدات لرئيس النظام الشخصية،حيث كان يتم الأنفاق بناء على توجيهاته من دون ان تكون لأي جهة حكومية صلاحية الأعتراض او الموافقة او تحديد المبالغ او اوجه صرفها.
والمراقب المحايد يستطيع دون كبيرعناء من خلال جولة ميدانية في أنحاء متعددة في العاصمة العراقية بغداد،ان يتيقن من هول الهدرفي المال العام الذي كرس لبناء القصور الرئآسية الموزعة في انحاء عديدة منها،والجوامع المشيدة، اوالتي في طور التشييد، التي خطط لها، لتنافس في ضخامتها ومواد بنائها وعدد قبابها ومنائرها، كل ما شيد من بيوت الله في العالم، ومنذ ظهور الأسلام وحتى الأن.
وفي الوقت نفسه وعلى بعد بضع كيلومترات من هذا الترف المتخلف وفي طول البلاد وعرضها ايضا،تشاهد صورآ اكثرمصداقية، حيث بيوت الطين ومسقفات الصفيح، التي لم يسجل مثيلآ لها في وقتنا الحالي، ألا في افقر بلدان العالم واشدها تخلفآ اقتصاديآ وثقافيآ وأجتماعيآ.

8- بدائية و رداءة طرق ووسائط النقل ووسائل المواصلات وألأتصالات.
تحضى العاصمة والمدن الرئيسية في اغلب البلدان النامية ببعض الطرق المعبدة الجيدة، في حين تنعدم السبل الصالحة لسير العجلات والأفراد ونقل البضائع في انحاء البلاد، مما يجعل ارتباط مراكزالأنتاج بالأسواق يواجه صعوبات بالغة.
وتزداد حالة خدمات النقل والمواصلات سوء، في مواسم الأمطاروالظروف المناخية الأخرى، حيث تتعطل المواصلات بين المدن نفسها، وبين هذه والمناطق المعزولة الأشد فقرآ.
ان استمرارهذا الوضع يحول دون استخدام موارد اقتصادية واجتماعية جديدة لزيادة ألأنتاج السلعي في قطاعي الصناعة والزراعة وامداد الأسواق بها بيسروسهولة وانتظام.
حيث ان انعدام الطرق الجيدة بين مراكز ألأنتاج ومراكز التسويق في المدن ألرئيسية في البلاد، او مع دول الجوار، يجعل توريد السلع في غايةالصعوبة. هذا أضافة الى تعرض السلع المنقولة للتلف، بسبب رداءة الطرق، ووسائل الحفظ ،أضافة الى كون بعض السلع ألزراعية لاتحتمل النقل لمسافات طويلة.
كما تعاني الكثير من المدن والمناطق الزراعية من أنعدام وسائل الأتصالات الحديثة، وردائة المتاح من وسائل الأتصالات السلكية مما يعيق النشاطات ألأقتصادية في مختلف أنحاء البلاد ومع الخارج.
9- اهدار سافر للبيئة وأهمال لقواعد حمايتها.
تتعرض البيئة الطبيعية في اكثر هذه البلدان لللأهمال و التدميرالمنفلت. فالسلطات المحلية و الشركات المحلية ، تمارس نشاطا تها الأقتصادية المختلفة في انحاء عديدة من البلاد، بمعرفة او دون معرفة لشروط حماية البيئة.
أما الشركات العابرة للقارات، فهي على علم مسبق بتلك القواعد السارية في بلدانها ألأم،ومع ذلك تتجاهلها موغلة في نشاطاتها المضرة ببيئة البلد التي تنشط فيه. ويفاقم الوضع اكثر، عدم وجود قواعد حمائية، او هيئات حكومية او شعبية تتابع وتقاضي الجهات المتجاوزة على المحيط البيئي والتي تلحق به ألأضرار.
كما ان العديد من المسؤولين السياسيين وألأداريين في البلدان النامية، فضلوا المنافع الشخصية مقابل السكوت عن الهدر الواضح لثروة البلد ألأقتصادية والبيئية و التضحية بمصالح بلدانها الوطنية.
وكما يتنبأ العلماء،فأن من المتوقع ان تزول من على وجه ألأرض،ظواهر الحياة البرية تمامآ خلال فترة حياة اطفالنا الحاليين. مع العلم ان هذه الظواهر(البرية) قد وجدت منذ ملايين السنين. ذلك ان النشاط التجاري يساهم بأزالة وانقراض المواطن الطبيعية الفسيحة التي تؤوي انواعآ نادرة وفريدة من كائنات الغابات المطرية وغيرها من المناطق في العالم .
حيث تمضي ازالة مظاهر الحياة البرية يومآ بعد آخر في مناطق قصية نائية تمتد من بورينيوفي جنوب شرقي آسيا، الى غابات حوض الكونغو، فاسحة بذلك المجال للنهم البشري،الباحث عن الحياة والمساحات والموارد الجديدة.(7)
أن حركات حماية البيئة في الدول المتقدمة، استنفرت كل الحكومات في العالم للتدخل لأجبار شركاتها العاملة في مجال الصناعات ألأستخراجية والتعدين وقطع الأخشاب والصناعات الكيماوية والبتروكيماوية على احترام شروط حماية البيئة وأحترام مصالح البلدان التي يعملون فيها.
ان مثل هذه النداءات قد تجد من يسمعها ويستجيب لضغوط منظميها في الدول المتقدمة، ألا انها تواجه بالأستخفاف واللامبالات ما دامت تخص نشاطات في البلدان الفقيرة.
والأخطر من ذلك كله ان بعض الدول الصناعية والنووية منها تستخدم ألأراضي الصحراوية النائية و اعماق البحارالمحاذية للدول الفقيرة، للتخلص من نفايات مصانعها الخطرة على المحيط البيئي دون علم وموافقة حكوماتها المستقلة.

ان الواقع الأقتصادي والأجتماعي والسياسي المنوه عن أسبابه و مظاهره في السطور السابقة،يعتبر الهدف الذي ينبغي العمل على تغييره، وايجاد المناخ الملائم لمباشرة التنمية ألأقتصادية المستدامة، التي تتبادل المنافع مع المحيط البيئي في هذه الأقطار والعالم.
ان مهمة توفيرالمناخ الملائم للتنمية يتطلب الكثير من الجهود الذاتية من قوى المجتمع العازم على النمو،ومن المجتمع الدولي وفي مقدمتها الدول الصناعية المتقدمة، ومنظمات الأمم المتحدة ولعدة عقود من السنين.
ومن دون هذاالكم من الجهد المنظم والمتواصل، لن يكون بمقدورمجتمع او دولة لوحدها،ان تضطلع بمهمة تغييرالواقع ألأقتصادي وألأجتماعي الراهن، وتحقيق تقدم ملموس في مستوىمعيشة وحياة شعوب البلدان الفقيرة.
وبهذا الخصوص يتفق الخبراء الأقتصاديون واساتذة الأقتصاد المرموقون على ان التنمية الأقتصادية في البلدان المتخلفة اقتصاديآ,تواجة مشكلات كبرى، و ان البعض منهم، صور المشكلات التي تواجهها,بجبال من الجليد يتطلب لأذابتها طاقات هائلة، وعلى المجتمعات والحكومات التي تسعى لتطويربلدانها، ان تعمل بمثابرة مستخدمة كافة السبل الأقتصادية والسياسية والأدارية لتحقيق تلك المهمة.
ب- تدخل الدولة الأقتصادي
من المعروف ان التنمية الأقتصادية في مراحلها ألأولى، قد أنجزت في الدول الصناعية ، بقدرما من التدخل الحكومي المباشر، وبقدر اوسع من التدخل غير المباشر في ظل أقتصاد السوق. ولم يقلل احد من اهمية وضرورة ذلك التدخل لأرساء أسس النمو ألأقتصادي المتواصل.
فقد انتهجت اليابان والمانيا الأمبراطورية نهجآ تدخليآ اوسع مما اتبع في الولايات المتحدة اوأنكلترا(8).
أن اضطلاع الدولة بنصيب كبير في تلك المرحلة من التطور،قد ساعد في أشاعة أستخدام اساليب انتاجية جديدة ادت الى زيادة ألأنتاجية في الزراعةوالصناعةوالخدمات والى تحسين مضطرد في ظروف العمل.
لقد تم دعم و تشجيع ألأبتكاروالتجديد والبحث العلمي والفني وأستخداماتها في مختلف ميادين النشاط الأقتصادي.ولقد أسهم هذاالتدخل في تحطيم القيود التي كانت تكبل الموارد الأقتصادية، والى تنويع الأنتاج و توسيع العمليات الأنتاجية، وتشجيع التجارة حول العالم.
وقد عاشت دول الأقتصاد الحرحتى الحرب العالمية الأولى عصرآ ذهبيآ تميز بالنموالدايناميكي للدخل القومي وتراكم رأس المال مما اتاح لشعوب بلدانها تحسن مستمرلمستواها المعيشي.(9)
لقد قامت الدولة بأستثمارات واسعة في الوفورات الخارجية،من طرق وجسوروموانئ وقنوات ري وبزل،ومحطات توليد الطاقة، ومجمعات سكنية واسعة،ومستشفيات ومدارس ومعاهد وجامعات وغيرها كثير، في مناطق مختلفة من البلاد.
ولم يكن الغرض من هذه ألأستثمارات تحقيق ألأرباح لصالح الدولة،بل لأيجاد المناخ الملائم لتشجيع المبادرات الخاصة لمباشرة استثماراتها في حقول النشاط المختلفة، حيثما وجدت الوفورات الخارجية.
وليس هذا فحسب، بل قامت الدولة بأستثمارات مباشرة في الصناعات الأستخراجية والتحويلية التي لم يكن القطاع الخاص مستعدآ لمباشرة النشاط في مجالاتها، لضخامة متطلباتها الرأسمالية وأرتفاع نسبة المخاطرة فيها.
فصناعة أستخراج الفحم والنفط والغازوالفوسفات والكبريت وصناعة الحديد والصلب استمرت لفترة طويلة نشاطآ حكوميآ مباشرآ.
ومع ان مبادئ الحرية ألأقتصادية هي جوهر النظام الرأسمالي السائد في تلك الدول، ألا انها رغم ذلك، قامت بنشاط أقتصادي مباشر، كان الغرض منه تشجيع القطاع الخاص على خوض غمار ألأستثمار والأستفادة من الفرص.
وقد قامت الدولة بعد ان نجحت في استقطاب رأس المال الخاص الى المناطق الجغرافية وحقول النشاط المختلفة، بنقل ملكية بعض مشاريعها ألأقتصادية الى القطاع الخاص في فترة لاحقة.

في ثمانينيات القرن الماضي بدأ العد التنازلي لأنحسار دور الدولة في النشاط ألأقتصادي مع ترسخ نظرية الليبرالية الجديدة( Lismus Neoliberal) ومقولتها الرئيسية ...ما يفرزه السوق صالح, أما تدخل الدولة فهو طالح... ، التي ارتبطت بمجموعة من ألأقتصاديين وعلى رأسهم الأقتصادي ألأمريكي الحائز على جائزة نوبل ألأستاذ: ملتون فريدمان(10).
وتحت تأثير هذه الليبرالية أتخذت معظم ألدول ألأوربية والغربية عمومآ سياسات عدم التدخل ومباشرة بيع مشاريع الدولة الى القطاع الخاص.
ومع ان المسؤولين في الدول الرأسمالية قاطبة, يحاولون ألأيحاء لبقية العالم ان العولمة هي نتيجة حتمية للتطور ألأقتصادي العالمي، فان واقع الحال غير ذلك. فالتشابكات ألأقتصادية ذات الطابع العالمي ليست حدثا طبيعيآ بأي حال من ألأحوال، وانما هي نتيجة حتمية خلقتها سياسة معينة بوعي وارادة .
فألحكومات والبرلمانات هي التي وقعت ألأتفاقيات وسنت القوانين التي الغت الحدود والحواجز، التي كانت تحد من تنقل رؤوس الأموال والسلع من دولة الى أخرى.فرجالات الحكم في الدول الصناعية الغربية هم الذين خلقوا، أبتداء من تحريرهم المتاجرة بالعملات ألأجنبية وعبر السوق ألأوربية المشتركة، وأنتهاء بالتوسع المستمر لأتفاقية التجارة العالمية المسمات ’’الجات ’’ الحالة التي يعجزون ألأن عن معالجتها (11).

أن الدول الساعية للنمو في الوقت الحاضر تواجه ضغوطآ منقطعة النظير للأنظمام الى النظام الجديد و العمل بشروط السوق الدولية الجديدة، ( بمعنى اخر ألأذعان لديكتا تورية السوق العالمية).
ومن دون الدخول في تعقيدات تبعات الليبرالية الجديدة على مجهودات الدولة الساعية للتنمية، نود وضع تصور لما ينبغي فعله للنهوض بأقتصادها الواهن.
ان المشاكل التي تواجهها التنميةالأقتصادية في البلدان الساعية للنمو، برغم تشابكها وعمق تجذرها في ألأقتصاد والمجتمع، تعتبر في ظل الظروف السياسية وألأقتصادية العالمية الحالية، اخف وطأة وتعقيدآ, مقارنة بتلك التي واجهتها دول اوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، اثناء مباشرتها عملية التنمية.

فلم يكن في تلك الفترة التاريخية, هذا الكم من التقدم العلمي والتقني المتاح في العالم ,بما يعني انها اعتمدت على جهودها الذاتية, لأنجاز تنمية اقتصادها. اما في الظروف الراهنة, فبمستطاع البلدان الساعية للتنمية,الأستفادة من تجارب البلدان المتقدمة، في الكثير من الميادين,والأستعانة بمنجزاتها العلمية والتقنية, اضافةالى التعاون في مجال تمويل المشروعات الأقتصادية.
ان تطوير الزراعة وتوسيع قاعدة الصناعة والبنية التحتية، هي المهمات التي بها ومنهاتنطلق العملية التنموية. وان ترك هذه المهمة للمبادرة الخاصة لوحدها،لم يأتي في الفترات الماضية بما يكفي من قوة الدفع الضرورية لبدء عملية التنمية الأقتصادية.
وسبب ذلك واضح جدآ،وهو،ان امكانات القطاع الخاص المالية والفنية محدودة، حيث تستدعي الحاجة، الى أتاحة قدرات اضافية، من خارجه.
ومن هذه الزاوية ينبغي النظر الى التدخل المباشر للدولة على انه حجر الأساس للتنمية الأقتصادية في مراحلها ألأولى. لأن تدخل الدولة غير المباشر على اهميته، لن يحدث الأنعطافة المطلوبة ، لأحداث التغيير الجوهري في حجم الموارد ألأقتصادية اللا زمة لبدء عملية التنمية ألأقتصادية.
من هنا فان تفعيل دورالدولة غير المباشر، بهدف استقطاب رأس المال الخاص،له صلة مباشرة بمدى جدية ما تتخذه من اجراءات ادارية، وبما تشرعه من قوانين، وما تصدره من أنظمة مالية ونقدية،سواء في مجال السياسة التجارية الخارجية، او الداخلية.
فهي مدعوة للعب هذا الدور المهم، لتوجيه الموارد المالية، والبشرية، للقطاع الخاص، وزجها في العمليه التنموية. كما تدعو الحاجة، الى تنظيم التجارة الخارجية, لصالح تشجيع الأستثمار، في ميادين الزراعة، والصناعةالتحويلية والأستخراجية, لزيادة وتحسين الأنتاج فيها.
و لتحقيق هذا الهدف ينبغي العمل على ازالة معوقات استيراد المواد الأولية، والتقنية، والخبرة الفنية. كذلك اتاحة المزيد من التسهيلات الجمركية، امام المصدرين المحليين لزيادة صادراتهم للسوق الخارجي.
و لمزيد من الأنفتاح على العالم الخارجي، ينبغي، في الوقت نفسه،تطوير النظام المصرفي،والأرتفاع بمستوي ادائه،الى مستوى ما بلغته الخدمات المصرفية في العالم المتقدم، والى مزيد من الأنفتاح على الأسواق المالية الدولية. اذ يتيح هذا، امكانية استقطاب، رأ س المال العربي والأجنبي،للأستثمار في النشاطات الأقتصادية المختلفة.
اما على الصعيد الداخلي، فمن الضروري ان تنصرف جهود الدولة, لتنظيم استخدام الموارد الأقتصادية والأجتماعية,عبراستصدار التشريعات والأنظمة والأجراءات الضرورية، وبوضعها موضع التطبيق ومتابعة تنفيذها.
. فالضرائب المباشرة وغير المباشرة كآليات للسياسة المالية، استخدمت بنجاح في الدول المتقدمة أقتصاديآ، في حفز راس المال الخاص على ألأستثمار في الحقول التي تمثل من وجهة نظرها اهمية خاصة.
والى جانب ذلك ولنفس الأهداف، يمكن ان تلعب السياسة النقدية تأثيرأ مباشرآ، لأستقطاب القطاع الخاص، وتشجيعه على الأقتراض من المصارف المحلية، وفقآ للتوجهات ألأقتصادية للدولة.
ان الكشف عن الموارد الطبيعية في البلاد، ومحاولة استغلالهابالجهود الذاتية الوطنية، يعتبر مهمة صعبة التحقيق في ظل الظروف الفنية والعلمية والمالية للدولة النامية.
ان هذه المهمة تحتاج بطبيعتها الى خبرة فنية عالية وأستثمارات رأسمالية ضخمة, مما يتطلب من الدولة، ان تستخدم علاقاتها السياسية لأقامة تعاون متبادل مع الدول والمنظمات الدولية, للمساعدة في تقديم القروض و الخبرة والتقنية اللا زمة في هذا المجال الحيوى، عبر اتفاقيات تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة.
ويلخص الأقتصادي المرموق والخبير بأقتصاديات الدول النامية الأستاذ جيرالد ماير، المهام التي ينبغي للدولة ألأضطلاع بها للأ سراع في عملية التنمية ألأقتصادية. حيث يرى، ان هناك عدة حقول للنشاط الحكومي لصالح دفع الأقتصاد وتحريك عملية النمو. ومن هذه الحقول:(12)
1- امكانية الحكومة في توفير الأسواق,بواسطة تشجيع بعض الترتيبات المؤسسية المناسبة.
2-ممارسة النشاط الأقتصادي الحكومي في تلك الميادين التي قد يستطيع الأفراد ان ينشطوا فيها, الا ان نشاطهم هذا لايكون مرضيآ الى نفس المدى كنشاط الدولة.
3-المشاريع الأنتاجية الحكومية المباشرة,في المجالات التي تقل ارباحها, او ترتفع مجازفتها,بحيث لا تستهوي النشاط الأقتصادي الخاص.
4-الحاجة للتوجيه الحكومي لتشجيع تحقيق الوفورات الخارجية والنمو المتوازن بوجه عام.
وتبرز اهمية الدولة،في قدرتها على اعداد الخطط او البرامج الأقتصادية, لتنسيق نشاطي القطاع العام والخاص, وضمان تكامل العملية التنموية، و حيث تتزايد الحاجة, الى البحث, عن افضل البدائل, لتنفيذ المشروعات الأقتصادية.
ج- التدخل المباشر...بين النظرية و التجربة

ان التدخل المباشر يعني مزاولة الدولة نشاطآ انتاجيآ. تقوم هى عبر مؤسساتها المتخصصة، باقتراح وتخطيط وتمويل الأستثمارات والأنتاج وتوزيعه، وفقآ لسياستها، وبالطرق التي تراها ضرورية ومناسبة, وتتصرف بالعوائد المتأتية عن هذا النشاط لتحقيق الأهداف الأقتصادية والأجتماعية المرسومة من قبلها.
والتدخل المباشر من وجهة نظرانصاره، هو وسيلة للتوجيه والتأثير في اتجاه ومعدل النمو الأقتصادي. ويعتمد ذلك على مدى سعة قاعدة الأستثمارات، وعلى اهمية الفروع والمشروعات، التي يشملها ذلك التدخل. وكلما اتسع نطاق التدخل، وكان اكثر شمولآ، او شمل اكبر المشروعات اهمية، في النا تج القومي او التجارة الخارجية, كانت الدولة، اكثر قدرة، على التاثيرفي العملية الأنمائية.
لقداختلفت التجارب الأنمائية، في البلدان النامية، في مدى اعتمادها، على التدخل المباشرللدولة.
فقد اقتصر الأستثمار الحكومي المباشر في البعض منها,على المشروعات الكبرى، الكثيفة راس المال، المقتصدة في العمل اليدوي. مثل مشاريع التعدين، وصناعات تكريرالنفط واستخراج المعادن والصناعات الكيماوية،والصناعات الألكترونية، ذات الأهمية الأستراتيجية في الناتج الوطني. بينما ذهب البعض الأخر، ابعد من ذلك, ليشمل فروع الصناعة الخفيفة.
ان بعض الأقتصاديين امثال (هيكنز وليبنستاين),كانوا قد انتقدو التدخل المحدود, واعتبروه موقفآ انهزاميآ. فهم يرون بوجه عام , انه اذا كان لبرنامج التنمية, ان يكتسب اندفاعآ وقوة يمكنانه من النجاح,فمن الواجب ان يفعل بسرعة وشمول خلال الأقتصاد كله. وانه ما لم يترتب على البرنامج الأنمائي تغييرات ضخمة, فان عملية التنمية لا يمكن ابدآ ان تكون تراكمية ومثابرة بذاتها. وبموجب راي هذين الأقتصاديين, فانه ينبغي ان يكون برنامج التنمية ذا حجم (ادنى مناسب) لمعالجة الأمور التي لا تقبل التجزئة, للتغلب على المشكلات القائمة.(13)
ويذهب كل من نيركسه ورودان، الى ابعد من ذلك .حيث يرى رودان، ان تنمية الصناعات التحويلية، تستلزم اولآ اسثمارآ ضخمآ، في تكوين راس المال الأجتماعي,وبضمنه النقل الداخلي ,والقوة الكهربائية والموانئ,وتجهيز المياه بالأنابيب، وما الى ذلك. ولأسباب فنية , تعد هذه الأشكال من الأستثمارات غير قابلة للانقسام, كما ان الحد الأدنى من حجومها كبير جدآ. ولهذا السبب تستلزم قدرآكبيرآ من راس المال.كما ان فترة تكوينها او تكاملها طويلة, اي ان المشروع يستغرق وقتآ طويلآ. وينبغي ان يوجد في الوقت نفسه، تنمية لصناعات سلع راس المال والسلع الأستهلاكية, حتى يتاح للطاقة الأضافيةمن الطرق,وسكك الحديد ومحطات الطاقة الكهربائية ان ينتفع بها على وجه السرعة. ان هذا العمل الضخم، والذي اطلق عليه رودان (الدفعة القوية)،هو عمل حكومي، ضمن برنامج استثماري واسع النطاق,تتخذ فيه القرارات المهمة، حول الأنتاج، من قبل سلطة حكومية، وليس من قبل عدد ضخم، من المنظمين لكل منهم رؤيته الخاصة. والدولة بقيامهابهذه الأستثمارات الصناعية انما ترمي الى تحقيق هدفين.(14)
-أنجاز بناء هذه الصناعات لأهميتها ألستراتيجية(دون أنتظار ما يمكن ان ينجزه القطاع الخاص منها) وذلك لروابطها الخلفية المتعددة.
-بسبب علاقاتها الأمامية الواسعة، توفر الأساس الأنتاجي لعدد غير محدود من النشاطات والمشروعات الصناعية المربحة.
ان وجهات النظر السالفة الذكر، لو أخذت طريقها للتطبيق الفعلي في البلدان المتخلفة أقتصاديآ،لكانت نقلتها الى مراحل متقدمة من التطورألأقتصادي وألأجتماعي الشامل.
ان البعض من الدول الساعية للنمو، قد حاولت جاهدة في ستينيات القرن الماضي، أتباع النهج الذي ينسجم مع المنطلقات الفكرية القيمة التي اوردها نيركسه ورودان وهيكنز وليبنستاين وغيرهم من أقتصاديي هذه المدرسة.
ألا ان محاولاتها تلك لم تفلح في السيربعيدآ في طريق ألتنمية. لقد واجهت غالبيتها مشاكل ندرة رأس المال والخبرة الفنية والأدارية التي تتطلبها المباشرة في تنفيذ برامج التنمية الطموحة التي اشير أليها.هذا أضافة الى ان معظمها لم تنعم بالأستقرارالسياسي اللازم، فقد اطيح بها بأنقلابات قادها عسكريون ينتمون لعهد الحكم الأستعماري-الأقطاعي المتخلف السابق.
لهذه ألأسباب وغيرها لم يكن ممكنآ ان تأخذ ألأراء المهمة للأقتصاديين المارذكرهم، طريقها الى التنفيذ، في واقع الظروف ألأقتصادية والسياسية المحلية والعالمية حينذاك.
والسؤال الذي نطرحه بهذا الخصوص، هو: هل حقآ لم يأخذ اولائك ألأقتصاديون بنظر ألأعتبار، واقع ألظروف السياسية والأقتصادية السائدة محليآ وعالميآ عندما نشرت أرائهم تلك لأول مرة في ستينيات القرن الماضي؟
وأذا كانوا قد توقعوا أن التمويل الدولي، كفيل بحل مشاكل ندرة راس المال فيها، فقد أثبتت تجارب بلدان عديدة خطأ ذلك ألأعتقاد .فالتمويل الدولي باهض الثمن، وان بعضآ من أولائك الذين استخدموه يدفعون فوائده الباهضة على حساب جوع ومعانات شعوبهم، وبعضهم الآخرعاجزعن دفع الفوائد والقروض ذاتها. ومع الأيام والسنين تتضخم المديونية وتتزايد الأعباء وتتراجع الآمال في التنمية، ويسعى العديد من البلدان النأي بنفسها عن فخ البنك وصندوق النقد الدوليان.
د- تجربة التدخل المباشر...هل ينبغي تقويمها ؟
لقد نفذت الدولة مشروعات اقتصادية في مجالات مختلفة، في العديد من الدول النامية، ألا ان القليل منها كان جديرآ بالدراسة والأفادة .وحيث توفر لهذا النشاط شروط نجاحه، من ادارة ذات كفاءة فنية عالية امتازت بالنزاهة والحس الوطني المسؤول.
في العراق امثلة عديدة بوشربها في صناعة تكرير النفط في منتصف الخمسينيات ثم بعيد ثورة تموز1958 في مجال التنقيب وأستخراج النفط. كما تم توسيع دور الدولة في السنوات اللاحقة في مجال صناعات الفوسفات والكبريت واليوريا والسمنت وغيرها.
ان تلك النشاطات الأقتصادية رغم ما اصابها من أنتكاسات في ظروف الحروب والحصار الذي فرض على العراق في ثمانينيات القرن الماضي، ألا أنها تعتبر تجربة جديرة بالدراسة والدعم، حيث حققت نجاحات اقتصادية وفنية في ظروف غير عادية. وتجدر ألأشارة هنا الى أن أحد عوامل نجاح تلك المشاريع، هوالمستوى المهني العالي، و ونزاهة الكادرالمسؤول في تلك الفترة الزمنية، حيث لم يستشري بعد الفساد ألأداري والمالي كما هو الحال ألأن.

لقد حدث ما يغايرذلك في بلدان نامية عديدة اخرى، حيث نفذ التدخل الحكومي عبر اجراءات ادارية ,لم يراعى فيها واقع الحال, أضافة الى تفشي االفساد الأداري والمالي وتدني كفاءة الأداريين والفنيين الذين نصبوا على رأس المشروعات ألأقتصادية الحكومية.
لقد تم في بعض البلدان النامية،في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي, تاميم مشاريع القطاع الخاص في الزراعة، والصناعة، وفي المجال المصرفي والتأمين والنقل والأتصالات، والتي ما لبثت ان تحولت الى عبئ ثقيل على كاهل الأقتصاد الوطني، بسبب ادائها الأقتصادي السيئ.
ان قرارات التأميم تلك، قد وجهت موارد اقتصادية حكومية، كان يمكن ان توظف في نشاطات خارج اهتمامات القطاع الخاص. هذا الى جانب تفريطها بالدور الأيجابي الذي كان قد اضطلع به هذا القطاع قبل تأميمه. كما أدت تلك القرارات ألى أحجام رأس المال الأجنبي عن المساهمة في ألأنشطة الأقتصادية العديدة ذات ألأهمية البالغة للتنمية في تلك البلدان.هذا اضافة الى هروب رأس المال الخاص الوطني الى الدول الأجنبية والعربية المجاورة،بحثآ عن فرص أستثمارية أكثر أمانآ.
أن الدراسة المتأنية تعتبر ضرورية, لأنتهاج سياسة متماسكة ومعمقة تدرس للجدوىألأقتصادية،لأي مشاريع تنوي الدولة القيام بها, على ان تضمن ادارة نزيهة ذات كفاءة فنية عالية لأدارتها
أن احد أهم المهام التي تواجه أدارة المشروع ألأقتصادي، هي التطوير الدائم للقدرة التنافسية لمنتجاته،وهذا يتطلب تحسين متواصل لنوعيتها وضمان تخفيض تكاليفهاألأنتاجية.
وتتحقق هذه ألأهداف بالحرص على المواد الخام ،والعمل على الأقتصاد في استخدامها في العمليات الأنتاجية، وصيانتها اثناء النقل والتخزين.
هناك الكثيرمن الدراسات، قد بينت، ان أحد اهم ألأسباب لأرتفاع تكاليف الأنتاج في مشروعات الدولة، يعود، الى سوء ألأستخدام، والنسبة العالية للفاقد، عند التعامل مع المواد الأولية،أضافة الى وسائط النقل غيرالملائمة
كما يعتبرتنظيم العمل والعمال، من اهم مقومات نجاح المشروعات الأنتاجية. فالأداء غير المرضي، وتكرار الأنقطاع عن العمل, والأحتفاظ بقوة عمل، تزيد عن حاجة المشروع , وعدم معالجة النقص في اليد العاملة في الوقت المناسب, أواستخدام أختصاصات غير مناسبة للوظائف الشاغرة, تشكل اسبابآ لزيادة التكاليف. وهذا يتطلب ادارة ذات صلاحيات، تسمح لها بمعالجة الخلل الحاصل، في اي وقت واي مرحلة من مراحل الأنتاج. (15)
ولابد من التذكير بحقيقة طالما تجاهلها انصار التدخل الحكومي المباشر،وهي، ان اهمية نشاط الدولة ألأقتصادي لا تكمن بسعة قاعدته في ألأقتصاد الوطني، بل بقدرته على تحقيق ألأهداف ألأنتاجية، بأعلى كفاءة مما لو قامت بذلك أي جهة اخرى.
- UN,Department of Economic and Social Survey,2006-1
UN,Food and Agricultural Organization Report-,2 October,2006
3-UN,World Health Organization,Strong Foundation,2006
4 –UN, Statistics Division, Demographic Year Book
5–UN, World Health Organaization, report on Iraq 2003-2004
6 –UN, World Health Organizaion
7 – جيرومي ريفكن, الوجه الأخر للتكدس الحضاري- جريدة ألأتحاد الأماراتية, رقم-24036 في 24/11/2006
8- جيرالد ماير وروبرت بولدوين-التنمية ألأقتصادية-نظريتها تاريخها سياستها، الجزء الثاني، بيروت 1965، مكتبة لبنان.ص، 162
9 –Gray John,False Dawn, Granata Books,1999 p.194
10- هانس بيترمارتين وهارالد شومان،( فخ العولمة...الأعتداء على
الديمقراطية والرفاهية..) ترجمة د.عدنان عباس، عالم المعرفة الكويت ، 1998
ص -34
11- نفس المصدر السابق، ص 33
12- ماير وبولدوين مصدر سابق،ص،163
13- نفس المصدر السابق،ص،164
14- والتر ايلكان-مقدمة في التنمية-ترجمة د .محمد عزيز-جامعة قار يونس، بنغازي، 1983، ص95
15- علي ألأسدي - مقدمة في اقتصاديات الصناعة, جامعةقاريونس، بنغازي،1990،ص199





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الجزء الرابع وألأخير... مشروع قانون النفط اختبار في وطنية ال ...
- الجزء الثالث مشروع قانون النفط اختبار في وطنية المجلس النياب ...
- مشروع قانون النفط اختبار في وطنية المجلس النيابي الجزء الثال ...
- حقائق عن قانون النفط الجديد الجزءالثاني
- حقائق عن قانون النفط الجديد الجزء الثاني
- مشروع قانون النفط أختبار في وطنية المجلس النيابي؛؛1--3
- لقد اخفقتم في تنفيذ وعدكم
- الطائفية في العراق مسرحية بطلها مجرم وجمهورها احمق؛؛
- حضرة الرئيس بوش المحترم، دع عنك تقرير بيكر -- هاملتون وخذ عب ...
- نداء عاجل.. ياعقلاء الأمة لا تكونوا جسرآ للفتنة الطائفية؛؛
- هل يعقل ان يؤسس لنظام طالبان عراقي؟؟
- بطالة بسبب الوضع ألأقتصادي وبطالة بسبب التمييز والتهجير الطا ...
- من اجل برنامج اقتصادي عاجل لأنعاش ألأقتصاد العراقي


المزيد.....




- التشيك تختار -مليارديرا- لتشكيل الحكومة الجديدة
- نيجيريا.. انتحاري يقتل 13 شخصا ويصيب 5 آخرين
- تيلرسون من الدوحة: لن نقوم بفرض أي حل على دول الخليج
- وزير الدفاع الأمريكي يناقش أزمة كوريا الشمالية مع الحلفاء في ...
- الشرطة البريطانية تنهي احتجاز رهينتين بمجمع ترفيهي
- خبير ياباني يتوقع الحفاظ على خط تطوير العلاقات مع روسيا
- ماتيس يناقش أزمة كوريا الشمالية مع حلفاء أمريكا في آسيا
- كييف تعلن استهداف مواقعها 12 مرة خلال الـ24 ساعة
- ارتفاع قتلى هجوم غربي النيجر إلى 13 دركيا
- حركة التغيير تطالب باستقالة البارزاني وحل برلمان كردستان


المزيد.....



الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2 : المصالحة والتعايش في مجتمعات الصراع العراق نموذجا - علي الأسدي - الدولة والتنمية