أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سميرة الوردي - العدد الأخير من طريق الشعب /آذار/ عام1979















المزيد.....

العدد الأخير من طريق الشعب /آذار/ عام1979


سميرة الوردي

الحوار المتمدن-العدد: 1858 - 2007 / 3 / 18 - 11:46
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


لم يكن يوما عاديا في حياتنا، لقد تفرق الرفاق كل لوجهته بعد أن اُعتقل من اُعتقل، واستشهد من استشهد، وتشرد من تشرد، وترك العمل من ترك، بقي في مطبعة الحزب كادرقليل هو من ضمنهم هو، فالطباعة لا بد لها من تخطيط واشراف ومتابعة، ظلت الجريدة تصدر بأيدي المجموعةالصغيرة الى هذا اليوم الذي أمحت الأحداث تاريخه لكنها لم تمح سنة الهمجية والدمار الذي مارسته السلطة ضد الشيوعيين والديمقراطيين وكل انسان شريف لا ينتمي الى افكارها، ملأت قلوب العراقيين دما وصديداً .
في ذلك اليوم بقيت أنتظر رفيق دربي، بخوف ورعب، الشارع ليس خاليا من المارة، الشك حل محل الأُلفة، لم أر الوجوه التي اعتدت على رؤيتها وانا أنتظره في الأيام السالفة، وجوه كانت لرفاق مضوا، حتى أشعة شمس الساعة العاشرة صباحا تغير وميضها، علقت عيناي على منفذ الدرب المؤدي لمطبعة دار الرواد، بكرت بالحضور بسبب الباصات لقد بعنا سيارتنا لانها قد تكشف مكان تواجدنا، تأخر كثيرا، كان موعدنا في التاسعة بعد أن يطمئن على طبع وتوزيع الجريدة . إنه يدرك المعاناة الذي يسببه الوقوف الطويل في مثل هذه الظروف، لكنه تأخر أكثر من المتوقع، ازداد قلقي، لا أستطيع الذهاب اليه فالشرطة والأمن يراقب كل من يدخل ويخرج من المطبعة، لاح رأسه جنب أحد البيوت المطلة على الشارع امتد ظلله على الطريق، شبه اطمئنان داخلني مازال حيا، لقد مر يوم آخر دون ان نقع بين أيديهم ، جاءني يخط باحدى قدميه، قال لي بلهجة حازمة، أسرعي كي لا يلحقوا بنا، استفسرت منه عما حدث، أجابني أن المبنى أقتحم من قبلهم مما اضطروا للهرب عبر السياج سألني إن كنت أحمل نقودا، لانه أعطى كل ما في جيبه لأحد الرفاق. ركبنا أول تاكسي صادفناه، أخبرني بأنه لا يدري ما يفعل، فقد بقي وحده بعد أن بعث مسؤوله المباشر ابن اخته كي يخبره أن لا يتصل به فقد أوقفوه عدة ساعات وأخرجوه، قلت له إن موقفه نبيل يريد أن يجنبكم محنة مامرّ بها. والرفيق الثاني الذي من المفترض أن نتقاسم المسؤولية بيننا لا أدري ما حل به . سألته أتقصد أبو شروق أجابني بنعم، بعد أن انفض الرفاق تحت الضربات التي لم ترحم أحدا منهم رحل من رحل وهرب من هرب وانهار من انهار ولم يبق سواهم، والإدارة في شارع السعدون . نزلنا في ساحة السعدون والساعة تقارب الثانية عشرة ظهرا، فقد كان الإزدحام في الشوارع في أوجه، نزلنا أمام بناية الإدارة والتي كانت في زمن سابق قصر من قصور البتاوين الجميلة، نظرنا من بعيد فإذا البوابة مغلقة، مشينا باتجاه الباب الشرقي والحيرة تملأنا، دخلنا مطعم تاجران، صعدنا درجاته بعيدا عن أعين الفضول لا رغبة في الأكل ولكن قتلا للوقت، وتفكيرا بالمكان الذي يمكننا المبيت فيه باطمئنان ، فقد كانت بيوت أهلنا مراقبة ونحن لم نجد منزلا أو أي مكان نستأجره بعد، قال لي سأغير الأكلة التي زهقت منها في مطعم نزار، طلبت أنا قوزي على تمن وهو طلب الأكلة التي هرب منها يابسة على تمن ، أحاديث شتى، انتهت باراغون وقصائده لألزا قلت له لو كنتُ أراغون لكتبت
صبرا يا إلزا
اقتحم الأشرار صومعتنا
ولم نزل على العهد مقيمين
النظر في عينيك
ينسيني عيون أصحاب الجزم اللامعة
والعقول السوداء .
قال لي ساخرا وهل تعتبرين كلماتك شعرا، قلت له نعم لأن الشعر هو الشعور وهذا شعوري في هذه اللحظة، نظر الي ّ ساخرا أتريدين أن تشعريني بالإثم لأني لم ارسمك أو اكتب عنك، ضحكت وقلت له ما زال في العمر بقية وما زلنا في أول الدرب، ربما في يوم ما ستجدني أهلا لأن أُرسم أوأن تكتب عني، أتدري أنني أحببتك قبل أن ألقاك، سألني بتعجب كيف ؟ عندما نسكن في بيتنا المشترك، سأُريك أرشيفي الخاص، إنها تخطيطات لك على مواضيع أدبية يكتبها شعراؤنا وأدباؤنا ومنهم تخطيطك على موضوع كتبه يوسف الصائغ أعجباني كليهما، ابتسم واحتضن يدي بود وقال لي أأنت إلزا ؟ !
وهل عندك شك أنني ليست هي؟ أو أفضل قليلا ،( الزا ) تنهد تُ قائلة : لولا شعر أراغون لم تكن إلزا التي تعرفها . ثم من هي، إنها الأم والأخت والصديقة والحبيبة، واعتقد إن في نسائنا كل هذه الصفات إضافة لجمال العراقية وحبها للثقافة والتطور، كان الحديث ممتعا قال لي هيا لقد تجاوزت الساعة الخامسة ، سنمر على الإدارة قد نجد أحدا . قمت وأنا أقول
رغم المأساة تضحك إلزاأمام المرآة
وتنفرج شفتاها
لم يدعني أُكمل العبارة حاثا إياي على النزول من درجات السلم الأنيقة، الطريق ليس بعيدا بين الإدارة والمطعم تمشينا اليه ونحن نخير أنفسنا بأفضل مكان نقضي فيه وقتنا وعمرنا المحاصر، ونحن نمشي أمام الإدارة من الجهة المقابلة من الجانب الثاني للشارع، نتطلع للباب المغلقة عسى أن نرى أحدا فيها، التقينا بأحدالرفاق عبد الرزاق وهوأحد المسؤولين عن كوادر الجريدة، بعد أن تسالمنا، تحدثنا قليلا وطلب منا الإختفاء وعدم الإنتقال الى جهة الإدارة لأنها مغلقة ومحاصرة والرفاق لم يعودوا يتواجدون، وعندما أراد الإنصراف، قال بتفاؤل: موجة وتزول، أجابه محمود وهو يصافحنا: ولكن رفيق هذه الموجة منذ زمن الرفيق فهد . ضحكنا ورحل كل الى مبتغاه، حاءني بعد أيام فرحا ليقول لي لقد التقيت أحد الرفاق القدامى وسأعمل معه في تمديد الكهرباء لإحدى البنايات وسوف نحاول إخراج أعداد جديدة من الجريدة ، استغربت وسألته وكيف تعمل في التمديدات الكهربائية وأنت رسام وصحفي ولا إلمام عندك بها، أشار الى رأسه وقال : مادام هنا مخ فلا شيء صعب على الإنسان. استطعنا أن نجد مكانا يأوينا في تلك الفترة، كان يخرج منذ الصباح الباكر لابسا بدلة عمل محتضنا كيس إفطاره ، لم تدم الحال طويلا إذ رجع في أحد أيام آذارمبكرا، منهوك القوى، سألته عما حدث وإذا به يتهاوى جالسا ويضع رأسه بين يديه تجهم وجهه وكاد الدمع يطفر من عينيه
: لقد هوجمنا واعتقل عدد من الرفاق وفر قسم وأنا منهم وقد كتبت لي النجاة إذ أنني أختبأتُ في البستان المحيط بالمكان الى أن رحل المجرمون، جئت ماشيا من مكان عملي قرب سلمان باك لهنا. سألته وأجبته في آن واحد، ما ذا يريدون منا ؟ ، لقد خدعوا الحزب وأقاموا الجبهة وليس في نواياهم سوى الغدر ما ذا فعل لهم الشيوعيون كي يكرهوهم الى هذه الدرجة ويحاولوا إبادتهم وإسقاطهم، لقد تقووا تحت خيمة الحزب باسم الجبهة ليطعنوه؟! أجابني بصرامة إنهم أعداء للحرية بكل مدياتها انظري هل تجدين فنا يستحق المشاهدة أ وصحيفة تصلح للقراءة ، دمروا كل شيء، سأُدوخك وأدوخ نفسي، انني قلق على الرفاق.
مرت أيام تبدو دهورا ولا خبر من أحد، اعتكفنا مدة طويلة لا نخرج ، ولا أحد يعرف مكاننا غير أُمي وأبي يأتونا بالطعام وينجزوا لنا ما نحتاجه من الخارج، بدأ يختفي ساعات خارج الدار ثم يعود، وفي أحدى المرات جاء وفي يده ورقة شفافة مكتوبة باليد طويت بعناية فرشها باهتمام أكبر، قال لي انظري إنها طريق الشعب نظرت اليها باستغراب ! هل هذه جريدة أم إنك تسخر مني . نظر الي َْ مليا ثم قال وهل أنا في موقف يبيح لي أن أسخر، جاء بعددين أو ثلاث على هذه الشاكلة ثم انقطع عن الخروج وعندما سألته عن السبب أجابني : انقطع الرفاق ولم يحضر أي منهم في المكان والزمان المعين ولا أدري ما حل بهم .
مرت سنون عجاف مات زرع وأينع آخر ونحن نحلم بعودة الرفاق ولكن ما من مجيب. في يوم من آيامنا الطوال خرج محمود بتحفيات جمعناها رغم الألم والتخفي ، ليبيعها على سكة الدورة التي أصبحت بعد الحروب اللعينة سوقا لأثاث البيوت التي لم تعد لقمة الخبز تتوفر بيسرفيها، التقى على السكة بخليط غير متجانس من كل فئات الناس وحدتهم الحاجة والمحنة التي طالت أبعد الناس عن السياسة، جاءني في أحد الأيام مستبشرا فقد صادف أن تعرف على شقيق محسن وهو شاب في مقتبل العمر ، أصبح صديقا حميما للعائلة يشد أزرنا كلما مررنا بمحنة ، كان على علاقة بكثير من الناس ينقل لنا أخبارا شتى يعرفها من قدرة تحركه وارتباطه بالشمال موطن أهله، اتسع عالم محمود لينظم له من جديد أصدقاء جدد وآخرون ربطهم به تشابه الأهداف والنوايا أصبح بيتنا مزارا لهم حتى توجسنا من عيون الرقباء فأصبحوا لا يأتون معا بل منفردين ، في أحد الأيام جاء طه مصطحبا أخاه محسن ما إن تعرف عليه محمود حتى تحاضنا باكيين لقد أثرت سنوات العزلة على ذلك الشاب اليافع القادم من الشمال ليخدم الحزب بحب ووفاء، كان أحد عمال المطبعة المتواجدين في تلك الأيام الأخيرة من صدور طريق الشعب وانقطعت أخباره كباقي الرفاق، خط الشيب شعره وأكل الألم مفاصله وكان مضربا عن الزواج ، جلسا يستذكران تفاصيل لن تمحوها المحن فحبهم للفكر والرفاق لم يخالطه شيء، عرفنا بعد حين عن كثير من الرفاق ممن كانوا في المطبعة في أيامها الأخيرة وآخرون ، منهم أبو شمخي حارس المطبعة الذي لا يدرون ما حل به الى يومنا هذا وأبوأياد أكبر العمال سنا، وصباح الذي استشهد قرب الحدود، وأُعدم ابو شروق، أما( نامق ) واسمه الحقيقي حميد فقصته تقشعر لها الأبدان، بعد أن فلت من قبضة القتله اشترى شنطا لبناته وتسوق لهن من بغداد ولكن المجرميين قتلوه في الموصل وفصلوا رأسه عن جسده .
غدا ستحل ذكرى 31 آذار وستحل ذكرى عزيزة على نفسي في مثل هذا اليوم سأشعل الشمعة الثانية والسبعين من عمر الحزب و الثامنة والعشرين من ارتباطنا ، آملة بوطن حر وشعب سعيد لا كما يرغب الأعداء أن يكون ( وطن عبد وشعب في السويد) ، وأن يعود محسن من غربته التي أورثته الكآبة ، وأن يعود ولدي الذي أصبح متشردا في بلد الغربة والغرباء، وأن أعود الى وطني بعد أن أكلتني الغربة وأورثتني المرض والهموم، وأرى أطفالنا الأبرياء غير مرعوبين يحميهم القانون ويستظلون آمنين بفيئه، ضامنا حقهم بالحياة ، و يعود حزبنا حزب الحرية والعدالة والفكر أينع وأخصب من السابق وليكن عراقنا آمنا مطمئنا، منبعا وموئلا لكل حر أبي . وكل عام والجميع بألف خير .





لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,861,991,101
- دلال سامي ووفاء سلطان وطبقة البيض
- الى سكنة الجحور وأسياده
- العلم العمل الحب /بين نوال السعداوي ووفاء سلطان
- الى أبى في 8 آذاريوم المرأة العالم
- وا متنبياه
- العلمانية هي الحل
- نكتب من الجحيم
- بين مؤيدٍ لوفاء سلطان ومعارض ٍ والحلقة المفقودة
- لست معك يا وفاء والى الأبد
- المرأة والحجاب و آذار
- ماهذا الضجيج - بين راني خوري ووفاء سلطان وآخرين
- أفكار أود قولها
- وفاء سلطان والذباب
- الى متى نبكي شهداءنا !!!؟
- الى مريم نجمة مع التحية
- العراق وأميركا
- حذار من الاستمرارب 8 شباط.
- الى وفاء سلطان ثانية
- قصة النسبة المئوية واللحظة المقروءة
- قولٌ لا بد منه - تعقيب على الدكتورة وفاء سلطان


المزيد.....




- قفزة جديدة في إصابات كورونا.. الهند تسجل أعلى معدلاتها اليوم ...
- التحالف يعلن اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة -متفجرة- أطلقها الح ...
- رائد فضاء روسي يزور مركبة -دراغون- المأهولة
- مع انتشار كورونا ... جدل في الولايات المتحدة حول ارتداء الكم ...
- منفذ مذبحة مسجدي نيوزيلندا يطلب تمثيل نفسه خلال جلسة النطق ب ...
- مع انتشار كورونا ... جدل في الولايات المتحدة حول ارتداء الكم ...
- أوغلو يرد على البرلمان بشأن انتحال الصفة: لقد نسينا!!
- الاعلام الامني تعلن مقتل خمسة انتحاريين جنوب غربي بغداد
- ألمانيا ـ -حق العمل من البيت- يشعل الجدل بين الحكومة وأرباب ...
- هل يقضي زيت نبات الخزامى على اضطرابات القلق والمخاوف؟


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سميرة الوردي - العدد الأخير من طريق الشعب /آذار/ عام1979