أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - من يحمينا من عمر؟















المزيد.....


من يحمينا من عمر؟


كامل النجار
الحوار المتمدن-العدد: 1838 - 2007 / 2 / 26 - 11:33
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عمر بن الخطاب كان، وما زال، المثل الأعلى للمسلمين في جميع أنحاء العالم. كل ما دار النقاش حول العدل يقفز اسم عمر بن الخطاب كمثل أعلى للنزاهة وعدالة الحكم في الإسلام – عدلت فنمت يا عمرُ. وبما أن الإسلام دينٌ ودولةٌ، كما أكد لنا عرّاب الأخوان المسلمين، سيد قطب، وبما أن عمر بن الخطاب كان رئيساً عادلاً لدولة الخلافة الإسلامية، فيجب ألا نخشى وصول الأخوان المسلمين لسدة الحكم، فمرشدهم الذي سوف يصبح رئيس الدولة، سوف يكون عُمراً آخراً ينشر العدل والرفاهية بين المواطنين ويطبق فينا شرع الله. ولكي تطمئن قلوبنا، كما اطمأن قلب إبراهيم عندما طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، فلا بد أن نُعرّج قليلاً على دولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لنختبر حاكمية عمر وكيف أدار دولته.
في حياة نبي الإسلام كان عمر ركيزته ومستشاره الذي قال له بعدة أقوال أصبحت قرآناً فيما بعد، وقال عنه النبي ( لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر) رواه الترمذي. وقالوا عنه (كان صليباً في دين الله لا تأخذه في الله لومة لائم.) فماذا فعل هذا الرجل عندما آلت إليه الخلافة وأصبح الحاكم بأمر الله، وعلى المسلمين طاعته لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله؟
جهز عمر الجيوش وغزا وفتح العراق والشام ومصر وفارس، مما أدى إلى تدفق الأموال الطائلة على عاصمة الدولة الإسلامية. فهل عرف عمر كيف يوظف هذه الأموال لتنشر الرخاء بين مواطنيه؟ الجواب حتماً بالنفي لأن عمر لم يكن رجل سياسة كمعاوية بن أبي سفيان. كل هم عمر كان إرضاء الله بتطبيق شرعه حتى يضمن لنفسه النجاة يوم القيامة. كان المال بالنسبة لعمر كالنار التي تحرق ما تصيب لأن القرآن يقول (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يُحمى بها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم). ولذلك عندما فتحت جيوش المسلمين فارس وجئ لعمر بالغنائم (كشف عنها فنظر الى شئ لم تر عيناه مثله من الجواهر واللؤلؤ والذهب والفضة، فبكى عمر. فقال له عبد الرحمن بن عوف: هذا من مواقف الشكر، فما يبكيك؟ فأجاب عمر " أجل. ولكن الله لم يعط قوماً هذا المال الا ألقى بينهم العداوة والبغضاء") (أبو يوسف، كتاب الخراج، ص 55، نقلاً عن مهزلة العقل البشري لعلي الوردي). فماذا فعل عمر بكل هذا المال؟ قسّمه على المسلمين بالمدينة وعلى نساء النبي ولم يترك ببيت المال شيئاً، وعندما قال له أحدهم: يا أمير المؤمنين! لو تركت ببيت المال شيئاً، رد عليه عمر (كلمةُ ألقاها الشيطان على فِيِّك وقاني الله شرّها وهي فتنةُ لمن بعدي ، بل أعِدُّ لهم ما أعدّ اللهُ ورسوله : طاعة الله ورسوله هما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون ، فإذا كان المال ثمن دِيْن أحدكم هلكتم ) (التاريخ الكامل للمبرد). فطاعة الله ورسوله كانت عند عمر أهم من المال الذي تُدار به شؤون الدولة. فعمر قد هجر دنياه وعمل لآخرته.
ورغم العدد الهائل من الكتب التي ملأت الأسواق عن الإشتراكية في الإسلام، فإن اشتراكية عمر لم تغني سرّاق المدينة عن السرقة من المسافرين. فقد روى الطبري في تاريخه (جاء عمر بن الخطاب الي عبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ قال: رُفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سُرّاق المدينة، فانطلق فلنحرسهم.) ورغم اشتراكية الإسلام المزعومة، فإن عمر لم يقسّم المال بالتساوي على المسلمين، لأن المسلمين ليسوا كأسنان المشط، كما يقولون. فقد ( فرض لأهل بدر خمسة الآف خمسة الآف، ثم فرض لمن بعد بدر إلي الحديبية أربعة الآف ثم فرض لمن بعد الحديبية إلي أن أقلع أبوبكر عن أهل الردة ثلاثة الآف ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام الفين الفين وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا ثم فرض للردوف (الذين ركبوا على جملٍ واحد): المثنى خمسمائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث بعدهم ثلاثمائة ثلاثمائة وللروادف الربيع مائتين وخمسين. وألحقَ بأهل بدر اربعة من غير أهلها، الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان وكان فرض للعباس (عم النبي) خمسة وعشرين ألفا وأعطي نساء النبي عشرة الآف عشرة الآف إلا من جري عليها المُلك، فقال نساء النبي: ما كان رسول الله يفضلنا عليهن في القسمة، فسو بيننا، ففعل. وفضل عائشة بالفين لمحبة رسول الله اياها فلم تاخذها) (تاريخ الطبري، ج2، ص 452). فعمر، رغم عدله، لم يستطع أن يقاوم تفضيل العباس والحسن والحسين وأبي ذر على بقية المسلمين، وألحقهم ببدر ولم يكونوا من أهلها، بل بالعكس فقد حارب العباس في بدر ضد النبي. وفضّل أزواج النبي على ما ملكت يمينه مثل ريحانة، وفضّل عائشة على بقية نساء النبي. ولكن من يعترض على الحاكم بأمر بالله؟ إنها اشتراكية الإسلام التي تعتمد على الانتماء لقريش وعلى صلة القرابة من النبي.
ولأن عمر لم يكن رجل سياسة، ولأن الإسلام لم يُشرّع للمال غير تحريم الربا وتحليل التجارة، فقد أساء عمر تصريف أمور الدولة المالية ونتج عن ذلك المجاعة الشهيرة التي أصابت المدينة وسُميت بعام الرمادة (إن الرمادة كانت جوعاً أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتى جعلت الوحش يأوى إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها) (تاريخ الطبري والكامل للمبرد). وقد حدثت مجاعة عام الرمادة عام ثمانية عشر هجرية واستمرت المجاعة ست سنوات، كما يقول مالك بن أنس (قلنا لمالك: فزمان الرمادة كانت سنة أو سنتين. قال بل ست سنين. قال فكتب عمر إلى عمرو بن العاص بالشام: واغوثاه واغوثاه واغوثاه، قال فكتب إليه عمرو بن العاص: لبيك لبيك لبيك. قال فكان يبعث إليه بالبعير عليه الدقيق في العباء قال فيقسمها عمر) (المدونة لمالك، ج3، ص 29). فرغم كثرة المال الذي أبكي عمر، أصابت الناس في المدينة مجاعة كادت تقضي عليهم لولا أن نجدهم عمرو بن العاص.
وللحق فإن عمر قد سبق زمانه وفرض للمولود الجديد مائة درهم، فقد قال ابن القاسم (مر عمر بن الخطاب ليلة فسمع صبيا يبكي فقال لأهله: مالكم لا ترضعونه، قال فقال أهله إن عمر بن الخطاب لا يفرض للمنفوس حتى يُفطم وإنا فطمناه. قال فولى عمر بن الخطاب وهو يقول كدت والذى نفسي بيده أن أقتله، ففرض للمنفوس من ذلك اليوم مائة درهم) (المدونة لمالك، ج1، ص 303).
ولأن عمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، فقد طبّق كل ما جاء في القرآن بخصوص أهل الكتاب، وأصدر عهده المشهور لنصارى الشام (وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة، ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤوا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سراجاً، ولا يتقلدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين) (أحكام أهل الذمة لابن القيم).
ولم يشمل عدل عمر السبايا الذين أتى بهم المسلمون من الشام وفارس ومصر، فقد أصدر عمر أمرأ يقضي بمنع أي سبي بلغ الحلم من دخول المدينة. وعندما توسط لديه المغيرة بن شعبة ليسمح لمملوكه أبي لؤلؤة بدخول المدينة ليعمل بالنجارة ويدفع ما يتقاضاه إلى المغيرة، سمح له عمر. وعندما التقى أبو لؤلؤة عمر اشتكى له من ثقل الخراج الذي فرضه عليه المغيرة، فقال له عمر: خراجك ليس بكثير. أحسن إلى المغيرة. فاشتاط أبو لؤلؤة غضباً أدى به إلى قتل عمر.
وكتب عمر إلى عامله على البصرة، يحثه على عدم الاستعانة بالنصارى (لا تدنيهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم وقد خوّنهم الله، ولا تعزهم بعد أن أذلهم الله) (أحكام أهل الذمة لابن القيم، ج1، ص 210). وقال مالك بن أنس (وبلغني أن عمر بن الخطاب كتب إلى البلدان ينهاهم أن يكون النصارى واليهود في أسواقهم صيارفة أو جزارين وأن يقاموا من الاسواق كلها فان الله قد أغنانا بالمسلمين [ قال ] فقلت لمالك ما أراد بقوله يقامون من الاسواق. قال لا يكونون جزارين ولا صيارفة ولا يبيعون في أسواق المسلمين في شئ من أعمالهم) (المدونة، ج3، ص 68).
وقد نصح ابن باز المسلمين بعدم زواج نساء أهل الكتاب (لأن عمر رضي الله عنه قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب ( طلقوهن ) ، فطلقوهن إلا حذيفة ، فقال له عمر : ( طلقها ) قال : ( تشهد أنها حرام؟ ) قال : ( هي خمرة طلقها ) قال : ( تشهد أنها حرام ؟) قال : ( هي خمرة ) قال : ( قد علمت أنها خمرة ولكنها لي حلال) فلما كان بعد ذلك طلقها فقيل له : ألا طلقتها حين أمرك عمر ؟ قال : كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي لي ، ولأنه ربما مال إليها قلبه فتفتنه.) (فتاوى بن باز، ج4، ص 238).
ولأن عمر كان ظل الله في الأرض ويحق له تأويل القرآن والسنة بحكم كونه أمير المؤمنين الذي يقودهم في الصلاة، فقد أباح لنفسه ضرب كل من أخطأ في نظره، حتى وإن كان الخطأ غير منصوص عليه في القرآن أو السنة. فمثلاً (أخرج الدارمي في مسنده عن سليما بن يسار أن رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال‏:‏ من أنت قال‏:‏ أنا عبد الله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونًا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه‏.‏ وفي رواية عنه‏:‏ فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم عاد فضربه ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال له‏:‏ إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً. فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري‏:‏ لا يجالسه أحد من المسلمين‏.‏) (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، باب المحكم والمتشابه). فعمر بن الخطاب قد اتبع سنة نبي الإسلام الذي منع المسلمين من مخاطبة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. ولأن عمر كان يكره أن يُكتب القرآن في شيء صغير، أخرج أبوعبيد في فضائله عن عمر (انه وجد مع رجل مصحفاً قد كتبه بقلم دقيق فكره ذلك وضربه وقال‏:‏ عظموا كتاب الله تعالى‏.‏) (الإتقان للسيوطي، باب في فضائل القرآن). وعندما اختصم رجلان عند النبي وحكم لأحدهما، لم يقبل الآخر وطلب من صاحبه أن يذهبا إلى عمر بن الخطاب، فأتياه، فقال المقضيُّ له:( قد اختصمنا إلى النبي فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر الصديق فقال: أنتما على ما قضى به النبي ، فأبى أن يَرْضى، فسأله عمر إن كان هذا صحيحاً، فقال: نعم كذلك!! فدخل عمر منزله فخرج والسيفُ بيده قد سَلَّه، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله) (الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية). وكان عمر موقناً بصدق رأيه الذي غالباً ما كان الله يوافقه عليه، فعندما مات محمد وأيقن الجميع أنه كان بشراً وقد مات، أشهر عمر سيفه وقال للجميع (من قال إن محمداً قد مات لأقتلنه بسيفي هذا، إنما رُفع إلى السماء كما رُفع عيسى بن مريم وسوف يعود بعد أربعين يوماً كما عاد عيسى.)
وعندما رأى أربعة من الرجال المغيرة بن شعبة، عامل عمر بالبصرة، وهو يزني بأم جميل وشكوه إلى عمر، أمر عمر بضربهم لأن ثلاثة منهم رءوا المرود في المكحلة والرابع رأى المغيرة على المرأة، وهو عاري، وأرجلها مرفوعة في الهواء، لكنه لم ير المرود في المكحلة. والشريعة تتطلب أربعة رجال رءوا المرود في المكحلة وكأنهم يتفرجون على أفلام بورنو.
وكان عمر يحل لنفسه أن يتدخل في شؤون الناس الشخصية، فقد تزوج رجلٌ امرأة في عهد عمر واشترطت المرأة على الرجل ألا يتسرى بالإماء ولا ينقلها إلى أهله، وقبل الرجل الشرطين وتزوجها. وسمع عمر بذلك فقال للرجل: عزمت عليك أن تنكح عليها وتتسرى وتخرجها إلى أهلك. وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية وقالوا: إن الزواج صحيح وهذه الشروط ملغاة، ولا يلزم الزوج الوفاء بها، مستدلين بقول الرسول: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.) (أطرف وأغرب وأخطر الفتاوى في تاريخ الإسلام، الراية القطرية، 4 نوفمبر 2003).
وقد منع عمر المسلمين من تعلم لغات أهل الكتاب، فقال ( إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فإن السخطة تتنزل عليهم) رواه أبو الشيخ الأصبهاني ورواه البيهقي بإسناد صحيح.
فعمر، ذلك الرجل العادل، قد فعل ما فعل في دولته حسب فهمه للشريعة الإسلامية. ولأن الإسلام دين وليس دولة، فكتابه يخلو من قوانين الحكم ودساتيره. والدولة تحتاج دستوراً واضحاً لا يعتمد على تأويل رجال الدين الذين لم يتفقوا على أي شيء سوى (لا إله إلا الله محمد رسول الله.) فلو أخذنا أي أية في القرآن نجد لها تأويلات مختلفة بين الفُرق الإسلامية المتعددة. يقول الشيخ جلال الدين السيوطي (وقال بعض العلماء‏:‏ لكل آية ستون ألف فهم، فهذا يدل على أن فهم معاني القرآن مجالاً رحبًا ومتسعًا بالغًا.) وكل آيات القرآن التي تحتوي على أحكام لا تتعدى الخمسمائة آية، كما قال الغزالي، بينما قال آخرون إنها مائة وخمسون آية فقط (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، باب العلوم المستنبطة من القرآن). وبما أن الفقهاء يختلفون في تفسير الآيات، فحتى الآيات البسيطة التي بها أحكام يصعب الاعتماد عليها في تسيير أمور الدولة لأن التفسير يعتمد على أي الفقهاء أقرب إلى الحاكم. والفقهاء يستطيعون استنباط الأحكام من كل كلمة في القرآن. فمثلاً يقول السيوطي ((الأحكام تؤخذ بطريق الاستنباط كاستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله (وامرأته حمالة الحطب)) انتهى. فما دخل الآية التي ذم الله بها زوجة أبي لهب (وامرأته حمالة الحطب) بتحليل أنكحة الكفار؟ فالكل كان يعرف أن أهل مكة كانوا يتزوجون زواجاً صحيحاً مقبولاً في مجتمعهم، وقبل به الإسلام فيما بعد ولم يطلب محمد من أي رجل دخل الإسلام أن يعيد زواجه حسب الطريقة الإسلامية. والنبي نفسه عندما تزوج خديجة اتبع نفس أعراف زواج أهل مكة. فهل هناك أي داعي لتأويل آية واضحة مثل (وامرأته حمالة الحطب) إلى تجويز أنكحة الكفار؟ قد يكون هذا التفسير واحداً من المعاني الستين ألف لهذه الآية.
فكيف يمكن لدولة الإسلام الحديثة أن تعتمد على دستور كل آية فيه لها ستون ألف معنى؟ ونصف آياته ناسخة ونصفها منسوخ، ولكن مع ذلك يحتفظ به المسلمون في مصاحفهم رغم إلغاء العمل به؟ بنود وكلمات الدساتير الحديثة لا تقبل التأويل واللف والدوران، ولا تعتمد على رأي فقهاء من مذهب معين. وإذا أُلغيت مادة أو بند من بنود الستور فإنها تُزال من كتاب الدستور.
وقد بيّن لنا العمرات الجدد (جمع عمر) في إيران أنهم لا يقلون شأناً عن عمر بن الخطاب ويجلس على رأس نظامهم الحكومي رجل غير منتخب (وأمرهم شورى بينهم) وكلمته هي الدستور، لأن كلمة عمر بن الخطاب كانت هي الدستور، وعلى المؤمنين السمع والطاعة. يستطيع مرشد الثورة الإسلامية بجرة قلم أن يُلغي قرارات البرلمان ويستطيع أن يأمر قضاته بإغلاق الصحف المعارضة وقتل الطلبة في الجامعات لأنهم تظاهروا ضده. ويستطيع أن يشنق المعارضين كما شنق القاضي خلخالي عدداً كبيراً من رجالات نظام الشاة عندما قامت الثورة الإسلامية، وقال (إن كانوا مذنبين فسوف يستقرون في الجحيم وإن كانوا أبرياء فسوف يعوضهم الله بأزواج من الحور.) والرئيس لديه مجلس غير منتخب يُسمى (مجلس تشخيص مصلحة النظام) مهمته المحافظة على مصلحة النظام وليس مصلحة الشعب الإيراني، لأن الافتراض في الدستور الإسلامي هو أن مصلحة النظام هي مصلحة الشعب. هذا المجلس من حقه منع المرشحين من الترشيح للانتخابات العامة إذا رأى فيهم تهديداً للنظام. وقد فعل مراراً و أزال أسماء مئات المرشحين.
وكما أساء عمر ترتيب شؤؤن الدولة المالية وتسبب في مجاعة عام الرمادة، فالنظام الإسلامي الإيراني يبعثر المدخول الهائل من عائدات النفط على دعم الحركات الشيعية في إيران والعراق واليمن وباكستان والبحرين، ويترك الأرامل تحت رحمة زواج المتعة وبيوت (الفضيلة) التي لا تتعدى أن تكون مواخيراً للدعارة. وهاهي الحكومة الإيرانية الآن تعجز أن تسديد فواتير مفاعلها الذري لروسيا. والغريب أن الشيء الوحيد الحسن الذي ابتدعه عمر بن الخطاب لم يطبقه العمرات الجدد في إيران، ألا وهو نظام الضمان الاجتماعي الذي تحفظ للفقير كرامته. وما أكثر الفقراء في إيران.
ورغم أن دستور الإسلام يقول إن المسلمين سواسية كأسنان المشط، ويزعق الزاعقون بأن الإسلام يعامل الناس بالتساوي، إلا أن معاملة النظام الإسلامي الشيعي في إيران للمواطنين السنة لا يمكن أن تُوصف بالمساواة تحت أي تعريف للمساواة يختاره الإنسان. فالمواطنون الإيرانيون من قبائل "البلوش" وغيرها ما زالوا منذ عهد الشاة إلى الآن يعانون التهميش والقتل والتنكيل لا لشيء إلا لأنهم مختلفون.
ولكن ما دام الدستور الإسلامي يقول بمساواة المواطنين المؤمنين – ولا داعي لذكر الذميين - يجب أن نطمئن أنه عندما يأتي الأخوان المسلمون إلى سدة الحكم في مصر المحروسة تحت راية (الإسلام هو الحل، ودستورنا القرآن) فسوف يكون مرشدهم العام، صاحب المقولة المشهورة (طظ في مصر) عمراً جديداً يُلغي أي شروط كانت الدولة المصرية قد تعهدت بها مع الدول الأخرى، خاصة إسرائيل، لأن الرسول قال (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.) وحتى لو تنازل الرئيس المصري حسني مبارك وحدد الفترة الرئاسية بعشرة سنوات، فسوف يُلغي عمر بن الخطاب الجديد هذا الشرط لأنه ليس في كتاب الله. فكتاب الله يقول (وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) (النساء 59). ويقول الحديث (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) (تحفة الأحوذي، كتاب الأمثال). فمن منا يستطيع أن يخلع يده عن بيعة المرشد العام الذي تكون ولايته مدى الحياة كما كانت ولاية عمر وولاية عثمان وولاية جميع الخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين؟ وإذا اختلفنا في شيء، فليس هناك دستور علماني نرجع إليه لأن دستورنا القرآن، وبما أن الرسول ليس بين ظهرانيننا لنرد الاختلاف إليه فيجب أن نرده إلى عمر بن الخطاب الجديد. وعمر الجديد سوف يعتمد في حل مشاكلنا على تفسيره الخاص للقرآن الذي قال عنه علي بن أبي طالب (القرآن لا ينطق وإنما ينطق به الرجال، وكلٌ يفسره على ما يريده أن يقول.) ولا بد سوف يستشير عمر بن الخطاب الجديد مفتي الجمهورية الإسلامية، الذي لو تصادف وكان الدكتور علي جمعة، فسوف يفتي بحرمة تعري المرأة لزوجها في غرفة النوم، ويُحرّم كذلك الدروس الخصوصية. وكان الله في عون المدرسيين المصريين الذين لا يكفي راتبهم لشراء وجبة من الفول المدمس. وسوف يكون في مقدور عمر الجديد أن يضربنا ويصادر كتبنا ويمنعنا أن نتعلم رطانة الإنكليز أو الفرنسيين الكفرة، ويلغي أي شرط بين الرجل وزوجته، تماماً كما فعل الملا عمر في أفغانستان عندما أقفل مدارس البنات ومنع النساء من الخروج من منازلهن ومنع لعب كرة القدم وحوّل ميادين الكرة إلى أماكن لرجم النساء. وبالطبع لم يستطع أحد في أفغانستان الاعتراض على أحكام وقوانين عمر الجديد لأن الخروج على طاعة الحاكم ردة. فمن يا تُرى سوف يحمينا من عمر الجديد في مصر والسودان والعراق واليمن وربما في لبنان كذلك؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- إنهم يعبدون القرآن
- 4/4 محمد الحسيني إسماعيل ووفاء سلطان
- محمد الحسيني إسماعيل ووفاء سلطان 3/4
- محمد الحسيني إسماعيل ووفاء سلطان 2
- محمد الحسيني إسماعيل ووفاء سلطان 1
- الإسلام وجراب الحاوي
- وثنية الإسلام
- نهرو طنطاوي ولغة القرآن
- هل الإيمان بالإسلام يؤدي إلى التخلف؟ 3-3
- هل الإيمان بالإسلام يؤدي إلى التخلف؟ 2-3
- هل الإيمان بالإسلام يؤدي إلى التخلف؟ - 1
- زغلول النجار والسموم الإسلامية
- الأديان ليست سماوية
- تغيير مهمة الإله
- الإسلام والشبكة العنكبوتية
- هل يحق لرئيس جامعة الأزهر أن يفاخر
- الإسلام هو القاسم المشترك
- أنثى موزعة الحقيقة بين الجاهلية والإسلام 2-2 تعقيباً على عبد ...
- أنثى موزعة الحقيقة بين الجاهلية والإسلام 1 -2
- مفردات الجنس عند العرب


المزيد.....




- مسيحيون مغاربة يطالبون بحرية المعتقد
- اغتيالات رجال الدين في اليمن مستمرة
- يقودها مسلمون.. مبادرة لترميم كنائس دنسها داعش في الموصل
- المصارف الإسلامية .. نشأتها و طبيعتها – محمود ال جمعة المياح ...
- إسرائيل تريد قبور يهود كييف
- ‎أبو الفتوح يطلب دعم الإخوان لخوض انتخابات الرئاسة
- -يدا بيد- فلسطينيون ويهود يتشاركون صفوف الدراسة في القدس
- مشروع جديد يهدف لزرع الثقة بين اليهود والمسلمين في مالمو
- مرصد الإفتاء يحذر من تصاعد الهجمات الإرهابية بأفغانستان
- قائمة الخمسين.. -تأميم- الفتوى بالفضائيات المصرية


المزيد.....

- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان… / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- الإسلام/ الإرهاب…..أية علاقة؟ / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - من يحمينا من عمر؟