أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض الصيداوي - هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 11















المزيد.....

هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 11


رياض الصيداوي
الحوار المتمدن-العدد: 1838 - 2007 / 2 / 26 - 11:30
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الفصل الرابع
هيكل – العهد الساداتي :
الاختلاف

بعد أن تحالف هيكل مع السادات ضد مجموعة مايو وساهم بأسلوبه في توطيد حكم الرئيس الجديد، فإن غيوماً كثيرة بدأت تتجمع في سماء العلاقة بين الرجلين، وخلافات عميقة بدأت تتراكم شيئاً فشيئاً حتى وصلت بالعلاقة إلى حد القطيعة النهائية.
1 ـ أسباب الاختلاف
يعتقد هيكل أن مجموعة الخلافات التي حدثت بينه وبين الرئيس أنور السادات تنحصر أسبابها في :
ـ اختلاف فيما قاله السادات عن سنة 1971 باعتبارها "سنة الحسم"، ولم يرها هيكل كذلك لأكثر من سبب. "وحتى إذا كانت كذلك فلم يكن ينبغي الإعلان".(1)
ـ اختلاف في الطريقة التي عالج بها مظاهرات الطلبة في أواخر سنة 1971، ولم يكن يرى أن العنف هو وسيلة الحوار مع الشباب.(2)
ـ اختلاف في علاج موضوع الفتنة الطائفية، فقد كان السادات يرى تفجير المشكلة، أما هيكل فيراها مشكلة لا تصلح فيها سياسة الصدمات الكهربائية، وإنما لابد من علاج حذر لأسبابها وعوارضها، ولجذورها قبل الفروع.(3)
ـ اختلاف في موضوع الوحدة مع ليبيا، وكان هيكل من أنصارها، ويراها مختلفة عن تجربة الوحدة مع سوريا بسبب عنصر الاتصال الجغرافي والسكاني، فهي تشكل عمقا للمعركة بثلاثة آلاف ميل على شاطئ البحر الأبيض، كذلك فإن الثروة السائلة الليبية تتكامل مع الإمكانيات البشرية والطاقة الإنتاجية المصرية ـ وكان السادات يتهمه بالانحياز لمعمر القذافي وهو يعلم أنه لم يضع قدما في ليبيا منذ سنة 1970 حين زارها لآخر مرة في صحبة جمال عبد الناصر.(4)
ـ اختلاف في الطريقة التي راح السادات يجري بها اتصالات خفية مع الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق قناة اتصال خلفية.(5)
ـ اختلاف حول الصورة الجديدة لعلاقاته مع بعض العناصر في المملكة العربية السعودية.(6)
ـ اختلاف حول الطريقة التي جرى بها إخراج الخبراء السوفيات من مصر.(7)
ـ اختلاف حين اعتذر هيكل عن إجراء مفاوضات سرية مع كيسنجر، لأن موقفهم التفاوضي وقتها لم يكن قوياً في تقديره، وكذلك لأن هدفه من التفاوض لم يكن واضحاً أمامه.(8)
ـ اختلاف في قرار السادات بنقل ثمانين صحفياً إلى وظائف في مصلحة الاستعلامات، وبينهم بعض أبرز أصحاب القلم (وبينهم من أسرة الأهرام الأستاذ احمد بهاء الدين والدكتور يوسف إدريس والدكتور لويس عوض والأستاذ مكرم محمد احمد والأستاذ زكريا نبيل والسيدة أمينة شفيق، إلى جانب رئيس قسم المعلومات في الأهرام الأستاذ محمد حمدي)، واعتذر عن تنفيذ القرار فيما يتعلق بالأهرام ووضع أمام السادات استقالته.
في هذا كله، كان حريصاً على أن يظل الخلاف في حدوده... "فهو رئيس الدولة وصاحب القرار ـ ولي الحق أن أبدي رأيي ـ ولكنه المسئول وحده أولاً وأخيراً ".(9)
ـ ثم جاء الخلاف الأكبر حول الإدارة السياسية لحرب أكتوبر وكان يرى نتائج الحرب تضيع واحدة بعد واحدة، وراح يكتب رأيه بصراحة لا لبس فيها في مجموعة مقالات امتدت من أكتوبر 1973 إلى أول فبراير 1974، وصدرت هذه المقالات في مجموعة واحدة على شكل كتاب فيما بعد تحت عنوان "عند مفترق الطرق".(10)
وفي أواخر شهر ديسمبر 1973 طلب السادات من هيكل أن يلتقيا في نادي الرماة عند سفح الأهرامات وهناك قال له "إن مقالاتك تحدث بلبلة في الرأي العام كله". وكان السادات قد غضب أشد الغضب من مقال كتبه هيكل بعنوان "أسلوب التفاوض المصري"، وقرأه في طائرة كانت تقله إلى السعودية، وعاد من رحلته وقد بلغت ثورته مداها. وذكر أيضاً أنه لم يعد صحفياً وإنما أصبح سياسياً ولابد أن يترك الصحافة إلى السياسة، وكان من رأيه أنه ليس من حق الصحفي أن يناقش القرار السياسي فتلك مسؤولية الرئاسة. وكان رأي هيكل أن حرية الصحافة في صميمها هي مناقشة طريقة صنع القرارات إلى جانب نتائج القرار... ثم خيره بين العمل في الوزارة (نائبا لرئيس الوزراء) أو في الرئاسة (مستشارا للرئيس لشؤون الأمن القومي).
وكان رد هيكل: "إنه يستطيع أن يقرر أنه لم يعد يريد بقائي في الأهرام، ولكني وحدي أقرر ماذا أفعل بعد ذلك".
واعتبر أن هيكل يريد أن يملي عليه آراءه ويفرض تصوراته. ثم انتهيا من مشادة حامية وقد ترك له "الفرصة للتفكير".(11)
هذه مجموعة أسباب الاختلاف التي أوردها هيكل. بقي أنه يمكن لنا إضافة مجموعة من الأسباب الأخرى المتعلقة برؤية السادات للعلاقة.
بدأ الرئيس أنور السادات مبكراً في التخلص من حلفائه الذين ساندوه في توطيد حكمه، وضرب مجموعة مايو، حيث لم تمر سنة على الأحداث حتى قام بإزاحة الفريق محمد صادق من قيادة القوات المسلحة، وهو أهم شريك له في انتصاره في صراع مايو 1971، كما وجد اللواء الليثي ناصف، القائد السابق للحرس الجمهوري والذي اعتقل مجموعة مايو، منتحراً من شقته في لندن، حيث ألقى بنفسه من النافذة في ظروف غامضة، كما سجن حليف السادات محمد عبد السلام الزيات... وكان طبيعياً أن يصل الدور إلى محمد حسنين هيكل، فالسادات اتبع خطة ذكية، وهي التخلص من الذين ساعدوه في إقامة حكمه حتى لا يمنون عليه في أي يوم من الأيام بأنهم شركاؤه، وحتى لا يمارسون صلاحياتهم القوية التي استمدوها من أدوارهم في أحداث مايو 1971... ومهما حاول هيكل أن يتفادى الصراع، فإن الصدام كان سيحدث حتماً لأن السادات لم يكن في حاجة إلى شركاء في السلطة... وكان يسير منذ البداية نحو الانفراد بكل شيء...
2 ـ محاولة صلح
واجه هيكل الحملة الشرسة التي شنت عليه في الصحافة المصرية بهدوء كبير، متفادياً كل رد فعل متشنج، ومحافظاً على بعض الجسور بينه وبين الرئيس أنور السادات.
وهو ما جعل الحملة الموجهة ضده تتوقف في أواخر سنة 1974 والنصف الأول من 1975، وعادت الصلات بينه وبين الرئيس و"أمسك الآخرون أعصابهم".
ففي خريف 1974، اتصل به السادات فجأة وبغير مقدمات يقول له أنه يريد أن يراه، وحدد له موعداً في استراحة الهرم وذهب إليه... وأعاد طلبه في تولي منصباً رسمياً، ورفض هيكل ثم قال "... لقد ابتعدنا ستة شهور لم نلتق فيها، وكان لي موقف من بعض ما حدث، وكان لك موقف، فإذا سمحت لي بمكان ومكانة الصديق فإنني أستطيع أن أعود للتعرف على مجرى الأحداث وقد نستطيع أن نصل إلى تفاهم أعمق". وكان الرئيس ودوداً في قبوله رأيه. وهكذا عاد إلى الاقتراب منه وأصبح يراه بانتظام ويتحدثان في كل شيء.(12)
وفي تلك الفترة تابع عن قرب محادثاته مع "هنري كيسنجر" في أسوان، وكانت المحاولة الأولى في المرحلة الثانية من فك الاشتباك، ولم تنجح ويتصور هيكل أن مناقشاته مع السادات في مخاطر ما كانت تعرضه إسرائيل في ذلك الوقت كان لها أثر في موقفه، وكان رأيه أنه أقوى بغير اتفاق منه باتفاق سيء، وتفهم الرئيس رؤيته وتقبلها.(13)
كما تولى كتابة خطابه في مجلس الشعب الذي شرح فيه أسباب فشل الاتفاق.
وقدم له في إطار مشروع هذا الخطاب اقتراح فتح قناة السويس بقرار مصري وإرادة مصرية، وكان يتصور أن ذلك يقلل من تلهفه على الوصول إلى اتفاق، فقد كان يريد دخل قناة السويس ودخل بترول سيناء.
وقال له هيكل: "بهذا الاقتراح تستطيع بغير اتفاق أن تحصل على نصف ما تريد دون حاجة إلى شروط مجحفة ".
وقبل رأيه كاملاً، وحين رأى أثر فتح قناة السويس على العالم كله كان بالغ السعادة، وكانا يلتقيان كل يوم.(14)
ثم كتب خطابه أمام مجلس الشعب عن إعادة تنظيم العمل الداخلي، وكان يريد إسناد رئاسة الوزارة لممدوح سالم".(15)
ومما يدل على أنه مازال قريباً من الرئيس، ومازال موضعاً للثقة، أن الرئيس السادات قام وطلبه للقاء في "استراحة القناطر" مساء يوم 11 ابريل 1975، وهناك عرض عليه منصب نائب رئيس الوزراء للإعلام في وزارة ممدوح سالم التي كان يجري تشكيلها في ذلك الوقت... ووجد أنه مناسب ولائق أن يذهب إلى الرئيس ظهر يوم 14 ابريل ليرجوه نهائياً إعفاءه من قبول هذا المنصب لعدة أسباب... وتصور السادات أنه لا يريد العمل في الوزارة فعرض عليه أن يكون مديراً لمكتب رئيس الجمهورية بدرجة نائب رئيس الوزراء، ومرة أخرى اعتذر.(16)
لكن لم يستطع هيكل أن يبقى على علاقة جيدة مع السادات، فأصبحت علاقتهما تزداد توتراً كل يوم.
3 – القـطيـعة
عندما ظهر كتاب هيكل "الطريق إلى رمضان"، اعتبر السادات أن الكتاب لم يعطه حقه وكان هذا حكماً بناه على بعض ما نشرته الصحف من أجزاء الكتاب.(17)
وبعد نشره في لندن في شهر مايو 1975، شنت عليه الصحف المصرية حملة عنيفة وكان ذلك بمقولة أنه زيف التاريخ.(18) وذلك بعد أن اتهمه الرئيس السادات في كل خطبه بهذه التهمة، ثم اتهمته هذه الصحف بالعمالة للمخابرات المركزية الأمريكية مستشهدة "بخروتشوف" وبعميل المخابرات الأمريكية " مايلز كوبلاند" من خلال ما كتبه.(19)
وبدأ منذ سنة 1975 يكتب عن مصر مقالات منظمة تنشرها مجموعة من الصحف العربية خارج بلاده.
وكانت أولها سلسلة ظهرت في كتاب عنوانه "لمصر لا لعبد الناصر" ثم تبعتها سلاسل أخرى كان من بينها مجموعة مقالات عن المبادرة (مبادرة الصلح مع "إسرائيل") صدرت في شكل كتاب تحت عنوان "حديث المبادرة".
وبدأ السادات يعد "قانون العيب" وبدأ بعض مستشاري مجلس الدولة المكلفين بمراجعة صياغة القانون يسمونه "قانون هيكل".(20)
وحاول في هذه الفترة أن يدفعه إلى الهجرة من مصر. وخاف كثير من أصدقائه ولم يهاجر بل ولسنة كاملة لم يسافر من مصر على الإطلاق حتى يكون تحت تصرف أي قانون ولو كان مفصلاً من أجله.(21)
وذكر في أحد مقالاته، أنه أجهش بالبكاء عندما سمع إذاعة القاهرة تقول في وصفها لترتيبات زيارة السادات إلى القدس، أن سربا من مقاتلات السلاح الجوي الإسرائيلي سوف يخرج لاستقبال طائرة الرئيس السادات عندما تدخل الأجواء الإسرائيلية... وكان تعبيراً عن مشاعر حزينة تعلقت به.(22)
وحينما زار "مناحيم بيغن" مصر، وصف مشاعره وانفعالاته قائلا: "... كان موكبه أمام نافذة مكتبي يعبر جسر النيل.
لحظتها ـ ولدقائق ـ راودني إحساس طاغ بأنه لم يبق أمامي غير أن أحزم حقائبي وأرحل، لكني بعد قليل ساءلت نفسي:
ـ وهل أترك له جسر النيل ؟
جاءني الرد من أعماقي :
ـ ولا جسر الأردن ولا جسر ينبوع ماء صغير على تراب أي أرض عربية، وأحسست أنني انفعلت بأكثر مما تسمح به موازين القوة وموازين المواقع، ولكن الانفعال أراحني ولو حتى كحلم اليقظة".(23)
وقرر الرئيس السادات سنة 1978 أن الفرصة قد واتته ليضرب هيكل، فأحاله إلى المدعي الاشتراكي الوزير أنور حبيب، ومنعه من السفر، وجرى التحقيق معه صيفاً بأكمله والصحف تكتب قبل كل جلسة أنه يحقق معه "لأنه أساء إلى مصر فيما كتب خارجها"، ويعتقد هيكل أنه لم يسيء إلى مصر.
وانتهى التحقيق، وانتظر التصرف فيه، ولكنهم تركوه معلقا(24)، ثم شملته اعتقالات 5 سبتمبر الشهيرة سنة 1981(25)، عندما شن الرئيس حملة ضارية على كل المعارضين السياسيين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ووضع الآلاف في السجن، ومرت أيام معدودة، حتى جاء يوم 6 أكتوبر، وأثناء استعراض يقوم به الجيش المصري، قام ضابط يدعى خالد الإسلامبولي ومعه مجموعة من التنظيم (الجهاد الإسلامي) الذي ينتمي إليه، بهجوم مباغت عنيف بالأسلحة النارية والقنابل على منصة الرئيس السادات الذي لقي مصرعه فوراً...
وتولى محمد حسني مبارك رئاسة الجمهورية، وقام بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، ومن بينهم محمد حسنين هيكل، الذي استقبله في قصر الرئاسة، وطلب منه أن يبدؤوا جميعا صفحة جديدة في تاريخ مصر وقال له: "أريد أن ننسى ما حدث، وأريد صفحة جديدة، وأريد تعاون كل القوى في مصر".(26)
وكتب "خريف الغضب" وقال عنه هيكل: "لم يكن غضباً على أنور السادات لأنه وضعني في السجن، ولكن كنت أريد أن أشرح للعالم ما حدث في مصر خلال خريف عاصف سنة 1981. وكيف تطورت قضايا اجتماعية وفكرية واقتصادية وسياسية ودينية لكي تصنع صاعقة البرق التي رأتها الدنيا على شاشات التلفزيون ظهر يوم 6 أكتوبر. ولم تكن في الكتاب إساءة واحدة إلى إنسان، وإنما كان عرضاً وتحليلاً لشخصيات وتيارات وسياسات واتجاهات وقوى الداخل والخارج. لكن البعض تصوروا أن ظهور الكتاب فرصة سنحت أخيراً لتصفية كل الحسابات مرة واحدة، واستغلت عبارات في الكتاب مبتورة، ومحاولات للغوص في أعماق النفس أخرجت من سياقها ومضمونها وبعيداً عن هدفها، ثم راحت الطاحونة تدور.
لثلاثة أشهر أو أربعة عاصفة لا تهدأ، بالكلمات والرسوم، حلقات بعد حلقات، يوماً بعد يوم، كأن صواعق السماء كلها انتفضت مرة واحدة".(27)
ونشر كتاب كامل، ينتقد "خريف الغضب" وهيكل بشدة، للدكتور فؤاد زكريا بعنوان "كم عمر الغضب؟ هيكل وأزمة العقل العربي"(28)؟ جاء فيه مثلا "أن هيكل قد ارتكب في كتابه خطأ وهو إشاراته الطويلة إلى الجوانب الشديدة السلبية في تاريخ السادات قبل أن يتولى الحكم، هذه الإشارات لو كانت قد صدرت من كاتب محايد لم يرتبط بالسادات في أي وقت ارتباطاً عضوياً وثيقاً، لكانت مصدراً عظيم القيمة للمعلومات عن عادات وممارسات حاكم مثير الجدل، ولكن صدورها عن هيكل بالذات يلحق به أفدح الأضرار".(29)
وكتب كذلك "... وحسبنا أن نقول أن الصفات المعنوية والأخلاقية للشخص الواحد لا يمكن أن تتغير في مرحلة واحدة من حياته، ولكننا عند هيكل نجد أنفسنا إزاء ساداتين، لا سادات واحد. أحدهما كان بطلاً عندما كان هيكل راضيا عنه وشريكا له، والآخر كان منحرفاً عندما حل "خريف الغضب" ويظل السؤال الأهم بعد هذا كله هو: إذا كان لدينا "ساداتان" فكم هيكل هناك؟".(30)
الإجابة واضحة، هناك هيكل واحد، ولو كان اثنان لما اختلف مع "السادات الثاني" واتفق مع "السادات الأول" فالذي تغير تغيراً كاملاً هو السادات وليس هيكل. هيكل بقى في مكانه لم يتغير، محافظاً على أفكاره... أما سادات 1971 فهو يقيناً ليس بسادات 1981، في حين هيكل 1971 هو تقريباً هيكل 1981، مع بعض إضافات أضافتها قوة الزمن...
ورغم هذه الحملة نجح كتابه نجاحاً ضخماً، وبيعت منه كميات فلكية وصلت إلى المليون ونصف المليون نسخة بأكثر من لغة، وقبل ذلك نشرته أشهر الصحف العربية اليومية، ثم أذاعت فصولاً كثيرة منه كل من إذاعة دمشق وإذاعة طرابلس...
لقد تميزت علاقة السادات بهيكل بمرحلتين: الأولى كانت تحالفاً بينهما والثانية كانت اختلافاً فادحاً.
وكان السادات ذكياً، يعرف جيداً ماذا كان يريد هيكل من جهاز الدولة. كان يريد دور الرجل الصحفي المؤثر كلية في الساحة الإعلامية في مصر – وهي من أقوى الساحات وربما توازي قوة المؤسسة العسكرية نفسها – إضافة إلى قرب شديد من هرم السلطة (الرئيس)، يؤثر من خلاله على مجرى الأحداث دون أن يحاسبه أحد... رافضا كل المواقع التنفيذية...
وفي المقابل كان هيكل لا يقل ذكاء عن السادات. فكان يعرف ماذا يريد هذا الأخير، وكان متفطنا إلى نواياه. فهو يعرف موقع القوة الذي يحتله هيكل، وكانت صحيفة "الأهرام" هي هذا الموقع، فعمل هيكل بكل جهوده على عدم ترك الآخرين يزيحونه منه. وكان يعتذر للرئيس السادات عن كل المناصب والمواقع الذي عرضها عليه لأنها كانت تعني له ضرب نفوذه الحقيقي في "الأهرام". ووصلت المسألة في النهاية بالسادات إلى أن أعلن عن نواياه صراحة وأزاح هيكل من موقعه القوي، وكانت له بمثابة الضربة القاضية.
وهذه النتيجة التي وصل إليها هيكل تؤكد أنه والسادات لم يكونا في عهد عبد الناصر حليفين إستراتيجيين يجمع بينهما خط فكري أو سياسي مشترك في صراع مع خطوط أخرى، وذلك على عكس ما ذهب البعض.
كما كان انحياز هيكل المؤقت للسادات يعبر عن "أمنه الشخصي" وعن تلك العادة الطويلة التي اكتسبها من علاقته بعبد الناصر وهي أن يكون قريبا من الرئيس، مؤثراً في القرار بالمعرفة أو بالمشاركة، بدون أن يتولى أي منصب رسمي...
كما نجح هيكل في علاقته مع عبد الناصر، لأنه يمثل زعامة "كاريزمية" تبحث عن الكفاءات ـ وهيكل أحدها ـ لتحيطها بنفسها... في حين أن السادات، كان يدرك أنه ليس بالزعيم الكاريزمي. وكان اتجاهه متناقضاً تماما مع اتجاه عبد الناصر والعهد الناصري، فلم يعد يحتاج إلى الكفاءات "الناصرية" القديمة، وإنما أصبح يبحث عن مجموعات شابة أخرى تتعلم في " مدرسته " الخاصة، ويكون ولاؤها له قبل أي شيء آخر...
من داخل هذه الصورة الواضحة، وجد هيكل نفسه آلياً وطبيعياً خارج إطارها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 9
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 10
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 8
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 7
- لا تاريخية مفهوم الجهاد المعاصر وإسقاطاته على واقع مغاير1
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 5
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 6
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 4
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 3
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 2
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 1
- نحو تفسير ظاهرة الأصول العلمية التقنية لنشطاء الحركات الإسلا ...
- أسد الجبارين: ياسر عرفات والابن الروحي مروان البرغوثي 4
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 3
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 2
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 1
- جان زجلر يتحدث إلى العرب 5
- (جان زجلر يتحدث إلى العرب (4
- جان زجلر يتحدث إلى العرب 3
- نحو فهم سوسيولوجي للحركات الإسلامية في الوطن العربي وقدرتها ...


المزيد.....




- أمريكي أفرجت عنه كوريا الشمالية قبل سنوات يقتل في ظروف غامضة ...
- حملة.. #ليبيون_ضد_العبودية
- رئيس وزراء قطر: بالحوار فقط تحل الأزمة الخليجية
- شكوى سعودية ضد كلب أمريكي
- الصين ترغب في توطيد علاقاتها بجيش ميانمار
- هجوم تكساس.. سيشنز يأمر بمراجعة سجل حيازة الأسلحة
- بالفيديو ...نجمة خليجية تعترف: والدي كان عامل نظافة ثم أصبح ...
- السعودية توافق على شراء ذخائر دقيقة التوجيه من شركات أمريكية ...
- العراق يتطلع لخط أنابيب للغاز يمتد إلى الكويت
- بوتين يعلن عن خطة لعقد مؤتمر حوار وطني لحل الأزمة في سوريا


المزيد.....

- نقش الحقيقة السبئية: جغرافية التوراة ليست في اليمن / فكري آل هير
- المقصوص من الاسلام الكامل صانع الحضارة / محمد سعداوى
- الأمثال العامية المعاصرة / أيمن زهري
- اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد / زهير الخويلدي
- طبيعة وخصائص الدولة في المهدية / تاج السر عثمان
- ابن رشد من الفقه الى الفلسفة / محمد الاغظف بوية
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى
- كتابة التاريخ بين المفرد والجمعي / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض الصيداوي - هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 11