أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض الصيداوي - هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 3















المزيد.....


هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 3


رياض الصيداوي
الحوار المتمدن-العدد: 1828 - 2007 / 2 / 16 - 09:02
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


القسم الأول
هيكل صحفياً
ولد محمد حسنين هيكل في 23 سبتمبر 1923 بالقاهرة، ونشأ في أسرة متوسطة الحال، ودرس في بلده حتى نال ديبلوماً في التجارة، وما أن بلغ سن التاسع عشر، حتى دخل الصحافة، وبدأ حياته في "الإجيبشيان جازيت".

الفصل الأول
تجربة ما قبل الأهرام
1 – "الإجبشيان جازيت" (1942 – 1944)
بدأ محمد حسنين هيكل حياته الصحفية في جريدة "الإجبشيان جازيت"، وامتدت فترة العمل فيها من سنة 1942 حتى سنة 1944.(1) وكانت وقتها أكبر الصحف الاجنبية التي تصدر في مصر عن شركة الإعلانات الشرقية التي تملكها أسرة "فيني"، وكان التحاقه للتدريب بها فرصة أتاحها له ولثلاثة غيره من الشباب الناشئ، واحد من خيرة محرريها وهو "سكوت واطسن"(2) الذي فتح خياله نحو الصحافة المغامرة. ويصف هيكل تفاعله مع أستاذه الأول قائلاً : "كنا بين الجالسين أمامه في محاضرة عن "عناصر الخبر" وإذا به يتطرق من موضوع محاضرته إلى ذكرياته أيام كان مراسلاً في الحرب الأهلية الاسبانية وكنا نستمع إليه في انبهار وشبه خشوع، فلقد طاف بنا فيما يشبه الملحمة بين تضاريس ومعالم تلك الحرب التي انقسمت أوروبا بسببها بين الفاشية والديمقراطية وحين ختم محاضرته كانت دعوته لمن يريد منا أن يتدرب عملياً أن يلقوه في اليوم التالي بمكتبه في "الإجبشيان جازيت". وفي اليوم التالي وقبل أن يصل هو إلى مكتبه كنا نحن الأربعة قد سبقناه إليه ننتظر".(3)
ويبدو أن هذه المحاضرة قد شكلت أول دفع قوي لهيكل حتى يرتمي في العمل الصحفي بكل طاقته، ويستفيد من خبرات صحفيين أجنبيين قديرين، الأول كان "سكوت واطسون" صاحب الكفاءة المهنية، والمثقف اليساري الذي صاغته تجربة الحرب الأهلية في إسبانيا بكل عناصرها الفكرية والإنسانية العظيمة.(4)
أما الثاني فهو "هارولد ايرل" رئيس تحرير "الجازيت" وكان صحفياً كلاسيكياً قديرا يعمل في نفس الوقت مراسلاً لجريدة "المانشستر جارديان" في مصر.(5)
ومضت السنة الأولى في حياة هيكل الصحفية عادية حيث عمل مساعد مخبر صحفي في قسم الحوادث(6)، ولم يرصد في هذه الفترة أي تفوق متميز حتى جاءت الفرصة المناسبة التي مثلت منعرجاً حاسماً في حياة الصحفي الناشئ. ويصفها قائلاً: "دعانا هارلود إلى مكتبه يوماً ـ نحن الشبان الأربعة ـ وقال لنا، تجري الآن حرب في مصر ومع ذلك لم يصفها أحد بعين مصرية ولم يكتبها بقلم مصري، ثم سألنا هل فينا من هو مستعد للمخاطرة في تجربة جديدة وعلى مسؤوليته وحده. وتحمست للتجربة، ولعلني في ذلك الوقت كنت متأثراً بإعجابي بواطسون في الحرب الأهلية الإسبانية. وهكذا بعد شهور وجدتني في "العلمين" شاهداً مصرياً على الحرب العظمى واعترف أن تجربة العمل كمراسل حربي قد استهوني".(7)
ورغم النجاح الذي حققه في "الإجبشيان جازيت" فان طموح هيكل يبدو أنه كان أقوى من إمكانيات الصحيفة الأنجليزية، فتوزيعها لم يكن كبيراً، فهي لم تتجاوز بضعة عشرات ألوف،(8) وينتظر أن تعود إلى بضعة ألوف، فيتقلص توزيعها بانتهاء الحرب.
ولعبت الصدفة دورها في حدوث المنعرج الثاني في حياة الصحفي الشاب، فعندما دخل مكتب رئيس التحرير "هارول ايرل" لشأن من شؤون عمله وجد عنده زائر قدمه له، الأستاذ محمد التابعي صاحب مجلة "آخر ساعة" ورئيس تحريرها، وبدا له الأستاذ التابعي قد تابع بعض نشاطه أو أن "هارولد ايرل" قد حدثه عنه.
وكان الأستاذ التابعي رقيقاً معه ومجاملاً.(9)
ولم يقف تعارفهما على المجاملة، بل سرعان ما اتصل به يدعوه إلى لقاء معه، وعند اللقاء سأله الأستاذ التابعي "كيف ترى مستقبلك"؟
وكان السؤال مفاجئاً، فلقد كان يتصور أن عمله في "الجازيت" يكفيه ولكن الأستاذ التابعي كان له رأي مختلف فخاطبه "مهما فعلت في "الجازيت" فإن المستقبل محصور وضيق فهي جريدة تصدر في مصر بلغة أجنبية... صحفي مصري، مجاله في الصحافة المصرية باللغة العربية وبقرائه فيها، هذا هو المستقبل".(10)
وهكذا انتقل من "الجازيت" إلى "آخر ساعة" وهو يمثل انتقالاً من التحرير بالأنجليزية إلى التحرير باللغة العربية، ومن جمهور الجالية الأجنبية إلى جمهور مصري عربي ضخم العدد، ومن قضايا العالم إلى قضايا مصر والحركة الوطنية المصرية وتناقضاتها وصراعاتها مع القصر والأنجليز... وهنا يدخل هيكل في "قلب" المجتمع المصري، وفي زواياه وخفاياه الكثيرة... وهو ما سيؤهله فيما بعد إلى الانغماس في العمل السياسي حتى القمة.
2 – (آخر ساعة) (1944 – 1946)
لم يكن انتقاله من تجربة إلى تجربة مسألة سهلة، ذلك أن عملية انتقاله تعني خروجه من مدرسة "هارولد ايرل" التي ترى أن "الجريمة" و"الحرب" هما مجال "التكوين" الأصلح والأمثل لصحفي ودخوله إلى مدرسة "محمد التابعي" التي ترى أن "المسرح" و"البرلمان" هما المجال الأنسب والأوفق.(11)
فسرعان ما وجد نفسه في كواليس مسارح القاهرة بدلاً من ميادين القتال، ثم وجد نفسه في شرفة مجلس النواب بدلاً من محافظة القاهرة التي تصب فيها أخبار كل جريمة تحدث في مصر.
وقد أتاح له مقعد "آخر ساعة" في شرفة المجلس فرصة الاقتراب من أجواء السياسة المصرية.(12)
ويقيم هيكل هذه الفترة باعتبار أن "تجربة العمل مع الأستاذ التابعي ممتعة وأشهد أني تعلمت منه الكثير. ولقد وجدتني شديد الإعجاب بأسلوبه الحلو السلس، وفي البداية رحت أقلده".
"في الحقيقة كانت تلك الفترة، مهنياً، فترة العثور على توازن معقول بين ثلاثة تأثيرات تجاذبتني : عقلانية "هارولد ايرل" ورومانسية "سكوت واطسون" ثم حلاوة وأسلوب محمد التابعي.(13)
ويبدو أن هذه التأثيرات الثلاثة، ساهمت بدرجات متفانية حسب الظرف في تشكيل مقالات هيكل الصحفية... وساعدته على التميز فيما يكتب.
وكانت "آخر ساعة" في ذلك الوقت مجلة "وفدية" فوجد هيكل نفسه بحكم طبيعة المصادر المتاحة أقرب إلى حزب الوفد من أي حزب آخر، غير أنه يعترف بأن قربه من الوفد هو "إحساس غالب بأن ذلك مجرد تأثير مناخ وليس نتيجة مؤكدة لاختيار وقرار".(14)
وكان "الوفد" قد خرج من الحكم بإقالة 8 أكتوبر 1944 الشهيرة، وأصبحت مجلة "آخر ساعة" في المعارضة أمام حكومة ائتلاف أحزاب الأقلية التي شكلها الدكتور ماهر (باشا) رئيس حزب السعديين تحت جناح القصر.(15)
وفي هذه الفترة بالذات، شهدت الحياة الصحفية في مصر حدثاً متميزاً وهو صدور "أخبار اليوم" الأسبوعية بعد شهر من إقالة النحاس، حيث كان صدورها ونجاحها حدثاً صحفياً ضخماً وكذلك كان حدثاً سياسياً.
ففي كل الأحوال فإن "أخبار اليوم" أصبحت المدفعية الثقيلة الموجهة إلى (الوفد) تدك مواقعه دكاً عنيفاً صباح كل سبت.(16)
وإزاء هذه التطورات الجديدة وجدت "آخر ساعة" نفسها في موقف حرج وهو ما دفع صاحبها إلى العمل على تطويرها حتى تتمكن من الدفاع عن (الوفد) ومن مواجهة المنافس الجديد.
ورغم أن هيكل كان يشغل خطة سكرتير تحرير المجلة فإن عملية التطوير الجديدة تولاها التابعي بنفسه، وظلت معظم بنودها في رأسه ينفذها واحدا بعد واحد، ولقد كانت لهيكل ـ بغير تجاوز ـ آراء وملاحظات لكن التابعي كان بعواطفه كلها مندفعاً إلى ما يراه. ومن سوء الحظ أن التجربة لم تنجح، وفوق ذلك فإن مصروفات "آخر ساعة" ـ بحكم وجود الإنفاق على مشروع التطوير ـ زادت بأكثر من توقعات التابعي، إلى جانب أن الشحنة العاطفية التي دفعت محاولة التطوير كانت قد استنفذت نفسها، وهكذا قرر التابعي – ربما في نوبة ملل أو نوبة يأس – أن الوقت قد حان ليرفع عن كاهله أعباء ملكية مجلته.(17)
وقام التابعي بإدارة مفاوضات مع مصطفى وعلي أمين صاحبي دار أخبار اليوم من أجل بيعهما المجلة ولم يكن هيكل يعلم بهذه المفاوضات حتى دعاه التابعي ذات يوم في بداية سنة 1946 ليقول له كل الأسرار مرة واحدة ... لقد باع "آخر ساعة" إلى دار "أخبار اليوم" وانتهى الأمر.(18)
وأخبره التابعي في شكل مفاجئ، بأنهم يريدون أن يعمل معهم ويكتب مقالاً أسبوعياً في "أخبار اليوم" وأضاف بأنهم يطلبون هيكل أيضاً... بل أصروا عليه بالتحديد.(19)
ويدل هذا الإصرار على أن الصحفي الشاب، قد توصل في ظرف أربع سنوات من العمل في الصحافة الأنجليزية ثم الصحافة العربية على أن يحقق لنفسه مكاناً متميزاً في الوسط الصحفي المصري، جعلت مالكاً مثل مصطفى أمين وصاحب تجربة صحيفة ناجحة، يهتم بما يكتبه هيكل ويسعى إلى انضمامه إلى مؤسسته الصحفية.
بل ويضاعف من أهمية تميز هيكل الصحفي اتصال الأستاذ إميل زيدان، أحد صاحبي دار الهلال، به ودعوته للقائه، حيث عرض عليه رئاسة تحرير "مجلة الإثنين" وكانت مجلة سياسية تصدر وقتها عن دار الهلال، وفيما سبق كان رئيس تحريرها هو الأستاذ مصطفى أمين، وفي عهده بلغت أوج انتشارها وبعد خروجه منها في نوفمبر 1944 تولاها غيره وتأثرت أحوالها.(20)
شكر هيكل إميل زيدان على عرضه، وطلب منه أن يترك له فرصة التفكير أياماً قليلة، يجيبه بعدها بالقبول أو الرفض.
وفكر كثيراً، وأحس أنه أقرب إلى قبول عرضه لأكثر من سبب فـ"مجلة الإثنين" بدت له تحدياً مستقلاً وبدت رئاسة تحريرها إطراءا لخيلاء الشباب فيه. فها هي رئاسة تحرير مجلة سياسة من مجلات الدرجة الأولى تعرض عليه وهو لم يتجاوز بعد سن الثالثة والعشرين.(21)
لكنه تراجع عن رأيه هذا، بتأثير من أستاذه القديم، التابعي، عندما خاطبه مباشرة "راجع نفسك... إن مجالك سوف يكون أوسع وأرحب في "أخبار اليوم"". وأيضاً بتأثير من الأستاذ علي أمين الذي التقى به فجأة، وأقبل عليه فاتحاً ذراعيه يقبله على الخدين ويقول له أنه لا يهنئه بانضمامه إلى أخبار اليوم ولكنه أيضا يهنئ أخبار اليوم بانضمامه إليها... وبعد أن حدثه التابعي عن عرض دار الهلال، هز علي أمين رأسه بشدة نفياً وعرضاً وقال "مكانه الحقيقي معنا في "أخبار اليوم"".(22)
وأخيراً، قبل بعرض "أخبار اليوم" معتذراً لدار الهلال، وكما يبدو خضع اختياره هذا إلى تفكير عميق، وإلى نصيحة التابعي وإلحاح علي أمين. ويمكن أن نضيف أن النجاح الكبير الذي حققته "أخبار اليوم" بمجرد دخولها إلى السوق الصحفية وفي ظرف وجيز، سبب من الأسباب التى دفعته إلى اختياره، خاصة وأن مؤشرات أولية أشارت إلى قدرة مادية جيده لهذه الدار، إضافة إلى حرفية أصحابها.
ولقد مثلت تجربة "أخباراليوم" المنعرج الثالث الأهم في حياة الصحفي الشاب ويبدو أن اختياره كان صائباً حيث ستقدم له هذه الدار الكثير من إمكانياتها.
3- "أخبار اليوم" (1946-1956)
دخل هيكل "اخبار اليوم" في ربيع سنة 1946، وقد أنشأ هذه الدار الإخوان مصطفى أمين وعلي أمين في نوفمبر سنة 1944. ولم يكن هيكل منتميا إلى المدرسة الصحفية التي ظهرت مع إنشائها.(23)
وشغل خطة محرر في دار "أخبار اليوم" وسكرتيراً لتحرير "آخر ساعة" في نفس الوقت.(24)
ثم تعرف على الأستاذ مصطفى أمين، الذي بدا له رجلاً شديد الذكاء فيما يقصد إليه، شديد النشاط مع بعض المبالغة في الحركة، لطيف المعشر حين يريد، لكنه ليس بالضبط مثل توأمه كتاباً مفتوحاً تقرأ صحفاته في يسر وسهولة، ولم يجد غرابة، فذلك بالطبع شأن مخبر صحفي كبير له اتصالاته الواسعة ومصادره المتشعبة وحساباته المعقدة.
ولقد وقعت بينهما في الشهور الأولى من عمله في "أخبار اليوم" احتكاكات سريعة، لكن العمل المشترك والصحبة الدائمة أزاحا كل شيء جانباً.(25)
وتعرف بمحرري "أخبار اليوم" وجلس إلى مكتب في واحدة من حجراتها. وراح يتأقلم مع عالمه الجديد، ولم تكن العملية سهلة وإن كانت نتائجها سعيدة بالنسبة إليه وبالنسبة إلى كل الأطراف.(26)
وحاول أن يتميز في عمله، فبدت له التغطية الإخبارية في السياسة المحلية جهداً عقيماً، وفكر في العودة إلى التحقيق الصحفي.(27) وعاوده الحنين إلى المخاطرة والاقتراب من بؤر الموت، فاستغل فرصة تفشي وباء الكوليرا في مصر. وغادر القاهرة مع الأستاذ محمد يوسف كبير مصوري "أخبار اليوم" وذهبا ليقيما في منطقة ظهور الوباء بمحافظة الشرقية. وتقرر عزل المحافظة عن بقية مصر وهما متواجدان فيها. وكانت رسائله تصل كل أسبوع إلى أخبار اليوم تنقل إلى قرائها صورة شاملة إنسانية للحياة في ظلال الموت...(28) ونجحت هذه التحقيقات نجاحاً كبيراً فلفتت إليها أنظار كثيرين في مصر. فقد وجدت تشجيعاً كبيراً توج بفوز هيكل بجائزة (فاروق الأول للصحافة العربية) وكانت جائزة لها شأنها في ذلك الوقت خصوصا بين الصحفيين الشبان(29).
وأراد هيكل ان يضاعف نجاحه المهني، ويفتح له حدودا دولية خارج مصر، فينفرد بين زملائه جميعا في إجراء تحقيقات خارج بلده. وساعده علي أمين في تحقيق رغبته بعد أن تحمس لاقتراحه رغم أنه لم تجازف أي دار صحفية أخرى بمثل ما فعلته "أخبار اليوم" مع هيكل.(30)
قام الصحفي الشاب بتغطية الحوادث الساخنة في الشرق الأوسط وفي العالم. فغطى الحرب الأهلية في اليونان ومنطقة البلقان وحرب فلسطين من أولها إلى آخرها. وكذلك سلسلة الانقلابات العسكرية في سوريا، وأيضا عمليات الاغتيال الكبرى في المنطقة، من اغتيال الملك عبد الله إلى اغتيال رياض الصلح في عمان إلى قتل حسني الزعيم في دمشق ثم إلى ثورة مصدق في إيران، ثم اتسعت المسافات فإذا به يغطي المشاكل الملتهبة في قلب إفريقيا ثم حرب كوريا وحرب الهند الصينية الأولى.(31)
وبعد خمس سنوات من التجوال، استقر به المقام في القاهرة بعد أن حصل على جائزة فاروق الأول للصحافة العربية ثلاث مرات. ثم قرر بعدها ألا يتقدم للجائزة ويتركها لغيره(32)...
لقد حقق نجاحاً كبيراً جعله تقريبا من ألمع الصحفيين الشبان في مصر. وتمكن من ربط مجموعة من العلاقات الخاصة مع كبار الساسة والصحفيين في العالم يقول عنها: "إنني أصبحت على معرفة وثيقة بأحوال شعوب المنطقة ومعرفة شخصية بكل ساستها وحكامها، وعلى صلة بجيلي من الصحفيين في العالم الواسع. فقد جمعتنا معا ميادين القتال ومواقع الأحداث على طول المسافة الممتدة من شواطئ المحيط إلى شواطئ الأطلنطي"(33).
أما في مصر، فإن نجاحه جعل القادة السياسيين ورجال الدولة والأحزاب يهتمون بالتعرف عليه، والتعاون ومعه، وإعطائه الأخبار بل وصل الأمر إلى أن استعان به رئيس الحكومة وأخذ رأيه في مسألة دخول الحرب في فلسطين. ويبين ذلك هيكل في قوله "إن أبواب السياسة المصرية تفتحت أمامي على مصراعيها. وكان من حسن حظي أنني لم أقف على باب أحد ولم أسأل أحدا في شيئ أثناء مروره في ردهة أو نزوله على سلم. وكان ساسة مصر وقتها قد تعودوا على مجموعة من الصحفيين يقفون على أبواب دور الرئاسات والوزارات يسألون الداخلين والخارجين عن الأخبار. ولقد سبب لي ذلك حساسيات مع البعض، ومع الأسف لم استطع إقناعهم أن الحياة مع الخطر، هي التى فتحت لي الأبواب وأعفتني من الوقوف على الأعتاب .
وأتذكر على سبيل المثال أنني حين عدت لأول مرة بعد أن كتبت سلسلة تحقيقات بعنوان "النار فوق الأرض المقدسة" تلقيت دعوة من رئيس الوزراء في ذلك الوقت محمود فهمي النقراشي (باشا) يطلبني إلى مكتبه ليسألني عما رأيت ويدقق في سؤالي، ولم تكن مصر قد قررت دخول الحرب.(34)
وفي داخل مؤسسة "أخبار اليوم" كافأه علي ومصطفى أمين بأن عرضا عليه رئاسة تحرير "آخر ساعة" ومنصب مساعد رئيس تحرير "أخبار اليوم" وقبل عرضهما وكان أستاذه التابعي أكثرهم سعادة فقد دعاهم جميعا إلى العشاء ليلتها ببيته ومعهم أم كلثوم.(35)
ويصف هيكل هذه الفترة قائلاً: "كانت أخبار اليوم هي محور حياتي كلها وتحولت العلاقه التى تربطني بأصحابها إلى ما يشبه علاقة أخوة خصوصاً بالنسبة لعلي أمين الذي كنت شاهد زواجه الأول ثم أصبح بدوره شاهد زواجي بعد ذلك سنة 1955".(36)
لكن لابد من ملاحظة أن هذا الانسجام كان يتخلله مناقشات ومحاورات وأحيانا خلافات رأي يدور معظمها حسب رأي هيكل حول ثلاثة محاور:
* قرب "أخبار اليوم" من القصر بأكثر مما هو صحي وعداؤها الشديد (للوفد) بأكثر مما هو صحي أيضا.
* والمحور الثاني، مطالبته الدائمة بأن تدار "أخبار اليوم" على قواعد مؤسسة تضمن سلامة العمل وتكفل الاستمرار.
* والمحور الثالث، إلحاحه المستمر على تغطية أكثر عمقا للحوادث والتيارات، لأن القارئ المصري يتغير ويتطور ولأن "حواديت" الثلاثينيات والأربعينيات لم تعد صالحة للخمسينيات والستينيات، خصوصا وقد أصبحت مصر جزءاً من عالم بأسره تهدده مخاطر عظيمة وتراوده آمال أعظم.(37)
ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952، وجد هيكل نفسه قريباً جداً من قائد الثورة جمال عبد الناصر، وبخاصة أن علاقة نشأت بينهما منذ فترة سبقت الثورة، وتطورت الأحداث بسرعة، حيث اعتقلت السلطة الثورية الجديدة في مصر الأخوين مصطفى وعلي أمين ضمن من اعتقلتهم من حاشية القصر ورجال الملك.
وذهب هيكل إلى لقاء جمال عبد الناصر... محتجاً، وقال له، إن القبض على صاحبي أخبار اليوم في هذا الظرف حكم عليهما ما لم يكن هناك دليل يعرفه، ثم أن الحرج يمتد منهما إلى الدار نفسها وكل من فيها.
وعاد في المساء ومعه الأستاذ التابعي يرجو ويلح، ثم عاد صباح اليوم التالي يشرح الضغوط التى أحس بها في دار "أخبار اليوم" بالأمس ثم دخل أمام جمال عبد الناصر وآخرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة في شرح مفصل لعلاقة الصحافة في مصر بالسياسة ومن ثم علاقتهما بالسلطة واحتمالات التجاوز في ظل الظروف الموضوعية السائدة.(38)
وأخيرا تقرر الإفراج عن مصطفى وعلي أمين وأخذهما هيكل معه، بصحبة محمد التابعي وكامل الشناوي، وذهبوا جميعا إلى مجلس قيادة الثورة وهناك قدمهما لجمال عبد الناصر وآخرين من أعضاء المجلس...(39)
وانطلاقا من هذه الحادثة، أصبح مصطفى وعلي أمين مشكوك في ولائهما للثورة، رغم ما كتباه لصالحها، وذلك لارتباطاتهما المعقدة بالسفارة الأمريكية في القاهرة.
وكثيرا ما دافع هيكل عنهما وحماهما من رجال الثورة، مستغلا في حمايته علاقته الشخصية بجمال عبد الناصر، وتعرض في سبيل هذه الحماية إلى مشاكل كثيرة، قال عنها "تعرضت لمشاكل لا حدود لها بسبب هذا الحال، فقد راح كثيرون يدعون أنني بصداقتي الوثيقة لجمال عبد الناصر أحمي أخبار اليوم وأتستر على مصطفى أمين، بل ذهب البعض إلى ما هو أبعد ومؤداه أن ارتباطي إلى هذه الدرجة بأخبار اليوم لا يعني غير أنني من نفس النوع وذات العينة".(40)
لكن رغم ذلك استمرت علاقته الجيدة بالأخوين حتى سنة 1965 عندما اكتشفت أجهزة الأمن المصرية خيانة مصطفى أمين وأثبتت عمالته لجهاز المخابرات الأمريكية، وتم إلقاء القبض عليه، وحوكم بتهمة الجوسسة.(41)
وبدأت علاقة هيكل وعبد الناصر تتوطد شيئاً فشيئاً. فحين فكرت الثورة في إصدار جريدة تعبر عنها وهي جريدة "الجمهورية" طلب منه جمال عبد الناصر أن يتولى الإشراف على إصدارها ولكنه اعتذر. وكانت وجهة نظره أنه متمسك بأخبار اليوم وعمله فيها وصداقته مع أصحابها. ثم يعتقد أن الفارق بين الثورة والحكومة ضائع. وفي النهاية فليست هناك صحيفة ستصدر عن الثورة وإنما عن الحكومة وهو لا يتصور نفسه في جريدة حكومية.
وثالثا يرى أن الثورة لاتحتاج جرائد تعبر عنها، لأن كل صحافة مصر تفعل هذا الشيئ.(42)
وفي سنة 1955 وفي لقاء في نادي الجزيرة مع علي الشمسي (باشا) رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي ورئيس مجلس إدارة الأهرام وقتها تلقى عرضاً لرئاسة تحرير الأهرام. وكان علي الشمسي يعرض عليه منصب التحرير، واعتذر مرة ثانية.(43) لكن بعد سنة يتكرر العرض، ويقبل به هيكل، ويدخل بذلك المنعرج الرابع والحاسم في حياته الصحفية حيث يصل إلى قمة صعوده وتشتبك الصحافة بالسياسة عنده حتى يصعب القصل بينهما.
لقد لخص هيكل رأيه في السنوات التي قضاها في "أخبار اليوم" بقوله "كانت السنوات العشر التي قضيتها في أخبار اليوم (1946- 1956) سنوات خصبة وفيها وضعت الأساس لأي شئ يمكن أن أصل إليه مهنياً، وفيها وصلت بالفعل إلى مكان الرجل الثاني بعد صاحبيها".(44)
ويعود الفضل إلى دار "أخبار اليوم" في تفوق هيكل الصحفي وجعله نجم الصحافة في مصر، فهي التي مهدت له السبيل الحقيقي من أجل إبراز موهبته، وذلك بمغامرتها في إرساله خارج حدود مصر وفتح آفاق دولية للصحفي الشاب مكنته من تغطية الأحداث التاريخية الكبرى التي هزت العالم في منتصف القرن، ومكنته أيضا من نسج شبكة من العلاقات مع ألمع ساسة وصحفيي العالم في هذه الفترة.
كذلك تعتبر مدرسة "أخبار اليوم" من المدارس الليبرالية في الصحافة التي لا تحبذ أسلوب صحف الرأي والأحزاب وتعتمد على الإثارة والتشويق، متأثرة بالصحف الغربية وبخاصة الأمريكية منها، وهو ما ساعد هيكل على صقل موهبته.
وأثبت هيكل كفاءته كصحفي ومحرر ممتاز في "أخبار اليوم" لكنه لم يجد بعد الفرصة التي يبرز فيها موهبته كمدير مسئول وموجه لصحيفة وهي فرصة سيجدها في جريدة "الأهرام" حيث سيصبح المسئول الأول عن دار الأهرام. كما برز دوره في "أخبار اليوم" منحصراً في دور الصحفي حتى 23 يوليو 1952، حينما بدأ أول خطواته في العمل السياسي إلى جانب عبد الناصر... أما في "الأهرام" فستكون التجربة مختلفة خاصة عندما يبرز دوره السياسي بقوة على السطح.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,051,711,105
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 2
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 1
- نحو تفسير ظاهرة الأصول العلمية التقنية لنشطاء الحركات الإسلا ...
- أسد الجبارين: ياسر عرفات والابن الروحي مروان البرغوثي 4
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 3
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 2
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 1
- جان زجلر يتحدث إلى العرب 5
- (جان زجلر يتحدث إلى العرب (4
- جان زجلر يتحدث إلى العرب 3
- نحو فهم سوسيولوجي للحركات الإسلامية في الوطن العربي وقدرتها ...
- (2) جان زجلر يتحدث إلى العرب
- انتشار الجماعة السلفية الجهادية في المغرب العربي
- (1)جان زجلر يتحدث إلى العرب
- الأسس الفلسفية القيمية الليبيرالية في بناء المجتمع والدولة
- ما الذي يمنع الديموقراطية في الوطن العربي؟


المزيد.....




- في منطقة لاداخ النائية في الهند.. أفضل تجربة لمراقبة النجوم ...
- -العباية المقلوبة-.. سعوديات يحتججن على ارتدائها في حملة على ...
- كندا في طريقها لاستقبال أكبر عدد من طلبات اللجوء منذ 30 عاما ...
- الرئيس الإيراني: حجم التجارة مع العراق يمكن أن يرتفع إلى 20 ...
- شاهد: العالم الإسلامي يستعد للاحتفال بالمولد النبوي الشريف
- واشنطن: الضغوط باقية حتى تغير الصين موقفها   
- شاهد: العالم الإسلامي يستعد للاحتفال بالمولد النبوي الشريف
- 12 ألف حريق.. من يشعل النيران في بغداد؟
- حديقة الأسود بتركيا تستعد لأول ولادة مسجلة لنمر
- شاهد.. أكثر الصور تأثيرا هذا الأسبوع


المزيد.....

- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض الصيداوي - هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 3