أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض الصيداوي - هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 2















المزيد.....


هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 2


رياض الصيداوي
الحوار المتمدن-العدد: 1827 - 2007 / 2 / 15 - 09:39
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


المقدمة العامة

يتناول موضوع هذا الكتاب الفترة الخصبة من حياة هيكل الصحفية، الممتدة من سنة 1952 إلى سنة 1981، وهي الفترة التي كان فيها صحفياً لامعاً، وسياسياً نجماً. ولم يركز الموضوع على هيكل في الفترتين التاليتين: الفترة الأولى، ما قبل سنة 1952، عندما كان صحفياً مشهوراً، ولم نوله كبير اهتمام لأن هذه السنوات لم تعرف هيكل السياسي. أما الفترة الثانية فهي فترة ما بعد اغتيال الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر 1981، حيث خرج هيكل من السجن، وانتهى نشاطه السياسي واكتفى بكتابة المقالات وتأليف كتب شهدت رواجاً وانتشاراً كبيرين.
فهذا الكتاب يبحث أساساً في تلك الفترة التي كان فيها هيكل صحفياً وسياسياً في نفس الوقت، قريباً كل القرب من الرئيس جمال عبد الناصر، ثم الرئيس أنور السادات قبل أن يختلفا.
هذه المدة الزمنية، حوالي الثلاثين سنة (1952 ـ 1981)، لعبت فيها مصر دوراً قيادياً في الوطن العربي. فهي وجهت الأحداث الكبار، وشاركت ودعمت ثورات، وواجهت "الكيان الصهيوني" في أربعة حروب، واصطدمت مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من الدول الغربية، وتحالفت مع المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وكانت من المؤسسين الأوائل لحركة عدم الانحياز. كذلك شهدت مصر تحولاً اجتماعياً عميقاً، حينما اختارت طريق التحول الاشتراكي، وتأميم كل القطاعات الاقتصادية المنتجة في البلاد بما فيها قطاع الصحافة والإعلام الذي كان له وضع خاص، سماه هيكل بـ "تنظيم الصحافة"... هذه الأحداث جميعها وقعت في عهد جمال عبد الناصر (1954 ـ1970)، وبعد رحيله في 28 سبتمبر 1970، وصعود أنور السادات إلى هرم السلطة، وبعد حرب أكتوبر 1973، عرفت مصر منعرجاً جديداً، حينما استبدلت نهجها القديم، بنهج جديد، تصالحت من خلاله مع "الكيان الصهيوني" وتحالفت مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الرأسمالية، وقامت بتحرير الاقتصاد، "الانفتاح"، وبالتفريط في القطاع العام، وانقلبت الشعارات السياسية التي رفعت في الستينيات إلى شعارات جديدة، ترجمت إلى حملة ضد مشروع عبد الناصر، وضد كل ما يمت إليه بصلة.
في ظل هذين العهدين، كان لمحمد حسنين هيكل أدوار صحفية وسياسية كثيرة، وصل عن طريقها إلى قمة السلطة، وأوصلته أيضاً إلى السجن في اعتقالات سبتمبر 1981.
إن الحديث عن محمد حسنين هيكل في الوسط الصحفي والسياسي المصري والعربي، يثير دائماً ردود أفعال متناقضة، حادة، عنيفة، فإما يكون رد الفعل منفعلاً ضد هيكل حد التعصب، مثلما كان رد فعل أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا في ثورة 23 يوليو 1952، عندما رد على سؤالنا بعنف "أوقف التسجيل، إن هيكل هو الذي خرب مصر وعبد الناصر والناصرية معاً!!"( )
أو يكون مع هيكل أيضاً حد التعصب، فمحمد فائق، وزير الإعلام في عهد عبد الناصر والسادات يقول : "انطلاقاً من موقعي كوزير للإعلام يمكن أن أقول أنه لم يخدم أحد الصحافة والصحافيين في مصر، كما خدم وفعل محمد حسنين هيكل... إن تميزه، يعود إلى اجتهاده وكفاءته وكسبه لثقة جمال عبد الناصر، فأصبح قريباً من موقع القيادة."( ).
ويطرح الكاتب والصحفي المصري أحمد حمروش هذه الإشكالية في قوله: "وما أظن أن كاتباً صحفياً منذ عرفت الصحافة في مصر عندما صدرت "التنبيه" في عهد محمد علي، قد استقطب كل هذا الاهتمام مثل محمد حسنين هيكل... فهيكل شخصية أحاطت بها علامات استفهام وما زالت، وله أنصار وخصوم... "( ).
وقال عنه "انتوني ناتنج" وزير الدولة البريطاني السابق للشؤون الخارجية في وزارة "ايدن" "عندما كان قرب القمة كان الكل يهتمون بما يعرفه.. وعندما ابتعد عن القمة تحول الكل إلى ما يفكر فيه" وذلك ضمن برنامج عن محمد حسنين هيكل، أخرجته هيئة الإذاعة البريطانية ووضعته على موجاتها يوم 14 ديسمبر 1978 في سلسلة صور "شخصية" بعد أن سئل عن تقييمه له في فترة اقترابه من القمة في مصر وفترة ابتعاده عنها.( )
ورغم ابتعاده عن هرم السلطة منذ أكثر من خمسة عشر سنة، فإن الاهتمام بما يكتبه، مازال قوياً، ومتابعة آرائه وتحاليله ومواقفه ما زالت تشكل مادة مرغوبة كثيراً لوسائل الإعلام.
فهيكل، أصبح موثقاً و"مؤرخاً" لعهد بأكمله، وهو الصحافي الكاتب، السياسي المتمرس، النجم المبدع، وهو دائماً يشكل موضوعاً يثير حماساً كبيراً للنقاش، حتى أن السؤال يصبح ملحاً عن هيكل، أين الحقيقة فيه وأين الأسطورة؟..
وتصبح الإجابة على هذا السؤال، مشروعة ومطلوبة في نفس الوقت.
فهذا الكتاب يهدف إذن إلى:
ـ توضيح جوانب من تاريخ الصحافة المصرية (ومن ثم العربية) المعاصرة، وإزالة تلك المساحات الضبابية التي تراكمت بفضل النزعات الشخصية الذاتية.
ـ توضيح جوانب من تاريخ السياسة المصرية (ومن ثم العربية) المعاصرة في علاقتها بالصحافة، وإزالة تلك المساحات الضبابية التي تراكمت بفضل النزعات الشخصية الذاتية.
ـ التوثيق لتجربة صحفية نموذجية، تكاد تكون فريدة من نوعها في الوطن العربي، فهذا الوطن يفتقد إلى مرجعية صحفية من خلال تجربة حية، حيث يلاحظ غياب سلوكية صحفية عريقة. فصحيح أن الصحافة كحقل من حقول العلوم الاجتماعية هي نسبياً حديثة العهد في العالم، ولكنها في الوطن العربي مازالت تعاني من معيقات ذاتية (إرادة الإنسان) وموضوعية (إمكانيات مادية، ورقابة سياسية صارمة) كثيرة، تجعلها شديدة التخلف عن غيرها من الصحافة الغربية.
ـ إنتاج بحث موضوعي، يؤصل أو ينفي هذا النموذج المتميز.

*******

إن الكتابات عن محمد حسنين هيكل كثيرة ومتنوعة، لكن يلاحظ أنها تتميز بخاصتين بارزتين:
- الخاصية الأولى: أن أغلب هذه الكتابات كان من نوع المقال، أو الحوار الصحفي، ونشرت في صحف ومجلات عربية، وبخاصة المصرية منها.
- الخاصية الثانية: أن أغلب هذه الكتابات كان من ذلك النوع الذي يبرز في الحملات الصحفية الدعائية والحملات المضادة لها، فالذين كتبوا عن هيكل، كانوا إما منتقدين، مهاجمين حد الابتذال، أو مداحين حد التمجيد.
أما المقاربات الأكاديمية، العلمية، الهادئة، المتخلصة من الأحكام الماقبلية، والملتزمة بمنهج علمي، فهي نادرة، حتى أننا لم نرصد في الوطن العربي ـ وربما غاب عنا ما يمكن رصده ـ إلا رسالتي "ماجستير" قدمتا في كلية الإعلام في جامعة القاهرة. الأولى رسالة تحت عنوان "صفحة الرأي في الأهرام" لليلى عبد المجيد، والثانية تحت عنوان: "أهرام هيكل" لتهاني حافظ( ).
وربما يعود السبب إلى أن الباحث ومؤسسات البحث العربية، تعودت على أن لا تدرس الشخصيات ـ الظواهر، إلا بعد وفاتها وانسحابها من ساحة التأثير الاجتماعي، عندئذ تخلد أسماءها في الشوارع، وتقام لها التماثيل ويحتفل بذكراها، وتبدأ البحوث والدراسات تتهاطل في غزارة.
في هذا البحث نحاول أن نلج منطقة، لم يقع الدخول إليها أكاديمياً من قبل.
إن ظاهرة السياسي الذي عمل في الصحافة، ظاهرة متكررة عبر التاريخ، فهؤلاء الساسة يستخدمون الصحافة كوسيلة للدعاية لأفكارهم ونشرها عبر أجهزة الإعلام الجماهيري، ويستفيدون من هذه المهنة لما توفره لهم من علاقات اجتماعية كثيرة، تقربهم من ساحة التفاعل الاجتماعي، إن لم تجعلهم في قلبها. هؤلاء كانوا محترفي سياسة، وظفوا الصحافة لنشاطهم السياسي، والأمثلة عبر التاريخ كثيرة.
فكارل ماركس، أب الفكر الشيوعي، عمل في بداية حياته في مجلة "الراين" حتى منعتها السلطات البروسية سنة 1843( ).
وكذلك فلاديميير اليتش أوليانوف لينين، الذي قاد أكبر الثورات التي هزت العالم في القرن العشرين، قد تفطن إلى أهمية الصحافة، فأسس سنة 1900 صحيفة "آيسكرا" بألمانيا ثم أسس الصحيفة الشهيرة "البرافدا" سنة 1912 بروسيا .
وأيضاً بينيتو موسيليني، الذي ترأس تحرير صحيفة "إلى الأمام" سنة 1908، ثم أسس صحيفة "شعب ايطاليا" التي ساعدته على نشر أفكاره، ومن ثم الوصول إلى السلطة في 30 أكتوبر 1922.
وارتبط العمل السياسي للزعيم التونسي الحبيب بورقيبة بالصحافة، حيث شكلت صحيفتا "العمل" و(L Action) نقطتي تحول في حياة القائد السياسي، وكان لهما فضل كبير في وصوله إلى قمة القيادة في تونس.
إن هذه النماذج المتكررة عبر التاريخ تطرح مسألة معقدة وهامة، وهي علاقة الصحافة بالسياسة عندما يمارسهما الفرد، أي ماذا يحدث حينما يكون السياسي صحفياً؟
لكن في الحالة التي ندرسها، نلاحظ أن محمد حسنين هيكل كان صحفياً محترفاً مقدراً، محباً لمهنته، وفياً لها، قبل أن ينشط في الحقل السياسي، وأكثر من أن يهتم بمستقبله في السياسة، بل يكاد يكون عكس النماذج التي ذكرناها، فهو كثيراً ما وظف السياسة لصالح الصحافة، لأنه يعتبر نفسه صحفياً قبل أي شيء آخر. ورغم ذلك، فهو عاش مثلهم تجربة السياسة والصحافة معاً بتشعباتها وتعقيداتها المختلفة.
********
والإشكالية التي يطرحها هذا الكتاب، ليست من النوع البيوغرافي البحت، ذلك أنها تبحث في حياة هيكل من جانبيها الصحفي والسياسي وتهتم أساساً بالفترة الممتدة من سنة 1952 إلى سنة 1981.
إن المشكل المطروح يتمثل في السؤال التالي: كيف عاش محمد حسنين هيكل حياته صحفياً وسياسياً طيلة الثلاثين سنة تقريباً؟
وعن هذا السؤال المركزي تتفرع تساؤلات ثانوية أخرى
أولاً: فيما يتعلق بهيكل الصحفي
ـ كيف كانت تجربته الصحفية قبل دخوله صحيفة الأهرام سنة 1957؟
ـ ما هي أهم ملامح تجربته في صحيفة الأهرام؟
ـ كيف كان يتصور "تنظيم الصحافة" في عهد جمال عبد الناصر؟
ـ ما هو دور المعلومات الحقيقي في صعود نجم هيكل؟
ـ هل كان محمد حسنين هيكل مؤرخاً للعهد الناصري؟
ثانياً: فيما يتعلق بهيكل السياسي
ـ ما هي طبيعة علاقته بالعهد الناصري؟
ـ ما هي المراحل التي مرت بها علاقته مع العهد الساداتي؟
ـ أين يتجه الفكر السياسي عند هيكل؟

للإجابة على هذه الأسئلة تتقدم مجموعة من الفرضيات، تحاول أن تجيب مؤقتاً عنها. وهذه الفرضيات هي:

أولاً، هيكل صحفيا ً:
ـ ساهمت صحف "الإجبشيان جازيت" و"آخر ساعة" و"أخبار اليوم" في تحقيق نجاح كبير للصحفي الشاب، جعلته يقترب من موقع القرار السياسي.
ـ تعتبر "الأهرام" قمة النجاح المهني الذي وصل إليه هيكل، فأضاف إليه كثيراً، كما أخذ منه أيضاً الكثير.
ـ يرفض هيكل أن تكون الصحف مملوكة للدولة أو للحزب السياسي الحاكم، ويفضل على ذلك "الملكية التعاونية للصحف".
ـ تعتبر المعلومات السلاح الأساسي الذي أوصل هيكل إلى قمة العمل السياسي وجعلته مقرباً لصانع القرار، فأعطى معلومات للقيادة، التي سرعان ما فتحت له، بدورها، بعد مدة أسرار الدولة على مصراعيها.
ـ يعتبر هيكل مؤرخاً للعهد الناصري.

ثانياً هيكل سياسيا ً:
ـ إن علاقته بالعهد الناصري كانت أساساً علاقة شخصية بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر.
ـ دخل في صراع كبير مع بعض أجهزة الدولة والتنظيم السياسي الحاكم في البلاد.
ـ تحالف مع الرئيس السادات ضد رجال العهد الناصري، حفاظاً على مستقبله وأمنه الخاص.
ـ اختلف مع السادات إلى حد القطيعة، لأن الرئيس الجديد لا يريد مشاركته في الرأي والقرار.
ـ يتجه الفكر السياسي عند محمد حسنين هيكل نحو الوسط والاعتدال رافضاً لليسار المغامر ولليمين المحافظ معاً.

*******
إن المنهجية التي سنستخدمها في هذا الكتاب، هي المنهجية البيوغرافية، وتعني حسب Larousse Encyclopedique Tome2 "تاريخ شخصية معينة يقع تتبع أهم آثار حياتها". والبحوث المعاصرة اليوم تستخدم مناهج عدة للإحاطة بالشخصية المدروسة. ويجب أن نلاحظ هنا، أن هذا الكتاب ليس عملاً تأريخياً لشخص أو لفترة زمنية محددة، وإن استفاد كثيراً من المنهج التأريخي. إنه كتاب يحاول أن يكشف بعض الحقائق ويزيل بعض المساحات الضبابية، فيسلط الضوء على بعض القضايا المحددة المتعلقة بالحياة الصحفية والسياسية لمحمد حسنين هيكل.
ونظراً لتشعب الموضوع، تنوعه، وتعقيداته، فإننا اهتدينا إلى ضرورة استخدام أكثر من منهج. فوظفنا مناهج المقاربة الوثائقية حيناً، وتحليل المضمون حيناً آخر، وجمع الشهادات الشفهية حيناً ثالثاً، والمنهج التأريخي حيناً رابعاً، كل ذلك في إطار المنهجية البيوغرافية التي توخيناها.
*******
انطلقت فكرة البحث في حياة محمد حسنين هيكل الصحفية السياسية من ملاحظات أولية رصدناها في الصحافة والمكتبة العربيتين، إذ تميزت الأولى بتركيز شديد على ما يكتبه هيكل، فكانت أهم الصحف العربية وأكثرها توزيعاً تنشر له كتبه في حلقات متسلسلة، وتنشر تعليقات كثيرة لأشهر الكتاب والصحافيين العرب حول ما كتبه، كما تجاوزت ظاهرة هيكل المجال العربي إلى مجال أرحب، فنشرت له أكبر الصحف في العالم مقالات وحوارات معه وتلاخيص لكتبه( ).
كما تميزت المكتبة العربية بترحيبها بكل ما يكتبه هذا الصحفي، فوجدت كتبه انتشاراً قوياً.
وتطورت فكرة البحث في مرحلة لاحقة نتيجة مطالعات مكثفة لكل ما كتبه الرجل وما كتب عنه من مقالات متناثرة في صحف ومجلات عديدة. وتراكمت المعلومات شيئاً فشيئاً، وفي كل مرة تزال بعض النقاط الغامضة.
وتقدمت تساؤلات جديدة أكثر وضوحاً، وأكثر دقة، لتأخذ مكان تساؤلات سابقة عامة ليست لها حدود.
وساهمت عوامل جدية في تدقيق اتجاه البحث، كان الفضل فيها يعود إلى مناقشات طويلة جماعية جرت مع الباحث في فندق "شبرد" في القاهرة حول الرجل، شارك فيها كتاب وصحافيون من جريدة "الأهرام" ومجلة "روز اليوسف" ووزراء العهد الناصري.. كانت مناقشات غير منظمة بدون قصد سابق، وإنما طرح موضوع هيكل كان يثير الجميع ويدفعهم إلى الحديث بحماس.
*******
بعد مرحلة التساؤلات التمهيدية، جاءت مرحلة التصميم والإعداد، فتم رسم الملامح الكبرى للخطة النظرية، فحدد الموضوع نهائياً، وحددت المساحة الزمنية له، حيث تناول الفترة التي عمل فيها هيكل في الصحافة والسياسة معاً (1952 ـ 1981) وحددت الإشكالية والفرضيات بعد أن استبعدت المقاربة البيوغرافية الكاملة واكتفينا بمقاربة شبه بيوغرافية تجمع بين الشخصية وتحليل أهم قضايا العصر التي عملت فيه وأثرت فيه.
*******
اعتمدت مرحلة جمع المعلومات على مصادر ومراجع متعددة ومتنوعة ومتباينة، منها كتابات هيكل، كتباً ومقالات، وكذلك الحوارات التي أدلى بها للصحافة، وأيضاً ما كتبه الآخرون عن هيكل، بالإضافة إلى ما جمعناه من أحاديث وتصريحات لشخصيات شاركت هيكل في الحياة السياسية والصحفية التي عاشها. أما الصعوبة الأساسية التي واجهت هذا الكتاب فتمثلت في الكم الهائل من المعلومات والآراء عن هيكل. وهي معلومات وتقييمات متضاربة، ومتناقضة. فالبعض من أنصار الرجل والبعض الآخر من أعدائه، فكان لابد من التثبت ومن مقارنة المعلومات، وقد واجه البحث مشكلة أخرى تمثلت في أن بعض خصوم هيكل الكبار تصالحوا معه قبل التقائنا بهم فتحولت شهاداتهم لتصبح لصالحه بعدما عرفوا به، سابقا، من مواقف مناهضة للرجل. وهو ما رصدناه في أحاديثنا معهم، فكثيراً ما يطلب منا إيقاف التسجيل ليوردوا معلومات خاصة، يرفضون نشرها أو استخدامها متعللين بأن المصلحة العليا "للناصرين" تجعلهم يتفادون ويرفضون الصدام مع هيكل، منوهين بما قدمه "للناصرية" بعد موت الرئيس جمال عبد الناصر.
وفي جانب آخر كثيراً ما عثرنا أثناء البحث على مواقف كثيرة لصحافيين وكتاب معادين لهيكل، يهاجمونه من زاوية علاقاته بأجهزة مخابرات أجنبية ويوردون في ذلك قصصاً ووقائع وأرقام وتعاملنا مع هذه المراجع بحذر شديد، وتجنبنا أي تركيز عليها، لأن البحث في صحتها أو عدم صحتها يتجاوز إمكانيات الباحث. فهي وسائل معقدة تخص الأجهزة "المعقدة"، لكن لاحظنا أن هذه الحملة وقعت بعد اختلاف هيكل مع الرئيس أنور السادات، وأن القائمين بها من أنصار الرئيس فلم نأخذها إلا في إطار حملة "لتشويه" الرجل.
وركزنا في جمع المعلومات على سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات، ووزير شؤون الرئاسة، وذلك لأنه أقرب رجال الحكم إلى عبد الناصر ويحتل موقعاً شديد الحساسية حيث تمر أغلب المعلومات الواردة إلى الرئيس عن طريق المكتب، كذلك لأن الرجل لم يتحدث ولم يكتب للصحافة العربية منذ مايو 1971 تاريخ اعتقاله. وفي مرحلة لاحقة وقع تمحيص هذه المعلومات وغربلتها وتصنيفها حسب الوقائع، ثم استغلالها في رواية الوقائع وتثبيت التقييمات والنتائج.
وتعد مرحلة كتابة التقرير النهائي أسهل المراحل، فهي لم تقم إلا باختيار الصياغات الملائمة لتربط بين المعلومات والفقرات والفصول، وتوضح الأفكار والنتائج في لغة واضحة، حاولنا من خلالها ـ ونظراً لطبيعة الموضوع ـ أن نبتعد أكثر ما يمكن عن المستوى التجريدي في اللغة إلى مستوى محسوس، يقدم الحركة والمشهد على اللغة المجردة.
*******
إن الاستراتيجية النظرية التي اعتمدت في هذا الكتاب، انطلقت من فكرة الفصل بين الحياة الصحفية والحياة السياسية عند محمد حسنين هيكل. وهو فصل اعتباطي، لا يمكن أن يحدث في الواقع وإنما استدعته ضرورة منهجية ملحة، حتى لا نسقط في التقسيم الزمني البسيط (Chronologie) ونواكب مسيرة هيكل سنة بسنة، هنا قد يسقط البحث في سهولة مبتذلة ويصبح مجرد عرض أحداث ووقائع متتالية لا تربط بينها غير الأيام والسنوات، في حين كان مطلوباً أن نقسم حياة هيكل الصحفية والسياسية إلى مجموعة قضايا، وإشكاليات لكل منها استقلالية محدودة عن الأخرى، وفي نفس الوقت مرتبطة بعضها بالبعض.
كما تم اختيار أن يبدأ الكتاب، بالجانب الصحفي في حياة هيكل. ذلك أن التفوق واللمعان الذي شهده محمد حسنين هيكل، يعود الفضل فيه إلى الصحافة، فهي التي أدخلته إلى عالم السياسة، هي التي ابتدأ بها حياته، وهي التي مازال يعيش فيها ومنها إلى اليوم، وهي التي جعلته مشهوراً في العالم كصحفي لامع، قبل أن يكون سياسياً مقرباً من صانع القرار.
*******
يشتمل هذا الكتاب على مقدمة عامة، تقدم هذا البحث وتبرره، ثم ينقسم إلى قسمين. الأول خاص بهيكل صحفياً، ويرصد هذا الجزء تجربة الصحفي الشاب في صحف "الإجبشيان جازيت" و"آخر ساعة" ثم "أخبار اليوم" ثم تأتي تجربته في صحيفة "الأهرام" ويبحث هذا الفصل في كيفية دخوله الصحيفة وإنجازاته فيها، ثم كيف خرج منها. كذلك يتعرض هذا القسم إلى مسألة "تنظيم الصحافة" في عهد جمال عبد الناصر، ووجهة نظر الرئيس فوجهة نظر هيكل.
ويليه فصل متعلق بالمعلومات في حياة هيكل، حيث يعالج هذا الفصل أهمية المعلومات، وتدفق المعلومات من هيكل إلى عبد الناصر، ثم تدفقها من عبد الناصر إلى هيكل، ثم كيف استخدم هيكل "سلاح المعلومات" للدفاع عن نفسه.
ويتناول هذا القسم أيضاً فرضية أن يكون هيكل مؤرخاً "للعهد الناصري".
أما القسم الثاني المتعلق بهيكل السياسي، فسيتناول مسألة ارتباط هيكل "بالعهد الناصري" وكيف بدأت العلاقة ونمت لتصبح ذات بعد شخصي متميز، ثم يتعرض الفصل الموالي إلى طبيعة علاقته بالعهد الناصري، والأدوار السياسية التي قام بها، وطبيعة علاقته بالأجهزة الحاكمة وموقعه من "التكتلات السياسية".
ثم سيتعرض هذا القسم إلى التحالف الذي تم بين هيكل والسادات، وما هي حقيقة الدور الذي لعبه في "أحداث مايو 1971" ثم يتعرض إلى الاختلاف مع السادات في مرحلة لاحقة مبيناً أسبابه ومراحله، وكيف انتهى إلى قطيعة.
وسيتناول الفصل الأخير موضوع اتجاه الفكر السياسي عند هيكل، مبرزاً رؤيته للصراع، وصورة الولايات المتحدة الأمريكية في كتاباته، كذلك صورة الاتحاد السوفيتي، ثم صورة هيكل نفسه في تصوراته الفكرية الإيديولوجية.
ثم سينتهي البحث بخاتمة عامة، نستخلص منها نتائج. ستليها مجموعة ملاحق تحتوي على مقال عن عالم هيكل، ومجموعة حوارات عن هيكل أنجزت مع :
ـ سامي شرف: مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات، ووزير شؤون الرئاسة.
ـ ضياء الدين داوود: وزير الشؤون الاجتماعية وعضو اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي في عهد عبد الناصر وبداية عهد السادات.
ـ محمد فائق: وزير الخارجية ثم الإعلام في عهد عبد الناصر ثم بداية عهد السادات.
ـ مجدي حسنين: أمين صندوق الضباط الأحرار ومدير مكتب محمد نجيب، فمدير مكتب جمال عبد الناصر.
ـ الفريق أول محمد فوزي: القائد العام للقوات المسلحة المصرية (1967 ـ 1970).
ـ أحد الضباط الأحرار الذي رفض ذكر اسمه وهاجم هيكل بشدة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,057,779,384
- هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 1
- نحو تفسير ظاهرة الأصول العلمية التقنية لنشطاء الحركات الإسلا ...
- أسد الجبارين: ياسر عرفات والابن الروحي مروان البرغوثي 4
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 3
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 2
- قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 1
- جان زجلر يتحدث إلى العرب 5
- (جان زجلر يتحدث إلى العرب (4
- جان زجلر يتحدث إلى العرب 3
- نحو فهم سوسيولوجي للحركات الإسلامية في الوطن العربي وقدرتها ...
- (2) جان زجلر يتحدث إلى العرب
- انتشار الجماعة السلفية الجهادية في المغرب العربي
- (1)جان زجلر يتحدث إلى العرب
- الأسس الفلسفية القيمية الليبيرالية في بناء المجتمع والدولة
- ما الذي يمنع الديموقراطية في الوطن العربي؟


المزيد.....




- ثلج وبرد قارص.. كيف تنجو من -ظلم- الشتاء داخل سيارتك؟
- أستراليا تحبط مخططا إرهابيا وتعتقل -خلية داعشية-
- دعم اليمن بـ500 مليون دولار من السعودية والإمارات
- لوباريزيان: غصن... كارلوس غصن سقط
- الحكومة الفرنسية تقول إنها لم تجد أدلة على تورط كارلوس غصن ف ...
- قتيلان وأكثر من 40 مصاباً بعد خروج قطار عن القضبان في إسباني ...
- هل انقلبت مجموعة نيسان على منقذها؟
- بتكوين تواصل انخفاضها وتخسر 30% في أسبوع
- إيفانكا ترامب استخدمت بريدها الخاص في أعمال تخص البيت الأبيض ...
- مقتل خاشقجي: السعودية ترفض -نتائج سي آي إيه لأنها تسريبات لا ...


المزيد.....

- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض الصيداوي - هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 2